You are here

الصفحة الرئيسية

رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر








رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
شوقي عبد الحميد يحيي


    مثل واحد آخر ..هي المجموعة الثالثة للقاص المبدع سيد الوكيل ، إلي جانب رواية واحدة ، وهو ما قد يمثل بخلا في الإنتاج ، و قارئ المجموعة يستطيع أن يتبين هذه الخاصية بلا عناء ، فإذا كان السؤال الحتمي الذي لا بد يراود القارئ لأي عمل هو ماذا يريد أن   يقول ؟ فإن سيد الوكيل لا يريحك في الإجابة ، بل هو يستفزك في تحد لمعرفة ما يريد ، أو بمعني آخر هو يراوغك كثيرا قبل أن يمنحك الراحة المنشودة .


ولهذا فإن لسيد الوكيل بصمة أسلوبية خاصة به . فجاء إسلوبه متناغما متهاديا مع تنقلاته السلسة بين الحقيقي والخيالي ، بين الكتابة والمعايشة ، بين الأحياء والأموات ، بدون انفعال ، بدون توتر ، فتشعر أنه يعيش الكتابة ، أو يكتب المعايشة .  و لو أردنا تغيير اسم المجموعة لنضع لها عنوانا جامعا       – وليس مانعا – لقلت أسميها ( رحيل الحواس ) ، علي الرغم من أن الكاتب وضع اسما شاملا لأقاصيصه الأولي في المجموعة هو ( حواس تستيقظ ) ، إلا أنه أسلوب المراوغة الذي يتعامل به الكاتب مع قارئه ، وهذا ما نراه يمتد كخيط حريري ( يلضم ) حبات عقد القصص جميعا ، علي الرغم من انقسام المجموعة إلي مستويين من أساليب الحكي ، فبينما يضم القصص الثلاث الأخيرة ( ليست بيضاء تماما – شال لفاطمة – شرفات مغلقة ) إسلوب يغلب عليه الجانب التقليدي في الحكي ، حيث يسير الزمن تصاعديا ، وتسير الحكاية متسلسلة بشكل منطقي ، وبعد القراءة تنظر للقصة نظرة كلية فتعطيك تأويلها دون عناء ، مما قد يوحي بأنها تنتمي لمرحلة معينة في تاريخ الكتابة عند الكاتب ، بينما يتطلب الأمر ضرورة الفك والتركيب وإعادة الترتيب للقصص الأخرى في المجموعة .
وقصة " عري بلوري " ضمن قص المجموعة ، أراها نموذجا للمجموعة ، بل لخصائص كتابة  سيد الوكيل عموما . كما أراها هي البؤرة في المجموعة ، والتي منها تتفرع باقي قصص المجموعة . فإذا كانت المجموعة كلها تدور حول الفقد والرحيل ، فهو الناتج المنطقي للموت و هو ما أراه محور هذه القصة المراوغة العصية .
 تبدأ القصة بنبوءة الراوي لنفسه بالموت ، وتحديدا تحت قاعدة أسمنتية ، يمضي الراوي في تصوره فيري أنه يركب تاكسيا ، حيث يصل به إلي مكان محدد ليتعرف علي المكان هناك وحده ، فلم يسبق له رؤيته ، وسائق التاكسي يتوقف ولا يستطيع المواصلة ، فلو استمر { .. فلن يعرف كيف يعود .. } . ويقول الراوي أن السائق قال بأنه لا يحب أن يركب السكارى في سيارته ، وكأني به يتمثل الآية الكريمة  :  ?وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ما كنت منه تحيد ? .   ثم  يعيش الإنسان حياته ، وقد يتزاوج ، وبعد فترة قد ينعدم الفعل ، وهو ما يجعله في غير حاجة لاستعمال المناديل الورقية ليمسح بها آثار الفعل ، إلا أنه علي الرغم من عدم وجود الفعل ، فقد يستمر في شراء المناديل ، وكأنه يمسح بها آثار الحياة ، ولتتكشف الحقيقة الكامنة وراءها ، وكأن البداية هي النهاية ، وكأن العلاقة ما وجدت إلا لخلق حياة مسوقة إلي النهاية الحتمية ، والنهاية ملاصقة لجلودنا ، كما تلتصق رائحة السمك والزفارة بأنوفنا  : { .. فرائحة السمك ظلت تفوح من جلودنا كلما تعرينا .. } ، والعري هنا بالطبع ليس مقصودا به الفعل الجنسي ، وإنما عري الموت . 
ودائما هناك الكلب الذي يتشمم المكان جيدا ، رمز التعرف علي الحقيقة ، الحقيقة التي قد نغمض عيوننا عنها فلا نراها ونظن أنها غير موجودة ، حيث { .. تظل الأفعال لا تحدث بالنسبة لمن لا يرونها .. }  .
وإذن فالعري الوارد في  " عري بلوري " ، هو عري الموت الذي عنده تتكشف الحقيقة ، وفقا للآية الكريمة  ?  فبصرك اليوم حديد  ? وإذا كان البلور هو الزجاج الكاشف ، إضافة إلي استخدام " عري " وليس " العري " ليظل المعني مطلقا وبعيدا عن التحديد ، وإضافة – أيضا – لبقاء الراوي نفسه غير محدد المعالم ، وليظل – كذلك – مشيرا إلي الإنسان في مجمله لا شخصا بعينه ،  من هنا يكون مدخلنا إلي العالم الداخلي الذي يخبؤه سيد الوكيل من وراء القشرة الخارجية .
وقد بدا واضحا استخدام الكاتب للتكثيف الضاغط والدال للحالة التي يريد أن يولدها لدي القارئ والموحية الموجهة إلي المدلول ، فاستخدام التساؤل عن الوقت وما إذا كان شتاء من عدمه ، حيث يوحي الشتاء بالاكتئاب والانقباض ، فيسوق السؤال بتنويعات  مختلفة يزيد الضغط علي وجدان القارئ ليشعر بجو الشتاء الحقيقي من جانب ، وليزيد إحساسه بالاضطراب الذي يعانيه الراوي ، ومن ورائه القارئ  من جانب آخر ، وليدفعه إلي الذهاب لما وراء المعني المباشر من جانب ثالث  ، فالضغط هنا والقهر ما هو إلا حالة مزاجية ، حالة إيحائية لإحداث أثر الانقباض ، كما يزيد منها كذلك ، تماهي الزمن وضياعه حين يذكر الراوي بأنه قد فقد الإحساس بالزمن بعد أن وجد نفسه في مكان مجهول لم يسبق له الذهاب إليه وترك سائق التاكسي له  فالمعني أنه لا يعرف للوقت معالم .
    فإذا كانت تلك هي الرؤية للعمل ، فكيف قدمها سيد الوكيل ، بمعني ما هي العناصر الإسلوبية لها والتي تعبر عن المجموعة بصفة عامة ؟
وسنكتفي هنا بنموذجين فقط من الاستخدامات الإسلوبية
    أولا : استخدامات الزمن :
المتأمل لقصة " عري بلوري " قد لا يجد فيها حدثا يذكر ، و إن كان الحدث يتم في زمن ، فإن ذلك يعني أنه لا يوجد زمن في القصة ، إلا أن الأمر كان علي غير ذلك تماما ، إذ يشعر القارئ أنه يقرأ قصة طويلة – نسبيا – لا قصة قصيرة – حجما ومعني – وقد نتج ذلك لقدرة الكاتب علي استخدام كل الأزمنة المتاحة في هذا اللازمن ، علي النحو الأتي : -
{ أعرف أنني سأموت منزويا في طريق عام } حيث الفعل هنا يتم في زمن المستقبل         { سأموت } . وفي الفقرة التالية مباشرة { لكن أحدا لم يسمعني وأنا أصرخ }  فالفعل هنا تم في الزمن الماضي { لم يسمعني } .  وفي فقرة أخري نجد : { إن هذا المكان ما يجب أن أنزل فيه بالضبط } فالفعل هنا في الزمن المضارع { أنزل } .
بل إن الكاتب لم يكتف بالأزمنة الثلاثة المتاحة ، فيستخدم اللازمن ، حيث يذكر الراوي       { فضلا عن أنني لا أملك ساعة يد } ليتماهي الزمن ويضيع في الفعل ويصبح الفعل في المطلق . ومن هنا يمكن تصور النقلة ( الإحساسية ) التي تحدث للقارئ حين يكون في المستقبل وبعدها مباشرة يجد نفسه محمولا إلي الماضي  ولا يكاد يستقر حتى يجد نفسه يتقلب في الحاضر وقبل أن يستعيد توازنه يجد أن الزمن قد تماهي ليجد نفسه في عالم آخر ، يجد نفسه في عالم الموت . فلا شك أن هذا التوتر يشعر القارئ بالحركة وارتفاع سرعة الإيقاع الذي يصور له أن أحداثا كثيرة ومتلاحقة ومتوترة تحدث ، فتجعله في حالة يقظة وانتباه ، فضلا عن الاستعداد والترقب الذي هو أساسا يعطي الإحساس بالزمن . 
    ثانيا:  المكان :
استخدم سيد الوكيل المكان بطريقة مكثفة أيضا في أكثر من قصة من قصص المجموعة ، وفي هذه القصة تحديدا ،فإذا كان الزمان والمكان عنصران متلازمان ، فنحن لا نستطيع تحديد كنه الزمان في العالم الخارج عن محيطنا الأرضي ، لأنه حتى الذين خرجوا عن المحيط الأرضي يتم تحديد الزمن لهم بمعرفتنا الأرضية ، كما أن الزمان في مصر غيره في أمريكا وغيره في استراليا مثلا ، كما أن الزمن يتغير في المكان الواحد في كل لحظة ، فهو في حالة تغير مستمر ، بعكس المكان الذي له صفة الثبات ، رغم إمكانية تغير ما علي  المكان ، حيث في فترة زمنية قد يكون المكان أرضا زراعية ، وفي زمن آخر قد يكون عليه مدرسة ، وفي زمن آخر يكون عمارة سكنية ، فالمكان نفسه بمعني الأرض هنا لم يتغير ، لكن الزمن هو المتغير ، أي أن التغيير ( أو الفعل ) يتم علي المكان ( الثابت ) من خلال الزمن ( المتغير ) ، أي أن التفاعل بين الثابت والمتغير هو الذي ينشئ الفعل ، فالمكان إذن هو الأصل ، هو البداية وهو النهاية في الفعل .
وعندما استخدم سيد الوكيل المكان في الجملة { .. فمثلا هذا الولد الذي اكتشف المكان .. } في قصة " الثعالب " نجده يتبعها { .. وفيه ضاجع صوفيا لورين ، واحتفظ بصور الفتيات عاريات ، وأنصاف سجائر ، وأشياء أخري كثيرة وخاصة .. } نجد المكان هنا ارتبط بالحلم الطفولي الأول ، فالولد لم يضاجع بالطبع صوفيا لورين ، واحتفاظه بأنصاف السجائر ما هو إلا حلم طفولي بالكبر ، والأشياء الخاصة ما هي إلا ما التصق بالإنسان في فطرته وفي حلمه الخاص .  وكذلك عندما استخدمه في { .. هذا الولد اكتشف المكان ..} في قصة " الموت والجمال " استتبعها ب {  وبعد ذلك دخن فيه سيجارته الأولي ، ثم أوقد الشموس والأقمار  } .
فالفعل هنا مرتبط بالمكان والفعل هنا هو بداية الأشياء ، بداية التفتح ، بداية التعرف علي الحواس ، بداية الإدراك والمعرفة . وهذا ما صوره الكاتب عن المكان في بداية المجموعة .
أما في قصتنا " عري بلوري " فنجده يصوره علي نحو آخر ، فعندما يقول الراوي – غير العليم - : { .. ولكنني الآن لا أذكر إن كنا ونحن نغادر المكان صافحناه أم لا ؟ فرائحة السمك ظلت تفوح من جلودنا كلما تعرينا .. } نجد المكان هنا قد ارتبط بالمغادرة ، إذ أن وصول الرائحة إلي جسديهما هنا ارتبط بمصافحة مدير مجمع الأسماك ، وحيث أنه سبق وأخبرنا – الراوي – بأن مشاكسات مدير مجمع الأسماك هذا لم تتعد المغازلة بالعبارات المكشوفة ، ثم أن التأكيد  (  أيقن ، لن أنفعل ) هنا يأتيان علي غير طبيعة الرجل الشرقي ، الأمر الذي يحيل إلي فهم الموقف بما هو أبعد من تلك الرؤية المباشرة ، فالموقف من جانب مدير المجمع ، فيه اليقين ، وبالتالي إقدامه علي المغازلة دون خوف من أي عواقب أو حساب ، والموقف من جانب الراوي فيه التسليم وعدم القدرة علي أي رد للفعل .
وعندما يأخذ سائق التاكسي الراوي إلي ذلك المكان -  الذي لم يسبق له الذهاب إليه  – عندما ذهب إلي هناك نجد الراوي يقول : -  { .. كأنني رأيت المكان ، وكأن هذا قد حدث من قبل .. } نجد المكان هنا أيضا قد ارتبطت بالرحيل إلي ذلك ( المكان ) ، {  وكأن هذا قد حدث من قبل } فالحدث هنا أيضا ( كأنه قد حدث من قبل ) ، أي أن هناك تأكيد بعدم حدوثه من قبل ، فالحدث هنا ،  أو الفعل هو الموت ذاته ، فالمكان هنا هو مكان النهاية ، وكأنه تتمة الدورة التي بدأت بالبدايات الأولي للحلم ، انتهت هنا بنهايته ، وكأن رحلة الإنسان دارت بين مكانين ، فإذا كان المكان هو الموضع ، هو الأرض ، وإذا كان جسم الإنسان يتكون من تلك العناصر المستمدة من  الأرض ، وإذن فمنها كانت البداية ، وإليها كانت النهاية التي بها انتهت دورة كاملة في رحلة الإنسان ، ودورة كاملة في رحلة سيد الوكيل المرهقة الممتعة مع القصة القصيرة ومع  .. واحد آخر .
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات