ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
الأربعاء, 08/01/2007 - 22:32 | شوقي عبد الحميد يحيي
رؤية الرواية ليوليو 52
الزيني بركات 3 / 3
شوقي عبد الحميد يحيى
عاشت مصر بعد يوليو 52 سنوات من التطورات المتلاحقة ،فرح بها الكثيرون ،
واغتم لها البعض ، سيطر الإعلام علي العقول ، فعاش الشعب فرحة الانتصارات
، وبهجة الإنجازات .
حتي هدثت الهزة الكبري في يونيو 67 . فدارت الرؤوس وانتشر الضباب ، وتداخلت الأسئلة عما حذث ، ولماذا حدث ، وكيف حدث .
توالت الدراسات الباحثة عن الجذور . فكانت كلها ترجعها إلي البدايات الخاطئة التي وضعت جذورها ، ما سمي فيما بعد بثورة يوليو 52 . وكانت الرواية أصدق تعبيرا عن النتيجة والأسباب ، لذا كانت هذه السلسة من المقالات ، التي أكتفي منها بهذه الرواية التي صنعت صدي ، وكان لها من التأثير في مسيرة الرواية العربية ، ما يؤهلها لأن نختتم بها هذه الذكري لهذا العام . إنها رواية جمال الغيطاني " الزيني بركات "
...................
في الستينيات من القرن العشرين ، انتشرت في مصر المسرحيات الرمزية على يد سعد الدين وهبة ونعمان عاشور ود. رشاد رشدي وألفريد فرج وعلى سالم ، وغيرهم ، واعتمدت هذه المسرحيات على الهروب من الواقع المعاش باللجوء إلى الرمز للتعبير عما في ذواتهم مما لا يستطيعون التعبير عنه مباشرة ، ولم يتغير ذلك إلا بعد نكسة 1997، وسقوط الأقنعة عن الكثير مما في حياتنا ، ولم تكن الرواية لتنافس المسرح في تلك الفترة ، حيث لم تكن تبلغ ما بلغته الآن في أواخر التسعينيات من القرن العشرين إلا أن ذلك لم يكن يصل إلى درجة الصفر وإنما كان هناك بعض الأعمال التي ظهرت لتعبر عن تلك الفترة بصورة أو أخرى .
وإذا كان جمال الغيطاني قد انتهى من كتابة روايته (الزيني بركات) في عام 1970 ـ 1971 لتنسحب عن فترة عطائه وانفعاله مع الأحداث ، فإنه يمكن القول بنفس راضية أنها جاءت لتعبر عن فترة الستينيات أيضا ، وليس هذا افتراضا نظريا ندلي به من خارج العمل ، وإنما لتطابق مضمون العمل ككل ولكثير من التفصيلات التي بها مع الواقع العملي لتلك الفترة ، فتدور أحداث الرواية في عصر المماليك وكيف وصل المملوك بركات بن موسى إلى تولي أمور القاهرة ثم سائر أنحاء مصر لتتكشف حقيقته عن زيف ما أظهره في بداياته واتساع الهوة بين ما يظهر من ورع وتقوى وزهد ، وبين ما يبطن من جشع في جمع الأموال واكتنازها وكيف تسلط الخوف والقهر على الإنسان في عهده تحت وطأة الأسلوب الشرطي الذي مارسه الشهاب زكريا بن راضي من أساليب التجسس والتخابر التي وصلتا لأن يعين بصاصا على البصاصين ، وأن يندس له نفسه من يتلصص عليه بل وأقرب الناس إلى نفسه ، وهي جاريته المفضلة والتي لا يرتاح إلا لها ، ليؤدي كل ذلك في النهاية إلى هزيمة الوطن واحتلاله من الجند العثمانية .
ورغم أن الرواية لم تذكر لفظ الهزيمة إلا مرة واحدة.. إلا أنها في النهاية إجابة عن ذلك السؤال المتعلق بها والذي جري على لسان مؤرخ الرواية في نهايتها
(.. سؤال أبله معلق ، لماذا جرى ما جري ؟...).
ولنبدأ الرحلة من بدايتها:
تأتي الأخبار عن اختيار السلطان لبركات بن موسى لأن يكون محتسبا على القاهرة
(والحسبة هي منصب يجمع بين السلطة الدينية والمدنية ويتلخص في ضمان الخير وطرد الشر) وأنه قد خلع عليه لقب الزيني.
يبحث كبير بصاصي القاهرة ـ الشهاب زكريا بن راضي ـ في دفاتره التي تحوي كل كبيرة وصغيرة عن أحوال برات بن موسى ومن يكون، لكن زكريا رغم قديمه لكل كبيرة وصغيرة عن القاضي والان لا يجد ما دون عن بركات يزيد عن أربعة سطور، وأربعة فقط
(ما لهذا الرجل لا يأتي من ناحتيه إلا الحيرة ؟؟ كل ما خطه شهاب الحلبي أربعة سطور "بركات بن موسى له مقدرة الإطلاع على النجوم، أمه اسمها عنقا") ص39.
إذن فهو مجهول محير. ورغم ذلك يأتي المرسوم السلطاني ليخلع عليه من الأوصاف والصفات ما يرفعه فوق البشر:
(يتولى بركات بن موسى حسبة القاهرة لما تبين لنا بعد ما قدمناه ما فيه من فضل وعفة وأمانة وعلو همة وقوة وصرامة ونور هيبة ، وعدم محاباة أهل الدنيا وأرباب الجاه ومراعاة الدين كما أنه لا يفرق في الحق بين الرفيع والحقير لهذا أنعمنا عليه بلقب الزيني يقرن باسمه بقية عمره...) ص 30.
ويبدأ الزيني بالتخلص من سلفه على بن أبو الجود وتجريسه بعد ما تبين ما اكتنزه من أموال وما فرضه من مظالم على العباد ويحكم عليه بالموت رقصا من الصفات فوق عربة تطوف به الشوارع ).
وهكذا هي بداية الحكام في مصر على كافة عصورهم ، يبدأ الحاكم بأطيب الصفات ، غير أن الأمور سرعان ما تتغير فيحتفظ الزيني لنائبه زكريا بن راضي بمنصب كبير البصاصين وكأن كل واحد منهما لا يمكن أن يتواجد إلا مع الآخر.. بكلاهما يكتمل الآخر.. يقول زكريا عن بركات :
أن يوجد زكريا بمفرده في زمن واحد أمر لا طعم له، كل منهما مخلوق لصاحبه وجود الزيني أفاد زكريا... ص264.
غير أنه لا يكتفي برجاله فيكون له بصاصين تابعين له مباشرة لا يعلمهم حتى زكريا نفسه ، ويستطيع بهم التعرف على خبايا كل كبير وصغير يتعرف بهم على ما يدور داخل البيوت، بل ما يدور بين الرجل وزوجته (حادثة الشيخ العطار والجارية الرومية) ويدس عيونه حتى لدى البصاصين ذاتهم فيتحدث زكريا بعد علمه بوصول عيون بركات إلى بيته فيقول:
( منذ الآن سيكون كل واحد في بيته عينا على الآخر، كل امرأة ستراقب الأخرى... ص150، ويبدأ الزيني في فرض الإتاوات الخفية باسم السلطان تارة وباسم الشيخ الجليل أبو السعود تارة أخرى، فيقع الأفراد بين جمع الأموال من جانب وبين جبروت البصاصين وأفعالهم من جانب آخر، فتتكمم الأفواه وينخرس البوح ، فنجد سعيد الجهيني أحد التلاميذ المجاورين بالأزهر وأحد رموز التفتح الثوري على الظلم يعود سعيد (الرحلة) – كما يسميها – يعود من المعتقل هادئا مغايرا لما كان عليه حتى حبه سماح أصبح مرا يحمل غصة ، فقد الحب وفقد الرغبة في الحياة ، فقد الإيجابية حتى أنه عندما يدعون لطومانباي يخشى أن يدعو معهم فيـ (.. ربما تضايقوا يريدونه هادئا وادعا.. إذا هتف لطومانباي من يدريه أن الدعاء سيسمع بعضه.. ).. ص257.
ثم يجسد جمال الغيطاني إحساس المرارة في حلق سعيد الجهيني حين يتحدث في منولوج :
(.. الأشرعة لا تهدى القوارب إلى بر الأمان ،. تمضى امرأة تلتف في حرير أصفر، حتى الخيال لم يعد قادرا على تجريد الثياب ، لو جاءت بلقيس نفسها ، لو رقصت أمامه في حجرة مغلقة نائية ، لن تهتز جذور شعيرات رأسه حتى...) ص258.
ويعقد الشهاب زكيا بن راضي مؤتمر كبيري بصاصي العالم مؤتمرات لوزراء الداخلية في العالم – يلقي فيه كلمة عن أحدث ما وصلت إليه أساليب التخابر في دولة المماليك لا تستطيع إلا اقتطاف أجزاء كثيرة منها نظرا لما بها من أساليب سادت فترة الستينيات من التخابر والفن في هذه الأساليب جاء فيها تحت عنوان (كيفية تطويع الظروف؟؟) :
(.. نبدأ بمتابعة الإنسان في حياته وليس في سجوننا وننفذ إليه من ثغرات ضعفه نفسح هذه الثغرات ، نقوض الأسس والأبنية وكما ذكرت ، سهل جدا قتل ألف إنسان لكن ليس مهما ، ما يهمنى تغيير ما في المخ والقلب وهذا صعب وللصعاب دائما نتصدى.
ثم:
يا ساداتي النظام ما من إنسان في الدنيا إلا وفي ميدان نفسه حفر وجراح ، ثغرات وقلاع ضعيفة يقع على عاتقي واجب النفاذ منها ، مرة أنفذ على مهل ، منسحبا متسللا لا يسمع لي صوت ولا أنفاس ولا فحيح فجأة أبذر منجنيقي أنصب مواقعي أحرق أهدم ، أحيل البناء أنقاضا والعمار خرابا والأمان بأسا والآمال فشلا مذبوحا ، ثم :
أبث في الروح عكارة لا تروق أبدا ، إذا سخط الإنسان لفقره بذرت له أمال الغنى والجاه ، أذيقه نتفا من حياة الرخاء يتعود عليها ، حينئذ أحيله مسخا في عيون الخلق لا يقدر على العودة إلى نومه ولا يمكنه التطلع إلى الأمام، وهكذا بدلا من تبتره حيا أحوله وهو يمشى على نفس قدميه ويحرك ذراعيه ويتحدث بلسانه يناديه الناس باسمه لكنه في الحقيقة شخص آخر وإنسان ثان لا علاقة له بالوليد الذي انزلق يوما من رحم الأم أو الفتى اليافع الذي اختال وزها بين أقرانه ، حتى رجولته أقلبها أنوثة ، وأضيع معالم الشارب واللحية لا أحلقهما لا أثقب أذنيه وأعلق فيهما الأقراط لا أبتر عضوه كل ما فيه يبقى على حاله لكنه لا يبقى ، هنا سيفكر لكن كما أريد أنا يثير الناس أيضا لكن كما أهدف أنا وليس كما يحب ويشتهى... ) ص231 ، 232 .
وبينما التركيز كله منصب على أساليب التخابر وكيفية إخضاع الناس لإرادة البصاصين تحدث الواقعة... تقع الهزيمة وينتصر جيش العثمانلية على دولة المماليك ، يدخلون البلاد ويسعون للقبض على كل رموز المقاومة فيدور النداء ويدعو إلى الاستكانة والاستقامة :
(... يا أهالي مصر
لا يخرج أحدكم بعد المغيب.. لا يرتدي أحد لثاما.
ومن يضبط شنق
يا أهالي مصر
يا أهالي مصر
استكينوا
استكينوا ومن يخالف شنق...) ص269 .
ولتنكسر البلد بالهزيمة (.. لم أر مدينة مكسورة كما أرى الآن...).
(.. أرى وجه المدينة مريضا يوشك على البكاء... وأمام الهزيمة يحدث ما يمكن أن يكون حرب الاستنزاف التي وقعت بعد هزيمة 1967، فيقول فيا سكونتي جامي مؤرخ الزيني بركات :
(.. اللهاث يشتد وراء طومانباي سلطان البلاد المختفي خاصة بعد ظهوره المفاجئ في جامع شيخون ، والتفاف الخلق حوله ثم هجومه على بن عثمان في بولاق ، سمعت أنه بمجرد ظهوره في أي مكان يلتف حوله القوم وكأنهم يعرفون بميعاده ، سمعت أن جماعات كبيرة من الدراويش "رجال الدين" انضموا إليه ، راحوا يغيرون على جنود العثمانلية الذين يتطرفون في مشيهم إلى حارات نائية أو طرقات بعيدة يقتلون منهم ما استطاعوا أثار هذا الفزع بين الغزاة لو لبوا بالتزام الحذر والمشي في جماعات....) ص281 ، 282.
وبعد أن يعتلي العثمانلية أمر البلاد يعدو الزيني للظهور من جديد على جواد أبيض لكنه ملثم.. فربما كان هو الزيني بركات بنفسه أو أن زيني بركات آخر عاد للظهور... وكأن لكل عصر زيني بركات ، وليؤكد جمال الغيطاني أن الزيني بركات الممثل والأنموذج رغم أنه كان أحد عناصر الهزيمة، إلا أنه لم يزل موجودا ، ولكن إلى جانب الغزاة والمعتدين فهو عون للمعتدين ، وعار على أبناء جلدته ، وتظل (الزيني بركات) بانوراما مملوكية لعصر ما قبل النكسة.. عصر التخابر والتجسس وعدم الأمان الذي يؤدي إلى خراب روح الإنسان ودمار كيانه النفسي ، ينخرس لسانه تتحطم روحه يدمر الكيان ، فتحدث الهزيمة ، إن الغيطاني قد ألبس حكام ما قبل النكسة ملابس المماليك ليقدم لنا الحاضر في صورة الماضي، فكانت الزيني بركات بذلك من الروايات التي تناولت الستينيات عامة ونكسة 67 خاصة.
شوقي عبد الحميد يحيي
Em : shyehia@yahoo.com
حتي هدثت الهزة الكبري في يونيو 67 . فدارت الرؤوس وانتشر الضباب ، وتداخلت الأسئلة عما حذث ، ولماذا حدث ، وكيف حدث .
توالت الدراسات الباحثة عن الجذور . فكانت كلها ترجعها إلي البدايات الخاطئة التي وضعت جذورها ، ما سمي فيما بعد بثورة يوليو 52 . وكانت الرواية أصدق تعبيرا عن النتيجة والأسباب ، لذا كانت هذه السلسة من المقالات ، التي أكتفي منها بهذه الرواية التي صنعت صدي ، وكان لها من التأثير في مسيرة الرواية العربية ، ما يؤهلها لأن نختتم بها هذه الذكري لهذا العام . إنها رواية جمال الغيطاني " الزيني بركات "
...................
في الستينيات من القرن العشرين ، انتشرت في مصر المسرحيات الرمزية على يد سعد الدين وهبة ونعمان عاشور ود. رشاد رشدي وألفريد فرج وعلى سالم ، وغيرهم ، واعتمدت هذه المسرحيات على الهروب من الواقع المعاش باللجوء إلى الرمز للتعبير عما في ذواتهم مما لا يستطيعون التعبير عنه مباشرة ، ولم يتغير ذلك إلا بعد نكسة 1997، وسقوط الأقنعة عن الكثير مما في حياتنا ، ولم تكن الرواية لتنافس المسرح في تلك الفترة ، حيث لم تكن تبلغ ما بلغته الآن في أواخر التسعينيات من القرن العشرين إلا أن ذلك لم يكن يصل إلى درجة الصفر وإنما كان هناك بعض الأعمال التي ظهرت لتعبر عن تلك الفترة بصورة أو أخرى .
وإذا كان جمال الغيطاني قد انتهى من كتابة روايته (الزيني بركات) في عام 1970 ـ 1971 لتنسحب عن فترة عطائه وانفعاله مع الأحداث ، فإنه يمكن القول بنفس راضية أنها جاءت لتعبر عن فترة الستينيات أيضا ، وليس هذا افتراضا نظريا ندلي به من خارج العمل ، وإنما لتطابق مضمون العمل ككل ولكثير من التفصيلات التي بها مع الواقع العملي لتلك الفترة ، فتدور أحداث الرواية في عصر المماليك وكيف وصل المملوك بركات بن موسى إلى تولي أمور القاهرة ثم سائر أنحاء مصر لتتكشف حقيقته عن زيف ما أظهره في بداياته واتساع الهوة بين ما يظهر من ورع وتقوى وزهد ، وبين ما يبطن من جشع في جمع الأموال واكتنازها وكيف تسلط الخوف والقهر على الإنسان في عهده تحت وطأة الأسلوب الشرطي الذي مارسه الشهاب زكريا بن راضي من أساليب التجسس والتخابر التي وصلتا لأن يعين بصاصا على البصاصين ، وأن يندس له نفسه من يتلصص عليه بل وأقرب الناس إلى نفسه ، وهي جاريته المفضلة والتي لا يرتاح إلا لها ، ليؤدي كل ذلك في النهاية إلى هزيمة الوطن واحتلاله من الجند العثمانية .
ورغم أن الرواية لم تذكر لفظ الهزيمة إلا مرة واحدة.. إلا أنها في النهاية إجابة عن ذلك السؤال المتعلق بها والذي جري على لسان مؤرخ الرواية في نهايتها
(.. سؤال أبله معلق ، لماذا جرى ما جري ؟...).
ولنبدأ الرحلة من بدايتها:
تأتي الأخبار عن اختيار السلطان لبركات بن موسى لأن يكون محتسبا على القاهرة
(والحسبة هي منصب يجمع بين السلطة الدينية والمدنية ويتلخص في ضمان الخير وطرد الشر) وأنه قد خلع عليه لقب الزيني.
يبحث كبير بصاصي القاهرة ـ الشهاب زكريا بن راضي ـ في دفاتره التي تحوي كل كبيرة وصغيرة عن أحوال برات بن موسى ومن يكون، لكن زكريا رغم قديمه لكل كبيرة وصغيرة عن القاضي والان لا يجد ما دون عن بركات يزيد عن أربعة سطور، وأربعة فقط
(ما لهذا الرجل لا يأتي من ناحتيه إلا الحيرة ؟؟ كل ما خطه شهاب الحلبي أربعة سطور "بركات بن موسى له مقدرة الإطلاع على النجوم، أمه اسمها عنقا") ص39.
إذن فهو مجهول محير. ورغم ذلك يأتي المرسوم السلطاني ليخلع عليه من الأوصاف والصفات ما يرفعه فوق البشر:
(يتولى بركات بن موسى حسبة القاهرة لما تبين لنا بعد ما قدمناه ما فيه من فضل وعفة وأمانة وعلو همة وقوة وصرامة ونور هيبة ، وعدم محاباة أهل الدنيا وأرباب الجاه ومراعاة الدين كما أنه لا يفرق في الحق بين الرفيع والحقير لهذا أنعمنا عليه بلقب الزيني يقرن باسمه بقية عمره...) ص 30.
ويبدأ الزيني بالتخلص من سلفه على بن أبو الجود وتجريسه بعد ما تبين ما اكتنزه من أموال وما فرضه من مظالم على العباد ويحكم عليه بالموت رقصا من الصفات فوق عربة تطوف به الشوارع ).
وهكذا هي بداية الحكام في مصر على كافة عصورهم ، يبدأ الحاكم بأطيب الصفات ، غير أن الأمور سرعان ما تتغير فيحتفظ الزيني لنائبه زكريا بن راضي بمنصب كبير البصاصين وكأن كل واحد منهما لا يمكن أن يتواجد إلا مع الآخر.. بكلاهما يكتمل الآخر.. يقول زكريا عن بركات :
أن يوجد زكريا بمفرده في زمن واحد أمر لا طعم له، كل منهما مخلوق لصاحبه وجود الزيني أفاد زكريا... ص264.
غير أنه لا يكتفي برجاله فيكون له بصاصين تابعين له مباشرة لا يعلمهم حتى زكريا نفسه ، ويستطيع بهم التعرف على خبايا كل كبير وصغير يتعرف بهم على ما يدور داخل البيوت، بل ما يدور بين الرجل وزوجته (حادثة الشيخ العطار والجارية الرومية) ويدس عيونه حتى لدى البصاصين ذاتهم فيتحدث زكريا بعد علمه بوصول عيون بركات إلى بيته فيقول:
( منذ الآن سيكون كل واحد في بيته عينا على الآخر، كل امرأة ستراقب الأخرى... ص150، ويبدأ الزيني في فرض الإتاوات الخفية باسم السلطان تارة وباسم الشيخ الجليل أبو السعود تارة أخرى، فيقع الأفراد بين جمع الأموال من جانب وبين جبروت البصاصين وأفعالهم من جانب آخر، فتتكمم الأفواه وينخرس البوح ، فنجد سعيد الجهيني أحد التلاميذ المجاورين بالأزهر وأحد رموز التفتح الثوري على الظلم يعود سعيد (الرحلة) – كما يسميها – يعود من المعتقل هادئا مغايرا لما كان عليه حتى حبه سماح أصبح مرا يحمل غصة ، فقد الحب وفقد الرغبة في الحياة ، فقد الإيجابية حتى أنه عندما يدعون لطومانباي يخشى أن يدعو معهم فيـ (.. ربما تضايقوا يريدونه هادئا وادعا.. إذا هتف لطومانباي من يدريه أن الدعاء سيسمع بعضه.. ).. ص257.
ثم يجسد جمال الغيطاني إحساس المرارة في حلق سعيد الجهيني حين يتحدث في منولوج :
(.. الأشرعة لا تهدى القوارب إلى بر الأمان ،. تمضى امرأة تلتف في حرير أصفر، حتى الخيال لم يعد قادرا على تجريد الثياب ، لو جاءت بلقيس نفسها ، لو رقصت أمامه في حجرة مغلقة نائية ، لن تهتز جذور شعيرات رأسه حتى...) ص258.
ويعقد الشهاب زكيا بن راضي مؤتمر كبيري بصاصي العالم مؤتمرات لوزراء الداخلية في العالم – يلقي فيه كلمة عن أحدث ما وصلت إليه أساليب التخابر في دولة المماليك لا تستطيع إلا اقتطاف أجزاء كثيرة منها نظرا لما بها من أساليب سادت فترة الستينيات من التخابر والفن في هذه الأساليب جاء فيها تحت عنوان (كيفية تطويع الظروف؟؟) :
(.. نبدأ بمتابعة الإنسان في حياته وليس في سجوننا وننفذ إليه من ثغرات ضعفه نفسح هذه الثغرات ، نقوض الأسس والأبنية وكما ذكرت ، سهل جدا قتل ألف إنسان لكن ليس مهما ، ما يهمنى تغيير ما في المخ والقلب وهذا صعب وللصعاب دائما نتصدى.
ثم:
يا ساداتي النظام ما من إنسان في الدنيا إلا وفي ميدان نفسه حفر وجراح ، ثغرات وقلاع ضعيفة يقع على عاتقي واجب النفاذ منها ، مرة أنفذ على مهل ، منسحبا متسللا لا يسمع لي صوت ولا أنفاس ولا فحيح فجأة أبذر منجنيقي أنصب مواقعي أحرق أهدم ، أحيل البناء أنقاضا والعمار خرابا والأمان بأسا والآمال فشلا مذبوحا ، ثم :
أبث في الروح عكارة لا تروق أبدا ، إذا سخط الإنسان لفقره بذرت له أمال الغنى والجاه ، أذيقه نتفا من حياة الرخاء يتعود عليها ، حينئذ أحيله مسخا في عيون الخلق لا يقدر على العودة إلى نومه ولا يمكنه التطلع إلى الأمام، وهكذا بدلا من تبتره حيا أحوله وهو يمشى على نفس قدميه ويحرك ذراعيه ويتحدث بلسانه يناديه الناس باسمه لكنه في الحقيقة شخص آخر وإنسان ثان لا علاقة له بالوليد الذي انزلق يوما من رحم الأم أو الفتى اليافع الذي اختال وزها بين أقرانه ، حتى رجولته أقلبها أنوثة ، وأضيع معالم الشارب واللحية لا أحلقهما لا أثقب أذنيه وأعلق فيهما الأقراط لا أبتر عضوه كل ما فيه يبقى على حاله لكنه لا يبقى ، هنا سيفكر لكن كما أريد أنا يثير الناس أيضا لكن كما أهدف أنا وليس كما يحب ويشتهى... ) ص231 ، 232 .
وبينما التركيز كله منصب على أساليب التخابر وكيفية إخضاع الناس لإرادة البصاصين تحدث الواقعة... تقع الهزيمة وينتصر جيش العثمانلية على دولة المماليك ، يدخلون البلاد ويسعون للقبض على كل رموز المقاومة فيدور النداء ويدعو إلى الاستكانة والاستقامة :
(... يا أهالي مصر
لا يخرج أحدكم بعد المغيب.. لا يرتدي أحد لثاما.
ومن يضبط شنق
يا أهالي مصر
يا أهالي مصر
استكينوا
استكينوا ومن يخالف شنق...) ص269 .
ولتنكسر البلد بالهزيمة (.. لم أر مدينة مكسورة كما أرى الآن...).
(.. أرى وجه المدينة مريضا يوشك على البكاء... وأمام الهزيمة يحدث ما يمكن أن يكون حرب الاستنزاف التي وقعت بعد هزيمة 1967، فيقول فيا سكونتي جامي مؤرخ الزيني بركات :
(.. اللهاث يشتد وراء طومانباي سلطان البلاد المختفي خاصة بعد ظهوره المفاجئ في جامع شيخون ، والتفاف الخلق حوله ثم هجومه على بن عثمان في بولاق ، سمعت أنه بمجرد ظهوره في أي مكان يلتف حوله القوم وكأنهم يعرفون بميعاده ، سمعت أن جماعات كبيرة من الدراويش "رجال الدين" انضموا إليه ، راحوا يغيرون على جنود العثمانلية الذين يتطرفون في مشيهم إلى حارات نائية أو طرقات بعيدة يقتلون منهم ما استطاعوا أثار هذا الفزع بين الغزاة لو لبوا بالتزام الحذر والمشي في جماعات....) ص281 ، 282.
وبعد أن يعتلي العثمانلية أمر البلاد يعدو الزيني للظهور من جديد على جواد أبيض لكنه ملثم.. فربما كان هو الزيني بركات بنفسه أو أن زيني بركات آخر عاد للظهور... وكأن لكل عصر زيني بركات ، وليؤكد جمال الغيطاني أن الزيني بركات الممثل والأنموذج رغم أنه كان أحد عناصر الهزيمة، إلا أنه لم يزل موجودا ، ولكن إلى جانب الغزاة والمعتدين فهو عون للمعتدين ، وعار على أبناء جلدته ، وتظل (الزيني بركات) بانوراما مملوكية لعصر ما قبل النكسة.. عصر التخابر والتجسس وعدم الأمان الذي يؤدي إلى خراب روح الإنسان ودمار كيانه النفسي ، ينخرس لسانه تتحطم روحه يدمر الكيان ، فتحدث الهزيمة ، إن الغيطاني قد ألبس حكام ما قبل النكسة ملابس المماليك ليقدم لنا الحاضر في صورة الماضي، فكانت الزيني بركات بذلك من الروايات التي تناولت الستينيات عامة ونكسة 67 خاصة.
شوقي عبد الحميد يحيي
Em : shyehia@yahoo.com

تعليق: رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
كانت متعة القراءة تأخذني معك
فالأدب إن لم يكن شاهدا على الواقع و معنيا به
فلا أعتقد أنه يستحق أن يقرأ و ربما يكون ذلك جليا على مستوى الرواية تحديدا
لما تملكه من مساحة فضفاضة من الحكي و تركيبة عضوية تؤهلها لتكون ذلك الشاهد بجدارة -وإن كنت أعتبر كل ما أنتجه الفكر الإنساني شاهدا-
أعدتنى إلى زينب و العرش، إلى خالتي صفية و الدير، إلى الزيني بركات
إلى فتحي غانم و بهاء طاهر و جمال الغيطاني
كم كنت اتمنى أن تسهب أكثر
و تتناول أعمالا أخرى ربما كانت تستحق التناول على هذا المستوى و هى أيضا تعد تأريخا ربما كان في بعضها تأريخ مشوه لكنه أيضا يستحق التناول،
و تغوص أكثر و أكثر في أعماق الروايات التي هي تأريخ حقيقي.
ربما ندرك ما صار و كيف صار و لماذا صار...
شكرا أستاذ شوقي
تعليق: رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
شكرا أستاذي شوقي لوفائك لكل ما هو أصيل ينضح صدقا ورؤى عميقة واستشرافا و استكشافا للحقيقة مهما حاولوا جعلها مراوغة... شكرا على أطروحاتك التي أسعد دائما بولوج عوالمها و التي تحاول بها حماية ذاكرتنا من صدإ النسيان.
دمت مبدعا بطريقتك
تعليق: رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
رواية تأخذك بعيدا
الحوارات حكم
في اول لقاء لي مع جمال الغيطاني نصحني بقراءة عصر المماليك في القاهرة
وقراءة الكتاب المصدر الذي كان من تفاصيل هذه الرواية
فأحداث الرواية إسقاط لأحداث مصر
كان الغيطاني يتحدث عن الفترة التي تلت الثورة لكن ، بأسماء مختلفة
ليس بالضرورة ذكرة كلمة النكسة مرة واحده من وجهة نظري هي الرابط
لكن الأحداث
التلصص ، البصاصين ، التهافت على المنصب ، البداية الطيبة وانقلاب الأوضاع في النهاية ،
التناحر الداخلي بينما العدو على الأبواب
ألم تدور أحداث الرواية على التصارع بين الزيني والشهاب وتركت العدو يتحرش بالحدود
وهذا ما حدث فيما بعد ثورة يوليو
دوما بعد تحرير البلاد من طاغية ، يتناحر الأفراد على السلطة ، هذا ما جسده الغيطاني بعمق غير مسبوق في رائعته الزيني
وسيلة لم تكن سوى وسيلة للتلصص ، اسلوب استخدمه الحكام في مصر أيضا
شهاوي هي الشبح ، أرواح القتلى
لقد لمست الرواية والحقبة بكل عمق
لعينك وحدها كل هذه القدرة على الغوص لعمق النصوص
كل المحبة
تعليق: رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
الأخت العزيزة آسية السخيري
الصديقة العزيزة مني الشيمي
أول ما تبادر إلي ذهني فور قراءة مداخلاتكم هو القول
وما توفيقي إلا بالله
حيث اشعرتموني بحسن اختيار النماذج التي تناولتها
وليس ذلك فضلا أو تفضلا مني ، وإنما النصوص التي تناولتها
هي التي فرضت وجودها واستحقت أن تتناولها الأقلام بالدراسة
والقراء بالمحبة .
الأخ العزيز أحمد
كان الشكر لك شخصيا واجب وفرض علي ، لما تفضلت به من رعاية لما أكتب
ثم حملتني بمداخلتك وكلماتك فوق ما أستحق .
وأتفق معك تماما في كل ما تفضلت به من كلمات ، فقط أردت أن أقول
علاقة الأدب بالمجتمع ، هي مشروع حياتي .
سبق وكتبت كتابا عن تناول الرواية لأحداث يونيو 67 ، وتتعثر معي كثيرا دراسة أخري
أعدها عن تناول الرواية لأحداث أكتوبر 73 ، وفي دور التكوين أخر يعن تناول الرواية
ليوليو 52 ، كما أوشكت علي الانتهاء من تناول الرواية في القرن الجديد والتغيرات المجتمعية في الوطن العربي _ إلي جانب الراسات حول المجموعات القصصية ،
خاصة التي تتناول العلاقات المجتمعية بصفة عامة ، أو التي تحمل بصمة
متميزة في في القصة القصيرة .
وكما تري ربما كان التركيز الأكبر حول الرواية ، لما تفضلت به من إشارة .
وربما لغيرها مما أعده في مقال أرسله إليكم في القريب إن شاء الله ، يؤكد أننا حقا
نعيش زمن الرواية .
كل الشكر للأحبة الذين تفضلوا علي بكلماتهم المحفزة ، والحانية علي هذه السلسلة
وغيرها مما أكتب ، ولمن تفضل بالقراءة . آملا أن أكون دائما عند حسن الظن .