You are here

الصفحة الرئيسية

دكتور مسعود




دكتور مسعود
د.رضا صالح



زوجته على وشك الولادة ، الوقت ضيق ؛ وهو فى احتياج إلى أتعاب الطبيب الذى سيجرى العملية القيصرية ومصروفات الإقامة بالمستشفى ، وهلم جرا..
سافر الدكتور مسعود إلى منزل والده المسن ؛ بقريته التابعة لمركز فاقوس ؛ أراد أن يقترض منه مبلغا من المال - إن وجد- حتى لا يضطر إلى السفر إلى المدينة – التى تسلم عمله بها منذ شهور- ليقبض مرتبه البالغ 206 جنيها وستة وسبعون قرشا ؛ لم يدر ما فائدة القروش ، بل لم يدر ما فائدة الشلن أو البريزة ؟!
كان من المفترض أن يقضى مشواره فى القرية ؛ ثم يعود فى نفس اليوم إلى الإسماعيلية التى يقيم فيها ، ليلحق بزوجته التى تنتظر حادثا سعيدا هذه الليلة ، وخصوصا أن أقاربها يقيمون فى المنوفية ؛ وليس لها أحد فى الإسماعيلية سوى زملاء العمل بالمركز الطبى .
لم يجد مع أبيه ما يحتاج إليه من مال ، جازف وقرر أن يستأجر سيارة ليذهب بها إلى السويس ؛ اتفق مع صديق طفولته الذى يعمل سائقا لعربة أوبل قديمة ؛على أن يدفع له الأجرة حين ميسرة ؛ تعجب الرجل ؛ ولكنه وافق فورا لاعتبارات عديدة .
***
فى الطريق إلى المدينة ، تأمل أحوال الدنيا ؛ ونظر إلى السائق الذى كان يجلس إلى جواره ؛ وسأله:
أنت مبسوط ؟
رد السائق متبسما ؛ وهو ينظر إليه بطرف عينه:
الحمد لله..
انت عندك أولاد؟
أيوه
كم عيل؟
خمسة؛ وبنتين..
مبسوط من شغلك ؟
الحمد لله..
بتكسب كويس ..؟
مستورة..
بتعمل كام فى الشهر ؟
لعب الفأر فى عب السائق ، نظر إلى صديقه القديم بارتياب ؛ وقال:
حضرتك بتشتغل فى الضرايب؟
لأ
أمال إيه الحكاية؟
حكاية إيه؟
إيه الأسئلة دى كلها؟
موش عارف أقول لك إيه ؛ يا رجل؛ تعرف أنى باشتغل دكتور فى المستشفى العام
طبعا عارف ..دا شىء يشرفنا
و ابنى التانى جاى فى السكة..
ربنا يسعدك..
تصور ..أنا مازلت على قوة شمال سينا ..
يعنى إيه؟
يعنى كنت أعمل هناك ؛ تسلمت العمل هناك ..
وبتشتغل فى السويس؟
آه..
موش كنت فى مستشفى العريش؟
أيوه يا سيدى ...والدرجة بتاعتى لسة هناك
الدرجة هناك ؟, وانت جيت من غير درجة ؟
هى الحكومة كده لازم تدوخك ، وإلا ماتبقاش حكومة !!
يا سلام !
***
استأنف الدكتور مسعود حواره :
أنت عمرك قدى تقريبا ..
أيوه
حوالى 35
أيوة
تنحنح الطبيب ؛ و أكمل حديثه لجاره قائلا :
أنت لو جالك ضيوف فى البلد ، على الأقل موش حتشترى لهم حتة لحمة ؛ 2 كيلو مثلا ؟؟
أيوة
وكمان يعنى شوية خضار وفاكهة مثلا ..
أيوه..
حسبة كم؟
مش أقل من 100جنيه
طيب وإذا كان مرتبك بالحوافز 206 تعمل إيه؟
ضحك وقال :
206..؟ أسيب لهم البيت وأمشى !!
هوه ده مربط الفرس ؛ تسيب لهم البيت وتمشى ؛ بس تروح فين؟
أى حته..أى داهية..
أنا بافكر فى أى حتة دى ؛ بس مش لاقى ..
***
فى السويس ؛ عبرت السيارة الأوبل القديمة باب المستشفى ؛ بسائقها ذى الجلابية السكروتة والطاقية ؛ وقد تصببت قطرات العرق من جبينه .
ظبط السائق الدركسيون بحركة تمثيليلية ؛ أوقف السيارة فى منتصف المدخل ، فى مواجهة الباب العمومى تماما؛ فتح الدكتور مسعود بابه وخرج متباهيا ، وهو فى بدلته الكاملة ؛ قال للسائق :
انتظرنى شوية..داخل أقبض ؛ وراجع البلد معاك إن شاء الله..
***
تأخر الدكتور مسعود فى العودة ، ترك السائق سيارته ، ودخل ليبحث عنه فى ردهات المستشفى ، وجد زحاما شديدا ،أناس كثيرين وجلبة ؛ سمع صياحا يأتيه من كل مكان ؛ قال لنفسه:
إيه الزيطة دى كلتها ؟
كان يسأل كل من يقابله:
الدكتور مسعود فين؟
الدكتور مسعود مين؟
بتاع فاقوس
آسف .. ويمضى الى حاله..
فى كوريدور طويل قابل آنسة ترتدى بالطو أبيض؛ سألها:
ما تعرفيش يا أختى الدكتور مسعود؟
مين الدكتور مسعود؟
بتاع فاقوس
قطبت جبينها متسائلة
بتاع فاقوس مين؟
أيوه فاقوس..
لا والله.
***
فى أحد الممرات ؛ وبالصدفة ؛ سمع هرجا ومرجا ، تلفت إلى الحجرة ، كان مكتوبا عليها " أجور ومرتبات" سمع صوت الدكتور مسعود عاليا :
" أنا حاوريله..أنا حاوديه فى داهية ..يشطب عليا ليه؟ كل الناس بتغيب ؛اشمعنى أنا أما أغيب يشطب عليا.. دى مؤامرة ...أقبض 26 جنيه..أعمل بيهم إيه؟ أشترى بيهم لب و سودانى ! دا أنا جايب سواق من البلد ؛ ووعدته بستين جنيه..كفاية الولاد فى الإسماعيلية ومراتى بتولد ؛ وأنا قاعد فى السويس ...الله يخرب بيوتكم ..."
***
انسحب إلى سيارته فى هدوء ؛ جلس على مقعده ليتصفح الجريدة حتى عاد الدكتور مسعود الذى فتح باب السيارة وجذبه وراءه بشدة بعد أن جلس ، قال للسائق – دون أن يتلفت إليه - وقد انتفخت أوداجه :
يللا بينا ..
نظر السائق إليه مشفقا ؛ وسأله:
عاوز تروح فين؟
فى أى داهية..


د.رضا صالح- السويس
ديسمبر 2006

صورة د.رضا صالح
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات