You are here
رواية جديدة لسلمان رشدي

رواية جديدة لسلمان رشدي
ترجمة: مصطفى محمود
سحر فلورنسا: الحكاية والخداع في مملكة السحر
رواية سلمان رشدي
منذ البداية الأولى لروايته الجديدة "سحر فلورنسا"، يدفع بنا سلمان رشدي إلى عالم المعجزات: "في ليلة النهار السابق بدت البحيرة المتوهجة أسفل مدينة ـ القصر مثل بحر من الذهب المنصهر... ربما (يظن المسافر) أن ينبوع الشباب الأبدي يتمدد داخل جدران المدينة ـ هل كان المدخل الأسطوري إلى الجنة على الأرض في مكان ما قريباً في متناول اليد؟ لكن الشمس حينئذ تسقط إلى ما وراء الأفق، ويغوص الذهب تحت سطح الماء ويضيع. ولسوف تحرسه جنيات البحر والأفاعي حتى يعود ضوء النهار". ومن المؤكد أنه عند هذا الحد بالفعل بدأت أفقد التفاعل. فربما لست أنا المشاهد المستهدف لرشدي: في الأدب، على الأقل، فأنا أقدر على استكشاف الملل الرائع، وروعة الملل كما قدمه بيكيت (الكاتب والروائي والمسرحي والشاعر الأيرلندي) وريموند كارفر (كاتب القصة القصيرة والشاعر الأمريكي) أو حتى كافكا (الروائي التشيكي). لكن إذا كان يمكنني أن أتشقلب بنفسي في قلب ورطة البائع المسافر الذي يستيقظ في أحد الصباحات فيجد نفسه حشرة، فلماذا تتركني هذه الرواية العبقرية الطموحة التي ليست هي إلا مجرد دفاع عن الخيال الإنساني ـ غير مكترث؟
حسناً، حيث إنني سألت، فسوف أخبرك. إن كافكا لا يقدم لتحول جريجور سامسا (شخصية خيالية في قصة المسخ لكافكا) كمعجزة، بل يمثلها على أنها مسألة مخجلة في واقع الحال، لا يزهو بها في أي مكان من الحلم ـ في الحقيقة أنت الذي سيتكون لديك الشعور الذي لم يكن لديه بالأحرى. لكن "سحر فلورنسا" من ناحية أخرى تعربد صاخبة في تهنئة النفس الكاتبة. إن المسافر في هذه الفقرة الأولى قد جاء من فلورنسا إلى قصر "أكبر" [جلال الدين محمد أكبر] حاكم المغول عند "سيكري" (بالقرب من أجرا) [مقاطعة في الهند] ليحكي حكاية سرية "لا يمكن أن تروى إلا على مسامع الإمبراطور"، ويعطيه رشدي تركيبة البطل الكاتب وليس التصوير الفني المائل غير المباشر للفنان الذي سيجعل حتى جويس [الكاتب الأيرلندي] يرتبك. "إنه يستطيع أن يحلم بسبع لغات... فحالما يستلقي نائماً، فإن نصف العالم يبدأ في الهذيان في مخه، ويحكي حكايات المسافرين المذهلة. وفي نصف هذا العالم المكتشف في كل يوم يستحضر أنباءً جديدة عن أعمال سحر طازجة. إن رؤية الحلم الشعري الملهم اليومي لم تسحقه بعد حقيقة نثرية محدودة الرؤيا. فهو نفسه راوي الحكايات، قد أُخِذ من بابه عن طريق القصص المذهلة، وعن طريق قصة واحدة على وجه الخصوص، قصة يمكن أن تجعله سعيداً أو تكلفه حياته". وبهذه الكيفية ينتهي الفصل الأول. إنه معيار دغدغة الأحاسيس الخاص بك للرواية المثيرة التي تستثير الفضول وتستحوذ على الاهتمام، فلن تكون مندهشاً أن تسمع أنها ستستغرق بقية الرواية لتحلق في الحلم المتعدد الثقافات ـ الذي كتب مبدعه الكوزموبوليتاني [ذو النظرة العالمية] كتاباً منذ عقدين من الزمان مازال يمكن أن يكلفه حياته ـ من أجل أن يستحضر حكايته بالكامل.
إن هذا الكتاب ذي القماشة طويلة التيلة، يجعل من الصعب تلخيص الحبكة بدون أن تدمر التأثير المقصود ـ ولست متأكداً مما إذا كنت سوف أعرج على كل دروبها على أية حال. إن المسافر صاحب الشعر الأصفر من مدينة الميديتشي [العائلة الإيطالية ذات النفوذ التي حكمت فلورنسا] يزعم قرابة دم مع إمبراطور المغول: الإعلان الحرفي للصلة بين الشرق والغرب والتي هي إحدى خيوط الفكرة الأساسية للرواية. وكما تصفها إحدى الشخصيات "ليست لعنة الجنس البشري في أننا مختلفين جداً عن بعضنا البعض، بل إننا متشابهون جداً مع بعضنا البعض". وتتضمن الحكاية أميرة مفقودة ـ سليلة جنكيز خان والتي تصبح أيقونة الحظ السحري الميمون لفلورنسا؛ وتشبه الأميرة تماماً خادمة تسمى ميرور [مرآة]؛ وجندي فلورنسي مرتزقة يبيع خدماته للإمبراطورية العثمانية؛ وزوج من العاهرات تسميان سكيليتون [هيكل عظمي] وماتريس [حشية] (وعليك أن تخمن ما الذي ستشبهانه)؛ والزوجة المتخيلة لـ"أكبر" التي لسبب ما "يمكن أن تمشي وتتحدث وتحب على الرغم من أنها غير موجودة". إنني أجد هذه المفارقة هي إزعاج أكثر منها سحر، لكن سواء أكان للأحسن أم إلى الأسوء، فإن الرواية تثَبت عالماً "قبل أن ينفصل العالم الواقعي وغير الواقعي إلى الأبد". إنها أكثر من مجرد رواية تقليدية تاريخية، لذلك فحينما يضع رشدي شخصياته التخيلية فيما بين مثل هذه الشخصيات التاريخية مثل "أكبر" الأعظم نفسه، ونيكولاي ميكيافيلي، والمصنف على أنه ينتمي إلى عائلة ميديتشي، سافونارولا [راهب دومينيكاني إيطالي وحاكم فلورنسا]، وحتى شرير ورليشيا [مقاطعة في رومانيا] المرعب فلاد دراكولا.
وبمجرد أن يعيد رشدي خلقه، فإن "أكبر" يكون هو الملك المطلق يحيط به نبض الديمقراطيين وحتى الفوضويين. "إن الخلاف يمكن تسويته، إلا أنها هي قبضته التي يمكن أن تسويه. لكن، ماذا إذن عن الصوت الداخلي الذي يهمس ويوسوس... الخلاف والفرق، التمرد والعصيان، التعارض والاختلاف، التحقير والتسفيه، تحطيم التماثيل والأيقونات، الوقاحة، وحتى الغطرسة، ربما ستكون المعين الذي لا ينضب للخير. إن هذه الأفكار لم تكن تلاءم ملكاً". وعلى الرغم من الحياة الواقعية لسمعة "أكبر" للتسامح الديني، فإن مثل هذه الأفكار ـ مثل "ثقافة التضمين" التي تمعن فيها وفكرته بأن الحياة هي "عبث" ـ مناسبة مقبولة أكثر بكثير لروائي معارض للسلطة في القرن الواحد والعشرين؛ فرشدي جعل "أكبر" يتلو ويردد عقائد المنشقين. وبالمثل كذلك فإن فلورنسا رشدي هي جنة عدن للتحرر [الإعلاء من مبادئ الحرية الفردية] ـ أو العتق الحسي [التحلل من كل القيود]: يقول المسافر: "تخيل شفتي امرأة متكورتين من أجل قبلة. هذه هي مدينة فلورنسا... مع آرنو [نهر في إيطاليا] ينساب من بين شفتيها". وتحت تأثير السحر تصبح المدينة باختصار القدس الجديدة: فـ"قواها النسائية" تخلق "سحابة خير مشبعة بالأفكار عن الفلورنسيين بالصور عن الأمومة والأبوة، وطاعة الأبناء، والشهوانية وحب السماء.... إن العطور الغامضة للتصالح والتناغم ملأت الهواء، وصنعت الناس بجدية أكثر وإنتاجية أكبر، وتحسنت الحياة الأسرية وارتفع معدل المواليد وامتلأت كل الكنائس".
إن هذه الاستغاثة في حد ذاتها نوع من الخير الغامض ـ كما تميل صور الخير أن تكون في الخيال ـ ولا ينجو العصر الذهبي لفلورنسا من رد الفعل السلبي تجاه المعارضة النسوية. "إن المسافة بين الفتنة والسحر مازالت لا تبتعد كثيراً جداً. كانت هناك أصوات مازالت ترى أن هذا التجسد الجديد للمرأة الساحرة التي انطلقت من خلالها القوى السحرية لكل النساء كانت متنكرة، وأنها هي في حقيقتها وجوه النسوة المتمثلة في القوى المخيفة للحيزبون، اللاميا [ملكة ليبيا التي أصبحت روحاً شريرة تقتل الأطفال]، العجوز الشمطاء". (القوى السحرية لكل النساء؟ أوه حسناً، إنه حر فهو كتابه). وتتحول النبوءة الرهيبة لتسامح "أكبر" من أجل المستقبل إلى أن تكون بؤرة التركيز: "سوف ينجو الناس بقدر ما يستطيعون، ويكرهون جيرانهم ويدمرون أماكنهم الخاصة بالعبادة ويقتلون بعضهم البعض مرة أخرى في خضم السخونة المتجددة واللهيب المتأجج للخصام العظيم الذي سعى أن ينهيه إلى الأبد، النزاع حول الرب". الآن كيف على الأرض أمكنه أن يعرف هذا؟
لكن على الرغم من مثل هذه الرسالة التجارية المجردة ـ إلا أن هذه الرواية ليست رواية سياسية في الأساس، لكنها عمل من أعمال التخيل عن التخيل. إن مثل هذه المعجزات التحتية مثل العطور السحرية التي جعلت تجاوز المسافر الفلورنسي للحراس والتابعين إلى حضرة الإمبراطور، ربما تكون إما نقلاً للخيالات أو هي هراء ومضيعة للوقت، إذ يتوقف هذا على تذوقك أو حالتك المزاجية. لكن السحر أو الفتنة في النهاية هي فقط مسألة مجاز: "فالفتنة لا تتطلب جرعات أو أرواحاً متآلفة أو صولجانات سحرية. إن اللغة فوق لسان فضي تنتج ما يكفي من السحر". إنني أشك في أن كاتباً بلسان فضي يمكن أن يستخدم تعبير "لسان فضي"، لكن من الذي يستطيع أن يختلف مع الفكر؟ فلا كاتب ـ ولا قارئ ـ يشك في القوة المحولة للغة. فهل يمكننا الآن أن نعلق النقاش حول هذا؟
إن رواية "سحر فلورنسا" هي رواية خادعة ـ وخصوصاً في عقوقها ـ شديدة الفرحة بذاتها وتطرب للصوت الصادر منها حتى أنها تترك مخرجاً لأسخف الخيالات. يخبر "أكبر" [العظيم] زوجته المتخيلة: "لكن تخيلي ياجوذا [اسم زوجة أكبر] إذا استطعنا أن نستيقظ في أحلام رجال آخرين ونغيرهم، وإذا كانت لدينا الشجاعة أن ندعوهم إلى أحلامنا. ماذا لو أصبح العالم كله حلم يقظة مفرد؟" ليس هذا مرة أخرى ـ ألم يخمد صمويل جونسون [كاتب إنجليزي من القرن الثامن عشر] مثل هذه النزوات البيركلينية [المثالية المنسوبة للأسقف بيركلين] في القرن الثامن عشر عن طريق ركل حجر؟ ربما يكون الأمر أنها مجرد حديث ماكر مادي النزعة، لكن الحياة هي مجرد فترة قصيرة جداً.
رواية سلمان رشدي
منذ البداية الأولى لروايته الجديدة "سحر فلورنسا"، يدفع بنا سلمان رشدي إلى عالم المعجزات: "في ليلة النهار السابق بدت البحيرة المتوهجة أسفل مدينة ـ القصر مثل بحر من الذهب المنصهر... ربما (يظن المسافر) أن ينبوع الشباب الأبدي يتمدد داخل جدران المدينة ـ هل كان المدخل الأسطوري إلى الجنة على الأرض في مكان ما قريباً في متناول اليد؟ لكن الشمس حينئذ تسقط إلى ما وراء الأفق، ويغوص الذهب تحت سطح الماء ويضيع. ولسوف تحرسه جنيات البحر والأفاعي حتى يعود ضوء النهار". ومن المؤكد أنه عند هذا الحد بالفعل بدأت أفقد التفاعل. فربما لست أنا المشاهد المستهدف لرشدي: في الأدب، على الأقل، فأنا أقدر على استكشاف الملل الرائع، وروعة الملل كما قدمه بيكيت (الكاتب والروائي والمسرحي والشاعر الأيرلندي) وريموند كارفر (كاتب القصة القصيرة والشاعر الأمريكي) أو حتى كافكا (الروائي التشيكي). لكن إذا كان يمكنني أن أتشقلب بنفسي في قلب ورطة البائع المسافر الذي يستيقظ في أحد الصباحات فيجد نفسه حشرة، فلماذا تتركني هذه الرواية العبقرية الطموحة التي ليست هي إلا مجرد دفاع عن الخيال الإنساني ـ غير مكترث؟
حسناً، حيث إنني سألت، فسوف أخبرك. إن كافكا لا يقدم لتحول جريجور سامسا (شخصية خيالية في قصة المسخ لكافكا) كمعجزة، بل يمثلها على أنها مسألة مخجلة في واقع الحال، لا يزهو بها في أي مكان من الحلم ـ في الحقيقة أنت الذي سيتكون لديك الشعور الذي لم يكن لديه بالأحرى. لكن "سحر فلورنسا" من ناحية أخرى تعربد صاخبة في تهنئة النفس الكاتبة. إن المسافر في هذه الفقرة الأولى قد جاء من فلورنسا إلى قصر "أكبر" [جلال الدين محمد أكبر] حاكم المغول عند "سيكري" (بالقرب من أجرا) [مقاطعة في الهند] ليحكي حكاية سرية "لا يمكن أن تروى إلا على مسامع الإمبراطور"، ويعطيه رشدي تركيبة البطل الكاتب وليس التصوير الفني المائل غير المباشر للفنان الذي سيجعل حتى جويس [الكاتب الأيرلندي] يرتبك. "إنه يستطيع أن يحلم بسبع لغات... فحالما يستلقي نائماً، فإن نصف العالم يبدأ في الهذيان في مخه، ويحكي حكايات المسافرين المذهلة. وفي نصف هذا العالم المكتشف في كل يوم يستحضر أنباءً جديدة عن أعمال سحر طازجة. إن رؤية الحلم الشعري الملهم اليومي لم تسحقه بعد حقيقة نثرية محدودة الرؤيا. فهو نفسه راوي الحكايات، قد أُخِذ من بابه عن طريق القصص المذهلة، وعن طريق قصة واحدة على وجه الخصوص، قصة يمكن أن تجعله سعيداً أو تكلفه حياته". وبهذه الكيفية ينتهي الفصل الأول. إنه معيار دغدغة الأحاسيس الخاص بك للرواية المثيرة التي تستثير الفضول وتستحوذ على الاهتمام، فلن تكون مندهشاً أن تسمع أنها ستستغرق بقية الرواية لتحلق في الحلم المتعدد الثقافات ـ الذي كتب مبدعه الكوزموبوليتاني [ذو النظرة العالمية] كتاباً منذ عقدين من الزمان مازال يمكن أن يكلفه حياته ـ من أجل أن يستحضر حكايته بالكامل.
إن هذا الكتاب ذي القماشة طويلة التيلة، يجعل من الصعب تلخيص الحبكة بدون أن تدمر التأثير المقصود ـ ولست متأكداً مما إذا كنت سوف أعرج على كل دروبها على أية حال. إن المسافر صاحب الشعر الأصفر من مدينة الميديتشي [العائلة الإيطالية ذات النفوذ التي حكمت فلورنسا] يزعم قرابة دم مع إمبراطور المغول: الإعلان الحرفي للصلة بين الشرق والغرب والتي هي إحدى خيوط الفكرة الأساسية للرواية. وكما تصفها إحدى الشخصيات "ليست لعنة الجنس البشري في أننا مختلفين جداً عن بعضنا البعض، بل إننا متشابهون جداً مع بعضنا البعض". وتتضمن الحكاية أميرة مفقودة ـ سليلة جنكيز خان والتي تصبح أيقونة الحظ السحري الميمون لفلورنسا؛ وتشبه الأميرة تماماً خادمة تسمى ميرور [مرآة]؛ وجندي فلورنسي مرتزقة يبيع خدماته للإمبراطورية العثمانية؛ وزوج من العاهرات تسميان سكيليتون [هيكل عظمي] وماتريس [حشية] (وعليك أن تخمن ما الذي ستشبهانه)؛ والزوجة المتخيلة لـ"أكبر" التي لسبب ما "يمكن أن تمشي وتتحدث وتحب على الرغم من أنها غير موجودة". إنني أجد هذه المفارقة هي إزعاج أكثر منها سحر، لكن سواء أكان للأحسن أم إلى الأسوء، فإن الرواية تثَبت عالماً "قبل أن ينفصل العالم الواقعي وغير الواقعي إلى الأبد". إنها أكثر من مجرد رواية تقليدية تاريخية، لذلك فحينما يضع رشدي شخصياته التخيلية فيما بين مثل هذه الشخصيات التاريخية مثل "أكبر" الأعظم نفسه، ونيكولاي ميكيافيلي، والمصنف على أنه ينتمي إلى عائلة ميديتشي، سافونارولا [راهب دومينيكاني إيطالي وحاكم فلورنسا]، وحتى شرير ورليشيا [مقاطعة في رومانيا] المرعب فلاد دراكولا.
وبمجرد أن يعيد رشدي خلقه، فإن "أكبر" يكون هو الملك المطلق يحيط به نبض الديمقراطيين وحتى الفوضويين. "إن الخلاف يمكن تسويته، إلا أنها هي قبضته التي يمكن أن تسويه. لكن، ماذا إذن عن الصوت الداخلي الذي يهمس ويوسوس... الخلاف والفرق، التمرد والعصيان، التعارض والاختلاف، التحقير والتسفيه، تحطيم التماثيل والأيقونات، الوقاحة، وحتى الغطرسة، ربما ستكون المعين الذي لا ينضب للخير. إن هذه الأفكار لم تكن تلاءم ملكاً". وعلى الرغم من الحياة الواقعية لسمعة "أكبر" للتسامح الديني، فإن مثل هذه الأفكار ـ مثل "ثقافة التضمين" التي تمعن فيها وفكرته بأن الحياة هي "عبث" ـ مناسبة مقبولة أكثر بكثير لروائي معارض للسلطة في القرن الواحد والعشرين؛ فرشدي جعل "أكبر" يتلو ويردد عقائد المنشقين. وبالمثل كذلك فإن فلورنسا رشدي هي جنة عدن للتحرر [الإعلاء من مبادئ الحرية الفردية] ـ أو العتق الحسي [التحلل من كل القيود]: يقول المسافر: "تخيل شفتي امرأة متكورتين من أجل قبلة. هذه هي مدينة فلورنسا... مع آرنو [نهر في إيطاليا] ينساب من بين شفتيها". وتحت تأثير السحر تصبح المدينة باختصار القدس الجديدة: فـ"قواها النسائية" تخلق "سحابة خير مشبعة بالأفكار عن الفلورنسيين بالصور عن الأمومة والأبوة، وطاعة الأبناء، والشهوانية وحب السماء.... إن العطور الغامضة للتصالح والتناغم ملأت الهواء، وصنعت الناس بجدية أكثر وإنتاجية أكبر، وتحسنت الحياة الأسرية وارتفع معدل المواليد وامتلأت كل الكنائس".
إن هذه الاستغاثة في حد ذاتها نوع من الخير الغامض ـ كما تميل صور الخير أن تكون في الخيال ـ ولا ينجو العصر الذهبي لفلورنسا من رد الفعل السلبي تجاه المعارضة النسوية. "إن المسافة بين الفتنة والسحر مازالت لا تبتعد كثيراً جداً. كانت هناك أصوات مازالت ترى أن هذا التجسد الجديد للمرأة الساحرة التي انطلقت من خلالها القوى السحرية لكل النساء كانت متنكرة، وأنها هي في حقيقتها وجوه النسوة المتمثلة في القوى المخيفة للحيزبون، اللاميا [ملكة ليبيا التي أصبحت روحاً شريرة تقتل الأطفال]، العجوز الشمطاء". (القوى السحرية لكل النساء؟ أوه حسناً، إنه حر فهو كتابه). وتتحول النبوءة الرهيبة لتسامح "أكبر" من أجل المستقبل إلى أن تكون بؤرة التركيز: "سوف ينجو الناس بقدر ما يستطيعون، ويكرهون جيرانهم ويدمرون أماكنهم الخاصة بالعبادة ويقتلون بعضهم البعض مرة أخرى في خضم السخونة المتجددة واللهيب المتأجج للخصام العظيم الذي سعى أن ينهيه إلى الأبد، النزاع حول الرب". الآن كيف على الأرض أمكنه أن يعرف هذا؟
لكن على الرغم من مثل هذه الرسالة التجارية المجردة ـ إلا أن هذه الرواية ليست رواية سياسية في الأساس، لكنها عمل من أعمال التخيل عن التخيل. إن مثل هذه المعجزات التحتية مثل العطور السحرية التي جعلت تجاوز المسافر الفلورنسي للحراس والتابعين إلى حضرة الإمبراطور، ربما تكون إما نقلاً للخيالات أو هي هراء ومضيعة للوقت، إذ يتوقف هذا على تذوقك أو حالتك المزاجية. لكن السحر أو الفتنة في النهاية هي فقط مسألة مجاز: "فالفتنة لا تتطلب جرعات أو أرواحاً متآلفة أو صولجانات سحرية. إن اللغة فوق لسان فضي تنتج ما يكفي من السحر". إنني أشك في أن كاتباً بلسان فضي يمكن أن يستخدم تعبير "لسان فضي"، لكن من الذي يستطيع أن يختلف مع الفكر؟ فلا كاتب ـ ولا قارئ ـ يشك في القوة المحولة للغة. فهل يمكننا الآن أن نعلق النقاش حول هذا؟
إن رواية "سحر فلورنسا" هي رواية خادعة ـ وخصوصاً في عقوقها ـ شديدة الفرحة بذاتها وتطرب للصوت الصادر منها حتى أنها تترك مخرجاً لأسخف الخيالات. يخبر "أكبر" [العظيم] زوجته المتخيلة: "لكن تخيلي ياجوذا [اسم زوجة أكبر] إذا استطعنا أن نستيقظ في أحلام رجال آخرين ونغيرهم، وإذا كانت لدينا الشجاعة أن ندعوهم إلى أحلامنا. ماذا لو أصبح العالم كله حلم يقظة مفرد؟" ليس هذا مرة أخرى ـ ألم يخمد صمويل جونسون [كاتب إنجليزي من القرن الثامن عشر] مثل هذه النزوات البيركلينية [المثالية المنسوبة للأسقف بيركلين] في القرن الثامن عشر عن طريق ركل حجر؟ ربما يكون الأمر أنها مجرد حديث ماكر مادي النزعة، لكن الحياة هي مجرد فترة قصيرة جداً.
دافيد جيتس ـ ذا نيويورك تايمز 8 يونية 2008
07/03/2008 - 22:30
القسم:

