You are here
رائحة الخشب
رائحــة الخشــب
محمد سامي البوهي
كنت أرسم بقلمي الصغير حدود الدنيا بين ضفاف مدينتي، قدر لها ان يحصرها النيل بزرقته، والبحر بأمواجه، أنظر ناحية البحر فأتعثر بنهاية العالم، استدير ناحية النيل فيواجهني بمنتهى الجمال، بنيت معتقداني الصغيرة ان مدينتنا هي الأرض الشاسعة، وما دون ذلك من أمكنة جزر عالقة بمياه البحر الممتدة، أغمض عيني، أنام كما النيل في أحضان البحر، أصبح على تلك الدقات المتتالية، المنتظمة، تنظمها جواكيش النجارين، الكلمات الصباحية تهشم أقفال ورش النجارة الصغيرة 'يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. أصبحنا وأصبح الملك لله'، أشم رائحة الخشب المطحون، أتلذذ بها، أستعيد معها أيام إجازتي الصيفية، حيث الحاقي بإحدى ورش النجارة للعمل، ذلك ما تجري عليه العادة في مدينتي العاشقة 'دمياط'، بل كان تعلم الحياة هو الغاية من هذه العادة، كل شيء في الورشة كان له في ذاكرتي مدلوله الخاص، الغراء بأبخرته الساخنة، يترك داخلي صورا للخوف، أرتعد منه، من سطوته، طغيانه، يغلي فوق الموقد الحجري، يلهث بفقاقيع ملتهبة، أكتم أنفاسه بفرشاة كبيرة، يستعين بها 'المعلم' ليفرض هيبتها على ألواح الخشب المسكينة، كانت 'المنجلة' تمثل لي رمزا للقيد، السجن، بل للموت أحيانا، يعتقل 'المعلم' يد المذنب بين شفرتيها الخشبيتين، يشد عليها بقوة كقطعة خشب صغيرة أبت الانصياع للتشكيل، يأتي يوم الخميس أجمل أيام حياتي، يوم الحصاد، نجني فيه ثمرة تعبنا، اتقاسمها بين نفس الطفل الكامنة داخلي، وبين حصالتي الخشبية، أفرح عندما أهدهدها، أسمع صوت النقود تزغرد داخلها، أشم رائحة الخشب المنبعثة منها ، أهتف بالحياة لكل أشجار العالم، أطير الى البحر لشراء 'الدوم، التين الشوكي، غزل البنات'، اتبادل مع اصدقائي المعلومات، عن ورش النجارة التي يعملون بها، 'المعلمين'، الأجور، عند المغرب نودع الرمال المبللة، جحورنا التي بنيناها، الأمواج العائدة، بقايا أشرعة القوارب البعيدة التي كنا نتسابق على رؤيتها، نطوي الشمس خلفنا تصارع النوارس المهاجرة، نعود، أصبح كي أهشم قفل الورشة، أنظف الأرضية من قشور الأخشاب المتطايرة، أدير مؤشر الراديو، أتوقف به على اذاعة القرآن الكريم، أنشغل برش المياه أمام الباب لإحباط محاولات الغبار من التراكم بالداخل، انتظر 'المعلم' لابدأ معه قطف يوم جديد من باقة إجازتي الصيفية، أودع أيام العمل، استعد لاستقبال أيام الدراسة، أهشم بالفرح المخلوط بالشغف غطاء حصالتي الخشبية، أعد نقودي، أطير صوب أبي كي أبلغه بما جمعت، يطعمني بابتسامته الحانية، يربت على كتفي، يضع بين يدي أضعاف المبلغ، بأول أيام عامي الدراسي، أكتسي ملابسي الجديدة، جوربي، حقيبتي، حذائي، أمشي ببهاء المنتصر، أشم رائحة الخشب العالقة بندى الصباح، فأهدي شكري لكل أشجار العالم .
محمد سامي البوهي
المنجلة : هي أداة يدوية تستخدم في تثبيث قطع الخشب ليتمكن النجار من تشكيلها.
نشرت القصة بجريدة القبس الكويتية بتاريخ :22/1/2007
القصة من مجموعة: أهرامات الضحك
المنجلة : هي أداة يدوية تستخدم في تثبيث قطع الخشب ليتمكن النجار من تشكيلها.
نشرت القصة بجريدة القبس الكويتية بتاريخ :22/1/2007
القصة من مجموعة: أهرامات الضحك
05/29/2007 - 09:18
القسم:


التعليقات
تحياتى
أراها مرسومة أمامى
كلوحة تنتمى إلى واقعية العصر الثامن عشر فى أوربا
تحية عطرة
أمانى
النص جميل ويلتصق بذاكرة كل من سمع المنجلة في طفولته حتى باتت عزف كونشرتو مابينها وبين الخشب
هذه الحالة ذكرتني بعشق أخي للخشب وألحاقه بمنجلته الصغيرة داخل البيت
رائحة الخشب ونشارته ليست بعيدة عن أنفي
كل هذا كان وصفك صادقا به إلا أنني أرى القصة غلب عليها الوصف المستقيم في خطيته بحيث تركها كحالة سيرة أو حالة شعرية أقصد أنها لم تزل لم تدخل في عمق طفلك بقدر ما اتخذت سطح عالمه
أقدر الكتابة واستمتعت بها لكن تبقى هذه ملاحظتي
تقديري
بيني وبين آخر قفص برتقال أنزلته من عربة " حمادة العربنجي"التي يجرها حمار رمادي اللون ، نحو اربعين عاما .. ومع ذلك ، فما زال عبير ذلك القفص ينبض في دمي على رغم امتلاء رئتي بدخان الحرائق ورماد الازمنة ..
الصبي الذي كان يكنس في مشغل معلمه نشارة الخشب ، كان ذات الصبي الذي كان يبكر صباحا لكنس دكان ابيه " الذي رزقه الله فاستأجر دكانا لا يتسع لأكثر من قفص برتقال وبضعة صناديق طماطم وكيس باذنجان بعد ان امضى سنوات وهو يعرض بضاعته على حصيرة تفترش ارصفة المدينة "
في تلك الصباحات الباكرة، خلال العطلات المدرسية ، يختتم الصبي مرحلة الكنس ، برشّ سطل من الماء ، ومن ثم فتح جهاز الراديو بأعلى صوته للإستماع الى صوت " محمد عبد الباسط عبد الصمد " لا تديّنا منه ، ولكن تنفيذا لنصيحة أبيه للحصول على ثواب مجاني من الله يضمن له قصرا فارها في الجنة ـ لا كالبيت الطيني ذي الحجرة الواحدة الذي يعيش فيه مع امه وابيه واربع شقيقات وثلاثة اشقاء .. ( في الحقيقة ، كان هذا الصبي يرفع صوت الراديو ليتباهى بأن اباه يمتلك جهاز راديو ـ وكان ماركة فيليبس يقل حجمه قليلا عن حجم صندوق الطماطم )
ما الذي اريد قوله من استطرادي هذا ؟
ما اريد قوله ، هو ان قصتك نقلتني من بيتي المتوسد غابة فوق سرير سفح جبل استرالي ، الى دكان أبي في سماوة الامس البعيد ، وحلقت بي من صحراء كهولتي الى حدائق الطفولة ـ وذلك يعني ـ بالنسبة لي على الاقل ـ نجاح القصة في تحريك البحيرة الساكنة للانسان " وتلك سمة من سمات الادب الحقيقي وأحد أسمى أهدافه "
لك مني شجرة باذخة من بستان الود
النص طاف بي الى سنوات العقد الثمانيني
حيث النجارون المصريون وتحديداً من دمياط عندما عملوا في العراق
واذكر عبدو وجمال ومصطفى أصدقائي الذي أنت لك الفضل بهذا النص الجميل
أن تجعلني أستعيد تلك الذكريات
شكراً جزيلاً
وتقبل فائق مودتي واحترامي
هادي الناصر
-------------------------
القصة قصيرة بسيطة
تماما كهذة الجملة
ولكنها عميقة عميقة كعمق الجملة ذاتها
اشكر ك واشكر اشجار العالم
أخوك:ميسرة صلاح الدين
البساطة أحياناً تأتي لنا بالعمق ، فالساطة في أشكالنا الخارجية ، اما في دواخلنا يكم الكثير والكثير
مرورك اثلج صدري
بل الفضل يرجع لله ، وللوطن الذي أهداني هذا النص الذي كتبته في غياهب الغربة القاسية ، كم أسعدني تألقق بين حرفي المتواضع
أخوك
محمد
و الماء و الخشب هما المكونان الأساسيان للدهشة ... و كانت الدهشة دائما هي الإبحار... و مائيو الشرق يبحرون للداخل دوما أما مائيو الغرب فيبحرون للخارج .. و لهذا كان أبرع التجار " الدمايطة و البورسعيدية " و كان أكثر الخارجين " الاسكندرانية و الرَشَيْدةَ " ...
و هاأنا أراك تبحر يا صديقي للداخل جدا ... أدخلتنا في صندوقك الخشبي - الذاكرة - لعالم من خشب يشعر و يتألم و يفرح و كأني بك تقول هذا هو العالم الحقيقي ...
كما شممت معك رائحة الغراء و الخشب شممت بشكل ما رائحة التغير في أسلوبك
الذي تزحزح كثيرا باتجاه السرد ... فتمدد الزمن و ذاب فيه الحدث ... و ازدادت شعرية اللغة ... و أرى أنك وفقت كثيرا في ذلك ... فالغوص في الذاكرة يتطلب ذلك ...
ربما كنت أنتظر المزيد من الغوص و المزيد من روائح الخشب
و
روائح الناس ...
كم استمتعت برحلتك التي فتحت أمامي آفاقاً غير محسوبة ، ولم تفتعل لها الذاكرة استقبالا مبهراً ... غصت بين أحضانك القدمة ، بنفس احضاني المبللة بماء النيل والبحر ...
تحيتي
بالطبع لوجهة نظرك حسباناً خاصاً ، ولكن لكتابة فكرة لابد ومن البحث لها عن جسد ، وقد اخترت جسد القص لأفكاري المتواضعة ن فن القص هو من الفنون التي تحتاج خطة مسبقة ، من خلالها يتم تحيد الشكل الخارجي ن والمضمون القصصي ، ولغة القص التي تتفق مع الفكرة ، وهذا ما انعكس على قصتي هنا التي تستدعي أشياءً من الذاكرة الطفولية الصغيرة ...
تحيتي
بل هو الشغف بالحياة
الشغف بتفاصيل قد تبدو لمن لا يدرك عادية
لا يدرك رائحة الأشياء سوى من سبر غور التفاصيل وأدرك كنهها
أحييك على نص مفعم بالحياة
روائح الأشياء تأتي من الذاكرة لتستدعي كينونتها ، وقد كانت لرائحة الخشب عندي كينونة خاصة ، عادت بها طموحاتي ،حيث كنت على مفترق الطرق انتظر كياني المحدد ، وها انا اليوم وبعد ان حددت ملام هذا الكيان بالنسبة لي ، أعود بالذاكرة لأشياء ارتسم معها حلمي الاول.