You are here
حلم الطفل
حلم الطفل : قصة قصيرة بقلم : اميمة عز الدين
مشهد ماقبل الخروج / فلاش باك:
لم يخف الطفل يومًا وهو يرى الظلال المتحركة التي يصنعها أخوه الأكبر على الحائط حينما تنقطع الكهرباء وتستعين الأم بشمعة قديمة ملقاة بأحد الأدراج الباهتة لدولاب خشبه متشقق وأوشك على الانهيار.
كانت ضحكاته متتالية عالية وأخوه يعقف أصابعه كخيال الظل يشكلها وحشًا كبيرًا مفتوحًا فمه على الدوام، يدمدم لنيل وجبته من لحم الصغير الذي يقفز في رشاقة للإمساك بالوحش وضرب الحائط بكلتا يديه الصغيرتين، لجذبه من على الحائط ليوسعه ضربًا وركلاً، وأخوه يملؤه الغيظ، فلا شيء يجدي مع ذلك الصغير الذي لا يخشى العتمة ولا الظلال المبهمة ولا أبو رجل مسلوخة ولا أمنا الغولة ولا هراوة العسكري الأسود ولا حتى عصا أبيه الكفيف، يجري يختبئ في حضن أمه ويطلق ضحكاته ويعبث في شعر أمه ويبحث عن الحلوى من خلال فتحة الثوب الضيقة وتجوس يداه في صدرها وتنهره الأم لكنه يعاود ضحكه حينما تعثر يده الصغيرة على قطعة شكولاته، طرية، ولزجة.
لم تكتمل أعوامه الخمسة ولم يدخل الخوف إلى قلبه بعد.
يأتى الأب بحصيلة اليوم من عمله الذي تكرهه الأم وتطالبه أن يبحث عن آخر فهي تشعر برائحة الموت في ملابسه حين يقترب منها ويحاول ملاطفتها والصغار نيام لكنها تعرض عنه وتستحلفه أن يكف عن تتبع الجنازات والجلوس على المقابر حين دفن الميت وقراءة ماتيسر من آيات الذكر الحكيم باسطًا منديله المحلَّاوي الأزرق، يتلقف ما يجود به أهل المروة من أهل الميت.
وأصبح وجوده بين المقابر مألوفًا لسكانها وأطلقوا عليه الشيخ مأمون رغم أنه لم يحفظ من القرآن إلا أجزاء يسيرة من سورة يس وخواتيم سورة البقرة وقصار السور.
لا تزال الأم تخشى أن يباغتها الموت وهي تلهو مع ابنها الصغير أو تتشاجر مع يحيى ابنها الكبير الذي فشل في الحصول على دبلوم التجارة ويسعى لشراء توكتوك بالتقسيط يقوده في الشوارع الخلفية لشبرا، ويلح عليها أن تبيع قرطها الذهبي (المخرطة) وهي تتمنع عليه وتستحلفه أن يكف عن الشجار والمناهدة فروحها تشعر بها كغصة في حلقها ووجهها يزرق وهي تشعر بضيق شديد في التنفس ولا ينصلح حالها وينفرج كربها إلا إذا ناولها صغيرها شربة ماء بارد تتجرعه على مهل والباقي ترشه على وجهها وملابسها وهى تردد:
يا حي يا قيوم ابعد عني الهموم، وعزتك وجلالك ريح لي قلبي وابعد عن ولدي الشر.
ولم تحدد بالضبط أيًّا من ولديها، لكن عيناها كانت تتجه تلقائيًّا إلى الصغير الذي يرغو ويسيل لعابه عندما ينسى نفسه وهو يلعب بعرائس الخشب الذي نحتها في عفوية، مجرد رءوس صغيرة مصبوبة على أجسام مستطيلة ينبت فيها ذراعان وقدمان بدون أصابع والعينان خرزتان مثبتتان بالغراء، والفم مرسوم بقلم أسود معوج، يتحدث معها ويقيم حوارات طويلة غير مفهومة، لا تفهمها إلا الأم التي ترحب بها وتعتبرها ضيوفًا كرامًا وجب إكرامهم فتعد لهم قليلاً من الشاي بالنعناع الأخضر، تصبه في أكواب بلاستيكية صغيرة، وبيد مرتعشة تسقي ضيوفه واحدًا يلي الآخر حتى يتسرب الملل إلى الصغير ويطوحهم في الهواء ويرتمي وقد هده التعب – على صدر أمه- يغفو وهو يحلم أن أمه تطعمه أرزًا بلبن ساخنًا بالمكسرات واللوز والزبيب الأحمر كما كان يسميه.
وبينما يتضاحكان شعرت الأم بوغز السكين في كتفها الأيسر ولم تعد تقدر على الوقوف أو الجلوس، الآلام كانت حادة ومباغتة، ولأول مرة يشعر الصغير بالخوف وتترقرق عيناه بالدموع وهو يرى الأم وهي تنازع الروح، والعرق يتصبب من جبينها وهي تحاول الابتسام له وتنادي على الولد الكبير الذي تركها مغاضبًا لأنها لم تعطه قرطها الذهبي وظن أنها تمثل عليه وستعود تهرول في الحجرة الضيقة كما الفرسة العفية، لكنه لم يخطر بباله أن تلك دقائقها الأخيرة في الحياة، ولم يفت في عضده أنها تشبثت بطرف قميصه متوسلة إليه لأخذها إلى المستشفى الأميري القابع بنهاية المدينة.
الولد الصغير يبكي وهي تهدهده وتهدئه وتحدث نفسها في ألفاظ متحشرجة:
- ريحة الموت في فمي وأنفي وعلى طرف لساني مرارة، وكل حتة من جسمي بتتنفض وتنخلع، الظاهر يا عمري هاودع الدنيا والخلايق.
قطع..
مشهد الخروج (داخلي):
حينما جاء الأب ومعه عفيفة العامشة التي تخصصت منذ أن هدها المرض في تغسيل النساء وإلباسهن الكفن الشرعي، وتعتبره عملاً لوجه الله لكن أن يضمن لها وجبتين للغداء والعشاء وقليلاً من الأرز واللحم إن تيسر.
جسد الأم مسجى بعناية على طاولة خشبية قديمة، تهزها عفيفة فتجدها هشة وتتأرجح مما يوجع الست وهي ممددة قالتها في تلقائية وهى تتجرع بعض الماء البارد وتغسل يدها بماء ساخن وتبدأ في عملية الغسل لا يساعدها أحد حتى تنال الثواب كاملاً.
الأب يروح ويجيء كبندول ساعة عتيق ، يحاول أن يبكي لكن همه كيف يمنع الصغير من اقتحام الغرفة ورؤية الأم وهي عارية وقد وجهوها للقبلة .
لأول مرة يبكي الصغير ويشير للغرفة المغلقة وتنتحب النسوة من الجيران ويؤثر فيهن بكاء الصغير فتتطوع إحداهن بمناولته حلوى غزل البنات أو قرص نعناع مدورًا أو نداغة لكنه يقذفها في الهواء ويريد الشكولاتة التي تدسها أمه في صدرها؛ السايحة اللزجة التي يعشق طعمها.
الأب يتوسل لأخيه الكبير أن يخرج به بعيدًا ويشتري له ما يريد لحين دفنة الام.
قطع..
مشهد الخروج (خارجي):
سار الصغير بجوار أخيه الكبير ولسانه لم يكف عن السؤال.
امتى نروح لامي؟
أمك مشيت خلاص.
راحت فين؟
عند ربنا.
طب ليه مااخدتنيش معاها؟
يكظم الولد الكبير دموعه فتتحجر في مقلتيه وإن بانت رغرغة في عينيه حتى أنه يرى الدنيا جيدًا من وراء سحابة دموعه التي أسرع وجففها بكم قميصه، وضم الصغير في حنان وقبَّله لأول مرة وقال:
الله يرحمها، خلاص، ادفنت في التراب.
وابويا هيقرى عليها؟
آه.
يعنى هي خلاص مشيت خالص.
خلاص خرجت من الدنيا، روحها عند ربنا.
أنا هادعي ربنا أروح لها بسرعة، علشان أجيب منها الشكولاتة ونلعب مع بعض.
فى خوف شديد يهزه حتى جفل الصغير وانزوى:
ما تخافش مني، أنا بس خايف عليك.
قطع..
مشهد داخلي:
لا يزال الصغير نائمًا أو هكذا بدا للآخرين وهم يتحلقون حوله وابتسامة صافية تعلو وجهه الصغير، حاول الأب أن يقتحم حلم الصغير الذي شاهد ورأى ما لم يستطع أبوه أن يراه، رأى أمه وهي تجلس بالقرب من نبع نهر وحولها خضرة كثيفة وطيور بيضاء تحط على كتفها مرة ومرة تقف على يدها، وقد ازدانت وتزينت الأم وتطيبت بالمسك والعنبر الذي لم يعرف له من قبل سميَّا غير أنها قالت له:
معي قارورة من المسك والعنبر سوف أرشها عليك عندما تخرج معي.
اقترب الصغير منها وحاول أن يمد يده إلى صدرها لكنها امتنعت وغرفت له بيديها غرفة من عسل واليد الأخرى غرفة من خمر بيضاء لذة للشاربين وأقبل الصغير يرتشف في نهم حتى سال على حواف فمه العسل والخمر.
طال حلم الصغير، ورفض دعوات أبيه للاستيقاظ ولم يؤثر فيه صوت أخيه الزاعق وهو يهزه بشده ويقلبه ذات اليمين وذات الشمال.
لا يزال حلمه معلقًا مابين حياة لا يرجوها وحياة أخرى يبتغيها ليظل دائمًا مع أمه.
حلم الصغير بأمه كثيرًا وشعر بأنفاسها وهي تهدهده لينام ويغفو في سلام، لم يصدق الأب الذي امتنع عن العمل وشح الخير في البيت أن صغيره ستتلقفه يد عفيفة العامشة السمراء ذات العروق النافرة الخضراء رغم أن أرضية الحجرة الخشبية لم تجف منذ آخر زيارة لها.
أخذ يبحث لها عن وجبتين لغدائها وعشاءها فلم يجد وجلس بالباب ينتظر أن يحلم مثل صغيره.



التعليقات
نص رائع ، استمتعت جدا بقراءة هذه اللقطة الانسانسة المرهفة ، بمفردات وتفاصيل دقيقة وجميلة لتلك اللحظات الاخيرةالمؤلمة للأم أما عن ولدها الصغير المتعلق بها بشده ، فقد كتبت لحظاته الأخيرة ببراعة ورقة فى نسج تفاصيل موحية للحظاته الأخيرة.. شكرا للقاصة البارعة أميمة عز الدين على هذا النص الممتع وننتظر القادم الأجمل دوما..
نعم هي قاصة بارعة في سرد الأحداث والتقاط المشاهد الدقيقة
رائعة جدا
محبتي
كل الشكر والتقدير لمرورك الطيب استاذ محمد ، اتمنى ان اكون قد وفقت فى السرد
اشكرك كثيرا ودمت بألف خير وابداع
الرائعة ضحى ، بل انت المحبة الصافية واشعر بسعادة حقيقية لقراءتك التى تثرينى حقا
دمت بقلب طيب وابداع رائق كروحك صديقتى الجميلة
طريقة بارعة في السرد
لغة تأتي منسابة كانقياد ماء الشلال
عمق في تناول الحدث وتصريف جيد لمقاصد الحكي
أمتعني هذا النص فشكرا لك يا أستاذةأميمة عز الدين. دمت مبدعة متألقة
استاذ محمد شيكى ، تقبل تقديرى وامتنانى لقراءتك نصى البسيط
شرفت بك كثيرا ، واعتذر عن تأخرى بالتعليق استاذى الكريم
كل تحية وتقدير لك ولقلمك المتميز
قص مؤثر جدا ،يمس الروح ،ولكنه موجع بنهايته الفاجعة الذي مهد ت لها القاصة ببراعة
تعلمت كثيرا من طرائقك الجيدة في السرد ،
قصة (حلم الطفل) نص ماتع بحق بحاجة لمزيد من القراءة والتحليل ،دمت مبدعة
كل التقديرمن:
نهى رجب محمد
ريشة المطر