You are here
رسول العاطفة الإلهية

رسول العاطفة الإلهية
ممدوح رزق
صدقوني .. الأمر بسيط للغاية ولا يتطلب منا مجهودا كبيرا .. نحن لا نحتاج
لأكثر من إضاءة خافتة .. مجرد إضاءة خافتة ، والجلوس قريبين من نبات ما ..
أي نبات حتى ولو كان صناعيا ، أو منظر طبيعي لشلال تحيطه زهور وأشجار ..
أن نمسك بصورة فوتوغرافية تنتمي لطفولتنا .. كلقطة جماعية لتلاميذ ومعلمات
الفصل الابتدائي مثلا ، ثم نترك أنفسنا مع ما يمكن استدعائه من الذكريات
.. بالطبع .. من الوارد جدا حينما نستغرق في ذلك أن نشعر بكل ما في داخلنا
يرتعش ، وباختناق البكاء يعتصر الحلق .. قد يتطور الأمر فنحس ببرودة خفيفة
حول العينين لدموع لن نسمح لها بأن تكتمل .. أو نسمح .. خاصة حينما يبدو
وكأننا نسمع في هذه اللحظة مثلا :
( كان فيه فراشة صغنططةمفرفشة ومظقططة
لابسة بلوزة منقطة
على جونلة مخططة
منقطة ومخططة ) *
لا نحتاج سوى أن نتذكر لدقائق .. مجرد دقائق صغيرة .. وبمرارة غاية في القسوة .. الناس الطيبين الذين عاشوا ، ثم ماتوا ، ولا نعرف مصيرهم .. نتذكر الأوقات القديمة التي كانت ، وانتهت ، ونشعر بالحسرة تمزقنا ليقيننا بأنها لن ترجع .. ربما سنحتاج أيضا في نفس اللحظة لأن نسترجع ( صيف كلنكسر الأخير ) * :
( أشرب نخبك أيتها الأشياء الرائعة في العالم ! أنا الأكثر زوالا ، والأكثر ايمانا , والأكثر حزنا ، الذي يعاني خشية الموت أكثر منكن جميعا ) .
نفكر في الذين يعيشون معنا على أنهم يتألمون مثلنا ، وأننا سنتركهم ذات يوم .. أو سيتركوننا .. ليضاف إلى ذاكرتنا جحيم جديد .. أن الأشياء الناقصة الجمال التي نعتبرها جميلة ونحبها مهددة بالفناء مثلنا ، وأنها لا يمكن أن تستمر لأنها ناقصة مهما كانت جميلة .. مثلنا .. كما أن الوقت يمر بسرعة .. بسرعة لم تتعلم الرحمة .. مثلها مثل الثقل الهائل الذي يضغط أرواحنا في أجسادنا .. أجسادنا المضغوطة في الهواء .. الهواء المضغوط علينا وبنا كمقبرة جماعية أُغلقت على مذابح متواصلة .
لا نحتاج سوى للتمدد فوق الأريكة وتأمل الشلال ، ونحن نستمع إلى ( لويس أرمسترونج ):
(what a wonderful world ) .. أو نستعيد ( تور آلفن ) :
( كل الذي قلته
وصرخته
خلال حياتك كلها
تكثف
في دمعة واحدة
والدمعة صارت فقاعة ) .
نحن الذين نحب الشتاء .. خاصة الشتاء القديم .. ونحب المطر .. خاصة المطر القديم وقت العصر .. حيث السماء مزيج من الأزرق والأصفر، أو في آخر الليل حيث لا أحد يسير في الشارع بينما الأطفال يقفون بالنوافذ في البرد الرائع ليمدوا أذرعتهم وكفوفهم مفتوحة ليستقبلوا القطرات الصغيرة المنهمرة ويتنفسوا رائحتها الحميمة بعمق .. الذين يبتسمون دائما برعشة حانية أشبه بتحليق داخلي للروح احتفالا بالصفاء كلما احتضنوا بعيونهم الغيوم الكثيفة والرقيقة التي تشبه الأمهات اللاتي يمنح وجودهن الأمان بينما يفترشن الأفق السماوي الممتد إلى ما لانهاية وراء البيوت البعيدة .. الأطفال الذين يعشقون أيضا رائحة حافة الشبّاك الخشبية المبللة ويملأون صدورهم البيضاء الصغيرة بها ليزداد توحدهم مع براءة الدنيا البعيدة نهائيا عن أي ألم .
لا نحتاج إلى أحد ليكون معنا .. يكفي أن تجلس أمامنا على الحائط ( مدام رولان ) * لنشعر بأن ارتجافات قلوبنا المنهكة والتي فشلنا في ترجمتها للغة ترضينا يمكن أن تتحول ببساطة إلى نظرات تسكن عينين عاديتين .. ودون كلمة واحدة .
لسنا في حاجة لأحبة يجلسون بجوارنا .. يلتصقون بأجسادنا .. يحتوون أيدينا .. تغيب عيوننا في عيونهم طويلا بينما نبتسم في هدوء وصمت .. نحتضنهم بقوة .. نقبّلهم قبلات قصيرة متلاحقة ثم نعجن شفاهنا بشفاههم وألسنتنا بألسنتهم .. نعريهم ويعروننا .. يذوبون بداخلنا ونذوب بداخلهم .. نرتعش بهم ويرتعشون بنا .. لسنا في حاجة لأحبة نعجز من شدة الفرح عن تصديق أنهم فتحوا من أجلنا صناديق كنوزهم المخبوءة كي تسعدنا وتجعلهم يسعدون بسعادتنا .. الأحبة الذين يرتدون ملابسهم ثم يودعوننا عند الباب بقبلة طويلة وملامسات صغيرة ودافئة .. يكفي أن نتخيل بمفردنا أن كل هذا يحدث الآن .. بوعي جنين يختبر العالم ومنصتا بكل حواسه لموسيقى ( الراعي الوحيد ) *
نستنتج أن لحظة كهذه تحرض على صياغة وصف يلخص وجودنا كما نستوعبه حقيقة فنقرر أننا نعيش فقط على أمل حدوث شيء لانعرفه تتغير معه كافة المعادلات التي تقتلنا ببطء ومن ضمنها حتمية الموت بطريقته الأزلية .. نعيش على أمل أننا سنتمكن ذات يوم من فعل شيء لانستطيع تحديده قبل الموت نضمن به نهاية أبدية سعيدة تضع حدا لفزعنا الشرس من المجهول .. وهنا كالعادة .. سنتخلى عن الامتثال لرغبة عابرة في النهوض والرقص على موسيقى تنبعث بداخلنا لم نكن في حاجة لتجهيزها مسبقا وإنما نسمعها للمرة الأولى بينما تنساب بتلقائية نعرف أنها منطقية للغاية .. هذه الموسيقى قد تنبعث ثانية بنفس الطريقة وفي لحظة مشابهة أو قد تكون هذه هي المرة الأولى والأخيرة لها فتتحول إلى موسيقى أخرى .. لكننا في جميع الأحوال سنتخلى عن الامتثال لرغبة الرقص .. الرقص إفشاء واعتراف صريح بالاحتضار المكتوم .. فضح الهذيان الباطني وتعرية الأشلاء السرية .. الانتصار النهائي لليأس الذي أجبرنا على هذا الاستسلام المعلن .. لا شيء أكثر من التفكير المتواصل في أمل غير مفهوم .. تفكير متواصل لدرجة التوحد معه بشكل كلي ذلك الذي يؤجل خروجنا من رحم الصمت الذي ننكمش بداخله إلى مصير قررنا أننا بالفعل لا نضمنه بل يخضع لسلطة قوى خارج حدود استيعابنا .. ما الذي يؤكد أن الرقص تحرر ؟! .. ألا يعني الجنون أو الموت أيضا بصفته انتهاكا لخصوصية حفل الشواء المتواري في أعماقنا بجعله يظهر واضحا على المسرح المكشوف للجسد ؟! .. بصفته إثباتا لهزيمتنا فعليا فوق أرض الواقع الظاهري الذي لا يخصنا بل تسيطر عليه أعين وأفواه لامرئية على استعداد للانقضاض دائما ؟!
نستعيد مشهد ( الشيخ حسني ) .. الأعمى الحزين ، وهو يجر وراءه عربة اليد الخشبية التي تحمل جثة ( عم مجاهد ) بائع الفول العجوز ويمر بها داخل أزقة ( الكيت كات ) المتناهية الضيق ، ثم يعود ليواصل تضليل الموت والألم بالغناء ، والحكايات القديمة ، والضحكات الممزوجة بطعم الحشيش الهازئة بكل شيء .. الباكية على كل شيء * .
نتذكر أنه بينما نأكل أو نشرب شيئا ـ خاصة الطعام والشراب اللذين نحبهما .. يحدث أحيانا أن تتوقف فجأة أيدينا الممسكة بالملعقة أو بالكوب في منتصف المسافة المؤدية إلى أفواهنا شاعرين بشفقة حادة تجاه أنفسنا لأننا في هذه اللحظة نفعل شيئا يثبت إلى أي مدى نحن ضعفاء وخائفون .. نتذكر أن الذين في قبورهم الآن فعلوا ذلك كثيرا من قبل .. كثيرا جدا .. لأنهم كانوا مثلنا .. ضعفاء وخائفين .. كانوا يعرفون أنهم ذاهبون إلى قبورهم لا محالة .. رغم كل ما يأكلوه وكل ما يشربوه .. مثلنا .. نشعر كأننا لسنا نحن الذين نفعل ذلك .. وكذلك هم ليسوا من فعلوا ذلك .. هو شيء واحد بدخلنا كلنا يجبرنا أن نفعل هذا كي نشعر بأننا مثيرين للشفقة إلى هذه الدرجة .. شيء واحد لايأكل ولايشرب ولا يذهب إلى القبر .
سيكون من الطبيعي جدا أن يتملكنا شعور رهيب بالألم والغضب لإدراكنا أن العالم يبدو وكأنه ينفذ من خلالنا مشروعا شريرا لا نفهم المقصود منه أو الحكمة من كونه بشعا إلى هذه الدرجة .
بالطبع .. ليس علينا أن نفعل ذلك يوميا .. يكفي أن نؤديه كلما استطعنا ، وصدقوني .. مرة بعد مرة .. سنجعل الله يقول لنفسه : ( كائنات بمثل هذه الرقة .. حزينة وخائفة إلى هذا الحد .. لا يجب أن أتركها هكذا ) ثم يفعل شيئا جميلا ورائعا لم نكن نتوقعه .. صدقوني .. بالتأكيد لن يحتمل أن يرانا على هذا الحال دون أن يتدخل .. لا أقول أنه سينقذنا .. لكنه على الأقل .. على الأقل .. سيفهمنا كل شيء .. صدقوني .
ممدوح رزق
http://www.rezgar.com/m.asp?i=1062
1 ـ أغنية أطفال قديمة لـ ( نيللي ) .
2 ـ رواية لـ ( هيرمان هسّه ) .
3 ـ لوحة لـ ( فان جوخ ) .
4 ـ موسيقى لـ ( خورخي زمفير ) .
5 ـ فيلم للمخرج ( داود عبد السيد ) .
07/17/2007 - 19:38
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
لم أتمكن من منع يدي عن الكتابة لك معلقا على هذا النص الرائع ولو سامحني كتاب الورشة سأقول لك بالمصري *يخرب بيتك نص ابن ستين......*
الله الله يا ممدوح صدقني يا صديقي أواننا قد آن، أقصد جيلنا الذي لازلت مصمم انه الأمل الوحيد الأخير لهذا العالم القذر المسخ.
أما عن النص فأود أن أستقطع منه فقرة أو سطر فوجدت أنني على أن أستقطعه كله ، هذا النص يا دوحة من أجمل ما قرأت في *أدبنا* العربي في الفترة الأخيرة بل أجملهم.
حاولت الإتصال بك وسأحاول حتى أفلح.
محبتي واحترامي يا صديقي
سلمت جراحك الصدئة وخسأ لاعقوها
أمير
أشكرك كثيرا على حضورك المميز كالعادة وعلى تحمسك الجميل للنص الذي أعتز به للغاية .. تعلم أنني أثق في وعيك تجاه الشعر والكتابة والحياة الأدبية في مصر لذا فإن أي فرصة للتواصل بيننا تكون دائما سببا لبهجة خاصة بالنسبة لي .
أتصور أن كتّاب الورشة ـ غير المصريين ـ يستخدمون أيضا نفس الكلمات ونفس الصيغة أحيانا التي استخدمتها في التعبير الحميمي جدا عن إحتفاءك بالنص والتي أشعرتني بأنك قريب حقا رغم التباعد الجغرافي بيننا .
خالص تقديري وامتناني يا صديقي على اهتمامك الرائع وعلى اتصالك الأخير الذي أسعدني للغاية وأتمنى لك دائما كل التوفيق .
محبتي
ممدوح
نصك ممتاز ....رغم اود القول ..الرقص ايضا ً قد يكون جزء من مقاومة الحياة ومشاكلها ...وحزنها وقسوتها...الرقص احيانا يكون تحدي وليس ضعف دوما ً..
تملك موهبة واحساس ...فائق الجمال
اتمنى لك التوفيق بكل ما تكتبه..
بيسان...فلسطين
ماذا فعلت بي
تجولت داخل ذواتنا
مخرجا ما لا نريد اخراجه رغم وعينا به
لمست كل الجروح و النتوءات والاركان الضيقة والأذقة المهجوره
دمت ودامت كتاباتك