You are here

الصفحة الرئيسية

خارج البطولة




خارج البطولة
(حكاية لا تُروي للمرة الأولي)
عبدالجواد خفاجي


هذه اللعبة يسمونها بالفصحى " النرد " ونحن نسميها على هذا المقهى " الطاولة " ، وبالطبع لن تصدقني إذا قلت لك إن هذه اللعبة تتحكم في مصير العالم ، وفي صياغة التاريخ ولن تصدقني إذا قلت لك إنني اعتزلت اللعبة منذ زمن طويل لأسباب عدة منها " الجبرتي " والحكومة ونظام التعليم في مصر .. حقيقة ثمة إهمال مؤسف يستدعي اعتزال الطاولة .... وأظن أنك ستطلب لنا من الجرسون قهوة سادة ؟ .
آخر مباراة لعبتها كانت مع " أبو طالب الأسيوطي " منذ ما يزيد عن أربعين عامًا .. لم يكن نظري كما تري " شيش بيش " والمقهى لم يكن قبيحًا إلى الحد الذي تراه ، والكراسي لم تكن كهذه ، والجر سون لم يكن كهذا الصبي الذي يَنُزُّ غباء وجراثيم .. ولا كان النيل كهذا الذي تراه ضحلاً مكسوًا بورده وحشائشه .
أول مباراة لعبتها في حياتي كانت على هذا المقهى ، ولم يكن غير كرمة عنب ، وأربع شجرات كافور وأثل ، وبوفيه أنيق ، وعدد من كراسي الخيزران ، وحورية تأتي من خلف الكرم ؛ كي تُسْكت ثرثرتنا بالغناء ، وها أنت تأتي بي إلى هذا المقهى لتذكرني بذلك الماضي البعيد .. ترغب في أن تلاعبني " دور طاولة " .. دورًا واحدًا تدخل به التاريخ كآخر صبي أُشْعِل فيه البطولة .
يا صديقي الصغير دعك من هذا وذاك ؛ لم يعد التاريخ يحفل بالبطولة ، ولم يعد التاريخ سجالاً بين أبطال يتصارعون ، سمعت عن بطل جديد غيري لهذا العالم ، قيل إنه خرج من المالح ولم يخرج من النيل .. لا يزال قابضًا على حجريِّ الطاولة .
للطاولة تاريخ ، وللتاريخ مفرداته التي ينزلق بها إلينا ، والانزلاق ضد الثبات ، ونحن معًا هنا جزء من التاريخ ؛ فدعني أعيش كما لو كنت حلقة في سلسة متصلة .. هذا أنا الذي تراه وتجلس معه الآن كنت بطلاً للطاولة في مصر يومًا ما .. لن تصدق ولن تتخيل أنني أفكر الآن في الانتحار ، لست أدري كيف ينتحر التاريخ أيها الصغير ؟
يقال إن أحداً لا يجرؤ على منازلة البطل الجديد الذي خرج من المالح ؛ ربما لذلك نَصَّب نفسه بطلاً للعالم وراح ينازل نفسه أمام المرآة .. تري لو سمع بنا ــ هل سيتركنا نخطط للبطولة أم سيفسد علينا حياتنا ؟.
قيل إنه يأتي من البحر والجو والبر ، أخشي أن يرسل علينا شواظًا من نار ونحاس ، أو يخرج علينا من النيل بغتة ؛ فننال جزاء جرأتنا .. هل تراني أتسبب في دمار جديد لهذا البلد ؟ يكفي ما حدث في مباراتي الأخيرة مع " أبو طالب " ودعني ألُك حسرتي ... لقد تبدل كل شيء ، ومع ذلك لن أكسر بخاطرك ، سألاعبك دورًا وحيدًا .. ليكن تسلية .. دعنا نتسلى خارج البطولة واطلب لنا شيئا نشربه .
ــ العب .. الأحياء وحدهم يلعبون .. نسيت أن أذكِّرك ، يجب أن تقبض بإصبعيك على " الزَّهر " هكذا .. تذكَّر أنك تقبض على أيام الأسبوع عندما تقبض عل الزَّهر فكل وجه من وجهيه مسجل عليه رقمًا ، وكل رقمين متقابلين مجموعهما سبعة ... عندما تقبض على الزَّهرين معاً هكذا بإصبعيك فأنت تقبض على أسبوعين معًا ، وعندما أقبض أنا عليهما بعدك فأنا أقبض على الأسبوعين الآخرين من الشهر ، وعندما نتبادل الزَّهر فيما بيننا هكذا فإننا نتداول الزمن ، وعندما لا تلعب فأنت ميت ؛ لأنك لا تتداول الزمن مع أحد .. العب.. فهل أنت ميت ؟ .. الأموات وحدهم لا يلعبون .. ترمي الزَّهر هكذا ينزلق الزمن من بين إصبعيك .. عندما يصل الزَّهر إلى الرقعة فأنت لا تقبض على شيء ، فقط أنت تحتل مواقع كل موقع له قيمته الخاصة ، قد تعطيك الأيام شيئًا تتمناه ، لكنك قد تستغله خطأً.. وقد تعطيك شيئا لا تتمناه وقد تستغله لصالحك ، هكذا الطاولة يحكمها الحظ والتصرف ، ودعني أستبدل كلمة " الحظ " " بالقدَر " ذلك أوقع .
صدِّقني الأيام ليست دائمة معك كما أنها ليست دائما ضدك .. لكنما عقلك وخططك وخبرتك دائما ملكك .. هل طلبت لنا شيئًا نشربه ؟
ــ العب ..كان مصير العالم سيتغير لو أمهلوني لكنما ــ للأسف .. ففي نهاية المباراة قررت أن أنهزم طواعية أمام " أبو طالب " وأن اعتزل اللعبة بعدها .. ها أنت تعيدني إليها بعد كل ما انقضى من زمن .
ــ أراك متشوقا أيها الصغير لسماع حكاية المباراة الأخيرة .. لم يكن النظر " شيش بيش " ولم يكن الظهر هكذا مقوسًا ، ولم يكن المقهى هكذا مقرفًا ، وأصابعي لم تكن هكذا ترتعش وكنت قادرًا على أن أقبض على الزمن .. كانت الحورية تخرج من سُرَّة النيل باتجاه الكرم إلى حيث نجلس تحت الأشجار .. تغني لنا .. ننتشي .. ترتفع الحناجر بالصياح الممطوط ، والأكف بالتصفيق .. نتوه في الضوء والغناء والنسيم .. يسرقنا الليل من أنفسنا .. يسوقنا إلى سِرِّه وسحره وبهائه .. نعانق النجوم ، ونحن نغمض أعيننا لذة ، ونفتحها دهشة ، و آذاننا لا تزال تغترف الشدو واللحن الطروب ، ولا يزال النيل يبعثنا عبقه ورزاز أمواههه ونسائمه اللِّطاف .
في هذا المكان كانت تُنَظَّم مباريات الطاولة .. المناضد لا تزال باقية .. إنها تلك المرصوصة بإهمال فوق رأس القهوجي ، وقد لفَّها العنكبوت ببيته الأبدي ! كان بإمكاني أن أستمر في اللعبة إلى وقتنا لو لا أنني أدركت خطورة اللعبة على العالم .. حقيقة إن أحداث المباراة الأخيرة التي جرت هنا بيني وبين أبي طالب جعلتني أستاء كثيرًا من اللعبة ومن العالم .. لقد رأيت بأمِّ عيني أن ثمة علاقة متبادلة بين العالم والخراب تمر عبر وسيط وحيد هو لعبة الطاولة !!
ــ يعجبني فيك أنك مستمع جيد .. على أية حالة المستمع الجيد هو متحدث جيد ــ بالضرورة ــ أراهن أنك لو تتكلم ستكون ممتعًا ومقْنِعًا .. لكن يا حبذا لو تبادلني الحديث .. ألم تلحظ أنني أتكلم وأنت فقط تسمع .. حاول أن تسأل .. تكلم .. أطلب لنا " قِرفة " أو جنزبيلاً من الجر سون .. قريبًا سأكتب مذكراتي .. يبدو أنك قارئ جيد .. يمكنك أن تحجز نسختك من الآن .

******
كنت قد هزمت " عبد المولي " بطل أسوان و" إسماعيل " بطل سوهاج وتربعت على بطولة جنوب الصعيد دون منافس .. ولما سمع عني " الأسايطة " أرسلوا وفدًا أتى إلىَّ في هذا المكان .. أتفق معي على موعد اللقاء مع " أبو طالب " بطل شمال الصعيد .
كنت واثقاً من الفوز ومتأكدًا أنني سأصبح بطل الصعيد الوحيد وكنت أنتوي الانطلاق من هنا ؛ لأجل بطولة العالم كله .. صدقني ليس من بطل في العالم يمكنه التغلب علىَّ .. لقد صدَّر أجدادي من هنا النور والحضارة إلى العالم كله من هنا ، فهل أعجز أنا عن تصدير فن لعبة الطاولة ؟! .. الأمر هين لو لا أن الزمن لم يعد يسمع بالبطولة واللعبة أضحت محفوفة بالمخاطر .
ــ أتعرف ما أسوأ شيء في نظام التعليم في مصر ؟
ــ ..........
ــ أعرف أن السؤال أكبر من حجمك أيها الصغير .. المشكلة أنكم لم تتعلموا التفكير الناقد بعد .. إن أسوأ شيء في نظام التعليم في مصر أن مناهجه لم تذكر شيئًا عني ... هل قرأت تاريخ الحملة الفرنسية ؟
ــ ........
ــ أعرف أنك قرأتها في أكثر من عام دراسي ..لكن هل قرأت شيئًا عني ؟
ــ ........
ــ دعني أسألك .. لماذا رحل نابليون عن مصر سرًا دون أن يعبأ حتى بمقابلة خليفته في مصر ؟
ــ .........
ثمة أسئلة كبيرة أغفلها التاريخ .. لكن الحقيقة أن نابليون رحل عن مصر سرًا بسببي .
لما سمع نابليون عني أرسل في طلبي .. ذهبت إليه في مقصورة سفينته التي يتنزه بها في النيل .. عرض علىَّ أن ألاعبه دور طاولة .. وافقت .. لكني اشترطت عليه إذا غلبته فليرحل عن مصر ، وكنت أقصد رحيله بحملته .. وبالفعل غلبته لكنه فهم شرطي خطأ .. فهم أنني أقصد رحيله بمفرده ، ونفذه سرًا في ذات اليوم الذي هُزِم فيه ، وقيل أنه استاء جدًا من هذه الهزيمة ، وقيل إنها كانت سببًا في وفاته بعلل نفسيه كثيرة .
الإخوة الشطرنجيون يؤكِّدون أن نابليون يهوي الشطرنج ويضيفون أنه كان يرسم خططه العسكرية ، وهو يلعب الشطرنج وقالوا إنه كان يتخيَّل العالم كما لو كان رقعة شطرنج ، ويؤكدون أن له خطة باسمه يموت فيها الملك بعد أربع نقلات فقط .
هذا ما سجله التاريخ ، لكن الحقيقة ما ذكرت لك ، فقد كان نابليون يهوى الطاولة أكثر من الشطرنج وكان يبحث عن أبطالها أينما حل كي ينازلهم .
ـــ هل طلب لنا عُنَّابًا ؟
تلك واحدة من بطولاتي التي كانت لها نتائجها المباشرة في التاريخ .. ألم أقل لك إن الطاولة تتحكم في مصير العالم وفي صياغة التاريخ ؟ . . سمعت أن البطل الذي خرج من المالح أدخل تعديلات على اللعبة ؟ يقال إنه بلا زهْر يلعب !
ــ ........ !!
ــ في مباراتي مع اسماعيل بطل سوهاج طلب لنا سندوتشات .. ألم تجع بعد ؟ .
ــ .......
ــ لست أدري ماذا تتعلمون في المدارس ؟ كيف لم تقرأ شيئًا عني ؟ تراودني فكرة كتابة مذكراتي .. بيدي أن أصبح ثريًا لو أسميتها " شيش بيش " .. لا لا .. أفضِّل أن يكون العنوان " خارج البطولة " .. كنت أنتوي أن أعنونها " العتب على النظر " لولا أن يوسف إدريس اختاره قبلي . وإن كان الذي ذكرته لك عن سر رحيل نابليون عن مصر يمثل سقطة للتاريخ وثغرة في مناهج التعليم المصري فإن السبب فيها هو " الجبرتي " ــ سامحه الله ـــ لقد أسقط اسمي عمدًا من التاريخ .
في نفس اليوم الذي كان أبو طالب ينتوي التحرك بركبه ومشجعيه إلى هنا جاءه وفد من أهله في " البداري " ، وهو المقيم في أسيوط مركز تنظيم البطولة في شمال الصعيد .. أخبروه بأن أمه في خطر ، وعليها غيَّر أبو طالب وِجْهته إلى البداري .
للأسف كانت أمه في خطر بسبب أبيه .. وجدوه مقتولا بغير رأسه .. وأمه رغم هرمها بجوار جثته على أرض المفارق " شرق البلد " وقد طيَّنت رأسها وصدرها وتكومت فوق الدماء لا تكاد تقدر على شئ سوي التنفس البطيء وترديد جملتها الوحيدة : " يا خراب بيتك يا هنومة " .. انتقض أبو طالب العفي الجسور وسأل عن رأس الجثة .. فأشارا إلى الترعة الكبيرة .. هنالك شمر أبو طالب عن ساعديه وقال بصوته الجوهري " اليوم خمر وغدًا أمر " .. بالطبع تعاطف جميع مشجعي الطاولة مع " أبو طالب " وطالبوا بالقصاص البيِّن السريع من قاتل والد البطل المغوار ثروة الوطن .. صدقني نحن لاعبي الطاولة الأبطال ثروة قومية ، تمامًا كالراقصات ولاعبي الكرة .. إن آلاف المشجعين الذين تجمعوا حول الحادث مؤيدين لأبي طالب ساروا معه إلى قلب البداري شاكين السلاح .. إن ما حدث بعد ذلك كان السبب في أن الحكومة وضعتنا تحت عينيها ، وادَّعت أمام الرأي العام أننا خطر على الأمن القومي ، من يومها صدرت الفرامانات الكثيرة التي تهدف للقضاء علينا وعلى اللعبة !.. لهذا سألعب معك الطاولة الآن وأمري إلى الله .. أعرف أن الحكومة عينها صاحية ، وأنني مراقَب ، ولكن سأحقق لك أمنيتك وألعب معك ، ولهذا أنا بحاجة إلى الشاي .
ستسألني : إن المقاهي عامرة بلاعبي الطاولة في جميع أنحاء البلاد ، ومع ذلك فالحكومة لا تطاردهم .. سأجيبك : إن كل من تراهم يلعبون إنما يلعبون خارج البطولة .. لقد قضت الحكومة على بطولة الطاولة وعلى منظميها ولكن اللعبة نفسها لا تزال تمارس ، غير أني أخشى أن يمنعوها البتة .. لا تستبعد على الحكومة شيئا في هذا الزمن .. فرامانات الحكومة تتم بورقة وقلم وخاتم النسر وحسب ، وما أكثر هؤلاء .
سأل أبو طالب عن سبب الحادث فقيل له : " أنت " .. لقد عيروه بك بالقول الصريح : " مالك ومال الأرض والزرع يا أبو البطل .. ياخي هاع !.. كفاية عليكم الطاولة والبطولة " .. وكان أساس الخلاف نزاع على الحد الفاصل بين الأرض التي يزرعها والد أبو طالب وآخرين من عائلة " البطاحين " الذين دأبوا على الاستيلاء بالقوة على أراضي الغير .
ــ هل يسكت أبو طالب ؟.
كيف يسكت وخلفه كتائب من المشجعين والمحبين والمريدين .. جميعهم أتوا رافعين راية الجهاد في سبيل أبي طالب ، رافضين الذل والمعرَّة ، وأبو طالب أمامهم يهتف : " الله أكبر " ، وقد ترامت تحت أقدامه أسلحة عائلته النارية والنبوتيِّة والنصليِّة .. بالطبع ليس أمام أبي طالب غير أن يقود الجموع بادئًا معركته الشرسة مع " البطاحين " .

********
ــ العب... الأحياء وحدهم يلعبون .. " دش " .. أرني كيف ستتصرف في هذا " الدش " .. يمكنك احتلال الأركان الأربعة الآن .. لقد أدخل البطل الملحي الجديد تطورات على اللعبة فجعلها مستدبرة .. على أية حالة أنت تلعب بطريقة تقليدية جدًا ، لكنك حذر .. تُذكِّرني بشبابي عندما بدأت تعلُّم اللعبة .. هل طلبت لنا الشاي ؟! .. صدقني لولا الجبرتي لكان شربك الشاي معي يعد حدثًا يكفل لك دخول التاريخ .
الجبرتي ـ الله يسامحه ـ سجَّل كل دقيقة من دقائق وواقعات الحملة الفرنسية على مصر وأغفل ـ عمدًا ـ مباراتي مع نابليون .. هل اهتمَّ أحدٌ من الأكاديميين ـ وما أكثرهم ـ بالسؤال المهم : لماذا أسقطني الجبرتي عمدًا من التاريخ ؟ .. هل يكفل لي القانون اللقيط الذي نحتكم إليه أن أحاكم الجبرتي على فعله العمد ؟ وماذا يجدي أن أحاكم شخصًا ميتًا ؟ .. قضيتي ليست عويصة لو تحركت الجهات العلمية الرسمية لتصحيح التاريخ ، وإعادة صياغته .. ألم يفعلها السادات من قبل ، وأعاد صياغة التاريخ ؟! .. المسألة ليست مستحيلة إذن .. لقد فعلت بالفرنسيين ما لم تفعله جيوش أمراء المماليك في مصر ، وفعلت كذلك أكثر مما فعلته المقاومة الشعبية .. جميعهم فشلوا في هزيمة نابليون ، وهزمته أنا في " موقعة الطاولة " .. صدقني لولا سقطة واحدة في صياغة العقد الذي أبرمته مع نابليون لكانت الحملة عادت من حيث أتت .. الحق يقال : إنها سقطة .. كان يجب أن أؤكد جملة " في حالة الهزيمة يرحل نابليون بحملته عن مصر " .. كلمة واحدة سقطت : " بحملته " .. لم أنتبه إليها ؛ ولذلك رحل نابليون بمفرده ؛ وربما لهذا أطالبكم أنتم يا شباب المستقبل ، وحماة هذا التاريخ ومُلاَّكه بأن تفتحوا أذهانكم لي ، وتتفهموني جيدًا ، ثم بعدها انتقدوني ، وقولوا ما شئتم عني .. لكم أن تسجلوا سقطتي التاريخية تلك ، عندما عميت عن صياغة العقد مع نابليون بما يؤكد حقي كاملاً .. لكم أن تسجلوا هذه السقطة ، ولكن لا تنسوا أن الجالس معكم بطل .. هل قرأت " تاريخ الجبرتي " ؟
ـ .............
ـ أعرف أنك لم تقرأه .. الجبرتي ـ أيها الصديق ـ رجلٌ ملعون .. غريب عن مصر ، والدليل أنك لا تسمع عن عائلة مصرية بهذا الاسم .. وفي الوقت الذي كان الجبرتي يسجل تاريخ مصر كانت عائلتي ذائعة الصيت في صعيد مصر ، بل كانت من العائلات التي ناوشت المماليك، وامتنعت عن دفع الضرائب .. ولم يجد المماليك بدًا غير أن يكسبوا ودها .. في أواخر حكم المماليك نشأت بين جدي " الهكاع " وبين " مراد بك " صداقة قوية .. لذلك عندما انهزم المماليك أمام الفرنساوية تحرك جدي " الهكاع " لمحاربة الفرنساوية ، وكان ينوي طردهم من مصر وإعادة المماليك إلى الحكم ، واقتسام الدولة معهم .. باختصار كان جدي ـ رحمه الله ـ ينوي تصحيح غلطة " مينا " ويفك عَقْـد " الوحدة " بين الوجهين ، ويعيد مصر كما كانت مملكتين .. شمالاً للمماليك ، وجنوبًا له .. أتدري ماذا كان ينوي جدي أن يتخذ شعارًا للمملكة ؟
ـ ................. !
ـ كان ينوي أن يكون شعاره " الطاولة " .
ـ ....................
ـ ياااااه .. أنت ولد متمرس ! .. تستغل انشغالى بالحديث .. العب .. " جهار يك " .. بعد قليل سأُجْهِز عليك أيها الصغير وسينتهي الدور بانتصاري وسأحتسي شراب النصر على حسابك .. وستدفع أيضًا ثمن " كراسي المعسل " التي دخَّنَّاها معًا .. أعرف أنك ستعلق على فوزي كما يعلق كل الفاشلين .. ستقول إنني محظوظ ، وستنسي عقلي واجتهادي ، وخبرتي وقدراتي الفذة .. اطلب لنا الآن شيئًا نشربه .

*********

أبو طالب استطاع في يوم وليلة أن يخرِّب ديار " البطاحين " وأن يقتل كثيرًا من شبابهم ، وأن يسبي كثيرًا من نسائهم وأموالهم ، وفرَّ من بقي منهم إلى الجبال .. تري هل يكتفي أبو طالب بذلك ؟
إن أشد ما يؤسف أن التاريخ ولي ظهره للصعيد كلية منذ انتقلت العاصمة من " طيبة " ! .. بطل مثل أبو طالب كان يجب أن يدخل التاريخ ، ولكن من يدعنا نصنع تاريخنا ؟ .. الحق أقول لك إن الحكومات المتعاقبة على مصر تصرُّ على طردنا من التاريخ .. مثلاً أبوطالب بمن حوله من قوات يرأسها وبما معه من سلاح كان بإمكانه أن يقاوم الحكومة ، ولكن لأن قضيته كانت أساسًا مع " البطاحين " لم يشأ أن يقاوم الحكومة ، ويحارب على جبهتين ؛ ولذلك لم يعطِ أوامره لقواته بدك قوات الأمن الحكومية التي حاصرت البداري مطالبة إياه التسليم .
سلَّم البطل نفسه دون مقاومة للحكومة ، وبدلا من أن يدخل التاريخ دخل سجن " أبو زعبل " ومن ثم أعلن البطاحون انتصارهم ومضوا إلى عنفهم وزرعهم ، ونكاحهم حتي لأنهم انتشروا فوق الأرض زاحفين إلى كل أطراف الصعيد لا يقوي على ردعهم أحد حتي الحكومة .
لكن .. هل ينسي أبو طالب أمنيته التي كرَّس لها مجهوداته أواخر أيامه قبل دخوله سجن أبو زعبل ؟ .. هل يتنازل عن دوره البطولي الذي يتمني أن يتوِّجُه بالفوز على ؟ .
ـ .................
ـ يااااه ... أنت ولد دحلاَّب ! ... لقد مسَكْـتني في خانة الـ " دو " .. على أية حالة ستفكها بعد قليل .. ستندم أنك مسكتني .. لقد سبق أن مسكني " عب مولي " في خانة الـ " يك " ومع ذلك مسكته في " الخشب " وانهزم .. إاااااه تاريخ .. يمكنك ـ لو أردت ـ أن تؤلف كتابًا عني .. ستكتب كثيرًا .. ربما أصبحت من الأثرياء لو أحسنت استثمار اللحظة .. حاول أن تبدأ .. سأختار لك العنوان .. سمه " الهَكَّاع يتكلم " .
جدي الهكاع ـ رحمه الله ـ كان محترفًا للطاولة .. لقد جمع كل ممتلكاته وثروته من لعب الطاولة . . آخر مباراة بينه وبين " مراد بك " كانت على ألف فدان يأخذها المنتصر من المنهزم .. بالطبع انتصر جدي .. ألم أقل لك إن الطاولة تتحكم في مصائر الناس ، وخاصة في عصرنا هذا ؟! .. أتتصور أن البطل الملحي الذي يلاعب نفسه أمام المرآة على الطاولة المستديرة لايزال يعتبر أن " القواشيط " في طاولتي هذه يمكن استبدالها بالبشر .. هو يلعب هكذا بالناس بدلاً من القواشيط ! .. يا صديقي لأسباب كثيرة ـ وأنا سليل الحسب والنسب ـ كان لابد أن يُسقطني " الجبرتي "من تاريخه ، وهو الوضيع مجهول النسب غريب الدار . ناهيك عن اللقاء الذي تم بيني وبينه مصادفة في إحدي رحلاتي إلى شمال البلاد .. قابلته على أحد المقاهي جالسًا متأبطاً أوراقه ومحبرته في حقيبة كقربة السقا .. طلب مني منازلته .. في البداية رفضت لولا أن القهوجي أفصح لي همسًا أن الجبرتي قوة لايُستهان بها في الطاولة .. نازلته وزنقته في خانة الـ " يك " ولم أكتفِ بهذا بل مسكته في " الخشب " وقلت له بالفم الملآن : " قرفتونا ..اتعلموها وتعالوا العبوا " .
يومها أتذكر أن " الجبرتي قال لي بحدةٍ : ـ سأسقطك من التاريخ . فما كان مني إلا أن أمسكت بحقيبته وخلعتها بقوة من تحت إبطه ، ورميتها في النيل ، وقلت له : " طظ فيك وفي التاريخ " .
... زمن !! .. تاريخ !! .. أحداث يا صديقي الصغير .. يجب ألا تغفلها وزارة التعليم العإلى .
ألم أقل لك إن ثمة إهمال مؤسف في مصر يستدعي اعتزال الطاولة .. ألم أقل لك إنك ستصبح ثرياً لو كتبت عن مؤلفاً وأسميته " الهكاع يتكلم " .. اطلب لنا الآن شاياً نشربه .
كنت واقفاً على شاطئ النيل ، ولم يكن غير الظلام والرزاز الخفيف .. كل ليلة في نفس الموعد ينشق النيل عن ضوء خافت ينسرب من جوف الظلام باتجاه الشاطئ .. يشع الضوء رويداً حتي ينتهي به المطاف إلى الشاطئ .. يتمرأي لي القارب بجوارتندة خشبية تلامس الماء .. يهدأ القارب تمامًا ، وتنتصب في جوفه حورية النيل .. تخطو بقدميها العاجيتين تجاهي .. أفتح لها حضني .. ترتمي بين زراعي .. أتشمم عبق أنوثتها .. أتحسس حرارة نهديها .. أقبل وجنيتها ثم أترك رأسي تنزلق إلى صدرها .. أضغط نهديها برأسي .. أفركهما بيديَّ ، وأدع شرابي يبلطج بينها . كنت عفيفاً وكانت الحورية تحبني .. لم يكن من أحد غيري يجرؤ على ملامسة حتي يديها .. كانت إذ تخرج من النيل تمسي في حمايتي حتى تعود إلى القارب المستكين على الشاطئ .. يجدف بها المراكبي العجوز الذي هو أحد رجالي إلى البر الغربي .. كانت لي مراكب لنقل المشجعين بين شاطئي النيل .. المهم .. مرة حاول العجوز أن يضاجعها في جوف القارب .. رفضت لطمته على وجهه وعضته في قضيبه ، ومرست له خصيتيه ، ولم يجد بداً لكي يفلت بحياته غير أن يفرغ المسدس في رأسها .. ألقاها في النيل وعاد إلى ملطخاً بدمائه .. فهمت من النظرة الأولي إليه ما حدث .. لم أدعه يخبرني بشيء .. أفرغت مسدسي في رأسه وألقيته في النيل .. أنظر إلى ذلك القارب الثاوي بين الحلفا أسفل المقهي .. لا يزال شاهداً على ما حدث .. لو خطوت إليه لوجدت الدماء لا تزال أثارها في القاع .. يقولون أن عفريتة الحورية تخرج كل ليلة من جوف ذلك القارب .. تصرخ صراخاً مؤلماً وتلقي بنفسها في النيل .. تحرك ركوده وتغوص إلى قاعه .. تغيب للحظات ثم تعود حاملة على رأسها قفة من الطين تقذفها على الكرم وتغيب .. ألم ترَ أن الكرْمَ يكاد ينطمر ؟
المهم .. في تلك الليلة التي كنت انتظر فيها الحورية انشقَّ الظلام عن مارد عملاق خارجاً من القارب رسي لتوه وسط الظلام الدامس .. أشعل مصباحاً خافت الضوء وخطا باتجاهي .. لم أخفْ .. انتظرت حتي وصل إلى حيث أقف .. فرد زراعية فجأة واحتواني في صدره .. شعرت برعدة خفيفة تدب في صدري ، لكنني تماسكت .. مال إلى أذني برأسه ، وهمس : " اطمئن " ثم قال بصوت عذب : " أنا أبوطالب الأسيوطي " ، وهنالك هدأت أنفاسي في صدري ، وهتفت : أبوطالب ؟! .

********
يبدو أنني لن أتمكن منك ؛ فالقواشيط كلها رحلت ، ولم أحبس واحدًا من قواشيطك في الطريق .. أقول إنك قد تغلبني ؟ .. أرجو ألا يحدث ذلك .. العتب على النظر ، وظهري كما تري محنيًّا يؤلمني على الدوام والمقعدة .... يبدو أنك متماسك .. يعجبني فيك أنك متماسك .. يعجبني أيضًا صمتك وإصرارك .. أنت الآن تقترب من المعجزة .. لو غلبتني ستدخل التاريخ .. هل طلبت لنا عناباً ؟ .
تذكر أيها الصديق أن الخير والشر متواجدان في الحياة بنفس الدرجة والنسبة ، لو كان الشر موجودًا بنسبة أكبر لالتهم الخير ، ولتحولت حياتنا إلى جحيم ، لكنما الحياة شيء مختلف ، وهذا ما تراه الآن أمامك في الطاولة .. أنت تلعب بخمسة عشر قشاطاً أسود ، وأنا ألعب بخمسة عشر أخري بيضاء ، ألم ترَ أنهما متساويان ، وأنهما يرمزان إلى الخير والشر ؟ .. ألم ترَ أنهما يتصارعان أمامك على رقعة الطاولة من أجل احتلال المواقع ؟ .. تلك هي فلسفة الطاولة / الحياة .. كل منهما يحاول سد الطريق على الآخر أو عرقلته عن مواصلة مشواره بسلام .. صراع .. لابد أن يستمر حتي نهاية اللعبة .. ألم ترَ أننا من أصحاب الصراع في الأساس .. أم ترَ أننا من خلال الصراع نحقق لذاتنا ؟ .. العب .. تلك هي الحياة .
فلاسفة الطاولة يقولون " سمك .. لبن .. تمر هندي " .. هم يخالفونني الرأي ، لكنهم كذابون كالجبرتي .. صدقني الجبرتي كان كذابًا .. ألم ترَ أنه ضللنا عندما ذكر أن " الحسينية " ثارت على الفرنساوية ؟ .. صحيح أنه نعت الثوار " بحشرات الحسينية " لكنه لم يذكر أنهم " بلطجية " استأجرهم المماليك لمناوشة الفرنساوية وإلهائهم عن طاردة المماليك الفارين إلى الصعيد .الجبرتي ـ أيضًا ـ كان مأجورًا من الفرنساوية .. ألم ترَ أنه ذكرهم بكل خير ؟!
المهم .. سألت أبا طالب بلهفة :
ـ كيف ؟ .. أنت مسجون ؟!
ـ كسرت سجن " أبو زعبل " وأتيت إليك عبر النيل الجميل ؛ لنستأنف معاً البطولة .
ـ وهل ستتركك الحكومة ؟
ـ سننتهي من اللعب قبل أن تشم الحكومة الخبر .
اقترحت على أبي طالب أن يكون لقاؤنا في الصحراء التي تتسع لآلاف المشجعين الذين سيتوافدون لمشاهدة المباراة ، وحتي يكون أبوطالب على مقربة من الجبال التي سيفرإليها إذا ما داهم البوليس الجلسة .
وافقني على الفور ، والذي حدث بعد ذلك يؤكد صِدْق حدسي ، فما أن بدأت المباراة في صحراء مصر الغربية ، على بعد خمسين ميلاً من المساكن والزراعات حتي فوجئنا كما لو كانت الصحراء تنشق ، وتُخْرج بشرًا ، أو لكأن حجارة الصحراء تشكَّلت في هيئة البشر .. المهم وجدنا جماعات بجلاليب قصيرة بيضاء ولُحاً طويلة سوداء رافعي رؤوسهم ومسلحين .. بدأوا بالتحية : " السلام على من اتبع الهدي وخشي الرحمن بالغيب " ثم جلسوا حولنا مرددين في نفََسٍ واحد : " حرام " .. كرروها ثلاثًا وطالبونا بالتوبة من هذا " النرد " ثم لم يلبث أن انبري خطيب منهم ، ورفع عقيرته بالخطبة : " يا أيها الناس كلكم أنجاس " .. ثم تلي سورة الناس ، وأضاف بعدها : " إنما الخمر والميسر والأزلام رجس من عمل الشيطان " واستمر في القول : " كل ما يلهي عن ذكر الله فهو حرام ، وهذا النرد الذي تلعبونه فعل شيطاني اخترعه المجوس عبدة النار ، وإن قولكم " شيش بيش " بدلا من " ستة خمسة " هو انحراف عن جادة الصواب ، وانزياح عن لغة " لا إله إلا الله " إلى لغة الكفار، وأنهي خطبته بالدعاء لنا أن يتوب الله علينا ، وطالبنا فورًا بإعلان التوبة ، والتوجه إلى الله بالنية الخالصة ، متوجهًا إلينا بقوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم " ثم ختم .
وما أن انتهت الخطبة حتي فوجئنا بهم ـ وما أكثر مفاجآت تلك المباراة ـ يقفون .. تحلَّقونا ، وأحكموا الحلقة ، ثم رفعوا بعدها أسلحتهم من السيوف والخناجر والسِّنَج ، والسكاكين والجنازير والبنادق ، وطالبونا برفع مناديل بيضاء إعلاناً بالقبول والتسليم والتوبة ، وإلا .... لم ندعهم يُكمِلوا .. وقف أبو طالب مرتعدًا ، ورفع يديه عالياً ملوحًا بمنديل أبيض ، أما أنا فقد انفلت البول من محبسي ، وراح يسرسب .. همَّ إليَّ واحد منهم شاهرًا سيفاً يكاد أن يهوي به فوق عنقي المنتكس ، متسائلاً بحدة : " أولم تؤمن ؟! " قلت : " بلي .. ولكن أرجوك اعطني منديلاً أبيض " .. رموا إلى بمنديل أبيض ، فتناولته على عجل ، وفعلت مثلما فعل أبوطالب .
حقيقة أنت تستغل انهماكي في الحديث ، وانشغالي عن اللعب ، وتحتل مواقعي .. مسكين هذا القشاط الذي تحبسه ، يبدو أنه سيستمر في الأسر .. هذا قدَرَه ، لكن لاتنسَ أنني مسئول عن مصيره هذا .. خبراء الطاولة يؤكدون أن الإنسان مسئول عن أفعاله ، لكنما البطل الملحي الجديد يؤكد أن لا إنسان غيره ، ولا فعل غير فعله .. إنه ينازل نفسه أمام المرآة .. يقولون إنه يقرر بينه وبين نفسه : " شيش بيش " .. هكذا هو يقرر بلا زهر ، وبلا طاولة .. هو يلعب بالقرارات .. كل نقلة بقرار ، وكل قرار بنقله .. قيل أيضًا إنه يضع أفرادًا محل القواشيط ، ويستمر في اللعب ، مقررًا عليهم ما يجب أن يصنعوه .. تري من يغلب هذا الذي ينازل نفسه أمام المرآة ؟ّ! .
ـ ......................... ؟!
ـ نفسه .. نفسُه أيها الأبله ستغلب نفسَه .. أطلب لنا شيئًا نشربه .. نعود إلى موضوعنا .. أبوطالب وأنا كلانا رفع يديه عالياً ، ملوحين بمنديلين أبيضين لبضع الساعة إلى أن فوجئنا بأصحاب الجلابيب البيضاء يعطوننا ظهورهم ، ويستديرون بحركة فجائية سريعة إلى الخلف ، وقد انشقت الأرض عن همِّ جديد .
ولم يكن الهمُّ الجديد سوي جيش منظم من عساكر الأمن المركزي يختلط فيه العسكر بالضباط ، جميعهم شاكيي السلاح ، كاملي العتاد .. حاصروا المنطقة وارتفعت مكبرات الصوت تعلن صراحة : سلِّم نفسك أنت وهو " .. بداية لم نكن ندري لمن كان النداء .. هل لي أنا وأبو طالب أم للجماعات ؟ .. ردت الجماعات النداء بالنداء : " توبوا إلى بارئكم يا حُرَّاس الحكومة الكافرة " ، ولم نكن أيضًا نعرف من المقصود بالطلب ، أنا وأبوطالب ، أم البوليسيين ؟! ..المهم اصبحنا أنا وأبوطالب موزعيْنِ بين ندائين ، وجماعتين وحصارين ، ولم تعد تصلنا غير أصوات مختلطة زاعقة عالية منفِّرة .
حقيقة لم يكن أمامنا غير أن ننسل من بين أرجل الجميع كفأرين هاربين من بين قضبان مصيدة مشتعلة .. زحفنا على رمال الصحراء حتي سفح جبل ضخم .
المؤشرات الأولية تقول إنك ستغلبني .. ولكن العتب على النظر .. لقد أصبح نظري ـ كما تري ـ شيش بيش ، وظهري تقوَّس ، والكرسي هذا يتعب مقعدتي , ومفاصل ركبتي تؤلمني .. أنت لم تهزمني أيها الصغير .. يجب أن لا تتوهم ذلك .. إنه الزمن هو الذي هزمني .. قشاطي هذا المسكين المحبوس في خانة " الدو " لم تحبسه أنت .. إنه الزمن .. فلو قابلتني وأنا شبل مثلك لما أستطعت الصمود أمامي .. لقد هزمت عبدالمولي في خمس دقائق .. أتذكر أنني هزمت مرة لاعبا في أسوان وأخر في الأسكندرية وثالث في الواحات في يوم واحد .. كانت لي طائرة خاصة لتنقلاتي .. يعجبني فيك أنك صامت دائما أيها الفسيل
ـــ هل سمعت ماقاله فلاسفة الطاولة ؟
ـــ .......؟
ـــ فلاسفة الطاولة يرون أن الخمسة عشر قشاطاً السوداء هي الليل والخمسة عشرالبيضاء هي النهار ومجموعهما ثلاثون هم أيام الشهر وأن كل منها يدور حول الأخر لاحتلال أربعة وعشرين موقعاً في الراقعة هي ساعات إليوم ، وبدوران كل منهما حول الآخر يحدث الزمن ، وبالزمن تتكشف أقدار ومصائر اللاعبين الذين يجتهدون كل على قدر عقله وخبرته وحسبما يشاء الزَّهر الذي يرمز إلى القدر ، حقيقة أنا لا أميل إلى هذه الفلسفة ، لا لشئ إلا لإنني صاحب فلسفة خاصة وسبق أن قلت لك إن فلاسفة الطاولة يقولون: " سمك .. لبن .. تمر هندي " .



*******
أنتظرنا ــ أنا وأبوطالب ــ تحت سفح الجبل حلول الظلام كي نصعد الجبل .. حقيقة كان الصعود في الظلام محفوفاً بالمخاطر والحراك إلى أعلى يبدو فكرة مستحيلة ولكن هل كان أمامنا غير أن نفعله .
صعدنا الجبل وتنفسنا نسائم القمة اللطاف ، وفتحنا الطاولة .. أبوطالب جمع حطباً وعشباً يابساً وأشعل ناراً بجوارنا ، بل الأكثرمن ذلك أنه رمى أرنبا جبلياً كان يتسكع حولنا بصوَّانة ، هشمت رأسه ورماه في النار في الحال .. تعشينا وحمدنا الله ، واستأنفناه البطولة .. لعبنا شوطاً انتهي بالتعادل خشب في مقابل خشب ، بعده نمنا حتي مطلع الفجر .
ولما كان مطلع الفجر موعداً للصلاة أتجهت الجماعات الجلبابية إلى القبلة للصلاة بعد أن تيممت صعيدا طاهرًا .. أندمجوا في صلاتهم صفوفاً صفوفاً في ثبت وخشوع وانهماك .. وتلك فرصة حقيقية كانت مواتية للعساكر أن يأتوهم دبرًا ، ويطلقون عليهم النار .. حقيقة كنا نرقب الموقف المؤسف من فوق الجبل بكثير أسف ولم نكن أكثر من حجرين لا حراك لنا ؛ خشية أن نُدْرَك .
أطلب لنا الأن مشروباً بارداً .. حقيقة أنت شاب مكافح لصمودك أمامي طوال هذا الوقت غير أنك قد تفوز .
الجماعات كانت على حذر ذلك لأنهم لم يكونوا على صلاة حقيقية ، إن الوضع الذي كانوا عليه لم يكن أكثر من تمثيلية .. صلاة وهمية خدعوا بها العساكر حتي يظنوا أنهم لقمة سائغة ..
عند أول رصاصة من الخلف أستدارت الجماعات بإتجاه العساكر وتبادلوا إطلاق الرصاص .
أمام هذا القصف العنيف المتبادل كان لابد أن يحتمي الطرفان بالجبل وهكذا انتقلت المعركة إلى سفح الجبل .. العساكر عسكروا في الجبهة البحرية والجماعات في القبلية واستأنفوا الضرب في "المليان " .. الغريب أن انشغال الفريقين بالقنص والضرب لم يلههم عن مطلبهم الأول والأخير : أنا وأبوطالب . فلم يمض كثير وقت على بداية المعركة حتي تعالت مكبرت الصوت من الفريقين مرددة نفس الندائين " توبوا إلى الله " و " سلم نفسك أنت وهو " .
ولم يكن أمامنا أنا وأبوطالب لكي نستأنف البطولة غير أن نتجاهل هؤلاء وأولئك وعلى الله قصد السبيل .
لعبنا جولة واحدة تفوقت فيها على أبي طالب ثم وقبل أن نستأنف الجولة الثانية لمحنا جيشاً بشرياً مرتدياً جلابيب داكنة وعلى رؤوسهم العمائم النافرة راكبين الخيول والبغال والحمير زاحفين باتجاه الجبل وقد رفعوا رايات خضراء وعصي وبنادق.. تابعنا من فوق الجبل هذا الجمع الغفير الذي يسد عين الشمس عن وجوهنا بما يثيره من غبار كثيف إلى أن وصلوا سفح الجبل وبدأو كغيرهم الهتاف : " إحنا ناسك يا أبوطالب .. إحنا الأسايطة الجدعان .. العب على كيفك .. لازم تفوز وتأخدالبطولة " .. حقيقة شعرت بالوحدة .. أبوطالب يؤازره جيش كامل من الأسايطة جاء عبر الصحراء بركبه ورجله.. وأنا مسكين لوحدي .
لما استأنفنا الجولة الثالثة كنت العب وأنا مرتعب .. كنت قلقاً لذلك تغلب عليَّ أبو طالب الذي ازداد حماساً وثقة ، وهكذا أصبحت النتيجة التعادل مرة أخري .
اطلب لنا " حاجة ساقعة " نشربها .. المؤشرات الأولية للنهاية تقول إنك الفائز .. ها أنت بدأت تستخرج القشاطات كما يقولون ..بدأت تأكل .. شهيتك فيما يبدو مفتوحة جداً ، وأنا أنظر إليك ..منتظرًا قشاطي المحبوس لديك ، هكذا هي الدنيا : ناس تأكل وناس تنظر . للبطولة أيها الصديق اشتراطاتها ولأن ظهري تقوس ولأن معدتي تؤلمني والمقهي كما تري مقرفاً إلى حد كبير والجرسون ينز غباءً وجراثيم ولأن الزمان استدار والحورية لم تعد تأتي ، والبطل الجديد الذي خرج من المالح يتربص بنا ولأن العتب على النظر أرجو أن تعتبر ما حدث بيننا خارج البطولة ؛ فنحن وقبل أي شئ نتسلي .

*******
لم يشأ الله ـــ سبحانه وتعالى ــ أن يتركني وحيداً في هذا الموقف الصعيب .. انشقت الصحراء عن جيش داكن جاء من الجهة الغربية للجبل .. احتل موقعة عند السفح ورفع راياته وأسلحته وأستأنف الهتاف : " احنا القانوية يا هكاع .. إحنا ناسك وحبايبك يابطل .. العب وشد حيلك .. العب على كيفك ..العب واتشخلع يابطل " هكذا الشجِّيعه .. وهكذا يكون اللعب .. استعدت ثقتي بنفسي واستأنفنا الجولة الثالثة ، وهكذا وبينما كان اللعب مستمرًا فوق الجبل كانت النداءات مستمرة تحته " العب يا أبوطالب " .. " العب يا هكاع " .. " سلم نفسك أنت وهو " .. " توبوا إلى الله " . وليت الأمر انتهي عند هذا الحد من الحشود والجماعات والنداءات .. كنا نسمع طلقات نارية من الشرق متجهة نحو الغرب ، ومن الغرب متجهة نحو الشرق ، ومن الجهة القبلية متجهة إلى الجهة البحرية ، ومن البحرية متجهة نحو القبلية ، وأخيرا أختلط الأمر ، ولم نعد نري لا أنا ولا أبوطالب من أعلى الجبل غير الجثث ، بدت كقطع صغيرة من حجارة متناثرة عند السفح ، وثمة طواف وانهماك بشري وسط دوي وانفجار ، ولون أحمر قاني بدأ يكسو قاعدة الجبل ، وثمة محاولات فاشلة لصعود الجبل .. حقيقة بدأ الخوف والفزع يسيطران علينا ، وثمة سؤال بدأ يستبد برؤوسنا : ـ ماذا لو أستطاعت الحشود ، أو بعضها تسلق الجبل ؟ .. كنا بالطبع خائفين من انتقال المعركة إلى قمة الجبل .
ولم يمضِ كثير وقت حتي حدث ما أزال خوفنا .. لقد انشقت الصحراء عن جيش خامس مختلط الأزياء والألوان كان يقترب حثيثاً نحو الجبل تتعالى جلبته كلما أقترب منا لكننا لم نستطيع أن نميز كلمة واحدة إلى أن أصبحت المسافة بيننا وبينه مناسبة لأعيننا لأن تمييز حروف لافتةٍ كبيرة ترتفع فوق الرؤوس مكتوب عليها : " مع تحيات رابطة مشجعي الطاولة " .
رأيت يومها أكبر حشد من المشجعين في تاريخ الطاولة الذي هو تاريخي أنا .. ألم أقل لك إن اللعبة قبل جدي الهكاع لم يكن لها تاريخ ؟.. عائلتنا هي أول من نظمت بطولة الطاولة وأول من أرَّخت لها .
المهم أحتشدت الجماهيرفي حلقة واسعة مطوقة الجبل ومَن حوله مِن عساكر وجماعات وأسايطة وقناوية .. جماهير عريضة يا صديقي تجمعت على حب الطاولة من كل بقاع المعمورة مؤازرين لنا ـ معاً ـ أنا وأبوطالب.. ألم أقل لك إننا ثروة قومية ؟..اطلب لنا شيئاً نشربه .. ما رأيك في البسكوت مع الشاي ؟.. يقول الأطباء إن البسكوت مع الشاي يعطي طاقة فورية أثناء اللعب .
ما أن تم لهم الاحتشاد والوقوف الثابت المحاصِر حتي رفعوا مكبرات الصوت عالياً معلنين عن ضرورة توفير الهدوء للمباراة التي تدور فوق الجبل مطالبين بحرية ممارسة الطاولة ، ثم هتفوا باسمينا أنا وأبي طالب .. الحقيقة أن العساكر والجماعات ردوا على الجماهير بالبنادق والمسدسات وحاولوا اختراق الحصار وتفريقه .. العساكر اعتبروا الأمر مظاهرة وعصيان مدني والجماعات اعتبروه تشجيعاً على الفسق يرقي إلى مستوي الكفر .. الجماهير ـ بالطبع ـ لن تقف مكتوفة الأيدي .. صحيح أنهم غير مسلحين لكنهم استخدموا الزلط ـ أوليس الزلط بسلاح ؟
لم نر أنا وأبو طالب غير زلط كالمطر يتحدي الرصاص يتساقط فوق رؤوس العساكر والجماعات ورأينا بعد وقت قليل من بداية معركة الأهالي الرابضين شرق وغرب الجبل ينضمون إلى صفوف الجماهير .. وهكذا أصبحت المعركة بين فريقين ..الجماعات والعساكر في مواجهة الجماهير والأهالي .. لكن خريطة الضرب كانت تقول غير ذلك .. العساكر يضربون في الجماعات والجماهير .. والجماعات تضرب في العسكر والجماهير وهكذا أصبحت الجماهير هي القاسم المشترك الأعظم بين العساكر والجماعات .!
كل ذلك واللعب مستمر فوق الجبل .. أبوطالب يخر عرقاً ويزفر بشدة وكأن بالوناً منتفخاً انفتح فجأة في أنفة ، وأنا كنت كذلك أبادله التأفف والضجر ، والشمس من فوقنا هي الأخري تلفح جسدينا ، وكأنها قد طلعت خصيصاً هذا اليوم من أجل تحميسنا .
باختصار كانت ورطة .. أبوطالب ممسوك في خانة " اليك " وأنا لم أخرج من خانة الخشب بعدُ والزَّهر معاند لكلينا ، والمعركة مستمرة أسفل الجبل دون توقف كلما استرحنا من اللعب ونظرنا إلى أسفل وجدنا رؤوساً تطير ودماء تسيل ونداءات مختلطة تتصاعد .
واستمر الوضع عصيباً مريراً مرعباً هكذا حتي منتصف النهار ولم يهدأ القتال ولم تتحد بعد نتيجة اللقاء .
*****
الآن فقط أقرُّ لك بانتصارك على .. لن أقول أنك محظوظ .. ليس في الطاولة حظ كما هو الحال فى الحياة .. لقد استهنت بك منذ البداية وانهمكت في الحديث ولم أعبأ بالتخطيط ، غير أنك أظهرت مراساً عجيباً .. الآن فقط يمكنني أن أطمئن على مستقبل الطاولة .. ثمة خليفة عجيب لي .. ثمة رجل صامت يعتنق الإصرار .. ولكن أرجو ألا يتسرب الخبر إلى الناس أو الصحافة ..واطلب لنا "سحلب" .

********

عند اشتداد الحر انشقت السماء عن طائرة بيضاء بدت لنا في الأفق البعيد كما لو كانت عصفوراً صغيراً يهبط رويداً نحو قمة الجبل .. ثم أخذ في الدوران حول الجبل وبدأ حجمة يكبر رويداً حتي تمكنت أعيننا من تمييزه على حقيقته .. رست الطائرة أخيراً بالقرب منا وكانت المباراة قائمة والنتيجة لم تحسم بعد .. انفتح باب الطائرة ونزل منها ضابط شمعي اللون .. يرتدي ملابس عسكرية بيضاء مرصعة .. أعطي أوامره لمن في الطائرة بعدم النزول .. ثم أخرج من جيبه منديلاً أبيض رفعه بيده عالياً ، وخطا نحونا مبتسماً ابتسامةعريضة بلهاء .
حقيقة كففنا عن اللعب وانهمكنا في تفحص هيئة القادم .. بدا لنا بلحية بيضاء مهيبة .. ولأول مرة في حياتي أرى ضابطاً بلحية .. تهيبنا منه فى البداية رغم ابتسامته ، ومع ذلك بادلناه الابتسام .. عندما وصل إلى حيث نجلس حيانا وجلس سريعاً وهو يقول :ـ دوختنا وراءك يا أبوطالب .
وأبوطالب يتأمله بعينين مشدوهتين ولا يرد ولكن الضابط تابع الأسئلة :
ـ لماذا هربت من سجن أبوزعبل ؟.
ـ لكي ألعب طاولة مع الهكاع .
ضحك الضابط الشمعي وربت على كتف أبي طالب ، وعاود الأسئلة :
ـ أمن أجل هذا عرَّضت نفسك للمخاطر والمهالك ، ودوختنا وراءك ، وارتكبت جريمة جديدةعلى ما أنت فيه من "مؤبد" ؟!
ـ كانت أمنية قديمة يا سيدي أن ألعب مع الهكاع .
وراح أبوطالب يحدق في وجه الضابط ويضيف :
ـ لماذا تستكثرون على هذا الشرف ؟
صمت الضابط فترة ثم قال :
ـ إذا كان الأمر كذلك فليكن لك ما تريد
ـ شكراً لك سيدي على هذه الفرصة .
ـ دعني امنحك فرصة للحرية .. إذا فزت على الهكاع
ـ الفوز على الهكاع أمر مستحيل يا مولاي
ـ حاول .. إنها فرصتك للفوز بحريتك .. هذا شرطي وأنت حر .

******
لا تظن أيها الصديق أن الهزيمة تسبب لي حرجاً ما .. فنحن منذ البداية نتسلي .. فقط نتسلي خارج البطولة .
لكنني في ورطة حقيقية : قانون الطاولة ينص في مادته الأخير على أن المنهزم يقوم بدفع حساب المشروبات للمقهي .. هذه هي ورطتي الأخيرة ، وأنا لا أمتلك الآن أية نقود .. أعرف أنك ـ باعتبارك خليفتي ـ ستقوم بهذه المهمة وتخرجني من الورطة ،وتدفع الحساب بدلاً عنى ، ولكن صدقني سأرد لك المبلغ حين ميسرة .. وأطلب لنا الآن شيئا نشربة .
الطاولة تعلمنا أن نكون نبلاء .. البطل الملحي لا يعترف بقوانين البطولة هذه ، ولا يعترف بالنبل وقيل إنه بالف وجه وألف زي وقيل أنه ظاهر وخفي ، وقيل إنه وراء كل ورطة ، ولكن ـ ومهما يكن الأمر ـ سيظل النبل هو النبل ، وسأظل نبيلاً إلى آخر العمر ولن أفقد ثقتي في أن النبل فوق الأرض كالماء والهواء .
مثلا .. يوم ورطة الجبل ــ وبمجرد سماعي للحوار الذي دار بين أبي طالب والضابط الشمعي ـ قررت بيني وبين نفسي أن أكون نبيلاً وأنهزم أمام أبي طالب ، واضمرت أن أتخازل في اللعب حتي ينتصر أبوطالب علىَّ .. ولم لا ما دام سيحصل على حريته مقابل انتصاره ؟ .. سأخصر البطولة في مقابل حرية أبي طالب الصديق ، وبالفعل انهزمت له ، وانتصر هو، وكانت تلك هي المرة الأولي التي أنهزم فيها ـ طواعية ـ في حياتي .. ابتسم الطابط في نهاية المباراة لأبي طالب وأعطاه حريته .. قال له بالفم المليان : " روح .. أنت حريا أبا طالب .." تنسم أبوطالب أنفاس الحرية ، ورأيت أودواجه تنتفخ ووجهه يتورد كما لو كانت الدماء تتخلله للمرة الأولي ، ورأيت الضابط ينظر إلى وجهه مبتسمًا ، وأبوطالب يبادلة الابتسام .. ثم ما لبث الابتسام أن تحول إلى هقهقهة قطعها الضابط قائلا : ــ يجب أن تأتي معي يا أبوطالب .. سأريك مصر من عل .. رحب أبوطالب بالفكرة وانتصب واقفاً وقد وثق فى الضابط ، ووقفت أنا .. ودعته بأحضان حارة وضمات طويلة .. وخطا أولى خطواته نحو الطائرة كطفل يخطو أول خطواته فوق الأرض .. تأبطه الضابط حتي صعد كليهما سلم الطائرة وأقفل بابها ، وما هي إلا لحظات حتي صعدت الطائرة إلى السماء .. ومن يومها لم أر أباطالب ولم أسمع عنه ، يقال إن غلطة أبى طالب الوحيدة أنه وثق فى العسكري ، ويقال إن هذا الضابط الذي أخذه لم يكن سوي عزرائيل متنكر في صورة ضابط .. وقيل إنه بطل الطاولة الملحي جاء يُنهي البطولة في مصر بطريقته الخاصة وقيل إنه مدير سجن أبوزعبل جاء للقبض على أبي طالب بطريقته ، وقيل إنه من أفراد الموساد الإسرائيلي .. وقيل ...... وتبقى الحقيقة الضائعة .. حقيقة أنا لا أصدق أي من تلك الأقاويل وما زلت أنتظر عودة أبي طالب ، وما زلت أصدق إحساسي الذي لا يخيب بأنه عائد .. لهذا أنا أقف خلف هذا الكرم المطيَّن كل ليلة ميمماً وجهي للنيل العظيم ، أتذكرالبطولات السالفة ، وأيامي الخوالي ، والحورية التي لم تعد تأتي ، وأبا طالب الذي لا بد عائد .. تري هل يعود أبوطالب أيها الصديق ؟.. أرجوا أن يظل ما حدث بيننا اليوم سراً فنحن ــ كما قلت لك ــ نتسلي خارج البطولة .

تمت
24/8/ 1997
أبوتشت

صورة عبدالجواد خفاجى
القسم: 

التعليقات

 
الاستاذ عبد الجواد
حينما قرأت السطر الأول من القصة قررتُ أن أخيب ظنك وارتوي بها من المرة الأولى, لكني ما أن وصلت إلى منتصفها حتى شعرتُ بالتعب. تركتها وعدتُ إليها ثانية وحدثَ معي الشيء نفسه بعد أن تجاوزت ثلثيها . ركبت رأسي وقررتُ اكمالها فقمتُ بطباعتها على الورق وقرأتها كاملة. وارتويت بها حقا
انها قصة عميقة وذكية وقابلة لتآويل عدة.
اذا لم يلتفت اليها قراء الورشة فسألعن أجداد من اخترع النت.
لانه سطّّح وعينا فرحنا نركض خلف السهل
احييك
حميد العقابي
صورة حميد العقابي
 
الأديب عبد الجواد الخفاجي
تحايا وأماني بالخير
لأسباب ذاتية نفسية لا أميل كثيراً الى القصة ذات النَفَس الطويل - طبعاً ليس دائماً - لذا 
غضضتُ النظر في البدء عن قراءة قصتك إلاّ أنَّ كلمات حميد العقابي الذي أثق كثيراً بذائقته وصوابية نقده هي ما شجَّعني على الإستغراق في نصك القصصي الجميل بل الرائع أحيّيك كثيراً وأشكرك جزيلاً
سامي العامري - كولونيا 
    

سامي العامري
صورة سامي العامري
 
الكاتب العميق
عبد الجواد خفاجي
استمتعت كثيرا بالقصة
وان كانت حقا اجهدتني
لاني قراتها كلها دفعة واحدة
هنا فقط اريد ان اركز علي اهمية
كلمة التعليق كمسئولية ادبية
فكلمات حميد العقابي وسامي العامري
كانت سببا في قراءتي للقصة
اتمني ان نكون حقا صادقين في تعليقاتنا
فهذا يضع الادباء والشعراء علي المواقع الحقيقية برقعة طاولة الحياة
فاتن البقري
صورة فاتن البقري
 

   كنت عقدت العزم على قراءة القصة يوم أمس ، لولا أن ضيق الوقت ، ومشاغل أخرى ، حملتني على الاستئناس بفكرة الاخ الاديب حميد العقابي ... أعني : أن أطبع القصة ، فأقرأها وأنا في طريقي الى سنغافورة  بعد الغد ... لكن السفر قد تأجل اسبوعين ـ فوجدتني استعذب قراءتها في مطعم " حانة البحر " ... وها أنا أعود الى منزلي لا لشيء ـ ولكن : لأكتب للصديق عبد الجواد شاكرا ممتنا لما منحني من متعة فائقة وهو يملأ صحني بفاكهة ولا أشهى  من الفكر الرصين ...

 *********

 القصة درس يتعين علينا استشراف مغزاه ...

 العالم منضدة رمل .... منضدة رمل يتحلق حولها جنرالات وقادة جيوش يعملون بإمرة هولاكو جديد ...

 إنه عصر " اسبرطة  "الجديد ... عصر القوة العظمى الوحيدة  ... عصر" حق القوة " لا عصر " قوة الحق " ... وبالتالي ، فالتاريخ يكتبه الأقوياء ... ما يعني أننا سنبقى أمة خارج التاريخ ، ولسبب جوهري ، هو : اننا أمة ردود أفعال ـ وليست أمة أفعال .

   للعبة النرد طاولتها ... وللحروب الكونية منضدتها الرملية ... في الأولى يرمي اللاعب " زهر النرد " داخل الخشبة المستطيلة ... في الثانية : يرمي الاقوياء دباباتهم وصواريخهم على رؤوس الشعوب ...

 منضدة الرمل تتحكم اليوم بمصائر الشعوب والاوطان ... ... والتاريخ لم يعد سجلا للحقائق ... هو اليوم الناطق بلسان المنتصر ... إنه تاريخ مدجن .... والمفجع ، أن بعضنا " نحن العرب " قد دجن التاريخ فكتبه على مقاس نرجسيته ( ألم يشوه السادات تاريخ عبد الناصر ؟ )

  شكرا لك يا صاحبي حميد العقابي ، حين أغويتني بطبع القصة الرائعة هذه ... وأما المبدع عبد الجواد الخفاجي ، فله مني نهر شكر لا ينضب لما أمطرني به من إمتاع يصل حد الدهشة ..

 اعترف أنني لم أعط القصة حقها ... فهي بحاجة الى دراسة وليس مجرد رأي عابر .... إنها قصة جديرة بأكثر من رحلة تنقيب في تضاريسها المدهشة ... وأظنني سأتناولها حين أرمي عني حقيبة السفر .  
يحيى السماوي
صورة يحيى السماوي
 
  رغم كوني لست ناصريا ، لكنني أتشرف بكوني قد عشت زمن عبد الناصر ـ هذا الذي قال عنه جواهر لال نهرو " عبد الناصر أحد رجال العصر " وقال عنه جوزيف بروز تيتو " بمثل عبد الناصر تتفاخر حركات التحرير " ووصفه أحمد سوكارنو بأنه " أحد عظماء القرن العشرين " وهو ذات الوصف الذي أطلقته عليه أنديرا غاندي ـ ويكفي عبد الناصر شرفا ومجدا وفخرا أن العظيم " أرنستو تشي جيفارا " قال وهو يغادر مطار القاهرة  في طريقه الى هافانا" لقائي بالقائد  عبد الناصر كان حلما وقد تحقق " "  ويكفي عبد الناصر شرفا أن  اسرائيل اعتبرت موته بمثابة نهاية مرحلة من التاريخ العربي فشرب الصهاينة نخب الفرح يوم الاعلان عن وفاته ـ أما السادات ، فيكفي أن مادحيه هم اسحق رابين وشيمون بيريز والمحفل الماسوني العالمي ومؤسسة " إيباك " أتمنى على السيد الناصح قراءة مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي ليعرف خبايا الدفرسوار ، ويقرأ مذكرات المرحوم حسين الشافعي النائب الاسبق لرئاسة الجمهورية ، وما كتبه عضو حركة الضباط الاحرار خالد محي الدين ، وما كتبه محمد حسنين هيكل عن عبد الناصر وعن السادات ، عبد الناصر كان رجل دولة وأمة ولم يكن عميلا امريكيا وسادنا للمحفل الماسوني ومنفذا للمخطط الصهيوني بإخراج مصر من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي ... عبد الناصر لم يبع الكرامة المصرية مقابل مساعدة مالية  امريكية أدت في النهاية الى ارتهان القرار السيادي في واشنطن .

 لست ناصريا ، لكنني لست جاحدا لحقيقة أن الأمة العربية في عهد عبد الناصر  كانت أكثر رفعة وحضورا عالميا  وحياة كريمة  مما أصبحت عليه بعد رحيله .

  ما حاجتي للإتصال برقم هاتف " هل هو رقم هاتف ؟ أو رقم شعبة من شعب تشويه الحقائق والاحداث ؟ " ... ما حاجتي لهذا الرقم ـ إذا كنت أعرف عن عبد الناصر أكثر مما يعرفه قتلة تاريخه ومنتحلو تراثه والشاكرون نعمة الدولار  والمباركون لرفرفة العلم الاسرائيلي في فضاءاتنا ؟ هذا العلم الذي ما زال يؤمن بقيام دولة اسرائيل الكبرى الممتدة من النيل الى الفرات ( الخطان الأزرقان في العلم الاسرائيلي الذي يرفرف عاليا في قلب الامة العربية ـ مصر ـ هما نهرا النيل والفرات .... وأتمنى على السيد الناصح قراءة ما كتبه الملعون بن غوريون حول ما يرمز اليه علم الكيان الاسرائيلي " الشقيق " 
  نعم كان عبد الناصر ذا منهج بسماركي ... لكنه لم يكن توتاليتاريا ولص سلطة و" مُشـْرِكا " زوجته في صنع القرار وتنفيذه ... وما كان ممن يخططون لنظام " جمهوري وراثي " 

   بعض مآسينا ـ نحن العراقيين ـ سببها عبد الناصر حين دعم حزب البعث العراقي في انقلاب شباط عام 1963 ... ومع ذلك ، فعبد الناصر لم يخن الأمة العربية .

 وعودا على بدء : هل شوه السادات تاريخ عبد الناصر ؟ الحقائق والاحداث تقول : نعم .. ويكفي ذلك دليلا أن السادات ، ما إن أصبح رئيسا للجمهورية ، حتى دارت رحى المعتقلات على رفاق امسه من الناصريين ،  
  

  
يحيى السماوي
صورة يحيى السماوي
 
من قال أنك تلعب خارج البطولة؟؟؟؟
أنت داخل البطولة بكل كيانك و تاريخك و شهدائك و خونتك و بائعيك الذي قبضوا الثمن البخس
انت داخل البطولة رغما عنك
لأن البطولة لا تساوي شيئا بدونك
و لأن  خلفك عار العرب كل العرب
و سيعود أبو طالب
و الله انا على يقين من اأنه سيعود
أيها القاص الشديد الخصوصية
سيعود أبو طالب
أما السيد الذي علق على تشويه السادات لسيرة عبد الناصر
فأنصحه بزيادة اطلاعه على التاريخ من مصادر عدة
و الله يرحمك ياسادات
انتو لسه مافهمتوش اللي فهمه السادات بعد 35 سنه
؟؟؟؟؟؟
عبد الناصر ايه و خيبة ايه؟؟؟؟
اتصل ب 48 -56-67
و انت تعرف مين عبد الناصر
محمد الناصح-2
صورة محمد الناصح-2
 
الصديق الصدوق الناصح
الصديق و الشاعر يحيى السماوي
خرجنا عن قصة الرجل ولكن يكفيه أنها أثارت مثل هذا النقاش الثري...
ولكن الشيء بالشيء يذكر
إنها عادة عربية صرفة - عادة التشويه - من تشويه التاريخ إلى تشويه الزعماء إلى تشويه الآخر...
الزعيم عبد الناصر شوه الملك فاروق فجعله المتآمر على بلده، المحتمي بالانجليز، الذي باع قضاياه، الذي لا يفكر إلا في النساء والجواري، ولا يمكن لأي منا أن ينسى
تعبيرات حفرت في الذاكرة
"الأسلحة الفاسدة" التي ثبت أنها كانت إشاعة مصنوعة لتبرير الانقلاب
"أعوان الاستعمار" المقصود بهم بالطبع رجال وطنيون نفخر بهم كل جنايتهم كانت أنهم "باشاوات"
وكانوا رأسماليات وطنية وليسوا مجموعة من السارقين

أيضا شوه السادات عبد الناصر لا شك في ذلك
ولا مجال للحصر

كما يشوه كل مسؤول من سبقه
وكل أديب من كبره
إننا ندمن التشويه
نعشقه
لا نعرف الجمال
ولا نقدر الآخر

كلنا مدانون
كلنا مذنبون
كلنا هذا الرجل

شكرا لكم

أحمد يحيى
أحمد يحيى
صورة أحمد يحيى
 
انتو لسه مافهمتوش اللي فهمه السادات بعد 35 سنه

******
  العزيزالشاعر  المبدع د . أحمد يحيى : تحية ومحبة ..
   عرفت عبد الناصر زمان كنت أعتبره عدوا للعراق عندماخطط للإطاحة بعبد الكريم قاسم ونظامه الوطني ... وعرفت عبد الناصر أكثر عندما دعم مؤامرة " عبد الوهاب الشواف " وأمدّها بإذاعة عبر الاراضي السورية عام 1959ليذيع منها الانقلابيون بيانهم الاول ... وعرفته أكثر عندما دعم عبد السلام عارف ـ وقبل ذلك دعمه مجازر الحرس القومي بحق الشيوعيين العراقيين ـ وعرفت عبد الناصر حين استعذب دماء الإخوان المسلمين في مصر ...هذه حقائق لا يقربها الشك ... أما الذي يقربه الشك ـ فهو الجملة في أعلى متن الصفحة من مداخلتي هذه .... جملة " انتم لسه ما فهمتموش اللي فهمه السادات " 

 السادات لم يفهم  الوضع الدولي والإقليمي ـ لكنه نفـّذ ما هو مطلوب منه ... هذا ما قالته وثائق الكتاب الابيض في واشنطن ... وقاله الكسي كوسيجين وكيسنجر والفريق الشاذلي وحسين الشافعي ـ وما جاء في مقال نشرته " يديعوت احرونوت " نقلا عن  موشي دايان

  هل نحن أمة اعتادت المراءاة ؟ نعم الى حد ٍ  ما ... لكن : هل من الانصاف جحد الحقائق وتشويهها واستصدار صكوك غفران  أرضية ؟ واذا كان مثل هذا القفز التاريخ والحقائق مبررا للمغفلين ـ فهل هو مبرر للمثقف باعتباره الذائد عن الحقيقة والعامل بها  ؟   

  وهل من الانصاف مساواة عبد الناصر سد أسوان والقناطر الخيرية وتأميم قناة السويس  ومقاومة العدوان الثلاثي ، مع سادات كامب ديفيد وشرم الشيخ  و الحج الى الكنيست  و استجداء رضوان الـ cia؟
  
  فاتني الاشارة الى أنني  كتبت ضد سياسة عبد الناصر عام 1972تجاه قضية العراق ـ لكنني لن أمتلك الصلف والوقاحة اللازمتين للتشكيك بعروبة عبد الناصر وبوطنية عبد الناصر ..

 لي صديق " في الحقيقة هو استاذي قبل أن يكون صديقي " والمؤكد أنك تعرفه ... هو الشاعر والناقد المصري  الكبير د . كمال نشأت ( سأكون ممتنا لو ساعدتني في الحصول على هاتفه ) قال يوما في أحد دروسه لنا في كلية الاداب : أمتنا بحاجة الى قائد مثل " بن غوريون ... قائد يصنع وطنا لشعبه ـ لا مثل قادتنا الذين يضيعون أوطاننا أو يرهنونها بشعوبها مقابل ثمن بخس هو الجلوس على كرسي قابل للتهشيم " 
 أرجو ألآ يفهم من مداخلتي هذه أنني من المتحاملين على السادات ... فالسادات بات " ظاهرة عربية " أكثر من كونه حالة شخصانية ... وإلآ ما تفسيرنا لقادة عرب يفرشون البساط الأحمر لـ " شقيقهم " شيمون بيريس في قصور حكمهم ـ في وقت لم يكن قد جف فيه دم أطفال قانا والشيخ ياسين والرنتيسي ؟ 

 أحترم رأي الاخ الناصح  ـ لكنني لا آخذ به ... فالاراء كلها صحيحة ـ ولكن : من وجهة نظر المؤمنين بها .
  أرجو أن يتوافر لي الوقت للكتابة عن قصة العزيز عبد الجواد حين أعود من سفري ... فهي وإن كتبت قبل نحو عقد من السنين ـ إلآ أنها تصلح أن تكون انعكاسا لمنجزات حرب 1956 وعبور خط بارليف ـ مثلما تصلح أن تكون إفرازا من إفرازات ما أطلق عليها الفريق الشاذلي واالأكاديميون العسكريون ، مصطلح " ثغرة الدفرسوار " 

  لك وكل الأحبة المتفيئين ظلال ومشغل الورشة ، محبتي وتهنئتي بعيد الفطر ( ولو   أن أعيادنا في ظل الواقع الراهن ، لها شكل المراثي ... أعياد لها زمن ولكن دون مكان ... لها لون ، إنما دون طعم ورائحة   )  
   
  
     
يحيى السماوي
صورة يحيى السماوي
 
العزيز يحيي السماوي
لم أبدأ معكم النقاش لكني كنت أتابع بشغف ، ولي  ملحوظة صغيرة وهي أننا لا نميل لشخص ما طوال الوقت ، هذه ليست موضوعية ، المفترض أننا نميل لموقف ما قام به الشخص ، وليس لكل مواقفه ، أنا مع جمال الذي أحيا فكرة القومية العربية ، رغم أنه لم يكن السبب الوحيد في إحياءها ، يجب أن نرد للأسباب الباقية حقها ، من تقدم وسائل الاتصال - وتوحيد المناهج التعليمية في أقطار الوطن العربي - وتقدم وسائل المواصلات ، وشعور العرب في نفس الوقت بأهمية فكرة القومية العربية ، خاصة بعد ما أعلنه تيودور هرتزل والهجرة المكثفة لفلسطين ، وجدتك توكل لجمال عبد الناصر أعمال لم يقم بها وحده ، ولم تكن إنجازتها له وحده مثل سد أسوان ، حقا هو من قام بهذا الإنجاز ، لكن لا تنس أن تحقيق هذا الإنجاز كان نتيجة إلحاح خبراء مصريين متخصصين ، وبأيد مصرية ناجزة ، ولا تكن كالفراعنه الذين رفضوا أن يوقع الفنان على القطع الفنية لينسبها التاريخ لهم .. وحدهم . بخصوص القناطر الخيرية ، فهذه القناطر بناها محمد علي باشا باني نهضة مصر الحديثة ، وسماها على اسم زوجته خيرية فأنت تعرف سطوة الزوجات في كل آن ، تأميم قناة السويس تقريبا من أهم الأعمال التي قام بها جمال عبد الناصر لكننا نغفل أنها كانت السبب المباشر في العدوان الثلاثي على مصر 29 أكتوبر 56 .. وتحالف قوى عالمية ضد مصر لكنك تعلق صد مصر للعدوان نيشانا على صدر عبد الناصر وهذا ليس حقيقي ، فكتب التاريخ تؤكد أن الفدائيين كان لهم الدور الأكبر وليس الجيش الذي كان ممزقا وغير حقيقي آنذاك ..وكذلك موقف الأمم المتحدة المندد للعدوان ، ولا تنس موقف خرشوف في الاتحاد ( لقد رأيته في فيلم وثائقي يخلع حذاءه ويقول ليس هناك سواه ) وموقف انجلترا المندد للعدوان ، وثروة المتعطلين في كل من انجلترا وفرنسا والإلحاح من قبل الثوار على سحب القوات وتوجيه الأموال لصالح الصناعة والتقدم ،، كذلك رأيتك تغفل أن ننننننككككككسسسسةةةةة 1967 كانت في عصر الجمال عبد الناصر وما خلفته من انكساااااااااار هائل في قلوب العرب ، لنعود إلى أسباب النكسة يا سيدي ونفندها ، لم تكن اسرائيل تحارب بمفردها .. ساندتها أمريكا ، هذا نتيجة السياسة الخاريجية التي اتبعها عبد الناصر ، الميل نحو كتلة واحده ، ثانيا نقلت أمريكا لإسرائيل تعليمات القيادة المصرية ( وأين كان رئيس القيادة المصرية ؟؟) ثالثا عطلت أمريكا لإسرائيل مواقع الرادار المصرية ( الله أكبر على القيادة المصرية ورئيسها ) وبعد.. ماذا كان رد فعل الجمال عبد الناصر يا سيدي ؟؟ وقف أمام الجمهور في مراوغة مكشوفة ليتنحى ، ويقول على أي من الآخرين أن يتولى ، يقصد أحد رجال القيادة ، شمس بدران أو زكريا محيي الدين ، صوته الرخيم أسر الشعب ، لم يكن أمامهم غيره ، (شخص تعرفه خير من شخص لا تعرفه ) مثل مصري صميم ، ومن هذا المنطلق تم إعادة مبايعته .. هذا هو الرجل ، نذكر ما له وما عليه ..
نتحدث عن السادات ..
زارا السادات الكنيست عام 77
 السادات قام بمبادرة كامب ديفيد ، 79
وعقد اتفاقية السلام عام 79
لكنه فعل أشياء وأشياء قبلها يا سيدي
1- تحركات مصر في الفترة التي أعقبت 67
وهي تحركات داخلية وخارجية ، أهمها تنقية الأجواء العربية من عدم الثقة وإقناع العالم بأهمية الحق العربي وقضية فلسطين ،2- الاتفاق نع سوريا على خطة موحده 3-حرب استنزاف 4- توحيد الجبهة الداخلية وإنقا ذالحالة الاقتصادية لمصر وإصدار الدستور الدائم 71 ..ولا تنس يا أخي حرب أكتوبر رغم سلبياتها ، ورغم ثغرة الدفرسوار التي أشرت إليها .. لقد منحتنا الحرب نصرا كان كنقطة انطلاق من جديد ، لم يكن نصرا حاسما وإنما كان نقطة بداية ، هل تستهين بها .. هل نرفع حسن نصر الله عاليا لأنه ألقى عدة صورايخ لم تصب أي من المناطق الحيوية وسقط معظمها في الخلاء وننظر لحرب أكتوبر على أنها لم تغير شيئا في موازين القوى بالشرق الأوسط ؟؟ ولم يكن لها الأثر الأكبر على العلاقات العربية العربية والعلاقات العربية بالدول الخارجية ..!!!

لنعود إلى مراجعك ووثائقك
كيسنجر .. أمريكي
حسين الشاذلي .. اجمعت الآراء في مصر على بلبلة فكره وعدم دقة مذكراته .
يدعوت أحرانوت !!!

كل الود ولا تنس أن خلاف الرأى لا يفسد للود قضية
منى الشيمى
صورة منى الشيمى
 

  لم أزعم أن عبد الناصر كان ملاكا ... فقد وصفته بالبسماركية ـ والبسماركية كمصطلح سياسي بمثابة شتيمة مؤدبة ، لأنها تعني وجها من وجوه الشوفينية القومية ... ووصفته بالتآمر على العراق ، وباستباحته دم الاخوان المسلمين .. لكنني أشرت الى حقيقتين يعرفهما التاريخ .. أولهما وطنيته الصادقة التي لا يُشكك بها حتى مناوئوه السياسيون ..وثاني هاتين الحقيقتين ، أن الامة العربية كانت في زمن عبد الناصر أمة فعل وليس رد فعل ..وكانت مصر في زمنه احدى أهم دول مجموعة عدم الانحياز ... وأما السد العالي ، فالوثائق تقول إن عبد الناصر لجأ الى الاتحاد السوفياتي عندما عرف ان الغرب اراد مساومته في صنع القرار الساسي المصري مقابل انجاز السد ..

 بخصوص العدوان الثلاثي ودحره ، فالبديهي ، ان الذي صد العدوان هو الجيش وظهيره الشعب .... ما من حرب في التاريخ ، انجز النصر فيها القائد ـ انما الجنود وظهيرهم ـ بما في ذلك الحروب التي خاضها الانبياء والمرسلون ..

  استشهادي بكيسنجر هو تزكية لعبد الناصر ـ فكيسنجر رغم يهوديته وكونه عراب السياسة الخارجية الامريكية ، كان ينظر الى عبد الناصر على  أنه الحجر الذي يعترض مشروعه في تفتيت المنطقة وتدجين العرب ... واذا كان السيد حسين الشافعي مشطور الذاكرة متذبذبها ـ فالفريق سعد الدين الشاذلي كان ذا ذاكرة صافية مثل مرايا العرس ـ ولعل كتابه عن حرب اكتوبر وخفاياها أحد أهم المراجع التاريخية حول الموضوع ـ إضافة الى شهادته الموئقة تلفازيا في برنامج " شاهد من هذا العصر "

 عبد الناصر خرج بخطاب عاطفي بعد النكسة ؟  هذا صحيح .... فهل لك سيدتي الاخت ، التفضل علي برئيس مصري ـ بل وحتى عربي ـ امتلك الشرف السياسي فخرج للشعب معلنا عن تحمله اسباب النكسة ، مقدما استقالته ؟ أم ترينهم يتمسكون بالسلطة على رغم ما الحقوه بشعوبهم من كوارث ـ وعلى رغم المطالب التي ترفعها حركات شعبية ومنظمات مهنية مطالبة ب ـ " كفاية بهدلة ونفاق سياسي وشد احزمة على بطون خاوية ( بل ويخططون لتوريث أبنائهم  عربة السلطة وحصان  الحزب   )  

  لقد شاهدت جماهير الشعوب العربية ( وقبلها المصرية ) كيف ندبت بأسى عبد الناصر حين توفاه الله .... كنت وقتذاك في هنغاريا ـ فتفاجأت  بنادل الفندق يقدم لي مواساة ... وحين قتل السادات ، شاهدت بعيني صاحب مقهى يوزع الشاي مجانا وربي 
 
 تحركات ما بعد النكسة لم تكن وليدة السادات سيدتي الاخت ... كانت وليدة جامعة الدول العربية والمنظومة الاشتراكية  ... صحيح ان جامعة الدول ـ كانت وما تزال ـ بمثابة فرع من فروع وزارة الخارجية المصرية ـ الأمر الذي حمل ثلثي أعضائها على المطالبة في إعادة النظر بآلية عملها ـ لكن الصحيح أيضا ، انها بذلت جهودا حثيثة لوقف التداعي العربي عقب النكسة ، فتبرعت دول الخليج بالاموال لإعادة بناء القوات المسلحة ، وعملت موسكو على جدولة الديون المصرية واعادة تجهيز قوات ما كانت تسمى ب ـ " دول المواحهة " بما فيها العراق الذي لم يكن دولة طوق    

 وماذا بعد ؟ حرب اكتوبر ؟ انها النافذة الوحيدة المضيئة في ليلنا العربي ـ طبعا مع الأخذ بنظر الاعتبار أن جمال عبد الناصر كان وراء فكرة الاعداد لمستلزمات نجاحها باعتراف رئيس هيئة اركان الحرب الشاذلي وباعتراف الكسي كوسيجين ووزير دفاع موسكو الذي لا يحضرني اسمه الان   ... 

 انا ممن يتباهون بمنجزات حرب اكتوبر ، وبتحطيم اسطورة خط بارليف ( وبالمناسبة ، فقد كان للشاذلي والمشير أبو غزالة فضل على العراق حين استعاد الفاو في حرب الخليج الاولى التي افتعل صدام حسين اسبابها بطلب امريكي ـ وبدعم عربي مفضوح )

  وبالمناسبة أيضا ، ان زوج ابنة خالتي المقدم طيار " سامي المهناوي " قد استشهد في سماء مصر وليس في سماء السماوة ... وانا فخور به لانه كان من بين  طياري سرب طائرات الهنتر العراقية التي شاركت في حرب اكتوبر منطلقة من مطار عسكري داخل القاهرة التي شهدت ولادة ابنته " سيناء " اذ كان السرب موجودا في القاهرة قبل الحرب بشهور ..   "  

  اتعلمين مَنْ نقل الى امريكا واسرائيل خبر الحرب قبل وقوعها ؟ انهم ليسوا المصريين يا سيدتي ... انما : الملك حسين ـ وكان افشاء السر وساعة الصفر السبب في تنامي توتر العلاقة بين مصر والاردن، وسوريا والاردن ـ بل وانعكست اثارها على العلاقة بين ليبيا والاردن ومن ثم بين العراق والاردن .  

  الحديث طويل سيدتي الاخت ـ فلا تتوهمي أننا مختلفان ... نحن متفقان تماما على منجزات حرب اكتوبر ـ الأحرى : انا ممن أعادت لي حرب اكتوبر بعضا من كرامتي التي هدرها القادة العرب ( أقصد بعض القادة العرب الذين يستحقون وسام نجمة داوود الاسرائيلي ـ لقاءما قدموه من خدمة للكيان الصهيوني ـ لكن هذا الكيان عديم الحياء ، فهو لا يكافئ خادمي مشروعه ، فيعلن بعد حين من الدهر عن عمالتهم   ولقاءاتهم السرية في تل ابيب وفي عواصم غربية عديدة ـ في نفس الوقت الذي كانت فيه   خطاباتهم تسيل من صنابير الاذاعات  وهم يتوعدون  العدو بالويل والثبور .....) 

 هل سمعت في حياتك ، عن رئيس دولة ( رئيس دولة وليس شيخ عشيرة او عضو نقابة .... يعني عاهل دولة عضو في الامم المتحدة )ـ يتقاضى راتبا سنويا من واشنطن ؟ 

  اذا لم تصدقيني ، فاسألي الرئيس الامريكي جيمي كارتر ، فهو الذي فضح هذا السر ... والراتب السنوي مقداره مليون دولار  ... 
  دمت مبدعة مع ودي وثنائي .
 
يحيى السماوي
صورة يحيى السماوي
 
أستاذ عبد الجواد .. عجيب هذا الإنترنت ، ولقاؤنا هنا .. أجدني ملتزمة أديبا للعودة إلى النص .. لأني لم أقل بخصوصه شيئا عندما دخلت في المرة السابقة ، طبعا أنت قامة ، وفي بدايتي الأدبية تعلمت الكثير من نقدك ومن أدبك الذي أتاحته لي الظروف وقتها .. على كل حال ما زلت في أول الطريق ، وما زلت لي معلما  أسترشد بقصصه .. ورؤاه النقدية .
كل المودة وعيدك سعيد
منى الشيمى
صورة منى الشيمى
 
الأخ الأديب / حميد العقابي
لك التحية وكامل التقدير
 كامل الشكر على تفضلك بالقراءة ، ومثابرتك إلى هذا الحد الذي وصفته ، وأعترف لك أن القصة طويلة جدًا ، وربما أنها هكذا ولدت بمقاييسها الخاصة السوبر ، وأعترف لك أن قراء هذا النوع من القصص نادرين على النت ، ومن ثم استوجب الأمر أن أشكرك كثيرًا ، ولعلك كنت سببًا غير مباشر فى تفجر النقاش أسفله ، وإن كان خارج النص ، إنها بالفعل نقاشات ساخنة بدأت بوقفتك الجادة مع النص ـ
أما عن رأيك فى النص فسيظل تاجًا على الرأس
لك مودة عبدالجواد خفاجى

عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى
 
الأخ الكريم سامي العامري
لك التحية
أشكر لك تفضلك بالقراءة والتعليق
ولعلني محظوظ بوقفتك مع النص وسعادتى أكثر برأيك المستنير
لك كامل المودة
عبدالجواد خفاجى
عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى
 
الأيبة فاتن البقري
لك الاحية والتقدير
أسعدنى مرورك الكريم وتوقفك عند النص رغم جهد القراءة بسبب طول النص
أعترف أن النص مرهق
ولذلك وجب الشكر لك
رأيك لا شك سيظل طويلاً نبراسًا يضيء الطريق 
لك كامل المودة 
عبدالجواد خفاجى 
عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى
 
الشاعر الكبير يحيي السماوي
لك التحية
لكم أنت رائع في ردودك وتفاعلك مع النصوص ، ولكم أنت نبيل أيضًا حينما تؤثرني بمثل هذا الاهتمام رغم مشاغلك
لك التحية أيها السندباد الجميل ولى بشاشتك الدائمة حين تبسم فى وجه النصوص
شكرًا شكرًا ومودة عبدالجواد خفاجى الدائمة
عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى
 
لقد أسعدتني أيتها الصدوق الأديبة الجادة منى الشيمي بوقفتك البهية مع النص 
إلى لقاء 
مودة 
عبدالجواد خفاجى  
عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات