You are here
ذاكرة إبتسام التريسي

ذاكرة .. ابتسام التريسي
تستقرئ واقع الأمة
شوقي عبد الحميد يحيى
يعيش العالم العربي اليوم مخاض ثورة وشيكة ، وإذا كان الأدب عامة هو
الوقود الذي يغذي نيران الثورات ، يمهد لها ويتنبأ بها . فإن الرواية خاصة
هي تقود المجتمعات وتنبهها لكل خطر قادم ، أو حدث وشيك الوقوع ، ولا أدل
علي ذلك عدد الروايات التي تنبأت بوكسة الخامس من يونيو ( حزيران ) 1967 ،
وعلي رأسها روايات العملاق الراحل نجيب محفوظ .
إلا أن الثورة الوشيكة تأخذ في كل بلد عربي شكلا يرتبط بمناخ هذا البلد أوذاك وما يفور فيه ويدور من أحداث محركة لتلك الثورة .
ففي السعودية تهيئ الرواية اليوم لما يمكن أن نطلق عليه ( ثورة الحريم ) . حيث يعلو وبوضوح شديد حيث الرواية عما تعانيه المرأة السعودية من مظاهر للكبت والحرمان ، وسعيها نحو خلق دور للمرأة في المجتمع .
وفي مصر تدور الرواية الآن حول عزل الفرد عن متخذ القرار ، وسعيه لخلق دور فاعل فيه ، فضلا عن الدخان المتصاعد من حريق الثورة المكبوتة علي العديد من السلبيات والانحرافات في المجالات المتعددة .
وفي سوريا التي لا زالت تعيش وهم القومية العربية وشعارات لم تعد تسمن ولا تغني من جوع مكتفية بها عن الفعل والحركة . فتأتي الرواية السورية لتعلن رفضها الاستسلام والخنوع والسكون ، وتأييدها للحركة والفعل الإيجابي الفاعل .
فسورية لا تزال تصر علي التواجد داخل الأراضي اللبنانية ، ورغن ذلك لم تستطع منع التوغل الإسرائيلي في لبنان ، ولم تستطع منع مذبحة صابرا التي ارتكبت فيها القوات الإسرائيلية أبشع صور الدمار والتدمير علي الشعب الفلسطيني داخل الأراضي اللبنانية .
وقد التقطت الروائية السورية المبدعة ابتسام إبراهيم التريسي هذه الواقعة تحديدا ، لتعلن عن مولد كاتبة روائية استطاعت بشاعرية وانسيابية ناعمة وغير زاعقة أن تعبر عن تلك المأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني أولا ، وعن رؤيتها في موقف بلدها تجاه ما جري ويجري ثانيا ، من خلال روايتها الرائعة " ذاكرة الرماد " .
{ .. كم حلم بعائلة وحبيبة ، كم احتضنت كفاه وجه أمه الذي لا يفارق الحلم ، كم بكي علي ذراعيها متأملا الدالية وفنجان القهوة الصباحي ، وأمسه الذي لم يعد منه سوي ذكريات باهتة يشك أحيانا أنها حقيقة ، قالت له : سنتزوج قريبا ، قال لها : سيجمعنا بيت أهلي الصغير ، سيكبر الأولاد ، سيحملون معي عرق الأرض ، لكنه لم يكن يظن يوما أنهم سيولدون في خيمة ... } [1] .
بهذه الكلمات النازفة ألما والتي تأتي في نهايات الرواية ، تبدأ حكاية " ذاكرة الرماد " حيث نتعرف علي أحد هؤلاء الذين قالت عنهم ( سيولدون في خيمة ) ، ذلك الفتي ليس إلا من كان اسمه خالد عندما ولد وكان كغيره من فتيان الأرض ، والذي تعمدت الكاتبة عدم ذكر اسمه إلا مرة واحدة ، وفي نهاية الصفحات ، حيث ظل طوال صفحات الرواية مجرد حطام ، أو بقايا إنسان ، بقايا وطن كان اسمه فلسطين .
وجد الطفل نفسه في مخيم ، يبحث عن شُباك يأتي بالهواء ، أو بالحياة ، وجد نفسه يعشق الرسم وكطفل راح يرسم أفقا أزرقا ودالية عنب ، غير أن أمه نظرت للرسم في رفض صارم متسائلة : { .. أين البندقية ؟ هل هذا الرسم يعبر عن رجولتك ؟ } [2] . حيث : { .. كانت أمي تستنفر رجولتي لتري فيَّ زوجا فقدته وأخا استشهد في الجنوب ، وآخر ابتلعته المحيطات في غربة طويلة ولم تعد تسمع عنه شيئا ..... } . فهل لهذه الطفولة أن توجد إلا بقايا إنسان يريد أن يعيش مثل سائر البشر ، غير أنه لا يستطيع . تمد له الحياة نقطة ( ندي ) ربما تستنبت نبتة مخضرة في صحراء حياته ووجوده ، غير أن الأرض تصحرت وتصخرت فما عاد مجرد الندي ليفعل شيئا ، وما كان ليحتاج غير نهر هادر كي تنبت الأرض ويخضر النبت ، ولكن من أين يأتي النهر وقد جف المطر وأقفرت المنابع ؟! .
وإن كانت الكاتبة قد اختارت ( ندي ) من سورية ، وجعلت تنقلها من سورية إلي لبنان والعكس بسلاسة ودون تعقيدات التنقل بين البلدان العربية - ربما لما بين الوطنين من علاقة خاصة – ورغم أن هذه العلاقة الخاصة لم تستطع تقديم يد العون للبنان في محنتها – عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان لتدك مخيم صابرا عام 1968 ، فإنها قد أدانت وأعلنت الثورة علي عجز الأوطان العربية كلها ممثلة في الجامعة العربية التي لم تستطع تقديم شئ :-
{ .. لم يتم كلامه ، ولم أستطع مهاجمته ، فقد حسم الرصاص الموقف ، كنا قريبين من الجامعة العربية ، عمت الفوضي ، إختلط الذعر بالنقمة ، والاندفاع بالتراجع ، والهزيمة تسود الجو حاملة معها انكسار الأحلام ، ودخول الآمال في طور الغيبوبة ... } [3] . وبعد قليل تعلن الكاتبة سخطها وثورتها علي الأوضاع العربية المفككة والسلبية وعلي سطر مستقل وبحروف بارزة : { الويل لأمة مقسمة } [4] .
وتستمر الكاتبة في ثورتها المكتومة المنتشرة بطول صفحات الرواية ، معلنة إعترافها بالسبية والرومانسية غير الفاعلة فتعترف ندي في أعماقها وكأنها تحدث فتاها خالد :
{ .. ومن التصاقي ببرامج الإذاعة ورسائل الأحبة إلي ذويهم في ( صوت فلسطين ) ، لكني أجدك علي حق ، أين الفعل في كل ما أشعر به ؟ هل تتحرر الأرض بشعارات عاطفية تحفظها القلوب وترددها اللسن في المناسبات ؟ هل صوت فلسطين وأغان حماسية كل ما نستطيع أن نهب لتلك الأرض المغتصبة ؟ كم أنا تافهة و حيادية ! ..} [5] .
الإسلوب ورسم الشخصية
من المختارات السابقة ما قد يوحي بالمباشرة في الخطاب كما هو الإسلوب العربي في الحديث عن المسائل الوطنية ، إلا أن ذلك يعتبر إجحاف في الحكم وتزيد علي العمل الذي لا تشبع الكتابة عنه بقدر قراءته في نصه ، حيث تنحي الرواية بنفسها بعيدا بعيدا عن ذلك ، بل إن بعدها عن تلك المباشرة يعد أحد أسباب نجاحها . فعندما كتاب تولستوي رائعته الفارقة ( الحرب والسلام ) ، عد من أسباب عبقريتها أنها لم تتحدث عن الحرب ، ولكن عن أثار الحرب . وهنا أيضا رغم أن " ذاكرة الرماد " تتحدث عن الاجتياح الهمجي الإسرائيلي لمخيم صبرا ، إلا أن ذكر ذلك لم يرد إلا قليلا ، بل وقليل جدا إذا ما قيس بحجم العمل ، وإنما استطاعت الكاتبة أن تقول ذلك من خلال انعكاسه علي الإنسان ، ولذا فإنه علي الرغم من أن البطل الحقيقي في الرواية هو المخيم / المكان ، إلا أن ذلك جاء من خلال رسم واضح ومحكم للشخصية الإنسانية التي عاشت – وتعيش المكان والزمان ، مستعينة في كل ذلك باسلوب غاية في الشاعرية القريبة من النفس والأقرب في التعبير عن المشاعر والأحاسيس .
فإذا كان خالد - علي المستوي الرمزي - يعبر عن الشعب الفلسطيني ، وتعبر ندي ليس عن الشعب السوري فقط وإنما علي الأوطان العربية عامة ، مستفيدة في ذلك من موروث الرواية العربية – خاصة المصرية منها – فكما كتب توفيق الحكيم ( سنية ) مجسدة مصر في " عودة الروح " وكتب يحيي حقي ( فاطمة ) في " قنديل أم هاشم " وكتب نجيب محفوظ ( زهرة ) في " ميرامار " فقد جاءت ( ندي ) في " ذاكرة الرماد " . و رغم رمز لكنها أيضا جاءت إنسانة مشحون بالعواطف والمشاعر ، نابضة بالأحاسيس الإنسانية التي تجعل منها بطلة للعمل علي المستوي الخاص – إلي جانبها علي المستوي العام - إلي جانب النجاح الباهر في الدمج بين الحالين ، والذي يبلغ قمته في المزج بينهما – الخاص والعام – في التعبير عن ذلك الترابط عندما تناجي ندي خالد قاءلة : { .. فمتي ، متي ينتهي حصارك لأيامي ؟ حتى أستطيع خلع رأسك عن جسدى .. } [6] ، فكم يوحي التعبير بالالتصاق والالتحام بين كل من ندي وخالد الرمز والجسد . وحيث تملك الكاتبة قدرة في صياغة الإسلوب الناعم السلس تسطيع بها تحويل نار الحرب والدمار إلي نور وضياء ، وأنات الألم والخراب إلي نسمات تتهادي علي سطح نهر رقراق ، فتنصهر ندي الإنسانة في ندي الرمز . فبعد يوم مشحون من العمل الصحفي واللقاء مع خالد ، تتوحد الوظيفتان :
{ .. يا أنت حصارك و حصاري واحد . كبر الحصار ، تجاوزني قليلا فكانت مساحة عينيك الوطن ، وكنتُ الضحية ، لا تفتح هاتين الواحتين المخضلتين بالندي دهشة ، لأن مساحة عينيّ الوطن ، وأنتَ الضحية ! حصارك بات الأصغر ، الحصار الحلو ، حصار الوطن بات الأكبر ، الحصار المر ، وأنفاسي تضطرب في صدري وتضيق مساحة الوطن } [7] .
فإلي جانب التوحد يتضح الانتقال السلس من العام للخاص ، فها هو يتضاءل ويضيق هم الوطن الجاثم علي الصدر وتتكسر حباته ، عندما يكبر ويتعاظم الهم الإنساني الزاعق في صورة الحب القاهر والمتسلط الذي يحول الإنسان إلي كتلة من الأحاسيس والمشاعر الفياضة معلنة سطوة الحب والتوحد ، وتستطيع اللغة الشاعرة تحويل المادي الملموس إلي صفاء روحي مهموس :
{ .. علي عنقي تماما تُقرر أنفاسك بدفءموضع الذبح ، تخر دمائي بسرعة ، وأنتفض ، تتابع شفتاك دقائق اغتيالي الأخيرة ، تقتربان من عبينيّ ، تمران كطيف ملائكي يحلم بعناقيد من الحب والشهوة ، تفتحان الجرح حتى الارتعاش بقبلة مرة ، تتسرب إغماءة اللحظة إلي إعصابي ، وتشتعل الرغبة في أصابعك ، تقترب مني أكثر ، تلتهب الحمي في عينيك ، ترسلها ارتعاشات ميتعرة ، تهمس شفتاك : أطفئيني ، أشعر أن نارا تأكلني ، أمطري حنانا وأطفئيني .
تمتد يدك ، تغوص في ثنيات الثوب :
- أشعليني ، دعي أرضك الرحبة تمتصني ، ضميني إلي صدرك ، أشعليني ، دعي رملك يختلط بموجي ، وأطفئيني .
- تشتعل ، عيناك تصبان الزيت ، والنار تأكل أطرافي ، أحتويك بين شفتي المحترقتين ، وأصابعك تزيد النار اشتعالا .. عيناك لا تتعبان ، تنده بعطش ، فأسمع الصدي في أحشائي :
- أطفئيني .
ومعا ببطء ..... نطفئ شمعتنا الوحيدة . } [8] .
ولست ندي وحدها التي تجسد فيها الرمز والبشرية ، وإنما أيضا خالد ، يعيش مشاعره الإنسانية ، غير أن واقعه يقف حائلا ، هو إنسان ، لكنه إنسان محكوم بواقع أليم :
{ .. منذ زمن لم تنبثق ندي كزهرة بيضاء فوق سطح الماء ، منذ زمن لم تلاتعش فوق الزبد وتغيب في حضن الموج . أحقا أحببتها ..؟ ... } [9] .
ولا يتوقف رسم الشخصية عند التوحد بين الرمز والإنساني ، وإنما تنجح الكاتبة كذلك في خلق شخصية تتوافق مع واقعها . هي صحفية ، ولا تنسي ذلك ، فنراها تمارس عملها الصحفي بمهارة ، لم يستغرقها دورها كرمز ، ك ( ندي ) الاسم الإنساني ، والإسم الرمزي / الماء . فلا يطغي هذا علي ذلك وإنما تصور الصحفية الواقع الأليم الذي تركه الاجتياح علي المخيم ، لتقدم لقرائها الصورة المُرة التي ذهبت لبيروت من أجلها .
ليس هذا فقط وإنما أيضا نري ( ندي ) الأنسانة البسيطة التي تعيش مآساة عائلتها الفقيرة التي تقدم ابنتها – الصحفية المثقفة – قربانا للمال ، توافق الأسرة علي العريس المتقدم لها قبل حتى أن تستشيرها وتطلب منها الموافقة خلاصا للعائلة من الاحتياج للمال ، وتتحمل هي المعاناة النفسية والصراع الداخلي الذي يعتور أي إنسانة تتعرض لهذا الموقف ، التضحية بنفسها من أجل الأسرة ، أو التضحية بالأسرة من أجل رغبتها الشخصية : { .. هل أصبحت أحلام هذه الأسرة متوقفة علي انتحاري ؟ ..} [10]. لتكتمل صورة الشخصية المتكاملة في حالاتها المختلفة والتي لم تردها الكاتبة مجرد رمز أصم خال من الروح .
تعدد الأصوات
اعتماد الرواية علي الإسلوب الناعم قد يوحي باستنامة القارئ والاستسلام لمجريات الحدث ، إلا أنه يمكن القول - بارتياح – أن القصة تخلو من الحدث ، إذ تعتمد بالدرجة الأولي علي التحرك الداخلي للمشاعر في جوانية شخصياتها ، خاصة إذا ما عرفنا أن الرواية تقوم علي الإسلوب الدائري ، والذي يجعلها تستفيد كثيرا من تكنيك القصة القصيرة .
فإذا ما نظرنا إلي ما يشبه العنوان الداخلي في بداية الرواية ، نجد أول كلمات الرواية : { أوراقك المستقرة في حضني باطمئنان من وصل بعد ليلة عاصفة إلي الشاطئ ، قالت لي في ليلة واحدة كل شئ } ، وتخدعنا الكاتبة لتدخل في الموضوع وكأنه يحدث الآن { أبدأ مشواري اليومي صوب البحر } مستخدمة صيغة الفعل المضارع ، فالحدث يجري الآن ، وتستمر في الخداع متنقلة بين الأزمنة المختلفة ، والوقائع المختلفة ، لنكتشف قبل النهاية بقليل أن كل ما جاء قبل ، كان قراءة في أوراق خالد متداخلة مع ذكريات الساردة ، وأن الحدث الحقيقة في الرواية بطولها لم يستغرق سوى ليلة واحدة ، ساعدها في تلك الخديعة الجميلة تعدد الأصوات الذي اعتمدت عليه وأجادته بحرفية كاتبة متمرسة ، وليست كاتبة لازالت تخطو خطواتها الأولي . متنقلة بين ضمير المتكلم والمخاطب والغائب .
فعندما يتطلب الأمر استبطان الواقعة أو الفعل ، كتبيان أثر واقعة معينة علي النفس ، أو التعبير عن مشاعر خاصة كالحب والصراع الداخلي ، خاصة عند الساردة / ندي ، نجد استخدام ضمير المتكلم . ولم يقتصر الأمر في استخدام هذا الضمير علي ندى وحدها وإنما استخدمه خالد أيضا عندما تحدث عم نفسه – في أوراقه - .
وعندما يتطلب الموقف المناجاة لذلك الذى كان ( خالد ) الغائب الحاضر ، والجاثم بقوة علي وجودها ، نجد استخدام ضمير المخاطب { .. يا بحرى ، تنبض فيّ دما حارا ورعشة ممتعة ، ياسفني ………. يا أنت (( أحبك يا مجنون )) … } فتستحضر الكاتبة الغائب وكأنه شاخص أمامها ، وأمامنا . - وأيضا – لم يقتصر استخدام هذا الضمير علي ندي وحدها ، وإنما استخدمه كذلك خالد عندما كان يستحضرها أمامه ويخاطبها ، الأمر الذي استدعي من القارئ اليقظة والحذر في التعامل مع هذه الضمائر ، وهي الشبكة العنكبوتية التي نسجتها الكاتبة لتوقع القارئ فيها ، ولتؤكد له : لا تستهن بسلاسة كتابتي وسهولتها ، في رغم ذلك تدعوك لليقظة والانتباه ، فما أردت استنامتك ، وإنما أردت إيقظك من غفوتك ، وأنبهك إلي ما هو أبعد من سرد حكاية حب قد يحدث مثلها عشرات في كل مكان في الأرض . انتبه فأرضي شائكة ، وسهولي متفجرة .
ثم يأتي استخدام ضمير الغائب ، لستخدمه الكاتبة عندما تتحدث – تحديدا – عن مدحت ، ذلك الحاضر إلي جانبها – بجسده – البعيد عنها في مشاعرها ، فرغم قربه منها ( صديقها في العمل ، والمتقدم لخطبتها ) لكنه ليس في حساباتها – رغم توهم من حولها بوجود العاطفة بينهما – فكان استخدام ضمير الغائب هنا ، موفقا ومعبرا وموحيا إلي حد بعيد .
الأسماء ومدلولاتها
في محاولة - ترتبط كثيرا بالمحاولات الأولي – من الكاتبة أن تجعل من الأسماء رموزا ، وكأن الكاتب / الكاتبة ، يخشي علي قارئه الوصل إلي المعني الضمني الذي يريده ، يسعي لاستخدام بعض الأسماء الدالة علي المعني المراد .
ففي " ذاكرة الرماد " أطلقت الكاتبة أسماء ذات دلالة علي الشخصيات الرئيسية في الرواية ، حيث نجد اسم ( خالد ) علي ذلك الشاب الفلسطيني الذي أرادته رمزا للمقاومة ، ورمزا ( للخلود ) . علي الرغم من أنها – الكاتبة – قطعت هذا ( الخلود ) بانتهاء حياة خالد الإنسان ، ثم موت الوليد الذي اسمته اسما موحيا أيضا ( عودة ) .
فبينما هي أرادت إنهاء حياة شخوصها الإنسانية ، أنهت حياة الرمز كذلك ، فما كان لهما أن ينفصما في النهاية بعد رحلة طويلة علي مدار صفحات الرواية ، وكأن الكاتبة تقطع كل الآمال في غد ربما يكون أفضل .
وأيضا أطلقت اسم ( سحاب ) تلك التي إن ظهرت صيفا ، كانت الظل والملجأ من حريق الشمس القائظة ، وإن ظهرت شتاء ، كانت المطر والانهمار والسقيا . وذلك ما عبرت عنه الكاتبة في جملة واحدة { .. في هذا اللقاء ، أثبتت سحاب أنها صديقتك الوحيدة ، وأني لم أكن سوي نزوة عابرة أشبعت رغبتك بامرأة حمقاء .. } [11] . وعلي الرغم من أن ( سحاب ) لم يظهر لها هذا الدور علي صفحات الرواية سوي في الرمق الأخير – وتلك الجملة وبسياقها وموضعها تؤكد ما سبق قوله من اقتراب الرواية من القصة القصيرة واقترانها بالتعبير عن اللحظة - .
ويؤدي هذا الانسحاب للجانب الإنساني أو الفردي للشخوص وبروز الجانب الرمزي ، واستئثاره بالمشهد ، إلي إعلاء حدة الصرخة واطلاق الرصاصة التي أرادتها الكاتب في قولها :
{ .. الخامس من حزيران ! تاريخ يشهر عجز الإنسان العربي رصاصا ، بأي اتجاه يُطلق ؟ }
حيث يتوقف صوت الحب ، ويعلو صوت الطلقات ، والإنذارات الزاعقة الضاغطة القارئة في صفحتها الأخيرة :
{.. التوقيت مثير للدهشة ................عيد سيأتي ، أضحيات بشرية بالمئات ، هل تحققت نبوؤة الأغنية الشعبية ، واستخدم البشر أضحية للعيد الكبير ؟ }
وبعد أعوام من استقراء الكاتبة للأحداث التاريخ العربي ، واستعادة ذاكرة الأوراق / الرماد ، هاهي الأيام ترينا استمرارية المشهد ، ويقدم رمز جديد ، رغم كل ما يمكن أن يقال عليه ويكال عليه ، إلا أن إعدام صدام حسين فجر عيد الأضحي قبل أيام ، علي أيدي مغتصبي الأرض في العراق ، بعد فلسطين ، ليؤكد أن إبتسام إبراهيم التريسي كاتبة تستطيع استقراء الأحداث ، ويقدم صرخة يبحث بها عن صرخة أخري إلي جانبها لتصنع ثورة علي الأوضاع العربية الخانعة المتخاذلة .
إلا أن الثورة الوشيكة تأخذ في كل بلد عربي شكلا يرتبط بمناخ هذا البلد أوذاك وما يفور فيه ويدور من أحداث محركة لتلك الثورة .
ففي السعودية تهيئ الرواية اليوم لما يمكن أن نطلق عليه ( ثورة الحريم ) . حيث يعلو وبوضوح شديد حيث الرواية عما تعانيه المرأة السعودية من مظاهر للكبت والحرمان ، وسعيها نحو خلق دور للمرأة في المجتمع .
وفي مصر تدور الرواية الآن حول عزل الفرد عن متخذ القرار ، وسعيه لخلق دور فاعل فيه ، فضلا عن الدخان المتصاعد من حريق الثورة المكبوتة علي العديد من السلبيات والانحرافات في المجالات المتعددة .
وفي سوريا التي لا زالت تعيش وهم القومية العربية وشعارات لم تعد تسمن ولا تغني من جوع مكتفية بها عن الفعل والحركة . فتأتي الرواية السورية لتعلن رفضها الاستسلام والخنوع والسكون ، وتأييدها للحركة والفعل الإيجابي الفاعل .
فسورية لا تزال تصر علي التواجد داخل الأراضي اللبنانية ، ورغن ذلك لم تستطع منع التوغل الإسرائيلي في لبنان ، ولم تستطع منع مذبحة صابرا التي ارتكبت فيها القوات الإسرائيلية أبشع صور الدمار والتدمير علي الشعب الفلسطيني داخل الأراضي اللبنانية .
وقد التقطت الروائية السورية المبدعة ابتسام إبراهيم التريسي هذه الواقعة تحديدا ، لتعلن عن مولد كاتبة روائية استطاعت بشاعرية وانسيابية ناعمة وغير زاعقة أن تعبر عن تلك المأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني أولا ، وعن رؤيتها في موقف بلدها تجاه ما جري ويجري ثانيا ، من خلال روايتها الرائعة " ذاكرة الرماد " .
{ .. كم حلم بعائلة وحبيبة ، كم احتضنت كفاه وجه أمه الذي لا يفارق الحلم ، كم بكي علي ذراعيها متأملا الدالية وفنجان القهوة الصباحي ، وأمسه الذي لم يعد منه سوي ذكريات باهتة يشك أحيانا أنها حقيقة ، قالت له : سنتزوج قريبا ، قال لها : سيجمعنا بيت أهلي الصغير ، سيكبر الأولاد ، سيحملون معي عرق الأرض ، لكنه لم يكن يظن يوما أنهم سيولدون في خيمة ... } [1] .
بهذه الكلمات النازفة ألما والتي تأتي في نهايات الرواية ، تبدأ حكاية " ذاكرة الرماد " حيث نتعرف علي أحد هؤلاء الذين قالت عنهم ( سيولدون في خيمة ) ، ذلك الفتي ليس إلا من كان اسمه خالد عندما ولد وكان كغيره من فتيان الأرض ، والذي تعمدت الكاتبة عدم ذكر اسمه إلا مرة واحدة ، وفي نهاية الصفحات ، حيث ظل طوال صفحات الرواية مجرد حطام ، أو بقايا إنسان ، بقايا وطن كان اسمه فلسطين .
وجد الطفل نفسه في مخيم ، يبحث عن شُباك يأتي بالهواء ، أو بالحياة ، وجد نفسه يعشق الرسم وكطفل راح يرسم أفقا أزرقا ودالية عنب ، غير أن أمه نظرت للرسم في رفض صارم متسائلة : { .. أين البندقية ؟ هل هذا الرسم يعبر عن رجولتك ؟ } [2] . حيث : { .. كانت أمي تستنفر رجولتي لتري فيَّ زوجا فقدته وأخا استشهد في الجنوب ، وآخر ابتلعته المحيطات في غربة طويلة ولم تعد تسمع عنه شيئا ..... } . فهل لهذه الطفولة أن توجد إلا بقايا إنسان يريد أن يعيش مثل سائر البشر ، غير أنه لا يستطيع . تمد له الحياة نقطة ( ندي ) ربما تستنبت نبتة مخضرة في صحراء حياته ووجوده ، غير أن الأرض تصحرت وتصخرت فما عاد مجرد الندي ليفعل شيئا ، وما كان ليحتاج غير نهر هادر كي تنبت الأرض ويخضر النبت ، ولكن من أين يأتي النهر وقد جف المطر وأقفرت المنابع ؟! .
وإن كانت الكاتبة قد اختارت ( ندي ) من سورية ، وجعلت تنقلها من سورية إلي لبنان والعكس بسلاسة ودون تعقيدات التنقل بين البلدان العربية - ربما لما بين الوطنين من علاقة خاصة – ورغم أن هذه العلاقة الخاصة لم تستطع تقديم يد العون للبنان في محنتها – عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان لتدك مخيم صابرا عام 1968 ، فإنها قد أدانت وأعلنت الثورة علي عجز الأوطان العربية كلها ممثلة في الجامعة العربية التي لم تستطع تقديم شئ :-
{ .. لم يتم كلامه ، ولم أستطع مهاجمته ، فقد حسم الرصاص الموقف ، كنا قريبين من الجامعة العربية ، عمت الفوضي ، إختلط الذعر بالنقمة ، والاندفاع بالتراجع ، والهزيمة تسود الجو حاملة معها انكسار الأحلام ، ودخول الآمال في طور الغيبوبة ... } [3] . وبعد قليل تعلن الكاتبة سخطها وثورتها علي الأوضاع العربية المفككة والسلبية وعلي سطر مستقل وبحروف بارزة : { الويل لأمة مقسمة } [4] .
وتستمر الكاتبة في ثورتها المكتومة المنتشرة بطول صفحات الرواية ، معلنة إعترافها بالسبية والرومانسية غير الفاعلة فتعترف ندي في أعماقها وكأنها تحدث فتاها خالد :
{ .. ومن التصاقي ببرامج الإذاعة ورسائل الأحبة إلي ذويهم في ( صوت فلسطين ) ، لكني أجدك علي حق ، أين الفعل في كل ما أشعر به ؟ هل تتحرر الأرض بشعارات عاطفية تحفظها القلوب وترددها اللسن في المناسبات ؟ هل صوت فلسطين وأغان حماسية كل ما نستطيع أن نهب لتلك الأرض المغتصبة ؟ كم أنا تافهة و حيادية ! ..} [5] .
الإسلوب ورسم الشخصية
من المختارات السابقة ما قد يوحي بالمباشرة في الخطاب كما هو الإسلوب العربي في الحديث عن المسائل الوطنية ، إلا أن ذلك يعتبر إجحاف في الحكم وتزيد علي العمل الذي لا تشبع الكتابة عنه بقدر قراءته في نصه ، حيث تنحي الرواية بنفسها بعيدا بعيدا عن ذلك ، بل إن بعدها عن تلك المباشرة يعد أحد أسباب نجاحها . فعندما كتاب تولستوي رائعته الفارقة ( الحرب والسلام ) ، عد من أسباب عبقريتها أنها لم تتحدث عن الحرب ، ولكن عن أثار الحرب . وهنا أيضا رغم أن " ذاكرة الرماد " تتحدث عن الاجتياح الهمجي الإسرائيلي لمخيم صبرا ، إلا أن ذكر ذلك لم يرد إلا قليلا ، بل وقليل جدا إذا ما قيس بحجم العمل ، وإنما استطاعت الكاتبة أن تقول ذلك من خلال انعكاسه علي الإنسان ، ولذا فإنه علي الرغم من أن البطل الحقيقي في الرواية هو المخيم / المكان ، إلا أن ذلك جاء من خلال رسم واضح ومحكم للشخصية الإنسانية التي عاشت – وتعيش المكان والزمان ، مستعينة في كل ذلك باسلوب غاية في الشاعرية القريبة من النفس والأقرب في التعبير عن المشاعر والأحاسيس .
فإذا كان خالد - علي المستوي الرمزي - يعبر عن الشعب الفلسطيني ، وتعبر ندي ليس عن الشعب السوري فقط وإنما علي الأوطان العربية عامة ، مستفيدة في ذلك من موروث الرواية العربية – خاصة المصرية منها – فكما كتب توفيق الحكيم ( سنية ) مجسدة مصر في " عودة الروح " وكتب يحيي حقي ( فاطمة ) في " قنديل أم هاشم " وكتب نجيب محفوظ ( زهرة ) في " ميرامار " فقد جاءت ( ندي ) في " ذاكرة الرماد " . و رغم رمز لكنها أيضا جاءت إنسانة مشحون بالعواطف والمشاعر ، نابضة بالأحاسيس الإنسانية التي تجعل منها بطلة للعمل علي المستوي الخاص – إلي جانبها علي المستوي العام - إلي جانب النجاح الباهر في الدمج بين الحالين ، والذي يبلغ قمته في المزج بينهما – الخاص والعام – في التعبير عن ذلك الترابط عندما تناجي ندي خالد قاءلة : { .. فمتي ، متي ينتهي حصارك لأيامي ؟ حتى أستطيع خلع رأسك عن جسدى .. } [6] ، فكم يوحي التعبير بالالتصاق والالتحام بين كل من ندي وخالد الرمز والجسد . وحيث تملك الكاتبة قدرة في صياغة الإسلوب الناعم السلس تسطيع بها تحويل نار الحرب والدمار إلي نور وضياء ، وأنات الألم والخراب إلي نسمات تتهادي علي سطح نهر رقراق ، فتنصهر ندي الإنسانة في ندي الرمز . فبعد يوم مشحون من العمل الصحفي واللقاء مع خالد ، تتوحد الوظيفتان :
{ .. يا أنت حصارك و حصاري واحد . كبر الحصار ، تجاوزني قليلا فكانت مساحة عينيك الوطن ، وكنتُ الضحية ، لا تفتح هاتين الواحتين المخضلتين بالندي دهشة ، لأن مساحة عينيّ الوطن ، وأنتَ الضحية ! حصارك بات الأصغر ، الحصار الحلو ، حصار الوطن بات الأكبر ، الحصار المر ، وأنفاسي تضطرب في صدري وتضيق مساحة الوطن } [7] .
فإلي جانب التوحد يتضح الانتقال السلس من العام للخاص ، فها هو يتضاءل ويضيق هم الوطن الجاثم علي الصدر وتتكسر حباته ، عندما يكبر ويتعاظم الهم الإنساني الزاعق في صورة الحب القاهر والمتسلط الذي يحول الإنسان إلي كتلة من الأحاسيس والمشاعر الفياضة معلنة سطوة الحب والتوحد ، وتستطيع اللغة الشاعرة تحويل المادي الملموس إلي صفاء روحي مهموس :
{ .. علي عنقي تماما تُقرر أنفاسك بدفءموضع الذبح ، تخر دمائي بسرعة ، وأنتفض ، تتابع شفتاك دقائق اغتيالي الأخيرة ، تقتربان من عبينيّ ، تمران كطيف ملائكي يحلم بعناقيد من الحب والشهوة ، تفتحان الجرح حتى الارتعاش بقبلة مرة ، تتسرب إغماءة اللحظة إلي إعصابي ، وتشتعل الرغبة في أصابعك ، تقترب مني أكثر ، تلتهب الحمي في عينيك ، ترسلها ارتعاشات ميتعرة ، تهمس شفتاك : أطفئيني ، أشعر أن نارا تأكلني ، أمطري حنانا وأطفئيني .
تمتد يدك ، تغوص في ثنيات الثوب :
- أشعليني ، دعي أرضك الرحبة تمتصني ، ضميني إلي صدرك ، أشعليني ، دعي رملك يختلط بموجي ، وأطفئيني .
- تشتعل ، عيناك تصبان الزيت ، والنار تأكل أطرافي ، أحتويك بين شفتي المحترقتين ، وأصابعك تزيد النار اشتعالا .. عيناك لا تتعبان ، تنده بعطش ، فأسمع الصدي في أحشائي :
- أطفئيني .
ومعا ببطء ..... نطفئ شمعتنا الوحيدة . } [8] .
ولست ندي وحدها التي تجسد فيها الرمز والبشرية ، وإنما أيضا خالد ، يعيش مشاعره الإنسانية ، غير أن واقعه يقف حائلا ، هو إنسان ، لكنه إنسان محكوم بواقع أليم :
{ .. منذ زمن لم تنبثق ندي كزهرة بيضاء فوق سطح الماء ، منذ زمن لم تلاتعش فوق الزبد وتغيب في حضن الموج . أحقا أحببتها ..؟ ... } [9] .
ولا يتوقف رسم الشخصية عند التوحد بين الرمز والإنساني ، وإنما تنجح الكاتبة كذلك في خلق شخصية تتوافق مع واقعها . هي صحفية ، ولا تنسي ذلك ، فنراها تمارس عملها الصحفي بمهارة ، لم يستغرقها دورها كرمز ، ك ( ندي ) الاسم الإنساني ، والإسم الرمزي / الماء . فلا يطغي هذا علي ذلك وإنما تصور الصحفية الواقع الأليم الذي تركه الاجتياح علي المخيم ، لتقدم لقرائها الصورة المُرة التي ذهبت لبيروت من أجلها .
ليس هذا فقط وإنما أيضا نري ( ندي ) الأنسانة البسيطة التي تعيش مآساة عائلتها الفقيرة التي تقدم ابنتها – الصحفية المثقفة – قربانا للمال ، توافق الأسرة علي العريس المتقدم لها قبل حتى أن تستشيرها وتطلب منها الموافقة خلاصا للعائلة من الاحتياج للمال ، وتتحمل هي المعاناة النفسية والصراع الداخلي الذي يعتور أي إنسانة تتعرض لهذا الموقف ، التضحية بنفسها من أجل الأسرة ، أو التضحية بالأسرة من أجل رغبتها الشخصية : { .. هل أصبحت أحلام هذه الأسرة متوقفة علي انتحاري ؟ ..} [10]. لتكتمل صورة الشخصية المتكاملة في حالاتها المختلفة والتي لم تردها الكاتبة مجرد رمز أصم خال من الروح .
تعدد الأصوات
اعتماد الرواية علي الإسلوب الناعم قد يوحي باستنامة القارئ والاستسلام لمجريات الحدث ، إلا أنه يمكن القول - بارتياح – أن القصة تخلو من الحدث ، إذ تعتمد بالدرجة الأولي علي التحرك الداخلي للمشاعر في جوانية شخصياتها ، خاصة إذا ما عرفنا أن الرواية تقوم علي الإسلوب الدائري ، والذي يجعلها تستفيد كثيرا من تكنيك القصة القصيرة .
فإذا ما نظرنا إلي ما يشبه العنوان الداخلي في بداية الرواية ، نجد أول كلمات الرواية : { أوراقك المستقرة في حضني باطمئنان من وصل بعد ليلة عاصفة إلي الشاطئ ، قالت لي في ليلة واحدة كل شئ } ، وتخدعنا الكاتبة لتدخل في الموضوع وكأنه يحدث الآن { أبدأ مشواري اليومي صوب البحر } مستخدمة صيغة الفعل المضارع ، فالحدث يجري الآن ، وتستمر في الخداع متنقلة بين الأزمنة المختلفة ، والوقائع المختلفة ، لنكتشف قبل النهاية بقليل أن كل ما جاء قبل ، كان قراءة في أوراق خالد متداخلة مع ذكريات الساردة ، وأن الحدث الحقيقة في الرواية بطولها لم يستغرق سوى ليلة واحدة ، ساعدها في تلك الخديعة الجميلة تعدد الأصوات الذي اعتمدت عليه وأجادته بحرفية كاتبة متمرسة ، وليست كاتبة لازالت تخطو خطواتها الأولي . متنقلة بين ضمير المتكلم والمخاطب والغائب .
فعندما يتطلب الأمر استبطان الواقعة أو الفعل ، كتبيان أثر واقعة معينة علي النفس ، أو التعبير عن مشاعر خاصة كالحب والصراع الداخلي ، خاصة عند الساردة / ندي ، نجد استخدام ضمير المتكلم . ولم يقتصر الأمر في استخدام هذا الضمير علي ندى وحدها وإنما استخدمه خالد أيضا عندما تحدث عم نفسه – في أوراقه - .
وعندما يتطلب الموقف المناجاة لذلك الذى كان ( خالد ) الغائب الحاضر ، والجاثم بقوة علي وجودها ، نجد استخدام ضمير المخاطب { .. يا بحرى ، تنبض فيّ دما حارا ورعشة ممتعة ، ياسفني ………. يا أنت (( أحبك يا مجنون )) … } فتستحضر الكاتبة الغائب وكأنه شاخص أمامها ، وأمامنا . - وأيضا – لم يقتصر استخدام هذا الضمير علي ندي وحدها ، وإنما استخدمه كذلك خالد عندما كان يستحضرها أمامه ويخاطبها ، الأمر الذي استدعي من القارئ اليقظة والحذر في التعامل مع هذه الضمائر ، وهي الشبكة العنكبوتية التي نسجتها الكاتبة لتوقع القارئ فيها ، ولتؤكد له : لا تستهن بسلاسة كتابتي وسهولتها ، في رغم ذلك تدعوك لليقظة والانتباه ، فما أردت استنامتك ، وإنما أردت إيقظك من غفوتك ، وأنبهك إلي ما هو أبعد من سرد حكاية حب قد يحدث مثلها عشرات في كل مكان في الأرض . انتبه فأرضي شائكة ، وسهولي متفجرة .
ثم يأتي استخدام ضمير الغائب ، لستخدمه الكاتبة عندما تتحدث – تحديدا – عن مدحت ، ذلك الحاضر إلي جانبها – بجسده – البعيد عنها في مشاعرها ، فرغم قربه منها ( صديقها في العمل ، والمتقدم لخطبتها ) لكنه ليس في حساباتها – رغم توهم من حولها بوجود العاطفة بينهما – فكان استخدام ضمير الغائب هنا ، موفقا ومعبرا وموحيا إلي حد بعيد .
الأسماء ومدلولاتها
في محاولة - ترتبط كثيرا بالمحاولات الأولي – من الكاتبة أن تجعل من الأسماء رموزا ، وكأن الكاتب / الكاتبة ، يخشي علي قارئه الوصل إلي المعني الضمني الذي يريده ، يسعي لاستخدام بعض الأسماء الدالة علي المعني المراد .
ففي " ذاكرة الرماد " أطلقت الكاتبة أسماء ذات دلالة علي الشخصيات الرئيسية في الرواية ، حيث نجد اسم ( خالد ) علي ذلك الشاب الفلسطيني الذي أرادته رمزا للمقاومة ، ورمزا ( للخلود ) . علي الرغم من أنها – الكاتبة – قطعت هذا ( الخلود ) بانتهاء حياة خالد الإنسان ، ثم موت الوليد الذي اسمته اسما موحيا أيضا ( عودة ) .
فبينما هي أرادت إنهاء حياة شخوصها الإنسانية ، أنهت حياة الرمز كذلك ، فما كان لهما أن ينفصما في النهاية بعد رحلة طويلة علي مدار صفحات الرواية ، وكأن الكاتبة تقطع كل الآمال في غد ربما يكون أفضل .
وأيضا أطلقت اسم ( سحاب ) تلك التي إن ظهرت صيفا ، كانت الظل والملجأ من حريق الشمس القائظة ، وإن ظهرت شتاء ، كانت المطر والانهمار والسقيا . وذلك ما عبرت عنه الكاتبة في جملة واحدة { .. في هذا اللقاء ، أثبتت سحاب أنها صديقتك الوحيدة ، وأني لم أكن سوي نزوة عابرة أشبعت رغبتك بامرأة حمقاء .. } [11] . وعلي الرغم من أن ( سحاب ) لم يظهر لها هذا الدور علي صفحات الرواية سوي في الرمق الأخير – وتلك الجملة وبسياقها وموضعها تؤكد ما سبق قوله من اقتراب الرواية من القصة القصيرة واقترانها بالتعبير عن اللحظة - .
ويؤدي هذا الانسحاب للجانب الإنساني أو الفردي للشخوص وبروز الجانب الرمزي ، واستئثاره بالمشهد ، إلي إعلاء حدة الصرخة واطلاق الرصاصة التي أرادتها الكاتب في قولها :
{ .. الخامس من حزيران ! تاريخ يشهر عجز الإنسان العربي رصاصا ، بأي اتجاه يُطلق ؟ }
حيث يتوقف صوت الحب ، ويعلو صوت الطلقات ، والإنذارات الزاعقة الضاغطة القارئة في صفحتها الأخيرة :
{.. التوقيت مثير للدهشة ................عيد سيأتي ، أضحيات بشرية بالمئات ، هل تحققت نبوؤة الأغنية الشعبية ، واستخدم البشر أضحية للعيد الكبير ؟ }
وبعد أعوام من استقراء الكاتبة للأحداث التاريخ العربي ، واستعادة ذاكرة الأوراق / الرماد ، هاهي الأيام ترينا استمرارية المشهد ، ويقدم رمز جديد ، رغم كل ما يمكن أن يقال عليه ويكال عليه ، إلا أن إعدام صدام حسين فجر عيد الأضحي قبل أيام ، علي أيدي مغتصبي الأرض في العراق ، بعد فلسطين ، ليؤكد أن إبتسام إبراهيم التريسي كاتبة تستطيع استقراء الأحداث ، ويقدم صرخة يبحث بها عن صرخة أخري إلي جانبها لتصنع ثورة علي الأوضاع العربية الخانعة المتخاذلة .
01/05/2007 - 22:46
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
أشكرك على هذه الدراسة القيمة لروايتي "ذاكرة الرماد" . طبعاً ليس لي كقارئة الآن أيّة ملاحظات ، بل أكتفي بإبداء سعادتي وامتناني لك ، فهذه أوّل دراسة تكتب عن الرواية . لك خالص المودّة والتقدير .
تعرفت من قبل على الكاتبة أبتسام التريسى من خلال مجموعتها القصصية الجميلة
" جذور ميتة " ..... واليوم ومن خلال نقدك الرائع تعرفت على روايتها الشيقة
دمت مبدعا للابد .... لك كل التقدير والتحية
دعاء
ومبدعة محبوبة ومجاملة
تحيتي ومحبتي
كانت قراءتك لها جميلة ، استطاعت عينك اللاقطة معرفة خباياها ورموز الأسماء فيها ،النقد الجاد هو الذي يكون إبداعا موازيا وقد حققت هذا في هذه القراءة ، فهنيئا ابتسام تريسي قراءتك الواعية للروايتها