You are here

الصفحة الرئيسية

خيرها فى غيرها




خيرها فى غيرها
د.رضا صالح



كانت عيناه متألقتين ؛ أتجه بهما إلى سماوات متباينة ؛ تبعا للآمال التى ظلت تداعب فكره وتدغدغ مشاعره طويلا
قال: "سوف أشترى السيارة أولا قبل الأرض لأن مدينة السلام بعيدة ، تحتاج إلى سيارة ؛ ستكون أساسية ، لكن ما رأيك ؟ أى ماركة؟ شاهين ؟ فيات ؟ الأولاد يقولون لا يا بابا ؛ من الأفضل أن نشترى دايو، زمان كنت أمتلك عربة كرايزلر بعتها بتراب الفلوس؛ بعدها أنهينا الشركة، كان عندى شركة مقاولات كبيرة ، كنت أتحرك بسيارة بيجو ؛ لكن السيارات اليابانى أجمل.. ما رأيك ؛ نركز على اليابانى ؟"
نظرت إليه، كان مندمجا فى الأحلام ، لم أشأ أن أقاطعه ، ربما تتحقق أحلامه ..
---***---
صاحبى يمتلك جزءا من بيت عتيق يقع على ناصية معروفة بالقرب من ميدان فسيح بوسط البلد ، كان على بعد خطوات من بيتى ، نتزاور بسهولة ، أراد أن يبيع نصيبه ، عندما أزوره أحدق جيدا فى مدخل البيت وقد تصدعت أركانه؛ كنت أرى درجات السلم المتهاوية ، الشقوق والبروزات والهبوط فى معظم الدرجات ، عندما أرفع نظرى إلى الحوائط أجد شقوقا طوليه تطالع عيناى ، ، هذا الشق العميق الزجزاج وقد أخذ مجراه من السقف حتى منبت العمود ، أتساند بيداى على الدرابزين حتى لا أتزحلق على درجة معوجة .أحببت الدخول إلى شرفته لأتمتع بالزهور والنباتات التى يحبها ويهتم بزراعتها فى أصص عديدة، عندما أنثر عليها قطرات الماء ؛ تفوح رائحتها العطرة ، آنست إليها مستبشرا منشرح الصدر ،لا أملها ولا أشبع منها.
تنحنحت ؛ أكمل كلامه:
ارتفع ثمنه هذه الأيام ؛ والدى بناه فى الرخص ، لابد أن نخرج من عنق الزجاجة؛ السمسار قال لى اشترى 400 متر أحسن ، لكن الأولاد يقولون 200 متر والباقى تضعه فى البناء والتشطيب ، سمعت إن التشطيبات غالية هذه الأيام ، لكنى أفضل الامتداد أفقيا ، لا أحب الصعود لأعلى (تبسم) لا أحب أن أكون مثل فرعون (أنا ربكم الأعلى ) أعوذ بالله.
لم أجد ما أقوله ، فقط تمنيت أن تتحقق هذه الأفكار ، قلت له :
المنطقة هنا حية وفى وسط البلد , رد قائلا :
مدينة السلام جوها صحى وجميل ..أحسن حاجة الهدوء أنا مفتقد الهدوء هنا ؛ طول النهار الباعة وكلاكسات السيارات لا تتوقف عن الصراخ ..
أخذ نفسا عميقا وأكمل :
فيه واحد صاحب ابنى يعرف قطعة أرض للبيع فى طريق شل ، الموقع هادى، كان فيه أشجار نخيل كثيفة وحديقة بعد مدافن اليهود، منطقة رائعة فى الهدوء ، ستكون أقرب إلى قلب المدينة من حى السلام ، وأسهل بالنسبة للمواصلات ، لكن الحاجة تقول عيبها إنها تطل على المقابر ، سنرى المقابر من الشرفة ، قلت لها اقفلى الشباك ..ما رأيك ؟
أفقت من غفوة كادت تدهمني ،قلت متسرعا :
نعم ؟ تقفل الشباك طبعا ..لماذا تفتحه؟ لو جاءك منه الريح سده و استريح ..
ضحك وقال :
لا ..لا أقصد رأيك فى الشباك ، ولكن أقصد رأيك فى اختيار المكان .
قلت :
نعم ..نعم ..لابد من أخذ رأى الأولاد ، هم الجيل الجديد ، وخصوصا أنهم كبروا الآن على ما أعتقد ..
نعم ثلاثة منهم متزوجون ، لى سبعة أحفاد ..
صمت قليلا ثم استأنف :
المشترى مليونير ؛ تاجر كبير من المنصورة ، عنده مزرعة ومحطة تربية طيور.. أخوه يعمل معه ، اتفقنا على السعر ، حوالى 4 مليون ..سيكون نصيبنا الثلث ، يعنى أكثر من مليون ؛ حوالى مليون وثلث ، مضبوط
قلت مؤكدا :
مضبوط, أكمل ضاحكا :
سندخل فى دائرة المليونيرات !!
---***---
قلت له :
هل أنهيتم مشكلة أصحاب المحلات ؟
سرح بذهنه وتغيرت سحنته ؛ كل شىء يجىء بالتفاهم ماعدا هذا الملعون ...
من هذا ؟
عضو لجنة الحزب ,الله يخرب بيته وبيت ال...
لحقته سريعا :
لا تجعله يكسب على حسابك, سوف يأخذ من حسناتك إذا تماديت فى سبه.
قال منزعجا :
وهل مثل هذا الملعون له حسنات ؟ هذا لا يفكر سوى فى الفلوس كل شىء عنده فلوس , هذا يساوى كم ؟ لا يتذكر الإحسان الذى قدمناه أيام زمان عندما أجر المحل بأربعة جنيه ، اليوم لا يقبل بربع مليون ليترك المكان , شىء يجنن, وهل نحن أصحاب بيوت الآن ؟ نحن عبيد عند المستأجرين ، والدولة تحميهم , وتفترض أنهم غلابة ...أقول لك حاجة ؟
تفضل
أنا أزعجتك .
يا سيدى العفو
سوف أزرع حول البيت ، أنا غاوي زراعة ، والحاجة تحب تربية الطيور فوق سطح البيت ، ممكن نزرع الخضار البيتى ، بامية وملوخية وباذنجان وفلفل وطماطم وجرجير وخس ..الأرض هناك خصبة وحلوة ، تحب من يحبها ، الأرض دائما معطاءة.
طبعا طبعا...
إيه رأيك ..لازم نبنى السور الأول ، السور مهم.. أنا سمعت إن الحرامية سرقوا الكابلات وغطيان المجارى وحديد التسليح فى مدينة السلام؛ صح الكلام ؟
صّدق .
يعنى لا يوجد أمان ؟ عموما سنضع كل حاجتنا داخل السور ، وخصوصا إن الحديد غالى هذه الأبام (ضحك).
---***---
اعتدل فى جلسته ورشف رشفة من فنجانه ، نظر إلىّ وأكمل كلامه بنفس الوتيرة الهادئة :
" ربنا يسهل ، سيكون كل ولد فى شقة ؛ وسوف أسكن أنا بالدور الأول ،،لا أحب ...
سرح بنظره وهو يضع الفنجان ، انسكبت القهوة على ملابسه ،أردف:
"خيرا خيرا... اللهم اجعله خيرا، سمعت إن دلق القهوة خير "؛ ناولته فوطة ، مسح بها ملابسه ، أكمل قائلا:
" أنا أحب الدور الأول ؛ أنت عارف مفاصلى تعبت ، الركب لا ينفع معها علاج ، يبدو أن السن عليه عمل "
قلت مبتسما :"سن إيه ؟ أنت مازلت شابا ..
الدكتور قال خشونة فى المفاصل ، كتب لى علاج فيه كورتيزون ؛ وأنا أعرف إن الكورتيزون له مضاعفات "
أحسست وهو يتحدث كأنه مازال شابا بالرغم من تواجده بالعقد السابع ، أحببت صراحته وتفاؤله بالحياة ؛قلت له قبل أن أغادر :
أريد أن أقطف زهرة
قال بلطف ؛ معتذرا :
لم تزهر حتى اليوم !!
---***---
بعد أسبوعين تقريبا من هذا التاريخ هاتفنى ، قال دون أى نبرة يأس أو أسى :
مشروع البيع توقف ..
فى أعماقى كنت فرحا ؛ لتواجده بالقرب منى ، فقد تعودت على زيارته؛ وصادفت صراحته هوى فى نفسى، ولمس بصدقه وترا ضعيفا فى قلبى ، لم أرحب بسكناه بعيدا ، ولن أفرح عندما أرى بيته وقد تحول إلى أطلال ، وتحولت الذكرى إلى دروب للنسيان ، حتى ولو رأيت مكانه صرحا هائلا من الأسمنت والحديد ولافته ضخمة كتب عليها" شقق للتمليك " ، لن أفرح عندما أرى برجا هائلا وقد أنتصب ليحتل بيته الذى طالما تقابلنا فيه ، وتجاذبنا أطراف الحديث فى الفن والأدب ..
سألته وقد أبديت انزعاجى :
لماذا؟
أجابنى ببساطة :
انفلونزا الطيور أثرت على التجار ، المزارع قفلت ، والرجل اعتذر عن الشراء.


د.رضا صالح
السويس- أبريل 2006

صورة د.رضا صالح
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات