You are here
حلم على الطريق

حلم على الطريق
عبد الله توتي
و أفتح الجيل الخائب و اقرأ كلمات لير منتوف!
<< أن نتأمل الحياة دون ضجة أو شكوى.
ربما يكون ذلك أفضل المواقف. ألا نشارك في الأشياء.
و لكننا أنذاك ونحن نتأمل،
سنفهم أن الحياة ليست سوى مزاح ثقيل.
مزاح مبتذل و بليد.
و لعب أخرق بالألفاظ>>.
عبدالرحمن منيف
<< أن نتأمل الحياة دون ضجة أو شكوى.
ربما يكون ذلك أفضل المواقف. ألا نشارك في الأشياء.
و لكننا أنذاك ونحن نتأمل،
سنفهم أن الحياة ليست سوى مزاح ثقيل.
مزاح مبتذل و بليد.
و لعب أخرق بالألفاظ>>.
عبدالرحمن منيف
1
لم تكن الساعة قد بلغت بعد الثامنة صباحا حين وداع رشيد لعمته فطومة. الساعة لم تحن بعد للدخول إلى المدرج. قال لنفسه وهو ينتظر أمام باب الكلية بيأس و ملل. الحارس لم يصح بعد، أو أنه في معركة مع الخبز و الزيت على طاولة الإفطار. رشيد وسط نفر من الطلبة، تذوب صيحات معدتة في يم من الضجيج، فيخجل من نفسه ويلعن حاله، ويذهب إلى ركن من أركان الجدار حيث لا يوجد أحد. يراقب ببغض وحقد مؤخرات الطالبات وهي تتلوى أمامه في حركات متسقة لا يعتريها خلل. تختنق أنفاسه ويهرب إلى حيث لا يرى و لا يسمع، لكن صوت هديرالسيارات و الشاحنات على الطريق الرئيسية الرابطة بين أكادير وتكوين ما زالت تلازم أذنيه.. رائحة كريهة تسطع أنفه، ينظر أمامه بحثا عن مصدرها، يتلوى يمينا و يسارا دون أن يحدد منبعها، يبتعد عن المكان فترافقه تلك الهالة الكريهة من الرائحة، فتزعجه إلى حد الجنون. يرفع رجله اليمنى ليستشعر وزنها، فتصفعه الرائحة الكريهة بشدة، و يريعه المنظر؛ فيسب و يشتم البطن الذي لفظ ذلك الغائط و ملته.. يحك فردة حذاءه بالتراب، يمسحها بأوراق جمعها من على الأرض، ثم بالبلاستيك، ويعيد حكها بالتراب؛ لكن الرائحة ما زالت وما تزال.
رنت أجراس الثانويات، فانتعل ذلك الحذاء يأسا و غضبا، وتوجه إلى المرحاض إستعدادا لولوج المدرج وحضور المحاضرة.
يا لهذه البداية المخزية، وهذا الحظ العثر. ما كان ليلج الجامعة، لكن الأقدار قادته إليها. لقد حذره سابقوه، لقد نهوه من التوجه إلى الآداب و لا حتى العلوم ما عدا بعضها، لكن ما العمل، فحظه هكذا كله عثرا ت. لو ساعدته عمته فطومة، لكان الأن في معهد من المعاهد أو مدرسة من المدارس. لو ساعدته ولو بمبلغ زهيد لدبر أمره، لكنه الأن في عداد المفقودين، ولا فائدة للندم والبكاء على الماضي و ما فات؛ فليكن من الجامعيين وليكن ما يكون..
أخذ مكانه في مقدمة المدرج، و استمع إلى الأستاذ وهو يخوض في الأجناس الأدبية بعزم وبثقة زائدة في النفس، وكأنه يتحدث عن أشياء مضبوطة مقاييسها و معاييرها مرسومة، لا خلاف فيها و لا غموض. تحدث عن أفلاطون و أرسطو، ثم انتهى برولان بارت و فوكو و ليفستراوس و لاكان... طوال الساعتين لم يتوقف عن الكلام، و لم يطرح عليه سؤال، فكان هو التالي من الساكتين.
نظر رشيد يمينا و شمالا، أمعن النظر في الوجوه، فلم ير فيها سوى علامات البله و الملل.. يا لهؤلاء أهم من سيقودنا إلى الأمام؟!! (قال و قام من مكانه تأهبا للخروج.)
_ إلى أين أنت ذاهب؟ قال له صوت.
_ إلى طريفة . أجابه بإستنكار.
_ إحجز لي مكانا معك هناك. (قال الآخر ساخرا، ثم خرجا معا من المدرج.)
_ ما إسمك؟
_ رشيد، و أنت؟
_ سعيد.
_ تشرفت بمعرفتك.
_ من أين أنت؟
_ من قندهار، و أنت؟
_ من الشيشان.
_ كيف الحال هناك؟
_ كما هو هناك.
_ و كيف هو هناك؟
_ كما هو هناك.
_ سبحان الله.
_ و بحمده... (أضاف الآخر).
_ هل أنت جديد بالكلية؟
_ أجل... وأنت؟
_ لا، لقد فشلت العام الماضي في إجتياز الإختبار الشفوي.
_ يعني أنك إجتزت الإختبار الكتابي؟
_ أجل .. لكن في الإختبار الشفوي لا أحد من الأساتذة يعرفني.. بديت لهم غريبا جدا...
أطلق الآخر ضحكة ساخرة ثم قال مستطردا:
_ سبحان الله...ألست آدميا.. تبدوا من صنف الغوريلا!!
_ لقد أجبت عن جميع الأسئلة، لكن أقلامهم لم ترحمني... كانت إرهابية.
_ سبحان الله، حتى في الجامعة تلزمنا أمريكا.
_ صحيح، الجامعيون لا يعرفون سوى أن ترد إليهم بضاعتهم.. الإجترار يا أخي لا يفارقنا كالبقر...
_ ربما يكون هذا سببا من أسباب عقم التعليم في العالم العربي.. عوض أن تكون الجامعة مرتعا لاستثمار الأفكار و تشكلها، أصبحت مسرحا تجتر فيه النصوص وتعرض.
_ يا أخي، أنصحك نصيحة؛ إذا كانت لديك أفكارك الخاصة فأحفظها لنفسك. هؤلاء لا يعرفون سوى و لو طارت معزة، فاحذر لسانك...
_ لا تقلق، و لو طارت معزة هو أول درس يأخذه التلميذ عند دخوله المدرسة.. هذا باب.. هذا باب.. لا مجال للنقاش، حتى و إن كان المعلم أحولا فأشار إلى النافذة.
_ ألم تجر أية مباراة لولوج المعاهد العليا؟
_ بلا أجريت مباراة ولوج المعهد العالي للسياحة.. لكن كما حدث لك، أثقلوا علي بالأسئلة في المقابلة: أين تسكن؟... في ماذا يعمل أبوك؟... ماذا تعمل أمك؟... وكأني في قبضة شيخ القبيلة.
_ كان يجدر بك أن تبحث عن أحد لديه معارف في المعهد، هكذا فعل أغلب الناجحين.. الأعسر هو إجتياز المباراة الكتابية، أما المقابلة فذاك أمر متروك للمحسوبية وأصحاب النفوذ و النقود... لو كان أبوك وزيرا لولجت المعهد دون مباراة...
_ نحن لا نطلب جزاءا و لا شكورا.. الغني يزداد غنا و الفقير يزداد فقرا.. الناس يصلحون منازلهم و نحن ندمر منزلنا، حتى أصبح إخواننا يدقون أبواب الجيران هربا ويأسا.
_ هذا هو الواقع.. فليكن الله في عون صاحب بيت يسكنه الجرذان... إنها العاشرة .. علي أن الحق بالحافلة، تشرفت بمعرفتك، إلى فرصة سانحة إنشاء الله.
_ إنشاء الله.
تفرق الإثنان، ذاب سعيد في زحمة الأوتوبيس، بينما بقي رشيد جالسا أمام باب الكلية يواسي بطنه الجائع، ويعده بوجبة إفطار تنسيه ألم الحاضر ومعاناته.
بعد لحظات تأمل ومراقبة أشبع فيها عيناه وخاطره بمناظر الأجسام أرقها وأسمنها، توجه إلى داخل المقهى لشحن بطاريته التي ظلت لساعات ترسل إشارات إلى السائق تخبره نفاذ الذخيرة.
دخل إلى المقهى، فوجد أنه مكتظ عن آخره بالطلبة و الطالبات، في حلقيات مبعثرة، تنبعث في البعض منها قهقهات متوالية ترج المكان، بينما يغط قسم آخر في جو رومانسي سماءه كلها نجوم و أحلام.
إستمتعوا بوقتكم. قال لهم في قرارة نفسه، ثم بادر النادل بالتحية:
_ السلام عليكم
_ و عليكم السلام..بماذا أخدمك؟
_ أريد خبزة و درهم زيت..
لم يكن ليتمها حتى ضج المكان بالضحك، و انفرجت الأفواه عن آخرها، حتى أن النادل لم يتمالك نفسه، فانفجر هو الآخر ضحكا، بينما بقي رشيد منتصبا وفي رأسه تتوالى الأسئلة واحدا تلو الآخر:
أوصلت بنا الوقاحة إلى هذا الحد؟.. أيعقل أن نضحك لأتفه الأشياء؟..أقلت شيئا مضحكا؟...لا يهم هؤلاء إن تبعتهم أصبحت مثلهم وقحا...
من جديد بادر النادل بالطلب:
_من فضلك أريد خبزة و درهم زيت..
_ يا أخي نحن هنا لا نبيع الزيت.
_ ماذا تبيعون إذن؟.
_ لدينا هنا حلويات متنوعة..كرواصون، كيك، ميل في...
لم يكن النادل يكمل كلامه حتى تدخل أحد الطلبة من الفضوليين قائلا:
_ لو رأيت الحارس بوجمعة، لربما أحسن إليك بقليل منها.
رج المكان بالضحك من جديد، مما أغضب رشيدا فلم يتمالك أعصابه، وأمسك بالطالب من فتحة قميصه شاهرا لكمة من يده اليمنى.
_ إسمع يا أخي.. أنا لم أبادرك بالطلب، أنا سألت النادل وليس أنت..إذهب...
دفعه دفعة قوية تكاد تسقطه وسط حلقية طلابية اغلب أفرادها بنات، ثم توجه نحو الباب منصرفا...
_ التفضيل والعقل لم يزد هذا الحيوان إلا تعاسة. قال وهو يخطو خارجا من باب الكلية الرئيسي متوجها نحو أحد باعة السندوتشات المتراصين أمام باب الكلية بعرباتهم اليدوية المرصوص سطحها بالطناجر، و أنواع العلك و الحلويات.
_ السلام عليكم.
_ وعليكم السلام.
_ سندويش عدس من فضلك.
_ درهمان و نصف... تفضل.
_ شكرا.
أخذ الطالب سندوتشه و مضى يقضمه قضمات حيوانية، وسار في طريق لم يعرف بعد مخرجها، وإنما مشى على خطوات رجليه المتأنية.
أخذته غمرة حنين إلى أمه صفية، و خطيبته سعاد، فتناسى كل شيء من حوله، حتى أنه لم يعر أي إهتمام للدراجات الهوائية التي تمر على بعض سنتيمترات من قدميه.
ترى، ماذا تفعلين الآن يا أمي؟..و أنت يا سعاد، أما زلت تذكرينني، أما زلت تذكرين تلك الأيام قرب الساقية و الحقول؟..أما زلت ببالك أم انك نسيتني و طردتني من خيالك؟..كيف أنت الآن؟ أما زلت تحتفظين بتلك الإبتسامة المعهودة، أم أنك كذلك لوثت قلبك هموم الحياة، و طبعت خاتم العباسة على وجهك؟... إنني أنا و الله لمن العابسين.
_ يا سيد.. يا عبوس...يا مسافر. ناداه صوت و أمسكت بتلابيبه يد.
_ نعم.. أجابه بفظاظة.
_ هل لك أن تدلني على الجامعة من فضلك؟
_الجامعة يا أخي ليس فيها سوى الإسم.. لا تزعج نفسك.. إنها دون فائدة.. جعجاعات بلا طحين...
_ أعذرني يا أخي، لكني أسأل عن جامعة إبن زهر، ولست أسأل عن جامعة الدول العربية!
_ أعذرني، جامعة إبن زهر من هذا الطريق.
_ شكرا.
تمتم كلمة العفو بنبرة يختلجها بعض الغم و يعتريها الإرهاق؛ ثم تابع طريقه من جديد ويداه في جيوب بنطاله تتحسس بعض الدريهمات ألتي سلمت من أدرج أصحاب المأكولات و أوراق النسخ. فكر مليا في كيفية صرفها، وإن كانت قليلة لا تتجاوز الخمسة، فقد شغلت باله لمدة لا تقل عن ساعة، فانتهى أخيرا بقرار قاده إلى أحد مقاهي الإنترنت، و رمى بنفسه في صخب الدردشة، و كله أمل في أن يجد سيدة تبعده من سنابك القهر و الحرمان.
_هيه.
_هيه.
_ ما إسمك؟
_ رشيد.. و أنت؟
_ روساليا.
_ من أين أنت؟.
_ من إسبانيا، و أنت؟
_من أكادير.. المغرب.
_ جميل.. كم عمرك؟
_ ثلاثة و عشرين سنة..و عمرك؟
ـ ثمانية عشر سنة.
_ من أي مدينة أنت؟
_ من قادس.
_ عظيم..أنت إذن من مسقط رأس رافييل البرتي؟
_ أجل.
_ لا تقولي لي أنك شاعرة أيضا؟
_ بلى، ولكني أكتب في مجال القصة.
_ عجيب، أنا أيضا أكتب القصص.
_ جميل أن ألتقي بكاتب.
_ و أنا أيضا، تشرفت بمعرفتك.
_ لقد فزت هذه السنة بجائزة فديريكو كرثيا لوركا.
_ مبروك لك... أنا لحد الآن لم أعرض أية قصة لي، ولم أشارك في أية مسابقة. في المغرب ليس هناك إهتمام بالكتاب ولا بالكتابة... فناذرا ما نجد مبادرة من هذا النوع.
_ هنا في إسبانيا هناك الكثير من المسابقات، حتى أنني لكثرتها أحتار في إختيار مشاركتي...
_ بأية لغة تكتبين؟
_ الإسبانية طبعا.
_ أنا أيضا أكتب غالبا بالعربية، وإن كنت أتكلم الإسبانية جيدا.
_ أتتكلم الإسبانية؟!!
_ طبعا.
_ فلنتواصل بالإسبانية إذن، بدل الفرنسية.
_ لا مشكلة، فأنا أيضا أفضل لغة ثرفانتس على لغة موليير.
_ أقرأت الدون كيخوته؟
_ أجل.. قرأته عدة مرات.. أنا مغرم بالكتابات الإسبانية والإسبانوأمريكية.
_ لمن تقرأ كثيرا؟
_ اقرأ كل شيء، ولكن تعجبني كثيرا روايات نجيب محفوظ.. قرأتها جميعا.
_ نجيب محفوظ.. لا أعرفه.. من يكون؟
_ كاتب مصري ..حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1988 .. رواياته و قصصه رائعة.
_ الديك MSN ؟
_ أجل.
_ فلنستعمله إذن.
_ لا مشكلة.
_ دعنا من الأدب... قل لي في ماذا تشتغل؟
_ في الحقيقة أنا ما زلت طالبا، أدرس.
_و أنا أيضا.
_ جيد.
_ما هو حلمك.. ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟
_ في الحقيقة أنا لا أفكر الآن سوى في الإستقرار.
_ لماذا.. أليس خطيرا أن تفكر في الزواج، و أنت ما زلت طالبا؟
_ لا... لا أظن... و أنت فيما تفكرين؟
_ أريد أن أكون كاتبة مشهورة... كاتبة عالمية.
_ يا له من حلم..ينتظرك الكثير إذن.
_و أنت، ألا تفكر في أن تكون مشهورا؟
_ كلا، أنا في الحقيقة أكتب بالضرورة. الكتابة تفرض علي نفسها، فلا أستطيع أن أقاوم تلك الرغبة في الكتابة إلا بالكتابة. ولعي بالكتابة نتاج حبي للقراءة.
_أنا في الحقيقة لا أقرأ كثيرا و لا أحب القراءة.
_ و العزلة أتحبينها؟
_ ليس كثيرا.. أحيانا أفضل أن أكون وحيدة، وأحيانا أخرى أيأس فأفرمنها.
_ جميل يا عجوز.
_ هيه، لا تقل لي عجوزا، أنت العجوز، يا هرم...
_ لا تغضبي.. أنا في الحقيقة أحب أن أنعت الكتاب بالشيوخ، لأن الكتابة سرعان ما تجعلنا شيوخا.
_ إنك لتخرف...
_ ربما.. ولكن أنظري بنفسك، فربما تجدينني محقا. الكاتب يمكن أن يكتب عن أي حدث في التاريخ بكل تفاصيله: مثلا يمكن أن يكتب عن الحرب العالمية الثانية، و كأنه عاشها، فيكون بذلك شيخا.
_ الآن فهمت، فيكتب في زمن المستقبل، فيكون قد سبق أيامه.
_ صحيح.. أنت عجوز إذن.
_ لا تقل لي عجوزا، يا شيخ، يا أحمق...
_ أنا العجوز الهرم.. لا تغضبي فالغاضب لا يفكر.
_ من فظلك دعنا من هذه الفلسفة التافهة، فقد حان وقتي للذهاب... إلى اللقاء.
_ إلى اللقاء.
كان هذا أللقاء الأول بينهما، وإن كان رشيد قد حصل على العنوان والرقم الهاتفي فإنه ثأثر كثيرا بطريقة كلامها، فأحبها بمجرد سماع صوتها من خلال السماعة، فلم يستطع مقاومة رغبته في مكاتبتها. لقد أحبها من كل قلبه، إلا أنه لم يستطع مصارحتها بكل أحاسيسه، فكتم عنها الأمر لمدة طويلة، وتواصلت الرسائل بينهما دون أن تظهر من خلالها بوادر الحب و المودة.
كان يعتري أغلب رسائلهما الطابع الفكري والإبداعي، حتى أن بعضها كان عبارة عن كتابات قصصية و شعرية، كتبها خاصة لتكون هدية للفتاة المجهولة.
طوال تلك اللقاءات و المناقشات، لم يستطع أن يتعرف ملامحها، و لا حتى إستطاع أن يطلب منها صورتها، و إن كانت هي في أغلب جملها قاسية منفعلة، فإنه لم يتوانى ذلك اليوم في كتابة رسالة إعتراف و مصارحة.
أيتها الفتاة المجهولة روساليا:
ها أنا ذا أكاتبك مرة أخرى من خلال هذا الجهاز العجيب. أكاتبك من خلال هذه النافذة المفتوحة على العالم، لا لأهديك قصيدة أو قصة، وإنما لأتحدث لك عن شخص سلبه جمال الطبيعة راحته و سكونه، واستبدت به ظلمة الوحشة و الوحدة، وكابد من الآلام والأحزان ما لم يكابده فيما مر به من أيام حياته. دب الحب في قلبه دبيب المرض القاتل في الجسد، وأخذ منه اليأس مأخذ الداء في البدن، و اختلط عليه الليل بالنهار، وصارت في أيامه وحشة مقفرة لا تنقطع، إلا للحظات معدودة يداعب خلالها أزرار هذه المرآة العجيبة، التي يرى عبرها نصفه الآخر و ذاته الثانية.
أيتها الكاتبة الناشئة: إن أسوأ طريقة للإعجاب بأحد، هي أن تجلس بقربه و تعلم علم اليقين أنه لن يكون لك أبدا، و لن تنال من قلبه قدر إنملة، ولن تستطيع الأيام أن تقربه إليك حتى و إن ضحيت من أجله، وأهديته كل نفسك وحياتك.
إن هذا الأمر لمحزن، وليحزنني كثيرا أن تكون البلوى قد أصابت أحدنا دون الآخر، فيكون العلاج مستعصيا، ويكون الدواء مستحيلا، فتكونين شاهدة على موتي و مراسم جنازتي.
إنني يا عزيزتي لأحبك كثيرا، ليس لمهنتك و لا لمقامك، وإنما لإحساساتي عندما أكون بقربك. عندما أتذوق طعم كلماتك، و أستنشق من خلالها عبير أنفاسك، وطيب خواطرك، ومحاسن أخلاقك.
باختصار، إنك يا عزيزتي بالنسبة لي العالم و الدنيا بأسرهما، ولست شخصا للعالم كما تظنين.
المغرم بك، رشيد
أكادير
هكذا كاتبها و تنفس الصعداء، واستراح من حاله السابقة؛ إن لم نقل فيما بعد، أنه ازدادت أوضاعه سوءا، خاصة بعد أن غابت عنه الإجابة، و راحت عنه الأخبار، فلم يعد يسمع عنها خبرا، ولا عن أعمالها و تحركاتها شيئا، حتى دقاتها عبر الهاتف لم يعد يستقبلها، و لا رقم هاتفها عاد يعمل. سدت جميع الأبواب في وجهه، و طرقت جميع المنافذ في سبيله، فكانت الكارثة أن مرض مرضا عضالا لا دواء له سوى تلك الرسالة المفقودة.
ما عاد يفتح دفترا، ولا كتابا، ولا يقرأ درسا ولا نصا، ولا يحضر محاضرة و لا فصلا، إلا و تراءت أمامه كلمات رقيقة حنونة يطبعها طابع الرضي و الموافقة، و يعتري لبها المشحون بالحب الأمل و الحيوية.
2
لا شيئ و لا أحد يمكنه أن يوقف الزمن.. الأيام تمر، ثم الشهور والسنوات... الطالب يتراقص على سلم المجتمع. تحول من تلميذ إلى كاتب مبدع، ثم من كاتب مبدع إلى كاتب روائي مشهور، ملأت أصداء رواياته كل العالم، وتراكمت عليه رسائل المعجبين، وإستدعاءات الصحافة و الباحثين و النقاد... ما عاد رشيد ذاك الشاب النحيل العابس الوجه الذي نعرفه بالأمس، ولا ذاك الفتى ذو القميص الرقاع الأحمر الذي يسخر منه الطلبة و الأصدقاء... لم يعد هذا و لا ذاك، بل أصبح إنسانا أنيقا، وشابا وسيما تطارده العيون و العدسات أينما حل و ارتحل، وتلوك حوله الأفواه من الكلام ما يتأرجح بين الخطأ والصواب، والكذب واليقين...
لم يعد من أولئك الذين يغرمون بالنساء بقدر ما يغرمن به، و لا عاد يبحث عنهن بقدر ما هن يأتين إليه. لقد أصبح من أولئك الذين لا يقيمون الأشياء إلا ناذرا، عندما يتعلق الأمر بإحدى قضايا الحياة و الموت، عندما يهدد كيانه خطر قاتل، أو قلبه حب مزمن لا ينتهي إلا بانتهاء أيامه..
لم ينساها، و لا أراد أن ينساها. مازال حبه لتلك الفتاة المجهولة يلازم قلبه، وما زالت نوبات تلك القصة القديمة تعكر صفو حاضره.. أمله في إيجاد تلك الرسالة المفقودة يزداد يوما بعد يوم.. ورفضه الزواج من فتاة غيرها قرار لا رجعة فيه، خاصة بعد أن فكر في السفر إلى إسبانيا للبحث عن روساليا.. إن لم نقل أنه رتب كل الأشياء في الحقائب، و أبدى إستعداده لبدء الطريق...
_ صدقة في سبيل الله. قال له شاب من المتسكعين..
_ تفضل.
رمى بخمسة دراهم في يد الشاب، ثم مضى في طريقه دون أن يشعربما حوله من الناس والأشجار و الأشياء، لكن سرعان ما أيقضه وجع معدته الفارغة، وشدة حساسية منخاريه في إشتمام روائح الطعام.
أدخل يديه في جيوب بنطاله ليتحسس الدراهم الخمسة ألتي وفرها للغداء، ففوجأ بإختفائها.. تذكر ذلك الشاب المتسكع، فولى راجعا مهرولا مقتفيا أثره إلى أن وجده في آخر درجة من درجات إسمنتية شديدة الإنحذار جعلت على الساحل لتربط الشاطىء بطريق رئيسية تقود إلى الصويرة...
_هيه، أنت، أين دراهمي الخمسة؟
_ عم تتحدث؟!
_ قلت لك دراهمي الخمسة أين هي؟
_ أنا لم أر دراهمك الخمسة.
_ بل رأيتها.. أين وضعتها؟( أمسك به ليفتشه.)
_ هيه، إبتعد عني.. أنت هو الله لكي تعطي وتأخذ.. إبتعد...
دفعه دفعة قوية، أسقطته من أعلى الدرجات فتدحرج إلى أسفلها، و تهشمت كل عظامه، وسال دمه بغزارة على الأرض، وإنطلق لسانه المتلعثم في ترديد:
سعيد.. سعيد.. سعيد.. ثم توقف و انتهى.
3
بعد لحظات و في رمشة عين، توقفت سيارة الضابط معيزة.. المجرم يركض هاربا في إتجاه المدينة القديمة. مجموعة من الرجال تركض وراءه في صياح و ضجة، طالقين سيقانهم للريح: إقبضوا عليه... أوقفوه... إضربوه... سعيد في حركات جنونية يدير ساقيه كالمروحة مخلفا و راءه زوبعة من الغبار.. لا، لن يمسكوا به؛ يلزمهم الكروج لكي يقبضوا عليه، أم أنه يستحيل كذلك لهذا البطل إيقافه... الخوف أحيانا يصنع المعجزات، يحطم الأرقام القياسية، يقود أحيانا إلى كتاب جنيز.. خررر... عفوا... الجينز ت... ت...
دراجتان ناريتان توقفتا قرب السيارة. حشد من النمامين تجمع حول الجثة. صيحات سيارة شرطة تدوي عن قرب. أفواه لا تكل تقوم بدورها في نقل الخبر و إيداعه قبل التلفاز. قصص و روايات تحوم في الأجواء متنقلة في سرعة لا متناهية، تتظخم في الأفواه. كلاب ضالة تتسكع عن قرب. قطط نحيلة تبحث عن طعام. نساء في المنازل المجاورة يطللن من البلكونات بحثا عن الأخبار. أصوات أطفال عبرالنوافذ تجد طريقها إلى الشارع. إمرأة نحيلة من خلال شباك منزلها تكلم جارتها البدينة في المنزل المقابل:
ـ يقولون أنه سقط لوحده من أعلى الدرجات...
ـ بل تم دفعه أيتها الحمقاء... ألم تسمعي الرجال و هم يطاردون المجرم؟!
ـ سمعت رجلان مرا من هنا قبل قليل يتحدثان عن إنزلاق الشاب ووقوعه...
ـ تب... أعل... رب... تشششششش... ( عطب في الرادار)
4
تبدو الكتلة البشرية من فوق كمنملة هاجمها آكل النمل. الكل يتجارى مدفوعا من طرف الفضول. رجال و نساء، شباب و شابات، أطفال و رضع.. بعض يركب بعض، و بعض فوق بعض. الشباب وراء الشابات تتجاذب أجسادهم من شدة حساسيتها. صراخ و سب و شتم. نفوس بين شبق الرغبة و عرف الآداب و التقاليد. أعظاء بين الطاعة و التمرد. روائح عرق تفوح من الجثت نحو السماء. أصابع بين السكون و التجوال بحثا عن جيب مل النزلاء. كر و فر. غمز و لمز. دفع و شد...
العميد بولقولات يتجارى هنا و هناك آمرا و ناهيا. الضابط معيزة يجري أمامه فاسحا الطريق، مشيرا بعصاه إلى الجمهور، دافعا الأفراد بكتفيه العريضتين، مكشرا عن أسنانه ثارة، عاضا لسانه ثارة أخرى..
ـ هذه هي جثة الضحية سعادة العميد...
ـ هغ... ( قال العميد منقضا على سيجار بطرف أسنانه)
ـ نعم سيدي... خاصة و أن المجرم قد هرب.
(قطب العميد جبينه، أو هكذا قيل)
ـ ممممااذا؟
لا تقلق سيدي، سنقبض عليه عاجلا أم آجلا.
ـ اليوممم.. اليوممم... ( يدس الأرض بقدمه، أو هكذا قيل)
ـ حاضر سيدي.. سنحضره اليوم... ( إذا ما استخدمنا الجن س...)
شخص نحيل يتقدم و في عنقه تتدلى آلة تصوير قديمة.. أمسكها بشيئ من الرقة ثم مضى في تصوير الجثة من كل الزوايا: صورة من الأمام، وأخرى من الوراء و من الخلف، واحدة من الأعلى، و أخرى من الجانب...
ـ يبدو أنها حالة غير طبيعية أيها الضابط.. أطلب الفرج من الله.. الأدلة قليلة و الجريمة واضحة.
( في هذه الأثناء تسري جسده قشعريرة)
ـ ماذا تقصد؟
ـ أنظر إلى وضعية المقتول، إنها غير طبيعية.. لو إنتحر لما استلقى على ظهره، بل على بطنه.. ربنا معاك..
( تسرررر!!! إنفجار إشعاعي آخر يتحول إلى صورة)
5
خطت نعيمة بين الجمهور، تدفع الناس ذات اليمين و ذات الشمال، بعد أن سبقتها فاطمة السمينة، فاسحة أمامها طريقا يوصلها إلى زوجها الضابط...
لحوم تتجرجر في سرعة همجية، رِجل في أقصى اليمين و أخرى في أقصى اليسار. أنفاس شبيهة بالخوار تندفع من فم فاطمة، منبهة الواقفين قدوم ثور هائج. أجسام نحيلة تتنحى، و أياد جريئة تتسلل إلى اللحوم تبركا بها. صراخ و التصاق و التقاء، فراق و حسرة و بكاء، أعداء و رفاق و أصدقاء... سبحان الله خالق ألكون و الكائنات، في رمشة عين و في لحظات، موسم يجمع كل أنواع المخلوقات... (موسم إداوكسوس)
ها هي ذي نعيمة قد وصلت إلى زوجها أخيرا... يبدو عابسا قلقا إلى حد ما، لكن ها هو ذا تسترخي أسارير وجهه لرؤيتها، إنه يحبها، قبل أن يتزوجها و ما زال، لكنها هي الأخرى لم تقصر في حقه يوما، لقد كانت دائما بجانبه، و عاشت معه مسراته و أحزانه.. لولا هي ليئس الحياة و لملّها من اليوم ألذي وعى ما حوله من الأشياء و الناس... كلما رآها إلا و تراخت أعصابه و أحس بالطمأنينة و الراحة، ربما لذكائها و قدرتها الخارقة على حل الألغاز و فك المسائل، أما جمالها فلم يعد يأبه له بعد أن شرب من منبعه مرات و مرات... ها هو ذا يبتسم لرؤيتها.. هاهما ذا يتعانقان و يتباوسان... ( واكواك) رجلاها لم تعدا تلامسا الأرض... ذابا في حبهما و لم يأبها بأحد... هذا هو الحب، الحب يوجد أكثر أينما سالت الدماء!
نحنحت فاطمة، فاستفاق الحبيبان من سنة أحلامهما، و توقفا ينظران بغرابة إلى الحشد البشري ألذي يصفق برحابة، هاتفين بالحب و الحبيبين. نحنح الضابط بعد أن سمع صوتا يقول: " يبدو أن هذا الضابط يتقن الحب أكثر مما يتقن التحري".
أبعد جثة زوجته عن جسمه، ثم إستطرد يقول:
المرجو أن تفسحوا لنا المجال حتى نكمل عملنا على أحسن ما يرام.. أرجو أن تتفهموا الموقف... من رأى منكم شيئا فليخبر به الشرطة فورا...
( خفقان قلب، متبوع بخمسة دراهم و بعض الثنيات، ثم دفتر و بطاقة طالب)
6
أعاد الضابط معيزة ملاحظة الجثة، ثم ألقى عليها نظرة أخيرة، بعد أن تم خط وضعها على الأرض، و بعد أن إنتهى المساعدون من وضع الحواجز وحصر الجمهور.
تناول القطعة النقدية وكل ما وجد حول الجثة من دلائل، ثم أرسلها إلى المختبر لفحص البصمات، لعل و عسى تخطو به خطوة نحو كشف هوية القاتل. توقف لمهلة ينتظر شاهدا من الشهود للإدلاء بمعلوماته للشرطة، لكن يبدوا أن لا أحد يريد أن يشهد بشيء، فظل الكل ينظر إليه بنظرات مغشوشة، يتفجر الخوف من ورائها موقدا من طرف الجهل و ألامية...
أعاد الضابط النداء من جديد، لكن دون جدوى ( لو كان الخبز حاضرا، لتقدم الجميع للشهادة، الشاهدون و غير الشاهدين... الخبز محرك اللسان و منشط الذاكرة!)
في هذا الحشد الكبير من الناس، لا يمكن التمييز بين الشاهد و غير الشاهد، الكل شاهد و الكل غير شاهد، هكذا يبدوا البحث عن شاهد عيان في هذا النفر من الناس كالبحث عن إبرة في كومة قش، لكن ما العمل، ما عليه إلا أن يحاول إقناعهم بكل الوسائل حتى و إن إضطر إلى إغرائهم بالمال.. لو لا عددهم الكبير لاستدعاهم جميعا إلى المخفر....................................................
أخيرا بدأت تظهر ملامح الوعي، و بدأت بعض الذكريات تستعيد نشاطها، فتقدم شاب أسمر، وتبعه آخر ثم آخر... (ترانيم العندليب الأسمر!)
إمتلأت "الفركونيت" ثم تحركت من مكانها فاسحة المجال لسيارة الإسعاف لنقل الجثة إلى المستودع الطبي. إنطلق الضابط معيزة و معه مساعده الفيلالي يطاردان "الفركونيت" في الأزقة متوجهين إلى المخفر أو الكوميسارية كما يحلوا لهم تسميتها.
7
الكوميسارية عبارة عن بناء أبيض قديم، يتوسط غرفها الخمسة فناء واسع به شجرة صفصاف عالية، في الداخل مكاتب متعددة الإختصاصات، جميع أبوابها مصطفة بالناس ينتظرون، و على وجوههم سمات اليأس و الملل. في الأسفل أحيانا تنبعث أصوات السوط و صرخات ألئك الرافضين الأعتراف و إفشاء أسرارهم. في الجهة المقابلة للمكاتب غرفة فارغة للإنتظار. في الجهة ألأخرى للسور باب يقود إلى الإدارة و مصلحة الشؤون الإدارية، و على مقربة من هناك، فوق، توجد المحكمة الإبتدائية في صرحها المهترأ الأبيض...
8
في باب غرفة قديمة مجيرة، إصطف الشاهدون ينتظر الواحد الآخر إنتهاءه من التحقيق؛ بعد أن سحبت منهم بطائق التعريف، لم يعد لأحد حق التقرير في الإدلاء بالشهادة أو عدم الإدلاء بها، كل ما عليهم ألآن هو أن يدعوا كل واحد ربه أن ينجيه من تهمة تطفوا أشباحها في كل الأماكن.. قل أعود برب الفلق من شر ما خلق...
في نهاية التحقيق، ذهب الضابط معيزة إلى منزله، و قد سكر نفسه بمدام وجدانه و أحاسيسه. لم يكن يعلم أن هذا العمل مضن إلى هذا الحد، كان يعتقد دائما أن عمل الشرطة يقتصر فقط على حمل المسدس و التجوال في الأزقة، و في آخر الشهر يذهب لإستلام أجرته التي لا تكفي حتى لكي بذلته يوميا، لكن ألآن بعد أن أصبح ضابطا متحريا، لم يعد يأبه للبذلة إن كانت أنيقة أم لا، فهو ألآن يعمل بملابسه العادية... ( سروال جينز و أحدية رياضية و قميص رقاع على ما أظن)
9
كلما تذكر الماضي إلا و تجسدت له أشباحه، تطارده إلى أن يقتلها النسيان. الماضي ليس كله آلاما، و إنما فيه شيئه من الشطارة و الطرافة: كيف ينس تلك الأيام التي يطارد خلالها الدجاج بين الصبار و الأشجار، و مصيدة الخيط و حبة الذرة.. لم تكن دار آنئذ في الدوار إلا و سلب منها دجاجة أو إثنتين، حتى عرف بلص الدجاج و البيض، حتى أن بعضا لكثرة ما سرق منهم من البيض، أصبحوا يلقبونه بالثعبان، فلم يعد أحد يذكر الدجاج إلا و ذكر معه معيزة بن الحراث، حتى أن بعضهم كثيرا ما يلقي التهمة على "إبن الزانية" بدل إلقاءها على الدجاجة... ( يووووه، و لا بيضة... لقد كان هنا إبن الزانية )
***
دخل إلى المنزل و على هيكله علامات التعب.. ألقى بالجاكتة على كرسي بلاستيكي، ثم استلقى على الأريكة، أمام التلفاز، بعد أن قرب من يده جهاز التحكم عن بعد. أخذ في النبش من هذه الإذاعة إلى تلك، فلم تستقر عينه على شيء يستدعي إهتمامه. تنفس الصعداء، ثم أخذ سيجارة من جيب قميصه و أشعلها.. أخذ منها نفسا عميقا ثم ألقى بالعقب في "الطفاية". أخذ سيجارة أخرى وأشعلها، بينما أتت زوجته بالغداء مع كوب عصير.............................................
ـ أعطيني قبلة.
ـ يا لك من وقح...
ـ أفي ذلك شيء؟
ـ نعم...
ـ ماذا فيه؟
ـ الحب...
.......................................................................
................( إلتصقا معا كضفدعين، و بدأ الأكل... عفوا.. الحب)
10
لم يكن أمامه سوى أن يطيع أوامر سيده العميد، دون زيادة و لا نقصان. المجرم الآن في مكان ما ينتظر حتفه الأخير، و قريبا سيلقى به في الزنزانة كغيره من الجرذان المسعورة؛ لكن، و في إنتظار ذلك، يجب أولا إيجاده و ترتيب ملفه كاملا حتى يرسله إلى السجن بضمانة... يكرهه منذ البدء، و إن لم يره بعد، فقد تجمعت في حلقه الضغائن، و امتلأ قلبه كراهية. لا يعلم السبب، لكن لن يسمح لأحد بالتدخل لإفساد خططه.. إن تدخلت زوجته فلن يكون أمامه سوى الرضوخ و الإستسلام للأمر الواقع، فهي محامية ذكية، ستعمل على إفشال خطته مهما كانت حبكتها... لا، لن يدعها تتدخل...
مر أمام مرحاض عمومي فسطعت أنفه رائحة كريهة ( أوووف... أتشمون شيئا... أوووووفف)
على أية حال لا يهم (زالت الرائحة تقريبا... يع). هاهو ذا يتوجه إلى المختبر للقاء الدكتور المجاطي، كعهده بالماضي، لم يغير منه الزمان شيئا: عيناه الصغيرتان تبرقان كالعادة وراء نظاراته الزجاجية، شعره الشائب شيئا ما ينتصب واقفا في إتجاه السقف، يداه البارعتان تخوض في محاليل كيميائية تنبعث من أنابيبها أدخنة بيضاء.
ـ ما هذا يا دكتور، يبدو أن لنا حظنا من النووي.
ـ أهلا بالضابط، وما حسبك، نحن هنا نفوق LA NASA.
ـ أجل يا دكتور.. في الشعوذة و البخور.
ـ لدينا كيميائيان لا ينتقصن خبرة من علماء العالم المتقدم، جميع الأعشاب تجدها في منازلهن: فرو الفأر و آخر للسبع، شوك القنفذ، أذنا الحمار، أرجل الشيهم...
ـ و أنت ماذا لديك؟
ـ لا شيء، حديد ونشا و ماء و كدمات و تصلب بروتيني.
( تبا، يبدوا أن هذه المهمة سترهقنا، أليس كذلك؟)
11
منذ مدة، لم يزر فيها هذه الحديقة الضخمة: ممرضات تتجارى في كل أركانه، أطباء من مختلف الأعمار تجمعوا في حلقيات يتناقشون، نساء و أطفال و شيوخ، الكل يتصايح في موضعه طالبا العفو من الله، سيارات نقل الأموات مصطفة في الباب تنتظر نقل زبون إلى دار الدوام، أناس غاضبون و لا أحد يأخذ بيدهم... شاب خلسة يدس نقودا في يد ممرضة، روائح كريهة تنبعث من المكان، قطط و ناموس و ذباب... تأوهات و صياح و كلام، سعادين و أفاعي و.. و.. واحمااااااااااد...
( عفوا، فقد الإتصال)
12
رن جرس الهاتف، العميد يسأل عن جديد الجريمة:
... مممماذا، لم تقبضوا بعد على المجرم... مممماذا تنتظرون؟
... نعم سيدي الكوميسير نحن نعمل كل ما بوسعنا لإغ...
... أريد المجر اليوم و ليس غدا...
... نعم سيدي، لقد وجدنا بصماته على القطعة النقدية...
أعاد السماعة إلى مكانها، ثم نادى شرطيا ليأتيه بتقرير ما توصلوا إليه في فك طلاسم البصمات...
... سعيد القزبوري.. دون سوابق.. طالب في جامعة إبن زهر... ملامح تخالف ملامح المجرمين...
أخذ الضابط جاكتته ورماها على ظهره، ثم خرج من المخفر تائها في الشارع، متأملا القادمين و الذاهبين. الصورة لا تفارق يده، يوقف هذا، يسأل ذاك.. لكن دون جدوى، فاقتنع أخيرا بضرورة الذهاب للبحث في أرشيف الهاتف...
( و توالى تيكتاك الساعة)
13
سيارة شرطة تسير بسرعة جنونية، معيزة وراء المقود، يعظ لسانه ثارة و يصرخ ثارة أخرى. إشارة بالأخضر و الأحمر تبرق من فوق. سيارات في الشارع تتنحى عملا بالقانون. موسيقى "أودادن" تنبعث من الأبواق سالكة طريقها إلى وجدان الضابط. معيزة يغني مع <<الفوا>> غير مبالي بالطريق: أنغاك أولي دانمون أوراكن فلغ(لن أهجرك يا شريك حياتي)... أناس على جنابات الطريق مصطفون: الضابط معيزة حقق إنتصارا جديدا... أجل لقد نجح في إيجاد أحد القزبوريين و من خلاله توصل بعنوان سعيد، بعد أن راوغه وكذب عليه، كسب صداقته لتنقاد الأفعى إلى وكر الأرنب!
توقفت السيارة قرب المنزل. أطفأ معيزة الجهاز، ثم تأبط خبزه صاعدا الدرجات، ذاهبا للإستراحة و الراحة... آه كم هو مشتاق إلى الراحة و الهدوء.. كم هو مشتاق إلى البحر و الشمس، إلى الصنارة و الديدان، إلى صوت الأمواج و خرير المياه، إلى السرير... أجل، إلى السرير...
( انطفأت الأضواء، وساد الشخير يتناوب على طول الشارع بين الصفير و الخوار، تتخلله أحيانا إنفجارات تسيل الدموع و تدمي الأنوف).
14
لاح قرص الشمس في السماء كصحن ذهبي، وتسللت بعض خيوطها من النافذة لتستقر على وجه معيزة. دمدم قليلا ثم استدار ونام على بطنه دون أن يأبه بالساعة. تجاهل كلمات تحثه على النهوض، فاستدار إلى الجهة الأخرى ليستقر كوب ماء على وجهه. قفز من مكانه وأطلق صيحة بهلولية في الهواء... ضحك من نفسه ثم عجل المحاكمة.
15
كانت المحاكمة مفتوحة للعموم، لدى إمتلات المحكمة حتى آخر مقعد حيث يجلس معيزة. الضجيج مازال مسيطرا على الأجواء حين دق القاضي مكتبه إستعدادا لبدأ الجلسة. سعيد وسط مجموعة من المتهمين يطلون من باب مسيج نحو القاعة. نعيمة بزيها الأسود الموسوم بالأخظر جالسة في الأمام تنتظر. الوكيل بين الحكام يقلب أوراقا. رجل نحيف أمام ماكينة الرقانة يبربقها كمحمص البشار. مطرقة أخرى تنزل على المكتب ليعم السكون.
محكمة... صاح مناد ليجلس الجميع.
افتتحت الجلسة للإنصاف في قضية سعيد القزبوري المتهم بقتل شاب في مقتبل العمر في الشارع و أمام الملأ. فليتقدم المتهم: الإسم الكامل، إسم الأب، إسم الأم، السن، المهنة...
تقدم القزبوري بإشارة تشجيع من محاميته. أدلى بالمطلوب ثم أدى القسم، فكان أن أمطر بوابل من الأسئلة، وكانت جل الإجابات تميل إلى البراءة، خاصة و أنه قص القصة بكل صدق وحاول إيضاح وضعيته في حالة دفاع.
أجل ، لقد كان الحضور يصغي باهتمام بالغ ، و كان سعيد غارق في سرد قضايا قصته، كما كانت المحامية في حالة رضى تام، لم تعارض أي سؤال من الأسئلة، بل تركت موكلها يجيب هو الآخر دون تردد أو خوف. نعم لقد كان في حالة دفاع، خاصة و أن المتوفى أعطاه الخمسة دراهم كصدقة، والصدقة لا ترد. لقد تعارفا صباح ذلك اليوم في الكلية و تناقشا حول أمور المجتمع، لكن لشدة فقر كل منهما، إضطرا إلى البحث عن قوت يعتق به، فكان المجتمع لهما بالمرصاد.
سيدي القاضي إن موكلي، لم يكن هدفه القتل و لكن عتق الروح، لقد كان في حالة جوع شديد أثرت في مزاجه، فكان العقل عند الرجال أقرب إلى معدته، خاصة في بلدنا و مع أناسنا، وهكذا كان لابد له من البحث عن قوت، فكانت الصدفة أن إلتقى بزميله في الفصل في حالة مواتية، غير أن صاحبنا المتوفى كان في أحلام و حالة لا وعي عزلته عن المحيط، و هذا ما أدلى به بعض الشهود، فكان أن أعطى موكلي خمسة دراهم، أي كل ما يملك من نقود، لكن بعد أن صحى وجد نفسه جائعا فكان لابد له من إسترداد النقود لشراء الأكل؛ فتشاجر مع موكلي بعد أن رفض هذا الأخير رد الصدقة، خاصة و أن الشهود قد شهدوا ضد المتوفى بالإنفعال و التعصب، فكان لابد لموكلي أن يدافع عن نفسه فكان أن دفعه للتحرر من قبضة يده و الفرار، فدفعه ليفقد رشيد توازنه و يسقط!
سيدي القاضي، إن موكلي بريئ، و أرجو ان تبرأه العدالة، فالعدالة في آخر المطاف مع المضلومين ومع الحق، فأرجو إطلاق سراح موكلي مراعاة للضروف الإجتماعية المزرية ألتي يعيشها، ومراعاة لحالته الصحية ألتي لا تسمح له بالإستمرار في نفس الوضعية المادية، ففي الأخير ما كان موكلي و المتوفى إلا ضحيتا مجتمع لا يرحم، مجتمع تنعدم فيه شروط الحياة للضعفاء و تسود فيه وحشية وسلطة الأقوى، فالمجرم في هذه الحالة- سيدي القاضي- ليس هو موكلي بل المجتمع بكامله، فالمجتمع لم يرحم كلا منهما، وكانت الأوضاع تفرض الرد، بل أقول؛ إن موكلي لم يلجأ إلى العنف بل حاول التخلص من قبضة المعتدي فكان ما كان، فموكلي ضحية مجتمعه لا غير، و لمحكمتكم الموقرة الرأي السديد و الحكم العادل.
عم السكون من جديد أرجاء القاعة، فكان أن كثرت الوشوشات بين الحضور والقضاة فيما بينهم، وحدث أن لوّح القاضي بمطرقته على لوح المكتب ليعلن سعيد بريئا و المجتمع مجرما، فتعانق الحضور ورفرفت السعادة بأجنحتها في كل أرجاء القاعة ليتساءل رشيد أمام بيت عمته إن كان هذا ممكنا في الواقع أم لا، فأتت الإجابة على لسان عمته بعد أن فتحت الباب لتستقبله ببشاشة قائلة:
_ تحلم كثيرا.
_ لولا الأحلام لنتهينا جثتا منذ زمن، الأحلام في الأخير هي التي تحدد مصيرنا، فالبعض تميته و البعض الآخر تحيه وتجعله يتشبث بالحياة وببصيص الأمل.
دخل و أغلق الباب، بعد أن ختم روايته و أهدى أسطرها لذاكرة النسيان، ثم جلس إلى طاولة الكتابة ليبدأ لحظة جديدة مع حلم جديد.
تمت
* ولو طارت معزة: دلالة على التشبت بالرأي وعدم التنازل عنه، وهي أصلا جاءت من نكتة تحكي قصة شخصان يتجادلان حول كتلة بدت لهما سوداء من بعيد فقال الأول:
ـ إنها غراب.
ثم أجابه الثاني: بل هي معزة
فبقيا لمدة في جدال إلى أن طار ذلك الشيء و حلق في السماء، فأكد الأول للثاني صحة إعتقاده غير أن هذا الأخيرـ أي الشخص الثاني ـ تشبت بقوله فأجاب : حتى ولو طارت فهي معزة.
04/28/2007 - 21:00
القسم:

