You are here
خطو ط متقاطعة

خطوط متقاطعة
محمد عطية محمود
(1)
تستقبلني نسائم الصباح الرطبة ، تدغدغ حواسي . يتلقفني الميدان الفسيح ـ الغاص في حركات بشرية آلية مدهشة .. يلفظنى نحو الشارع التجاري الطويل ؛ تواجهني واجهات عرض محلاته الموصدة .
" الموعد المتفق عليه لا يزال أمامه وقت حتى يحين ؛ لكن العجلة تدفعني دائما إلى التبكير "
تنخرط خطواتي في مشي وئيد ،تتقدم .. تتأخر .. ترتاد ـ قافلة ـ خطها المقطوع .. تعاود التوقف ـ حيث بدأت ـ عند ناصية تقاطع الشارع بآخر .
"
الفتاة خمرية اللون ، متسقة الجسد ـ التي كانت تجلس قبالتي في (الباص) ..
تلفها نظراتي المتتابعة من خلف ضفتي الجريدة ـ حال بيني وبينها صعود
الركاب ونزولهم . اختفت قبل أن تودعها عيناي المتشاغلتان
الجريدة الصباحية منذ انفضت بكارة صفحاتها ، عناوينها الرئيسية ثم أغلقت ، لم تبارح إبطي المستكين عليها "
تقحمني معدتي الخاوية في محل الوجبات السريعة . أعود بخطوات يحفها الأمل ؛ أن تلحق بها خطواته نحو الناصية .
" لم يخبرني من أي اتجاهات التقاطع سوف يأتي ؛ حيث نبدأ إحدى محاولاتنا الجادة ، لكن همسه بادرني :
أن تعذر وصولي في الميعاد ؛ فسوف يكون لقاؤنا بالمقهى . "
تتحرك
جبال الوقت ، كحركة قدميّ المقيدتين داخل حذائي . هاتفي الساكن بجيبي
يلازمه خرس لا يبارحه ، ولو للحظة . يأتيني فيها صوته ينبئ بقرب مجيئه .
تتردد التفاتاتي نحو جهات التقاطع الأربعة .. ثم تأخذني قدماي نحو المقهى ـ قليل الرواد ـ في مواجهة السور الحجري الواطئ للبحر .
(2)
تنساب
النقوشات عبر جدارات المقهى اللامعة ، زجاجية الملمس .. تتوزع بانتظام .
تعترضها خطوط عريضة متقاطعة موشاة بأغصان ملتفة .. تتفاوت الألوان ،
وتتقارب .. تحيط بلون الخطوط الرمادي الرصين ، لا يقطع تواصلها إلا حدود
المربعات الفاصلة .
يوقف امتدادها من أعلى إطار خشبي ، يتنازع الأسود والبني الغامق لون طلائه .
أعالج كوب الشاي بحفنة من السكر . أتناول رشفة منه .. أوقن حاجته للمزيد . تبادر يدي بإخراج الهاتف من جيبي .
" ربما أدركه اتصال ، ولم تلتقط رنته أذناي "
يجثم الهاتف فوق المنضدة خاليا من أي محاولة للاتصال . يعيقني نفاد شحنة عن المبادرة بتوصيل صوتي إليه
مع
رشفات من كوب الشاي ، تجزعني الأولى ، يقل الجزع مع الثانية ، يعتاد
اللسان ميوعة المذاق في الثالثة . تعاود الأنامل اختراق صفحات الجريدة .
تفاضل عيناي ما بين التوغل فيما بعد العناوين ، والشرود فيما وراء السور
الحجري ، في انتظار قدومه .
محمد عطية محمود
الاسكندرية
مصر
11/05/2006 - 22:29
القسم:

