ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- مشهدان من مسرحية " أمطار رمادية "
- المكان :المفهوم ، العلامة ، التأويل
- اللحمة والسداة في جماليات وهرمنيوطيقا النص
- نتوءات قوس قزح
- قراءة نقدية في قصتين قصيرتين : سراب الحب يوازي سراب الحلم
- عراك
- د. أسامة أبو طالب يناقش مسرحية أمطار رمادية لدكتور مصطفى عطية
- وقائع ما حدث يوم وفاة عبد المعطي (في ذكرى وفاته)
- الكتابة بالحواس والإحساس
- قراءة في قصيدة : هذه رصاصتي للشاعر عبد ربه اسليم
- قصيدة النثر : المفهوم والجماليات
- الحــنطـة
- الأدب المقارن : المفهوم والنموذج ( رؤية عربية )
- قراءة في قصيدة : خيمة الليل ، للشاعر جمال مرسي :
- قراءة نقدية في قصيدة : محاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكاتب
- رأس بارز
- قراءة في مسرحية (ملحمة السراب) لسعد الله ونوس
- قراءة في قصيدة (عصفور في قفص الاتهام) للشاعر عبد المنعم الموسوي
- قصيدة النثر : المفهوم والجماليات
- المثقفون والسلطة: بين الوقوف والقعود والانبطاح
رأس بارز
الخميس, 06/26/2008 - 07:22 | د. مصطفى عطية جمعة

رأس بارز
د. مصطفى عطية جمعة
تتحرك منحدرة من فوق مرتبتها ، تجرّ رجلها الفاقدة الحياة ، وبيدها تضبطها كلما زحفت. صرير باب الغرفة المكتوم ، درجتا سلم حجري تواجهها ، وبصيص من ضوء البكور ، تطالع الملح المتكلس على الحجر والجدران . تلتقط أنفاسها ، تحبو ، الدرجة الأولى ، ثم الثانية ، رجلها معلقة لأعلى ، تسحبها بتأوه خافت . تتشبث بثنيات الباب الخارجي للبيت ، تحرّك المزلاج .
أطلّ رأسها ، البكور ، زقزقة العصافير ، الأرجل تدب في الشارع . يهدمون بيت " نبوية أم شعبان " ، كانت هي وكل إخوتها ، بنسائهم وعيالهم .. ، الأطلال تنحسر عن مساحة صغيرة . كيف كان تجمعهم تلك الجدران ؟ منذ أن ماتت نبوية ، تفككوا ، وصفّى الصغير البيت لنفسه .
عمارة الحاج " جلال " ، خمسة أو ستة أدوار .. ، ترفع بصرها تعدها .. ، سبحان العاطي ، كان مرمطونًا عند المرحوم زوجي .
* * *
من الشرفة ، تقول " أم سيد " :
- شوفي الحاجة " تحيات " ، اشتاقت للشارع .
ترد ابنتها :
- أسمع عنها ..
- مريضة منذ سنين ، وحبستها ابنتها " أحلام " في غرفة تحت السلم .
* * *
من بُعدٍ ، طالعتها إحداهن، وكانت تسير في الشارع ، حاملة قفة خضار :
- شافت أيامًا مع زوجها المعلم " محي " ، عزًا وذهبًا .
رفيقتها ، تنظر للرأس البارز :
- دوام الحال من …….
- أنجبتْ له خمسة رجال وبنتًا واحدة .
- وأين هم ؟
- كل واحد تسيّره امرأته .
* * *
الرأس البارز يستند للباب ، أنهكه التطلع ، بعدما ارتفعت العمارات حاجبة أشعة الشمس ، "الحارة الضيقة نفق ملتوٍ ، يمتليء بالدراجات البخارية المركونة أمام الأبواب " .
كنت أجلس كل ليلة على العتبة قدام بيتي ، وبجواري قلة المياه التي يفوح منها النعناع ، وكوب الشاي ، وأنادي على جاراتي ، ونسمر باللب والذرة المشوية … ، لا مكان لي بين هذه الأعمدة والعمارات . يتراجع الرأس البارز .
* * *
الجارة ثانية لابنتها :
-" أحلام " بنت " تحيات " ، على كل بياضها وشعرها " السايح" ، ركنت جانب أمها بعد زوجين .
- والسبب ؟
- عقلها خفيف ، وفلوس أبيها دلّعتها .
تردف :
- وزوجها الأول أخذ العيّلين منها . فعاشت تناكف أمها .
* * *
تلتقط أنفاسها ، كأن درجتي السلم بناية عالية ، رجلها ثقيلة كالدهر وهي تسحبها . ترتخي الأصابع ، تتنسم هواءً من فرجة الباب ، " تحمل النسمات رائحة الهدم " .
ربما تكون الذكرى أريجًا ، يصاحبني في أويقات الزمن المتسحبة ، وربما تكون المرتبة القطنية ألين من العمارات المتطاولة .
صوت " أحلام " :
- أين أنتِ يا ولـيّة ؟ حبوتِ ثانيةً ؟!

رأس بارز
قصة بديعة وسرد أنيق جاء معظمها في وصفٍ تصويري ومشهدي يضع القارئ في وسط الحالة باقترابٍ شديد من الشخصية " المسكينة " مشفقا ومتعاطفا معها.
وقد لاحظت تعدد استعمال الأفعال المضارعة مع حركة الشخصية خلال المشهد ربما للدلالة على استمرار بؤسها ومعاناتها.
وفضاء النص يتسع للكثير من الدلالات والإسقاطات التي وصلتني كقارئة.
نص ثري بدءًا من عنوانه وحتى آخر نقطة بآخر سطر
دمتَ بكل الخير والإبداع
تحيتي وتقديري
رأس بارز
تحية وإجلالاً
قصتك تتسم بالرشاقة وسرعة النقلات في موازاة أسلوبية مع الأحداث التي ترصد إنهيارات متلاحقة وتبدل سريع .. دوام الحال من المحال حكمة قديمة ، لكنما المؤسف إن الزمن ينحدر بشخوص القصة إلى أسفل في وقت بدا الناس فيه مهمومين بالتطاول في البنيان إلى أعلى ، لكأنهم يقاومون انحدار الزمن بهم ، كيفما كان الأمر فثمة مظهر جديدا للحياة وعلى النحو الذي يحجب ضوء الشمس بما تحمله الشمس من دلالات بدت محجوبة عن أعين البشر وحياتهم .. قصة ثرية مكتنزة بالدلالات وممتعة معتمدة على صراع لا يريم بين ثنائية القديم / الجديد ، الماضي / الحاضر ، الحركة / والثبات ، الهدم / البناء ، الصمت مع اليأس والعجز / الثرثرة والطلاقة اللسانية مع الفراغ الفكري والروحى ، لا شك أن ثمة قيم كثيرة منزاحة مقهورة في هذا الصراع ، ولا شك أنها المفارقة التي تشكل وجه الحياة بطابعها الدرامي ، ولا شك أنها قصة تتجه بنا نحو فلسفة اللحظة الحاضرة .. اتمني لك دوام التألق والإبداع
دمت طيباً
عبدالجواد خفاجى
رأس بارز
تحياتي إليك
شكرا لك هذا التعليق الدقيق الذي غاص في أعماق القصة واستطاع أن يقف عند جمالياتها
تحياتي إليك وتقديري
رأس بارز
كم أنا سعيد غاية السعادة بما تفضلت به من نقد عالي المستوى ينم عن ثقافتك العميقة وقدرتك على استبطان النصوص
تحياتي إليك
رأس بارز
معادل موضوعي، العمارات التي استبدلت بالبيوت العتيقة، والمرمطون الذي صار عظيما في زمن التحولات الذي نشهده، والزوج الذي مات تاركا زوجته في مهب ريح تجاهل الأبناء، نعم قد تكون المرتبة أطرى شيء تجده المرأة ، حتى البنت ، حجرت الظروف قلبها، وليظل رأس العجوز بارزا ، شاهدا على العصر..
كل المودة
رأس بارز
كعادتك فى كل القصص التى قرأتها لك تهتم برصد حيوات الناس البسطاء وتحاول تجسيد عذاباتهم اليومية والحياتية ....هنا في قصتك رأس بارز تتعدد (معاناة ) الناس: من الشلل الجزئي لبعضهم الى هدم بيوت بعضهم الى الغلظة المتناهية فى التعامل مع المريض حتى لو كان احد الوالدين بحبسه تحت السلم .......... وفى المقابل ترصد ( تناقض ) حيوات الناس بمختلف ألوانهم ... الزواج / الطلاق ..... الدلع / الجدية ........الهدم/ البناء.....وهنا يتبدى تميزك فى قدرتك على رصد كل هذه المتناقضات وحشد كل هذه الشخوص فى قصة قصيرة واحدة دون خلل او ارتباك او تضخم......
لاشك فى سعادتي التامة بكل ما تكتبه أنت من إبداع قصصي أو نقدي لأنني اعتز دائما بك مبدعا وإنسانا نبيلا
رأس بارز
كم أنا سعيد بهذا التحليل الفني منك
الدال على عمق تلقيك وذوقك المرهف
د. مصطفى
رأس بارز
أيها المبدع والمتذوق الفائق
كلماتك فاقت ما كتبته أنا
لله درك من شاعر وناقد وإنسان وصديق
أخوك
د. مصطفى
رأس بارز
لاشك فى أننى قرأت عملا متميزا استفدت شخصيا منه ككاتبة قصة
هناك مقولة تقول أن النقاد عندما يبدعون يفشلون
وقد أثبت بقصتك المدهشة كذب هذه المقولة التى قالها فى اعتقادى أديب فاشل
وعذرا سيدى لأننى لا أجيد التعليق
لكننى أجيد الشعور بالسعادة
وقد شعرت بها فعلا
أقصد لقد سعدت