You are here
دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )

دستور خيري في .."كتاب التوهمات"
شوقي عبد الحميد يحيى
طبعة جديدة تصدر في العام السادس من القرن الجديد من رواية خيري عبد الجواد الأولي " كتاب التوهمات " الصادرة لأول مرة في العام الثاني والتسعين من القرن الماضي .أي أن أربعة عشر عاما قد مضت علي ظهور الرواية الأولي ، الأمر الذي يجعل الرؤية لها رؤية تاريخية بعد أن سارت دراساتنا السابقة برؤية جغرافية ، بمعني أن رؤيتنا للروايات السابقة كانت تبحث في موقع الرواية والكاتب من الإبداع الروائي في هذه الحقبة ، بينما تفرض رواية كتاب التوهمات الرؤية إليها – إلي جانب ذلك – موقعها في إبداع الكاتب ، وما موقعها في التاريخ الكتابي للكاتب ، وكيف تكون النظرة إليها بعد أربعة عشر عاما .
أستطيع القول من البداية أنه رغم مرور هذه السنوات فإن الرواية تقرأ كما لو أنها كتبت هذه الأيام ، بل لو أنها قرأت بعد مائة عام من الأن لقرأت أيضا ، ذلك حيث اختار كاتبها موضوعا أزليا سيبقي ما كانت هناك حياة ، إذ أن الحياة لابد أن يتبعها الموت ، فكتاب التوهمات – مثلما " كتاب الموتي " الفرعوني يدور حول رحلة الموت أو الرحلة نحو النهار ، حيث لم يكن الموت هو النهاية وإنما كان الرحلة إلي الخلود أو إلي النهار – كذلك يدور كتاب التوهمات عن رحلة الموت ، موت أمينة والدة الراوي التي رحلت من كوم الضبع إلي بولاق الدكرور لتتزوج ممن يكبرها بمائة عام إلا ستين ، هاهي الأن ترحل من بولاق الدكرور إلي كوم الضبع محمولة في رحلتها الأخيرة ، كذلك نفس الرحلة بالنسب للأب من وإلي كوم الضبع ، ثم رحيل كل من عرف الراوي ، حتي وكأن كل من علي الأرض رحلوا ولا يبقي سوي ملك الموت ، فيأمره الله بقبض روحه فيموت هو الآخر وكأن " طباخ السم بيدوقه " .
فالموت إذن هو المهيمن علي العمل ، ولكن الموت موضوع قديم قدم الوجود ، غير أن خيري عبد الجواد يعترف بأن الأفكار ملاقة علي قارعة الطريق ، والمهم كيفيف تناول هذه الأفكار . فكيف كان تناوله للفكرة ؟
أصدر خيري عبد الجواد خمس روايات بعد " كتاب التوهمات " فضلا عن مجموعتان قصصيتان – وكان قبلها قد أصدر ثلاث مجموعات أخري – والمتابع لهذه الأعمال لابد واجد كتاب التوهمات واضحا فيها بقوة ، وكأنه بها قد وضع الأساس وما جاء بعدها أعمدة البنيان المعماري الذي يحمل اسم خيري عبد الجواد ، والتي تتمثل بصفة عامة في الإخلاص والصدق مع البيئة الشعبية التي يمكن معها القول بأنه إذا كان نجيب محفوظ قد نحت روائعه الباقية من داخل الحارة وانطلق منها إلي القضايا الأوسع من الحارة ، فكان ضغوط الوطن القاهرة في العديد منها ( اللص والكلاب ، ثرثرة فوق النيل ، ميرامار ، وغيرها وغيرها ) وكذلك القضايا الأوسع من الوطن كذلك ( أولاد حارتنا ) ، فإن خيري عبد الجواد – أيضا – قد نحت أعماله من داخل الحي ، حي بولاق الدكرور ، ذلك المكان الذي احتشد فيه العديد من الظواهر الشديدة الخصوصية ، والتي استطاع منها خيري أن ينطلق إلي الرؤي الأرحب والعوالم الأوسع . فما هي الخصائص الإسلوبية التي أرساها في كتاب التوهمات وتفرعت فيما أتي بعدها من أعمال حتي أنه يمكن القول بأن " كتاب التوهمات كان بمثابة الدستور الذي تفرعت منه القوانين فيما تلا من أعمال ؟
العناصر الدينية
1 - القرآن
للدين في المناطق الشعبية دور هام وحيوى ، وللقرآن فيه قدسية تعلوها في المناطق الأخرى ، وإن كان أكثر وجودا في الموت ، يقرأونه حين الموت ، ويقرأونه عند المقابر ، ويقرأونه في العزاء ، إلا أنه أيضا محرك أساسي في كل لحظة من حياتهم ، به يتعبدون ، وبه يبدأون كل أعمالهم ، وبه أيضا ينهونها . فهو متغلغل في نسيج الحياة ، لذا فقد نسجه خيري عبد الجواد في سرده كما ينسج الخيط الأبيض مع الخيط الأسود في الثوب الواحد ، حتيى لتستطيع القول بأن السرد في كتاب التوهمات جاء سردا قرآنيا ،وإن لم يزل سردا بشريا تشرب لغة القرآن . فإذا كان القرآن يدعو الأبناء للرحة بالأباء والأمهات ، وأن يصاحبونهم في الدنيا معروفا ، ويضيف المفسرون بأن الأم هى التي حملت الأبن في بطنها وخارج بطنها بينما هو صغير لا يقوي علي الفعل ، بينما نري في " كتاب التوهمات " أن الإبن هو الذي حمل الأم وسعي بها نحو الطبيب ، وهو الذي حملها إلي كوم الضبع بعد أن أخبره الطبيب بأنها تموت ، فنري الراوي – الفاعل – يقول :
{ .. لكن أمي عاندتنى ، هي التى لم تقل لي أف من قبل ولا نهرتني ، وصاحبتني في الدنيا معروفا .. } وكأنه كذلك يعبر عن رحلة الحياة – لا الموت – وكيف أن الويلد يحبو ثم يصير شابا فكهلا فشيخا ، وكأنما يعود طفلا من جديد { ومن نعمره ننكسه في الخلق .. } . ويجعل خيري من الرحلة إلي بولاق الدكرور رحلة الحياة ورحلة العودة إلي كوم الضبع رحلة الموت ، لتكتمل بهما رحلة الحياة ينسجها باستلهام الآيات والأحاديث :
{ .. إن العودة آتية لا ريب فيها ، تكاد تخفي عن أعينكم ، فاذكروا كوم الضبع تذكركم ، ومن أتاها هرولة حرمت جسده علي دود الأرض ، وحرمت الشجاع الأقرع أن يمسه بقرح – هذه وصيتي فاستوصوا ولاتهنوا ولا تحزنوا .. } .
2 – الأولياء
للأولياء في المناطق الشعبية والريفية دور خطير في التبرك وسؤال الحاجة في انتظار الكرامات المنجيات من أزمات الدنيا ، بل قد يصل إلي حد التقديس ، وللأولياء في أعمال خيري عبد الجواد وجود ضاغط وفاعل ، يعبر به عن روح تلك المناطق – الشعبية و الريفية – حيث يمضي في استلهام آيات القرآن أيضا في التعبير عن منظور تلك المناطق للأولياء ، مستخدما الآيات الدالة علي حديث موسي الكليم لربه ورغبته في رؤيته – حين قال (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ارني انظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين ) كي يعبرعن مدي نظرة أفراد تلك المناطق للأولياء فنري أمينة حينما تتحدث عن الشيخ عبد الله الضبعي – وليّ القرية وتصف ما دار بينهما من حوار في رؤيا رأتها :
{ .. سلام عليك أمينة يوم ولدت ويوم تموتين ويوم نبعثين حية . فرددت عليه بمثل ما قال ويزيد .
قلت : أرني أنظر إليك . قال : لن تريني ، ولكن انظري إلي شفتي ّ فإن تحركتا فسوف تريني .
فلما نظرت إليهما خررت صعقة ، ولما أفقت تأسفت في قلبي ، وعلمت أن رؤيته محال ، وخفت غضبه مني قلت مولاي اجعل لي آية ... } .
إلا أن الكاتب لم يرد أن يفهم القارئ الحوار والنظرة بأكثر مما يريد ، فأراد أن يرد الحوار إلي البشر فأتي بحوار موسي – كذلك – مع الخضر كي يكون الحوار بشر مع بشر فيكمل الحوار الدائر بين أمينة والشيخ الضبعي : { .. وقال : مع السلامة يا أمينة . ثم قال : وهذا فراق بيني وبينك . فعلمت أن زمن الموت آت لا ريب فيه .. } .
ثم يستمر الراوي في إظهار نظرة تلك الأم – أمينة – إلي الولي – الضبعي – وما له من قدرة حيث تستمر الأم في الحديث عن رؤيتها للضبعي بعد أن ناخ المرض عليها :
{ .. لحظة أتاني في المنام ، ضم نفسي إلي نفسه فكدت أفارق ، لكنه طمأنني ، وأشار لي بالكلام وأذن بالشكوي فبدأت : طبيبي معي جرح واجعني ، أخاف أقول آه لكلام الناس يوجعني . طبطب علي ظهري فكان بردا وسلاما فأكملت : الصبر مني اشتكي يا طهري . ألحق أقول لكم ، طيب خاطري ، ووعدني بالشفاء .. } .
الموروث .. روافد وانعكاسات
لايستطيع قارئ لكتابات خيري عبد الجواد - قصة أو رواية – إلا أن يجد نفسه يغوص في طين الحارة ، ويملأ أنفه عبق الزمن والتاريخ ، ويشعر بملمس الأوراق الصفراء الناضحة بعرق الجدود . وكأنه الراوي الشعبي الشفاهي يحمل ربابته ، يوهمنا بأنه يحكي عن الراحلين ، بينما هو يبكينا علي العائشين . فالجذور هي التي تحدد الثمار ، والجذور هي الملتصقة بالأرض ، وجذور الإنسان هي تاريخه ، فلمعرفته ، كان لابد من معرفة الجذور . فالمتوارث من عادات وأقوال الجدود ، هو المعبر عن طبائعهم وسلوكهم ، وهو الممتد في شعيرات غير مرئية عبر الزمن ليتغلغل فينا .
ولقد لعب الراوي الشفاهي بربابته المحببة دور المؤرخ الحاكي عنم مضوا .
وفي كتاب التوهمات ، يحمل الراوي ربابته ، ويجلس علي دكة المنشد المغني وراح يستعرض ما فات من الراحلين متكئا علي كل عناصر الموروث والتي تمثل بعضها فيما يلي
1 – الراوي والربابة
يمسك الراوي بربابته ، يجلس علي الدكة وسط جمع من الناس المشدودين إليه بحبل خفي ، بحثا عن بطولات السابقين ، ومخلص الضعفاء من المتجبرين والظالمين ، مستثيرا مخيلة سامعيه ، وشدهم إليه باستخدام الشعر الشعبي والسجع من الكلام .
وعلي الرغم من وجود أجهزة الإعلام الجبارة ، إلا أن الإقبال علي هذا النوع من التجمع الشعبي لا زال يجد رواجا ، خاصة بين الشباب ، ربما بحثا عن المنقذ أو المخلص في سير السابقين ، وكأنهم لا زالوا في النتظار أبو زيد الهلالي أو الزناتي خليفة ، أو عنترة . ولاشك – عندي – أن هذا يؤصل حقيقة وجدت في الإنسان العربي عامة ، والمصري خاصة ، وهي الجلوس وانتظار المخلص . هو لا يفعل ، ولكنه ينتظر – وربما – يبحث عمن يفعل .
وخيري عبد الجواد باستخدامه هذا الإسلوب ، فكأنه يضع أيدينا علي خاصية أصيلة في الشعب المصري ، ربما يضعنا في مواجهة أنفسنا ، فقد تدفعنا رؤيتنا لأنفسنا في المرآة ، إلي التغيير ، ومحاولة التغيير . ففي معرض توهم راوينا يؤكد هذا المعني ويرسمه وكأنه يحمل الكاميرة ويدور بها لينقل لنا المشهد :
{ .. توهمت أنني منشد ربابة ، وهو توهم طالما تمنيته واشنهيته . أمسكت ربابتي ، آلة حكيي الحبيبة ، وبين يدي اجتمع نفر من الناس ، وأنا جلست علي دكة خشبية متربعا .. }
ويحمل راوينا ربابته ويبدأ منشدا :
{ .. أنا أول ما نبدي القول نصلي علي النبي . نبي عربي لم بعد نوره نور ، بعد مدحي في جمال محمد ، اصغوا لكلامي عن وجوه أخيار ...} .
ويصل بالراوي تلبس دور الراوي الشعبي حين يتواصل مع سامعيه – وقائيه - ، وكأن بالقارئ للرواية قد جلس في لمة السامعين ويسمع المنشد يقول :
{ .. فربابتي علي كتفي ، والقوس في يدي ، ولساني لا يتوقف ، آه لساني ، هل تصدقون أن صاحبي قتله لسان ، أسمع من يقول : وكيف كان ذلك ؟ صلوا علي من يشفع فيكم : .. } .
2- العدودة
والعدودة هي احتفال من نوع ما ، تمارسه النسوة في المناطق الشعبية والريفية ، وهو مجموعة من الأشعار التي تؤدي في حالات الموت ، بل وهو أحد روافد الفن الشعبي الذي يعد تعبيراعن الهلع وإظهار الحزن ، وإظهار أهمية المتوفي ، تردد النسوة مجموعة من الأشعار التي من كثرة ترديدها لدي كل ميت حتي باتت من المأثورات الدالة علي تلك المناطق ، وحتي بات لكل منطقة عدودتها المميزة لها .
وإذا كان " كتاب التوهمات " هو كتاب الموتي ، فما كان له ألا يستخدم العدودة كأحد وسائله للوصل إلي مكنون تلك البيئة التي أخلص لها وأبي علي نفسه إلا أن يكشف خباياها ، مستخدما ذلك المصباح الكاشف عن الأعماق أكثر مما هو كاشف عن الظاهر .
فإذا كان الرجل هو العمود الأساسي في البيت ، وبموته تهدم البيت ، نجد خيري يسوق تلك العدودة التي تكشف تلك النظرة دون شرح أو توضيح :
[ كان عندنا منه ، كان عندنا منه ، وموت الرجال هو الخراب كله ] ، [ يا مرحبا الليلة – يامّا القبر بقولك – يامرحبا الليلة ، نورت قبرك وعتمت علي العيلة ] .
ويفتتح خيري معظم الفصول بعدودة مصرية ليدخل قارئه في جو الموت ، وطقوسه ، كي يشركه معه فيما هو فيه من حزن ، وليجعل من ذلك الغطاء لذلك الحزن الذي أرادنا أن نشاركه فيه عندما قال : { .. يا أيها الناس ، إذ أقص عليكم خبر موت أمي ، فاستمعوا وأنصتوا لعلكم تبلغون من الحزن ما أنا بالغه ..} .
3- الموال
الموال هو أحد العناصر الأساسية في التعبير عن أفراح وأحزان المناطق الشعبية والريفية ، لذا فما من عمل لخيري عبد الجواد إلا وكان للموال فيه وجود ملحوظ ، يدخل في سياق العمل أو يلقي الضوء علي الأحداث أو المواقف أو يساعد في تكوين الشخصية .
فعندما يحاول رسم شخصية الوالد البالغ من العمر سبعين عاما وسط مجموعة ممن يصغرونه في العمر ، وعند مجلسه المعتاد علي قارعة الطريق ، يناكف الرائح والغادي ، يحاول أن يلفت نظر الجميع ويشاكسهم ، يحاول أن يثبت لهم أن لديه مالا يعرفونه ، أنه قادر علي إعجازهم ، يسوق الموال الملغز ، ويفرح عندما لا يستطيعون حل اللغز في :
{ .. طلع البلكونة بسكينته ، يقول جرح في قلبي سكنته ، يا ناس وسعوا لي سكة انتو .. } .
وإذا كانت القراءة ورسم الحروف يوضح الكثير من المعني ، فإن السماع للموال – خاصة من ذلك الشيخ – يرسم صورة لتلك المحاولة التي يطمس بها الحروف في محاولة لإداخل الحيرة علي السامعين والتي تترك للقارئ تخيل الصورة التي يكون عليها ذلك الشيخ وسامعيه
4 - الليالي
ارتبطت كل فنون القول – تقريبا – بالليل ، الشفاهي منها خاصة ، لذا كان العمل الجبار المعروف باسم ( ألف ليلية وليلة ) ، وكان هو المصدر والصانع للآلاف من الكتاب والكتابات ، العربي منها وغير العربي ، حتي أن ماركيز اعترف بأنه كان أحد مصادره الأولي ، وكان يصطحب نسخة منه في حله وترحاله .
إلا أن تأثر خيري عبد الجواد بها كان أكبر ، إذ لم يتوقف تأثره بها عند حد التشرب فقط ، وإنما اصطبغت كتاباته بها وأخذت صورتها في العديد من كتاباته ، إذ ربما – دون وعي منه – أراد النفاذ إلي جوهر الإنسان الساعي نحو الغريب والمدهش والعجيب من الأخبار والحكايات التي تقوم عليها الليالي – وهو ما نستطيع التعرف علي وجوده بسهولة في النسبة الغالبة من كتاباته . فعندما نجده في " كتاب التوهمات " يولد الحكاية من الحكاية وكأنه في سلسال لا ينقطع من الحكايات – وهي اسلوب ألف ليلة وليلة – يولد الحكاية من الحكاية وعلي الرغم من استقلال كل حكاية عن غيرها ، إلا أن السامع – القارئ – لا يستطيع أن يغادر ، فكأنه مربوط إلي الراوي / السارد بحبل غير مرئ فها هو الراوي – في التوهمات – يصف كيفية خروج الروح كما حكتها الحكايات ، بعد أن كان قد استخرجها من حكاية أخري ، فنري الراوي يقول : { .. وليس هذا بأصعب من لحظة قبض الروح ، ومباشرة سيدنا الملاك صنعته ، وإذا لم تصدقوني فاسمعوا الأتي : .. }
ويبدأ الرواوي في حكاية كيفية خروج الروح ثم ما يكاد يفرغ منها حتي يشدنا للدخول في حكاية أخرى :
{ .. ثم يجذبونها إلي الحلقوم فتقع في الغرغرة ، وتسل كما تسل الشعرة من العجين ، ويقبضها وفي يده حربتان : واحدة من نور ، وأخري من سخط . اللهم احفظنا ، كأني ما تبت والله ، فما أكاد أنتهي من توهم صعب ، حتى أدخل في توهم أصعب منه ، وكأن موتاى لا ينتهون ، فما تنتهي سيرة حتى تسلمني نهايتها لسيرة أخري جديدة ، وهكذا ، سلسال أعرف أنه لن ينتهي إلا موتى ، فربابتي علي كتفي ، والقوس في يدى ، ولساني لا يتوقف ، آه لساني ، هل تصدقون أن صاحبي قتله لسان ، أسمع من يقول : وكيف كان ذلك ؟ صلوا علي من يشفع فيكم : .. } ويضع الكاتب نقطتين فوق بعضهما ، بما يعني بدء قول جديد أو حكاية جديدة ، علي الرغم من أن الحكاية الجديدة تحمل عنوانا جديدا وفصلا جديدا من فصول الرواية ، فالحكي متصل ومستخرج كل واحدة ممن سبقتها .
ولا يتوقف الأمر عند استلهام اسلوب استخراج الحكي فقط ، وإنما استلهام طرقة الحكي كذلك ، بل ربما يصل الأمر استخدام بعض الألفاظ الدارجة التي كانت تستخدمها الليالي . ففنظر مثلا : { .. وذلك له سبب عجيب ، وأمر مدهش غريب ، نحب أن نسوقه علي الترتيب حتى أن المستمع يلذ ويطيب ، بعد ألف صلاة ترضي الحبيب .. } . فالسجع والتطابق هنا واضح جلىّ وهو أحد الأساليب المعروفة في الليالي ، فكأني بالكاتب قد تلبسته روح كاتب الليالي وهو يكتب كتابه ، في توهم حساب أمه وحسابه .
خصائص أخري
1 - من كيفية استلهام الكاتب لإسلوب حكي الليالي ، يتبين كيف أن الرواية تقوم علي مجموعة من الحكايات ، التى قد تبدو متجاورة ، فلا تقوم علي الخط الدرامي المتصاعد الذي كانت تقوم عليه الكتابات الروائية في الحقب السابقة ، وإذا كانت روايات القرن الواحد والعشؤين - في أغلبها – تقوم علي الخط العرضي ، كاستعراض لمجموعة من من اللوحات المتجاورة التى تشكل في النهاية المشهد الكلي . فإن خيري عبد الجواد بهذا يكون له نصيب من السبق في استخدام هذا الاسلوب من الكتابة ، ويجعل صدور طبعة جديدة منها في القرن الجديد ليس مستغربا ولا مستهجنا ، ويضعها في قلب الحدث وجزء من المشهد الروائ في هذا القرن الجديد .
2 - ومن هذا العنصر حيث يتضح عدم وجود خط درامي يشد القارئ نحو النهاية ، يلجأ الكاتب لخلق نوع من الدرما التى يستعيض بها عن هذا الخط وهو تنوع الإسلوب ، الذي يجعل القارئ يشعر بالتنوع والتشكل . فبينما نري الإسلوب يسبر علي نمط في الحكي عن الأم ، يعتمد علي استلهام الأيات ، والموروث ، نجده يختلف في الحكي عن غيرها فيما تلي من الحكايات ، فنراه يعود إلي التخلص من الإستلهمات – إلا قليل – وأخذ طريقة الحكي المباشر الصريح . ففي الجزء الأول نري الراوي يقول :
{ .. وكنت أظنني قلت ما عندي واسترحت ولكن قلبي مفعم ، وخاطري جياش ، ومالي لا أبسط حكاياتي كل البسط ، بل أدعها مغلولة بالإيجاز ، وأمر مر الكرام علي سبب نشأتي وأحق الناس بمودتي .. الخ } . فالاستلهامات هنا واضحة والإسلوب فياض بالدلالات والايحاءات . بينما هو في في سرده حول غير أمه نرى الإسلوب علي نحو :
{ .. وكنا نظن في البداية أنه عفريت عزيز قد طهر وبان ، وكنا نقف علي جسر طابق الديابة نترقب طهوره ، وما عرفنا أنه عفريت أمه غير بعد حين ، فزين النواحي ولي زمانه وما عاد يجئ .. الخ } . إذ نري هنا استخدامات كنا وكنا ، وهي استخدامات وسيلا الحكي الطبيعية ( كان ياما كان ) أي الحديث في زمن الماضي .
3 – من المقتطف السابق : ومالي لا أبسط حكاياتي كل البسط ، بل أدعها مغلولة بالإيجاز يقر خيري عبد الجواد حقيقة جلية في كتاباته ، وهي الإيجاز . فلا توجد في كتاباته ترهلات أو زيادات ، بل هو الموجز غير المخل ، علي الرغم من وجود الحكي وطريقة ألف ليلة وليلة ، التي تشجع علي الاستمرار في السرد والحكي ، غير أن خيري يمتلك القدرة في إلزام نفسه بالتوقف عندما يري أن المزيد لن يزيد ، ولهذا نجد رواياته تتميز بالحجم الصغير
4– الموت موجود وسيظل ما كانت هناك حياة . وعندما تحدث " كتاب التوهمات " عن حديث الله عز وجلّ لملك الموت للسؤال عمن بقي ولم يمت ، ثم أمره بأن يموت هو الآخر ، فيموت ، وبهذا تنتهي الحياة وتكون النهاية . ولو توقف الكاتب عندها لأغلقت الحلقة ووصل القارئ لبر النهاية ، غير أن الكاتب أراد أن يقول ألا نهاية ما دامت هناك حياة والحياة لم تنته بعد ، فيعود ويبدأ البداية من أولها ، وكأننا نبدأ الحكي من جديد :
{ .. اعتدل في جلسته ، رفع يده بالقوس ، لكنه سقط ، أمسكه مرة ثانية ، وبيد كلت مرره علي الأوتار ، وعلي لحن الرباب حرك لسانه : أنا أول مانبدي القول نصلي علي النبي ..... نبي عربي ... نوره ..... } . وهو ما بدأ به القول ، وكأن الحكي سيبدأ من الجديد وكأن الحياة ستبدأ من جديد .
شوقي عبد الحميد يحيي
28 / 11 / 2006
12/02/2006 - 21:47
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
شكرا لجديدك .. وفى انتظار افق جديد للتحليق معك فى مجال النقد الجميل
تقبل تحياتى .. ودمت متميزا كعهدنا بك دائما
دعاء
أصبحت أترقب تقيبك فكم يدفعني ويحفزني
شكرا علي مجاملاتك الرقيقة الدائمة
كل التحية وكل التقدير
شوقي