You are here
حياة أسفل الطاولة
حياة أسفل الطاولة
محمد سامي البوهي
عندما ألقت إليه بابتسامتها، أيقن أن هذه الضربات المتفرقة تأتيه عن عمد، تجاهلها بإدارة بصره نحو أوراقه المستلقية على طاولة الاجتماعات، قلص قدمه بعد أن تلقى ضربة أخرى من مقدمة حذائها المدبب، افتعل التمعن بأرقامه المشبعة بالربح الوفير، كانت دفة المفاوضات تتأرجح بين يديه ، يحرك بها المجلس كيفما شاءت له رياحه الصيفية، كقبطان ماهر يتقن اللعب بتلابيب المناورات التجارية، كانت نظرات المنافسين تنزح من بحر العجائب دافقات الإعجاب نحوه، كلما ابتسم بانت عليهم وسامته، وحينما يقطب أهابهم وقاره، دائرة الحديث تنغلق عنده بالتودد الدائم، لكن في كل مرة كان ذكاؤه المعهود يفرض عليهم سلطاته، لا يخطى، لا تترجرج أنفاسه، تسير كلماته كما الخط المستقيم – أنت مكسب كبير لشركتك – كان يبدى شكره المتوازن كلما كركر أحدهم بهذه الجملة، ثم يواصل سريعاً الإمساك بالدفة، حنكة التجار تحاول أن تتخلله، تبحث لنفسها عن ثقب أسود تستطيع أن تنفذ منه إليه، لكنه مازال صامداً...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- جريدة (الراي الكويتية)18/9/2007
2- جريدة (القبس الكويتية) 6/8/2007
حوار الضربات يكرر نفسه من أسفل الطاولة ، حدق في وجهها الغض المتمايل مع الأضواء الساطعة، هواجس الألوان تنعجن بأرقامه الصارمة... ابتسم...
أصوات تأتيه من بين أكوام الزمن... إنها عصا أبي تحاصرني بكل مكان، مازلتُ أبحثُ بين أشياء المنزل عن مخبأ يؤويني... هنا تحت الكرسي؟، لا لا... سبق وعثر عليّ هناك، خلف باب غرفتي؟، لالا... سبق ودق عظامي هناك، نعم هي الطاولة... الطااااولة ،هرعت أسفل الطاولة بجسدي الصغير (أخرج يا جبان، تعال هنا أيها الفأر) فشلت محاولات أبي من الوصول إليّ... ابتسمَ...
ـــ ــ ــ ــ ــ ــ
- أين ذهبت هذه الملعونة هذا النهار؟!-أكيد خبأتها (ماما) بعيدا عنا.
- أين خبأتها ؟!
...
- ابحث عنها فوق سطح المنزل.
...
- وأنتِ ابحثي عنها بالغرف.
...
- أما أنا فسأبحث عنها بكل مكان.
استغاثت بموائها بعد أن جذبتُ ذيلها بقوة من أسفل الطاولة... ابتسمَ.
ـــ ــ ــ ــ ــ ــ
اليوم سأصعد للقمر، جهزت كل معداتي وأجهزتي، تأكدت تماماً من صيانة المركبة الفضائية، الوقت حان للانطلاق، (دن دن دن دجن دجنننننننن ششششششش)، انطلقت السفينة بنجاح، أصافح السحب، النجوم، السماء الأولى، الثانية، الملائكة، الشمس، وأخيراً الهبوط على سطح القمر، أصبحت الدنيا كلها ملكي وحدي، أستطيع أن أرى كل شيء من هنا، و أتحكم في كل شيء، الآن أنا أكبر مما يجب... لكن ، مَنْ هؤلاء القادمون من بعيد؟ معقول أنهم كائنات الفضاء، لابد وأن أهبط، أختبئ، أن أهرب، لكن أين؟ لا يوجد أي شيء أستتر خلفه، الفضاء شاسع، الفراغ يحاصرني، يقتربون... إنهم قادمون... سيقبضون علىّ بكل تأكيد، أريد الهبوط إلى الأرض، بدت ملامحهم الغريبة، أشكالهم مخيفة، أعينهم من زجاج أحمر، أنوفهم معقوفة، أرجلهم، أياديهم... لا تقترب مني أيها الأحمق...
- من أنت أيها الغازي الصغير؟
- أأنا...؟
سحبتني يد أمي من أسفل الطاولة لتناول العشاء.... ابتسمَ...
ـــ ــ ــ ــ ــ ــ
- زلزاااااااااال.
كان أبي يلملمنا عندما انطلقت هذه الكلمة، مع رقصات الأرض من تحت أقدامنا، كانت كل الأشياء من حولنا تهتز... تتساقط، الثريان، (التابلوهات )، المزهريات، الحوائط تتعرى... تتمزق ، صرخات أمي، نداءات أبي، جدي، جدتي، هيا بسرعة... اخرجوا كلكم (يا رب يا ستار)، انطفأت الأنوار، أختي وفاء، أين أختي وفاء، إنها مازالت نائمة... ماما، بابا...
السقوط يدلي بصوته من الشارع، أعتقد أن العمارة التي أمامنا انهارت بالكامل، يضيق الخناق، الغبار... لا استطيع التنفس ، أين الباب؟ لقد سقطت حوائط الصالة الرئيسية، انغلق المخرج، لقد علقنا، لن نستطيع الخروج – أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله –صوت أبي يصارع صوت الانهيار: الطاولة ، هيا تجمعوا أسفل الطاولة، سقط كل شيء، صمت كل شيء، إلا صوت أنفاسنا اللاهثة، وتمتمات جدي بآيات قرآنية.... تنهدَ!
ـــ ــ ــ ــ ــ ــ
تلقى ضربة جديدة وسط اللغط القادم كهجمات النحل الطنان، نفض عن رأسه الغبار، وعاد لغرفة القيادة، أحكم قبضته على الدفة، ابتسمت له بعد أن اطمأنت بأنه يبادلها الابتسامات، نظم أنفاسه، تناول جرعة مياه من الكوب أمامه، هندم سوار قميصه، نظر إليهم بهدوئه، أعلن لهم إصرار شركته على موقفها التجاري تجاه شركاتهم، بينما يستعد للانصراف من بين براثن الصمت المحلق فوق رؤوسهم، شعر بيدها تمتد إليه من أسفل الطاولة بورقة صغيرة عن يمينه، ويد أخرى تلوح له (بشيك) مالي عن يساره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- جريدة (الراي الكويتية)18/9/2007
2- جريدة (القبس الكويتية) 6/8/2007
12/23/2007 - 09:40
القسم:


التعليقات
" محمد سامي البوهي "
نصا مبدعا جديدا تعزف لنا فيه تنويعات رشيقة على لحن واحد
تداعيات زمانية مكانية لفكرة الطاولة
كانت أكثرها تلك المرتبطة باللعب والطفولة
أو بالتواطئات التي اتخذت من الطاولة " تلك المسكينة " مسرحا لها
أعتقد أن النص الناجح هو الذي يثير الخيال
ويمنح القارئ لذة إبداع نصوص أخرى خاصة به تتقاطع مع نصه الأصلي
هذا النوع من الكتابة في الواقع مورط جدا لأنه قد يجر الكاتب لتداعيات لا نهائية ، لكنك كنت بارعا في الإفلات من ذلك حين اوقفت سيل التداعيات والذكريات وعدت بحرفية لنقطة البداية
ملاحظة صغيرة
المقطع الأول به جمل طويلة نامية بالصور والتشبيهات التي شعرت أنها زائدة وإيفاعا عاليا خارجا عن اللحن الأصلي
تحياتي
و بانتظار نصوصا أخرى جميلة
وكل عام وأنت بخير
جيهان
محمد سامي البوهي
تحية لك
من فوق الطاولة
دائما ما يعلمني قلمك الجديد
تنقلك بين الاحداث بهذه البراعة ينم عن كاتب محترف
تشدني طريقتك في الكتابة
واحاول ان اتعلم منها
تحياتي لقلمك المعلم
شكرا لك يامحمد وكل عام وأنت بألف خير
أسعدني مرورك وسعدت أيضا بقراءة فلسفة خيالك
الخصب وهذا التناغم الجميل والمتقن في سياق القص
أمنياتي لك بالتألق والتوفيق دائما.. والحياة السعيدة بالأنتصارات
الأدبية في المشهد الثقافي الذي يليق بك ككاتب مبدع ممسكا بناصيته وبتفوق كبير
ودمت مبدعا
مودتي وخالص تحيتي وتقديري
فاطمة
جيهان عبد العزيز
تعلمين جيدا كم تروق لي قراءاتك ن التي تضعني على أرض حقيقية ، صالحة بأن أغرس بها قلمي من جديد
تحيتي لك
فاطمة الكواري
هو نهم من واقع نطوف حول مركزه ، فيعود بنا حيث الخلف المنتظر ، ويغدو بنا حيث الحاضر المنصرف ...
رأيك هو قلادة أعتز بها ن خصوصاً انك من أرباب هذا الكار ..
تحيتي لك