You are here

الصفحة الرئيسية

ذاكرة إبتسام التريسي




ذاكرة .. ابتسام التريسي
تستقرئ واقع الأمة
شوقي عبد الحميد يحيى



يعيش العالم العربي اليوم مخاض ثورة وشيكة ، وإذا كان الأدب عامة هو الوقود الذي يغذي نيران الثورات ، يمهد لها ويتنبأ بها . فإن الرواية خاصة هي تقود المجتمعات وتنبهها لكل خطر قادم ، أو حدث وشيك الوقوع ، ولا أدل علي ذلك عدد الروايات التي تنبأت بوكسة الخامس من يونيو ( حزيران ) 1967 ، وعلي رأسها روايات العملاق الراحل نجيب محفوظ .
إلا أن الثورة الوشيكة تأخذ في كل بلد عربي شكلا يرتبط بمناخ هذا البلد أوذاك وما يفور فيه ويدور من أحداث محركة لتلك الثورة .
ففي السعودية تهيئ الرواية اليوم لما يمكن أن نطلق عليه ( ثورة الحريم ) . حيث يعلو وبوضوح شديد حيث الرواية عما تعانيه المرأة السعودية من مظاهر للكبت والحرمان ، وسعيها نحو خلق دور للمرأة في المجتمع .
وفي مصر تدور الرواية الآن حول عزل الفرد عن متخذ القرار ، وسعيه لخلق دور فاعل فيه ، فضلا عن الدخان المتصاعد من حريق الثورة المكبوتة علي العديد من السلبيات والانحرافات في المجالات المتعددة .
وفي سوريا التي لا زالت تعيش وهم القومية العربية وشعارات لم تعد تسمن ولا تغني من جوع مكتفية بها عن الفعل والحركة . فتأتي الرواية السورية لتعلن رفضها الاستسلام والخنوع والسكون ، وتأييدها للحركة والفعل الإيجابي الفاعل .
فسورية لا تزال تصر علي التواجد داخل الأراضي اللبنانية ، ورغن ذلك لم تستطع منع التوغل الإسرائيلي في لبنان ، ولم تستطع منع مذبحة صابرا التي ارتكبت فيها القوات الإسرائيلية أبشع صور الدمار والتدمير علي الشعب الفلسطيني داخل الأراضي اللبنانية .
وقد التقطت الروائية السورية المبدعة ابتسام إبراهيم التريسي هذه الواقعة تحديدا ، لتعلن عن مولد كاتبة روائية استطاعت بشاعرية وانسيابية ناعمة وغير زاعقة أن تعبر عن تلك المأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني أولا ، وعن رؤيتها في موقف بلدها تجاه ما جري ويجري ثانيا ، من خلال روايتها الرائعة " ذاكرة الرماد " .
{ .. كم حلم بعائلة وحبيبة ، كم احتضنت كفاه وجه أمه الذي لا يفارق الحلم ، كم بكي علي ذراعيها متأملا الدالية وفنجان القهوة الصباحي ، وأمسه الذي لم يعد منه سوي ذكريات باهتة يشك أحيانا أنها حقيقة ، قالت له : سنتزوج قريبا ، قال لها : سيجمعنا بيت أهلي الصغير ، سيكبر الأولاد ، سيحملون معي عرق الأرض ، لكنه لم يكن يظن يوما أنهم سيولدون في خيمة ... } [1] .
بهذه الكلمات النازفة ألما والتي تأتي في نهايات الرواية ، تبدأ حكاية " ذاكرة الرماد " حيث نتعرف علي أحد هؤلاء الذين قالت عنهم ( سيولدون في خيمة ) ، ذلك الفتي ليس إلا من كان اسمه خالد عندما ولد وكان كغيره من فتيان الأرض ، والذي تعمدت الكاتبة عدم ذكر اسمه إلا مرة واحدة ، وفي نهاية الصفحات ، حيث ظل طوال صفحات الرواية مجرد حطام ، أو بقايا إنسان ، بقايا وطن كان اسمه فلسطين .
وجد الطفل نفسه في مخيم ، يبحث عن شُباك يأتي بالهواء ، أو بالحياة ، وجد نفسه يعشق الرسم وكطفل راح يرسم أفقا أزرقا ودالية عنب ، غير أن أمه نظرت للرسم في رفض صارم متسائلة : { .. أين البندقية ؟ هل هذا الرسم يعبر عن رجولتك ؟ } [2] . حيث : { .. كانت أمي تستنفر رجولتي لتري فيَّ زوجا فقدته وأخا استشهد في الجنوب ، وآخر ابتلعته المحيطات في غربة طويلة ولم تعد تسمع عنه شيئا ..... } . فهل لهذه الطفولة أن توجد إلا بقايا إنسان يريد أن يعيش مثل سائر البشر ، غير أنه لا يستطيع . تمد له الحياة نقطة ( ندي ) ربما تستنبت نبتة مخضرة في صحراء حياته ووجوده ، غير أن الأرض تصحرت وتصخرت فما عاد مجرد الندي ليفعل شيئا ، وما كان ليحتاج غير نهر هادر كي تنبت الأرض ويخضر النبت ، ولكن من أين يأتي النهر وقد جف المطر وأقفرت المنابع ؟! .
وإن كانت الكاتبة قد اختارت ( ندي ) من سورية ، وجعلت تنقلها من سورية إلي لبنان والعكس بسلاسة ودون تعقيدات التنقل بين البلدان العربية - ربما لما بين الوطنين من علاقة خاصة – ورغم أن هذه العلاقة الخاصة لم تستطع تقديم يد العون للبنان في محنتها – عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان لتدك مخيم صابرا عام 1968 ، فإنها قد أدانت وأعلنت الثورة علي عجز الأوطان العربية كلها ممثلة في الجامعة العربية التي لم تستطع تقديم شئ :-
{ .. لم يتم كلامه ، ولم أستطع مهاجمته ، فقد حسم الرصاص الموقف ، كنا قريبين من الجامعة العربية ، عمت الفوضي ، إختلط الذعر بالنقمة ، والاندفاع بالتراجع ، والهزيمة تسود الجو حاملة معها انكسار الأحلام ، ودخول الآمال في طور الغيبوبة ... } [3] . وبعد قليل تعلن الكاتبة سخطها وثورتها علي الأوضاع العربية المفككة والسلبية وعلي سطر مستقل وبحروف بارزة : { الويل لأمة مقسمة } [4] .
وتستمر الكاتبة في ثورتها المكتومة المنتشرة بطول صفحات الرواية ، معلنة إعترافها بالسبية والرومانسية غير الفاعلة فتعترف ندي في أعماقها وكأنها تحدث فتاها خالد :
{ .. ومن التصاقي ببرامج الإذاعة ورسائل الأحبة إلي ذويهم في ( صوت فلسطين ) ، لكني أجدك علي حق ، أين الفعل في كل ما أشعر به ؟ هل تتحرر الأرض بشعارات عاطفية تحفظها القلوب وترددها اللسن في المناسبات ؟ هل صوت فلسطين وأغان حماسية كل ما نستطيع أن نهب لتلك الأرض المغتصبة ؟ كم أنا تافهة و حيادية ! ..} [5] .
الإسلوب ورسم الشخصية
من المختارات السابقة ما قد يوحي بالمباشرة في الخطاب كما هو الإسلوب العربي في الحديث عن المسائل الوطنية ، إلا أن ذلك يعتبر إجحاف في الحكم وتزيد علي العمل الذي لا تشبع الكتابة عنه بقدر قراءته في نصه ، حيث تنحي الرواية بنفسها بعيدا بعيدا عن ذلك ، بل إن بعدها عن تلك المباشرة يعد أحد أسباب نجاحها . فعندما كتاب تولستوي رائعته الفارقة ( الحرب والسلام ) ، عد من أسباب عبقريتها أنها لم تتحدث عن الحرب ، ولكن عن أثار الحرب . وهنا أيضا رغم أن " ذاكرة الرماد " تتحدث عن الاجتياح الهمجي الإسرائيلي لمخيم صبرا ، إلا أن ذكر ذلك لم يرد إلا قليلا ، بل وقليل جدا إذا ما قيس بحجم العمل ، وإنما استطاعت الكاتبة أن تقول ذلك من خلال انعكاسه علي الإنسان ، ولذا فإنه علي الرغم من أن البطل الحقيقي في الرواية هو المخيم / المكان ، إلا أن ذلك جاء من خلال رسم واضح ومحكم للشخصية الإنسانية التي عاشت – وتعيش المكان والزمان ، مستعينة في كل ذلك باسلوب غاية في الشاعرية القريبة من النفس والأقرب في التعبير عن المشاعر والأحاسيس .
فإذا كان خالد - علي المستوي الرمزي - يعبر عن الشعب الفلسطيني ، وتعبر ندي ليس عن الشعب السوري فقط وإنما علي الأوطان العربية عامة ، مستفيدة في ذلك من موروث الرواية العربية – خاصة المصرية منها – فكما كتب توفيق الحكيم ( سنية ) مجسدة مصر في " عودة الروح " وكتب يحيي حقي ( فاطمة ) في " قنديل أم هاشم " وكتب نجيب محفوظ ( زهرة ) في " ميرامار " فقد جاءت ( ندي ) في " ذاكرة الرماد " . و رغم رمز لكنها أيضا جاءت إنسانة مشحون بالعواطف والمشاعر ، نابضة بالأحاسيس الإنسانية التي تجعل منها بطلة للعمل علي المستوي الخاص – إلي جانبها علي المستوي العام - إلي جانب النجاح الباهر في الدمج بين الحالين ، والذي يبلغ قمته في المزج بينهما – الخاص والعام – في التعبير عن ذلك الترابط عندما تناجي ندي خالد قاءلة : { .. فمتي ، متي ينتهي حصارك لأيامي ؟ حتى أستطيع خلع رأسك عن جسدى .. } [6] ، فكم يوحي التعبير بالالتصاق والالتحام بين كل من ندي وخالد الرمز والجسد . وحيث تملك الكاتبة قدرة في صياغة الإسلوب الناعم السلس تسطيع بها تحويل نار الحرب والدمار إلي نور وضياء ، وأنات الألم والخراب إلي نسمات تتهادي علي سطح نهر رقراق ، فتنصهر ندي الإنسانة في ندي الرمز . فبعد يوم مشحون من العمل الصحفي واللقاء مع خالد ، تتوحد الوظيفتان :
{ .. يا أنت حصارك و حصاري واحد . كبر الحصار ، تجاوزني قليلا فكانت مساحة عينيك الوطن ، وكنتُ الضحية ، لا تفتح هاتين الواحتين المخضلتين بالندي دهشة ، لأن مساحة عينيّ الوطن ، وأنتَ الضحية ! حصارك بات الأصغر ، الحصار الحلو ، حصار الوطن بات الأكبر ، الحصار المر ، وأنفاسي تضطرب في صدري وتضيق مساحة الوطن } [7] .
فإلي جانب التوحد يتضح الانتقال السلس من العام للخاص ، فها هو يتضاءل ويضيق هم الوطن الجاثم علي الصدر وتتكسر حباته ، عندما يكبر ويتعاظم الهم الإنساني الزاعق في صورة الحب القاهر والمتسلط الذي يحول الإنسان إلي كتلة من الأحاسيس والمشاعر الفياضة معلنة سطوة الحب والتوحد ، وتستطيع اللغة الشاعرة تحويل المادي الملموس إلي صفاء روحي مهموس :
{ .. علي عنقي تماما تُقرر أنفاسك بدفءموضع الذبح ، تخر دمائي بسرعة ، وأنتفض ، تتابع شفتاك دقائق اغتيالي الأخيرة ، تقتربان من عبينيّ ، تمران كطيف ملائكي يحلم بعناقيد من الحب والشهوة ، تفتحان الجرح حتى الارتعاش بقبلة مرة ، تتسرب إغماءة اللحظة إلي إعصابي ، وتشتعل الرغبة في أصابعك ، تقترب مني أكثر ، تلتهب الحمي في عينيك ، ترسلها ارتعاشات ميتعرة ، تهمس شفتاك : أطفئيني ، أشعر أن نارا تأكلني ، أمطري حنانا وأطفئيني .
تمتد يدك ، تغوص في ثنيات الثوب :
- أشعليني ، دعي أرضك الرحبة تمتصني ، ضميني إلي صدرك ، أشعليني ، دعي رملك يختلط بموجي ، وأطفئيني .
- تشتعل ، عيناك تصبان الزيت ، والنار تأكل أطرافي ، أحتويك بين شفتي المحترقتين ، وأصابعك تزيد النار اشتعالا .. عيناك لا تتعبان ، تنده بعطش ، فأسمع الصدي في أحشائي :
- أطفئيني .
ومعا ببطء ..... نطفئ شمعتنا الوحيدة . } [8] .
ولست ندي وحدها التي تجسد فيها الرمز والبشرية ، وإنما أيضا خالد ، يعيش مشاعره الإنسانية ، غير أن واقعه يقف حائلا ، هو إنسان ، لكنه إنسان محكوم بواقع أليم :
{ .. منذ زمن لم تنبثق ندي كزهرة بيضاء فوق سطح الماء ، منذ زمن لم تلاتعش فوق الزبد وتغيب في حضن الموج . أحقا أحببتها ..؟ ... } [9] .
ولا يتوقف رسم الشخصية عند التوحد بين الرمز والإنساني ، وإنما تنجح الكاتبة كذلك في خلق شخصية تتوافق مع واقعها . هي صحفية ، ولا تنسي ذلك ، فنراها تمارس عملها الصحفي بمهارة ، لم يستغرقها دورها كرمز ، ك ( ندي ) الاسم الإنساني ، والإسم الرمزي / الماء . فلا يطغي هذا علي ذلك وإنما تصور الصحفية الواقع الأليم الذي تركه الاجتياح علي المخيم ، لتقدم لقرائها الصورة المُرة التي ذهبت لبيروت من أجلها .
ليس هذا فقط وإنما أيضا نري ( ندي ) الأنسانة البسيطة التي تعيش مآساة عائلتها الفقيرة التي تقدم ابنتها – الصحفية المثقفة – قربانا للمال ، توافق الأسرة علي العريس المتقدم لها قبل حتى أن تستشيرها وتطلب منها الموافقة خلاصا للعائلة من الاحتياج للمال ، وتتحمل هي المعاناة النفسية والصراع الداخلي الذي يعتور أي إنسانة تتعرض لهذا الموقف ، التضحية بنفسها من أجل الأسرة ، أو التضحية بالأسرة من أجل رغبتها الشخصية : { .. هل أصبحت أحلام هذه الأسرة متوقفة علي انتحاري ؟ ..} [10]. لتكتمل صورة الشخصية المتكاملة في حالاتها المختلفة والتي لم تردها الكاتبة مجرد رمز أصم خال من الروح .
تعدد الأصوات
اعتماد الرواية علي الإسلوب الناعم قد يوحي باستنامة القارئ والاستسلام لمجريات الحدث ، إلا أنه يمكن القول - بارتياح – أن القصة تخلو من الحدث ، إذ تعتمد بالدرجة الأولي علي التحرك الداخلي للمشاعر في جوانية شخصياتها ، خاصة إذا ما عرفنا أن الرواية تقوم علي الإسلوب الدائري ، والذي يجعلها تستفيد كثيرا من تكنيك القصة القصيرة .
فإذا ما نظرنا إلي ما يشبه العنوان الداخلي في بداية الرواية ، نجد أول كلمات الرواية : { أوراقك المستقرة في حضني باطمئنان من وصل بعد ليلة عاصفة إلي الشاطئ ، قالت لي في ليلة واحدة كل شئ } ، وتخدعنا الكاتبة لتدخل في الموضوع وكأنه يحدث الآن { أبدأ مشواري اليومي صوب البحر } مستخدمة صيغة الفعل المضارع ، فالحدث يجري الآن ، وتستمر في الخداع متنقلة بين الأزمنة المختلفة ، والوقائع المختلفة ، لنكتشف قبل النهاية بقليل أن كل ما جاء قبل ، كان قراءة في أوراق خالد متداخلة مع ذكريات الساردة ، وأن الحدث الحقيقة في الرواية بطولها لم يستغرق سوى ليلة واحدة ، ساعدها في تلك الخديعة الجميلة تعدد الأصوات الذي اعتمدت عليه وأجادته بحرفية كاتبة متمرسة ، وليست كاتبة لازالت تخطو خطواتها الأولي . متنقلة بين ضمير المتكلم والمخاطب والغائب .
فعندما يتطلب الأمر استبطان الواقعة أو الفعل ، كتبيان أثر واقعة معينة علي النفس ، أو التعبير عن مشاعر خاصة كالحب والصراع الداخلي ، خاصة عند الساردة / ندي ، نجد استخدام ضمير المتكلم . ولم يقتصر الأمر في استخدام هذا الضمير علي ندى وحدها وإنما استخدمه خالد أيضا عندما تحدث عم نفسه – في أوراقه - .
وعندما يتطلب الموقف المناجاة لذلك الذى كان ( خالد ) الغائب الحاضر ، والجاثم بقوة علي وجودها ، نجد استخدام ضمير المخاطب { .. يا بحرى ، تنبض فيّ دما حارا ورعشة ممتعة ، ياسفني ………. يا أنت (( أحبك يا مجنون )) … } فتستحضر الكاتبة الغائب وكأنه شاخص أمامها ، وأمامنا . - وأيضا – لم يقتصر استخدام هذا الضمير علي ندي وحدها ، وإنما استخدمه كذلك خالد عندما كان يستحضرها أمامه ويخاطبها ، الأمر الذي استدعي من القارئ اليقظة والحذر في التعامل مع هذه الضمائر ، وهي الشبكة العنكبوتية التي نسجتها الكاتبة لتوقع القارئ فيها ، ولتؤكد له : لا تستهن بسلاسة كتابتي وسهولتها ، في رغم ذلك تدعوك لليقظة والانتباه ، فما أردت استنامتك ، وإنما أردت إيقظك من غفوتك ، وأنبهك إلي ما هو أبعد من سرد حكاية حب قد يحدث مثلها عشرات في كل مكان في الأرض . انتبه فأرضي شائكة ، وسهولي متفجرة .
ثم يأتي استخدام ضمير الغائب ، لستخدمه الكاتبة عندما تتحدث – تحديدا – عن مدحت ، ذلك الحاضر إلي جانبها – بجسده – البعيد عنها في مشاعرها ، فرغم قربه منها ( صديقها في العمل ، والمتقدم لخطبتها ) لكنه ليس في حساباتها – رغم توهم من حولها بوجود العاطفة بينهما – فكان استخدام ضمير الغائب هنا ، موفقا ومعبرا وموحيا إلي حد بعيد .
الأسماء ومدلولاتها
في محاولة - ترتبط كثيرا بالمحاولات الأولي – من الكاتبة أن تجعل من الأسماء رموزا ، وكأن الكاتب / الكاتبة ، يخشي علي قارئه الوصل إلي المعني الضمني الذي يريده ، يسعي لاستخدام بعض الأسماء الدالة علي المعني المراد .
ففي " ذاكرة الرماد " أطلقت الكاتبة أسماء ذات دلالة علي الشخصيات الرئيسية في الرواية ، حيث نجد اسم ( خالد ) علي ذلك الشاب الفلسطيني الذي أرادته رمزا للمقاومة ، ورمزا ( للخلود ) . علي الرغم من أنها – الكاتبة – قطعت هذا ( الخلود ) بانتهاء حياة خالد الإنسان ، ثم موت الوليد الذي اسمته اسما موحيا أيضا ( عودة ) .
فبينما هي أرادت إنهاء حياة شخوصها الإنسانية ، أنهت حياة الرمز كذلك ، فما كان لهما أن ينفصما في النهاية بعد رحلة طويلة علي مدار صفحات الرواية ، وكأن الكاتبة تقطع كل الآمال في غد ربما يكون أفضل .
وأيضا أطلقت اسم ( سحاب ) تلك التي إن ظهرت صيفا ، كانت الظل والملجأ من حريق الشمس القائظة ، وإن ظهرت شتاء ، كانت المطر والانهمار والسقيا . وذلك ما عبرت عنه الكاتبة في جملة واحدة { .. في هذا اللقاء ، أثبتت سحاب أنها صديقتك الوحيدة ، وأني لم أكن سوي نزوة عابرة أشبعت رغبتك بامرأة حمقاء .. } [11] . وعلي الرغم من أن ( سحاب ) لم يظهر لها هذا الدور علي صفحات الرواية سوي في الرمق الأخير – وتلك الجملة وبسياقها وموضعها تؤكد ما سبق قوله من اقتراب الرواية من القصة القصيرة واقترانها بالتعبير عن اللحظة - .
ويؤدي هذا الانسحاب للجانب الإنساني أو الفردي للشخوص وبروز الجانب الرمزي ، واستئثاره بالمشهد ، إلي إعلاء حدة الصرخة واطلاق الرصاصة التي أرادتها الكاتب في قولها :
{ .. الخامس من حزيران ! تاريخ يشهر عجز الإنسان العربي رصاصا ، بأي اتجاه يُطلق ؟ }
حيث يتوقف صوت الحب ، ويعلو صوت الطلقات ، والإنذارات الزاعقة الضاغطة القارئة في صفحتها الأخيرة :
{.. التوقيت مثير للدهشة ................عيد سيأتي ، أضحيات بشرية بالمئات ، هل تحققت نبوؤة الأغنية الشعبية ، واستخدم البشر أضحية للعيد الكبير ؟ }
وبعد أعوام من استقراء الكاتبة للأحداث التاريخ العربي ، واستعادة ذاكرة الأوراق / الرماد ، هاهي الأيام ترينا استمرارية المشهد ، ويقدم رمز جديد ، رغم كل ما يمكن أن يقال عليه ويكال عليه ، إلا أن إعدام صدام حسين فجر عيد الأضحي قبل أيام ، علي أيدي مغتصبي الأرض في العراق ، بعد فلسطين ، ليؤكد أن إبتسام إبراهيم التريسي كاتبة تستطيع استقراء الأحداث ، ويقدم صرخة يبحث بها عن صرخة أخري إلي جانبها لتصنع ثورة علي الأوضاع العربية الخانعة المتخاذلة .


شوقي عبد الحميد يحيي
Em :
shawkyshawky2004@yahoo.com





[1] - ذاكرة الرماد - دار الحوار للنشر والتوزيع - سورية - اللاذقية - الطبعة الآولي 2006 – ص 177
[2] - ص 11
[3] - ص 21
[4] - ص 39
[5] ص - 132
[6] ص - 77
[7] - ص 61
[8] - ص 60
[9] - ص 7
[10] - ص 135
[11] - ص 189
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
القسم: 

التعليقات

 

الأستاذ الناقد شوقي عبد الحميد يحيى
أشكرك على هذه الدراسة القيمة لروايتي "ذاكرة الرماد" . طبعاً ليس لي كقارئة الآن أيّة ملاحظات ، بل أكتفي بإبداء سعادتي وامتناني  لك ، فهذه أوّل دراسة تكتب عن الرواية . لك خالص المودّة والتقدير .
إبتسام تريسي
صورة إبتسام تريسي
 
الاستاذ الفاضل : يحيى شوقى
تعرفت من قبل على الكاتبة أبتسام التريسى من خلال مجموعتها القصصية الجميلة
" جذور ميتة " ..... واليوم ومن خلال نقدك الرائع تعرفت على روايتها الشيقة
دمت مبدعا للابد .... لك كل التقدير والتحية

دعاء
dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
دمت دعاء متألقة دائما
ومبدعة محبوبة  ومجاملة
تحيتي ومحبتي

شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
 
هذه الرواية رائعة قضيت يومين أقرأها وامتعتني بحق
كانت قراءتك لها جميلة ، استطاعت عينك اللاقطة معرفة خباياها ورموز الأسماء فيها ،النقد الجاد هو الذي يكون إبداعا موازيا وقد حققت هذا في هذه القراءة ، فهنيئا ابتسام تريسي قراءتك الواعية للروايتها
منى الشيمى
صورة منى الشيمى

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات