You are here

الصفحة الرئيسية

رواية مسلسلة ـ سيرفنتاس /2




رواية مسلسلة ـ سيرفنتاس /2
جمال غلاب

  
في هذه الحلقة  سوف  نقرأ     سفرية سيرفنتاس الى  ايطاليا   و  رصده للحركة الثقافية    بروما

سيرفنتاس بين غرناطة و روما
الأكيد أن السفير الاسباني، يعرف الكثير عن ـ مجائيل سيرفنتاس ـ ..و يعرف أنه من مواليد ـ 1547وتوفي سنة1616ـ و أن من المؤلفا ت التي اشتهر بها مؤلف ـ دون كيشوت ـ .. و قد ولد بمدينة ـ الكالا ـ القلعة التي مازالت تحتفظ باسمها العربي .. و بها جامعة تعرف باسمه بالقرب من العاصمة الاسبا نية ـ مدريد ـ، وأنه مات و دفن بها .

و أنه عاش حياة شاقة ضحية الحروب الد ينية ، و أ ن مازاد من متاعبه شد ة الحاجة كالفقر ، و السجن حيث أسر في الجزائر قرابة الخمس سنوات ـ 1575الى1580 ـ كما تم سجنه في اسبانيا على اثر القبض عليه متلبسا بالسرقة للعائدات الضرائب، التي كان يعمل موظفا في تحصيلها بغرناطة .

و الأ كيد أ ن الأقلية الأقلية من تعرف بأن معاناة ـ سيرفنتاس ـ بدأ ت في ـ اسبانيا ـ وتحد يدا حينما جمعه والد ه مع أخويه الاثنين في غرفة مغلقة وكا نوا حينها لم يبلغوا سن الرشد ، ربما لأمر هام أو ربما مبادرة الأب قد تحمل لهم الكثير من المفاجآت ؟ و لكن ماعساها تحمل لهم من جديد وتحد يدا من والدهم الشيخ الهرم ، الذ ي عا ش سنوات عمره متنقلا ، بين ا لقرى و الأ ريا ف … يعتقد نــفسه أنه يقد م شيئا مهما الى أفراد أسرته من خلال امتهانه لمهنة الطب ؟.
كان يعالج المرضـى الفقراء الذ ين لا يستطيعون دفع اجرة الطبيب ، و يصف لهم الد واء ، و ينتقل من قرية الى قرية ليبيع الأعشاب الطبية و يعالج المرضـــى .

ا ن هذا الاجتماع ا لمفاجىء سوف يكون ل ـ سيرفنتاس ـ و أخويه فرصة للتعلم من والدهم بعض التجارب ، و في الوقت ذاته لكي يسدي لهم بالكثير من النصائح لأن الحياة في كل الأزمنة محفوفة بالمشاق، و المصاعب، و بخاصة على الفقرا ء ؟ و لأن والدهم لم يسعفه الحظ في جمع الأموال الطائلة . لذلك قرر أن يسدي لهم ببعض النصائح , و بعد أن أفهمهم بأنه لا يريد لهم سوى الخير و السعاد ة في حياتهم و لا يريد لهم الضرر . وأن قصد ه نبيل . حيث طلب منهم أن يعتمد وا على أنفسهم و هم في هذ ه السن المبكرة .

انه التشابه الذ ي يتقاطع فيه الانسان مع الطير . فالانسان في ربيع العمر تجد ه يجتهد ، و يشقى في بناء عشه الزوجي فينجب الأطفال مستهلكا في ذلك سنوات شبابه و عند ولوجه الى الخريف العمر فهو آليا يتخلى على مثل هذا المهمة لأولاد ه، فتنطفىء بذ لك الحياة بهذا العش الى أن يصير أطلالا ،لانسحاب منه مظاهر التواصل ، و الترابط بين أفراد الأسرة . و ليحل محله الانقطاع ، و النسيان ؟. فكذ لك الطير نراه في فصل الربيع يجتهد ، و يشقى في بناء عشه لاحتضان ما يبيضه ،وبعد أن تنبعث منه فراخ ناعمة طرية ، وعند ما تقوى أجنحتها على الطيران يتدخل هذا الطير لتعليم طيوره الصيغرة المبادىء الأولية للطيران ، ثم يود عهم الوداع الأخير في فصل الخريف. انها سنة الله في خلقه في استخلاف الأجيال ببعضها البعض . اذ ن و على طريقة وداع الطير لطيوره . ود ع والد ـسيرفنتاس ـ أولاد ه و بعد أيضا أن كشف لهم بأن بحوزته مالا يسيرا استطاع ادخاره خصيصا لهذا اليوم ، كما صرح لهم بأنه سوف يقسمه بينهم بالتساوي ، و يحتفظ هو بحصته من للعيش به ما قدر ه الله له أ ن يعيش من عمره المتبقي .

و كشف لهم عن سر كان قد تعلمه من مثل اسباني قديم مفاد ه : بأن شروط النجاح في الحياة , أو على الأ قل ضمان مستوى متوسط من العيش يتطلب من ذ وي الحاجة و المعد ومين من أمثال أولاد ه المرورعبر ثلاثة خيارات …ـ البحر أو الكنيسة أو قصر الملك ـ .

و المقصود بالبحر: أن يصير الشخص ملاحا و يسافر الى الهند في سفرية تجارية . ومثل هذ ه السفرية ليست بالهينة ، لأنها تترتب عنها أهوالا , و مخاوف ، ومصاعب لا أول لها و لا آخر ؟إ , لأنها تتطلب من الرحالة الملاحين قوة الصبر . فهم يختارون الاتجاه الطويل عبر المحيط الأطلسي ، بحكم أن الاتجاه المؤد ي عبر البحر الأبيض المتوسط كان غير آمن . بسبب حواجز القراصنة الجزائريين المتواجد ين باستمرار بعرض البحر لحجز كل السفن ، و بخاصة منها التي لا تدفع الضرائب ،أو التي لا تحمل تراخيص ـ الداي الجزائري ـ للملاحة. انه منطق ذلك العصر و سياسته .

أما خيار الكنيسة فان الشخص المنخرط فيها . تتوفر له الكثير من المزايا أولها الاستفاد ة بقسط وفير من التعليم لأن في تلك الحقبة كانت الكنيسة تتمتع بالكثير من النفوذ .ان لم أقل صانعة القرار في قصر الملك . بل ان الملك كان يعود اليها ، في كل كبيرة ، و صغيرة ، وكان يأتمر بأوامرها، و ينتهي بنواهيها ؟

و أما القصر: و المقصود به الانخراط بسلك الجندية لخدمة الملك ، و الله على حد زعم الكنيسة الكا ثولوكية .

وقبل أن يدفع اليهم بحصصهم من الأموال ، طلب منهم التفكير في النصائح المسداة اليهم .و من ثم العود ة اليه في الأيام الموالية لاخباره بخياراتهم . وهو ما حد ث بالفعل رجع ـ سيرفنتاس ـ بمعية أخويه بعد أن اختار كل واحد منهم وجهته في الحياة.

لقد اختار ـ سيرفنتاس ـ قصر الملك كجندي مقاتل في خد مة القصر؟ و أختار الأوسط الملاحة لكي يصير تاجرا ؟، و أختار الأصغر الانخراط ،في الكنيسة للتعلم بجامعة ـ سلا مونكا ـ . وهذ ه الأخيرة بها جامعة ، مازالت الى يومنا هذا ، تقوم بوظيفتها التعليمية . يحج اليها الطلاب من كل العالم ، و بخاصة من أمريكا الاتينية . و تتوفر على أكبر مكتبة بها أكثر من تسعة و ثلاثين الفــا مخطوطا، و قسم كبير منها مكتوب بالعربية .

قلت بعد : أن أرسوا الثلاثة على خياراتهم، أخبروا أباهم الذ ي كان في انتظارهم …؟إإإ.و في جو يكاد يكون جنائزيا، بسبب الفراق الذي قد لا يكتب له اللقاء ثانية : لأن الخيارات صعبة يتسع فيها المكان , و يتقلص فيها الزمان . وأول الشاعرين بهول فاجعة الفراق طبعا هو الأب؟ إإإ . بحكم تقد مه في السن ، والذ ي قد ينتقل الى العالم الآخرة ، و لا يجتمع بهم ثانية قبل وفاته؟إإإ.

لذلك بعد: أن اقتسم معهم المبلغ، الذي كان قد ادخره ، ضمهم الى صدره الواحد بعد الآخر؟إإإ ثم أجهش بالبكاء إإإ … حينها بكى الجميع، و ذرفوا الكثير من الد مع، على آلام حرقة الفراق إإإ . وأختتم المشهد بالتواصي، فيما بينهم على متابعة أخبار، بعضهما البعض ؟.

وبخصوص حصة المال،التي كانت من نصيب ـ سيرفنتاس ـ فقد تنازل بنصفها لأ بيه رأفة به و عربونا على محبته وما يكنه له من احترام و تقدير؟
.

لقد أتيحت أمام ـ سيرفنتاس ـ في مغامراته لمعرفة الناس من كافة الأنواع . فضلا عن بلاد ه نفسها ، الا أن تعليمه كان مصاد فة، كما كان للكثيرين ، ممن عرفهم ، أو مر بهم قد ظفروا بحظ العناية في قصته ـ دون كيشوت ـ كالجزائر مثلا: التي كان لها حظها الأكبر.حيث صارت من خلال روايته ،أ شهر من نار على علم . في القرن السابع عشر ومن العواصم العالمية . مثل روما ، و اسطنبول ، وغرناطة ..

في تلك الأيام كان ـ فليب الثاني ـ ملك اسبانيا يتربع على عرش أمبراطورية عظمى ، و كان أقوى حاكم كاثولوكي في أروبا . و كان يفد الى بلاطه الكثيرون من علية الناس . و منهم المبعوث الخاص لقداسة البابا ـ الكردينال أوكافيفا ـ الذ ي كان من حسن حظ ـ سيرفنتاس ـ أن قد م اليه ، و هو في الحاد ي و العشرين، من عمره أي سنة 1568م .

فقد أعجب ـ الكردينال ـ بذكائه ، و حسن مظهره ، و من ثم عرض عليه , أن يلحقه بعمل في داره . ثم صحبه معه الى ايطاليا ،بو قت غير طويل ، وهو ما لم يكن هناك شيء أفضل بالنسبة لشاب كان يحلم دائما بأن يصبح شاعرا من زيارة البلاد ، التي أنجبت الشاعر العظيم ـ دانتي ـ صاحب الكومديا الالهية . ففي سبيل هذاالمسعىالابداعي ، والثقافي تعلم ـ سيرفنتاس ـ اللغة الايطالية ، و أ قبل على دراسة الأد ب الايطالي في حماسة . فماذا أوحت له رائعة الكومديا الالهيـــة ؟ . وماذا استلهم منها ياترى’؟إإإ ولماذا تاثر بها ابداعا ؟ و لم يتأثر بها سلوكا ؟ و ماهو العائق في ذلك؟ و ماهو أثرها على الكثير من المبد عين في ذلك العصر و ما بعد ه ؟. و و للاجابة على هذا السيل من الأسئلة , يتطلب منا قليلا من الصبر ، و ذلك من خلال القاء جولة عبر ثلاثة قرون ، بدء من عهد ـ دانتي ـ و انتهاءا ب ـ سيرفنتاس ـ .

و الأكيد أن الذ ي اطلع على روايته ـ دون كيشوت ـ و الكومديا الالهية ـ للشاعر ـ دانتي ـ سوف يخرج بنفس الانطباع الذ ي خرجت به أو يقاربه. الانطباع مفاد ه ان العملين يحملان الكثيرمن النقد لحكام تلك الفترة و تحديدا للكنيسة الكاثولو كية و للتأكد مما سلف ذكره يجدر بنا استعراض أ هم اللوحات التي تحتويها رائعة الكومديا الالهيـــــة .

لقد صارت ايطاليا بدء من القرن الثالث عشر الى القرن السادس عشر الميلاد ي برائعة الكومديا الالهية منارة لكل المثقفين و المبد عين من كافة اصقاع العالم . وهو ماجعلها تكتسب شهرة عالمية و قبلة لكل الذين كانت لهم رغبة في اكتشاف هذا النجاح الباهر لهذ ه الملحمة الشعرية من مبدعها ـ دانتي ـ الذي ولد عام 1225 ومات عام 1321 ـ بايطاليا و تحديدا ـ رافيناـ التي مات و دفن بها.

كان فحلا من فحول الشعراء المبد عين لذلك العصر و أعظم قدرا . درس الآداب القديمة , و اللاهوت كما ساهم بنشاط كبير في الحياة السياسية ـ لفلورنسا ـ و اشترك في اكتساب النصر في معركة ـ بلدنيو ـ في عام 1289م و صار رئيسا للكنيسة في عام 1296 م ،ثم رئيس دير في عام 1300م و في هذ ه الفترة التي كانت توصف بالحرجة نتيجة مؤامرة ـ البابا بو نيفاس ـ الثامن و تدخل ـ شارل د ي فالوـ شقيق ملك فرنسا في الشؤن السياسية لفلورنسا .

اذ تم القضاء على الفريق السياسي الذي كان ـ دانتي ـ ينتمي اليه من خلال نفيه بمعية ز ملا ئه في عام 1302م و طيلة نفيه عاش ـ دانتي ـ حياة مليئة بالضيق و العوز متنقلا في شمال المد ن الايطالية رافضا الرضوخ للاعتراف بخصومه , أ و طلب منهم العفو لأنه كان يرى في ذلك اذلالا لكرامته .

لقد مات ـ دانتي ـ و د فن في ـ رافيناـ و ما يثير الد هشة حتى في بقايا رفاته أن المدينة التي دفن بها ما زالت الى يومنا هذا ترفض اعاد ة رفاته الى مسقط رأسه ـ فلرونسا ـ الذ ي ظلمه أيما ظلم . و الأكيد أنه من الأسباب الموضوعية التي أدت الى أن يدفع الضريبة مع أتباعه . لقد تصد ى للمتطرفين من الكنيسة الكاثولوكية .

حيث سعى من خلال مؤلفه الذي عنونه ب ـ الامبراطورية المسيحية ـ كنظام الهي ضروري ـ و كان يروج في هذا المؤلف ، و يد عو فيه الى الفصل بين الكنيسة ، و الد ولة و أن يقتصر سلطان البابا على الأمور الروحية ، و قد عرض في هذا الكتاب للصراع السياسي الذي كان دائر الرحى .. و الذ ي ساهم هو نفسه فيه ، و تجلى في سياقه انتقاد ـ دانتي ـ اللاذ ع لتوسع الكنيسة في بسط نفوذها الدنيوي .. و هو انتقاد يلخصه العارفين به زاد من قوته و أثره و أنه كان من أخلص أبناء الكنيسة الرومانية و قد تكرر مثل هذا الانتقاد في الرسائل التي دعا فيها ا لى توحيد الد ول الأروبية تحت تاج الابراطور هنري السابع الألماني لتكوين المبراطورية المسيحية .

و بقيت فكرة الاصلاح الديني التي أطلقها ـ دانتي ـ ارضية للنقاش في أوساط رجال الفكر والثقافة طيلة ثلاثة قرون ـ من القرن 13الى القرن16 ـ حيث عايش ـ سيرفنتاس ـ. هذا النقاش عن قرب بايطاليا في القرن الساد س عشر. وكان معجبا به ،و مقتنعا الى النخاع بهذا الطرح ،الذ ي كان يخوضه ـ دانتي ـ و المتمثل في الاصلاح الديني و الكنيسة معا ، و لكن بحكم شد ة الحاجة , و حاجته الماسة الى الكردينال ـ أوكفيفا ـ و مراقبة هذا الأخير له ، و لكل تصرفاته و تحركاته ، و حتى لطريقة تفكيره و ميولاته، حال بين ـ سيرفنتاس ـ وبين النقاش الذ ي كان يخوضه أتباع ـ دانتي ـ آنذاك ، و ما يثبت هذا التأويل و يقربه من الصحة و الكثير من الموضوعية ، أن ـ سيرفنتاس ـ فيما بعد انتقم من الكنيسة الكاثولوكية من خلال سرقته لعائدات الضرائب في غرناطة التي كانت موجهة الى حملة ـ الأرمندا ـ للقضاء على الأديان الأخرى ، و حينها فقد دفع الثمن غاليا . حيث دخل على اثرها السجن ، و حتى و هو بالسجن ظل يمقت المتطرفين من الكنيسة الكاثولوكية فمن سجن ـ لا منشاـ أكمل الجزء الثاني لروايته ـ دون كيشوت ـ و التي كما أسلفنا الذكر كا نت كلها نقدا لاذعا من ـ سيرفنتاس ـ للحكام الأسبانيين و المطرفين من الكنيسة الكاثولوكية مثل ـ شارل الخامس و فليب الثاني و فليب الثالث ـ، و مثل هذا التأويل أكد ه الكثير من النقاد الاسبان في كتاباتهم . اذن في كلمة واحد لو أتيحت ل ـ سيرفنتاس ـ ظروفا أحسن و هو مقيم بايطاليا لكان له موقفا أخر مع الكنيسة الكاثولوكية وتحديدا المتطرفين منها، و ما عرضته ليس دفاعا علىـ سيرفنتاس ـ كونه ينتمي الى زمرة المثقفين ، لانتفاء عنه تهمة مشاركته في الحرب الصليبية. لا بالعكس ان دفاعي علىـ سيرفنتاس ينطلق من مضمون ثقافتي التي لا تعطي أهمية للنتائج انما تلزمني ـ أي ثقافتي ـ بالبحث في تفاصيل الأسباب التي أدت الى حد وث النتائج . لذلك فان ـ سيرفنتاس ـ لم يكن في مواقع القرار ، و لا من المشاركين فيه ، ومتى أخذ نا المبررات ا لسالفة الذكر بعين الجد و الاعتبار فان ـ سيرفنتاس ـ المبد ع نلمسه من خلال عودته الى التأليف و تحديدا بسجن ـ لامانشا ـ باسبانيا . فمن هناك بدأ يبد ي بأرائه في كل من حوله . ومن هناك بدأت انسانيته تخرج الى العلن ،. بل يمكن اعتبار ه ، من الأوائل الذين دعوا الى حوار الديانات ، و في مضمون روايته ـ دون كيشوت ـ أكد بأن الصراع ليس حضاريا ، لأن الحضارة في مفهومه، هي الحياة ؟ لكن الذ ي يدمر هذه الحياة هو صراع الأديان وما ينطوي عليه من تعصب ، و قد يبد و ـ سيرفنتاس ـ صائبا الى أبعد الحدود في استنتاجه ، لأن الدين لله , و غاية نزول الأد يان ، من رب العلمين ، هي رحمة للناس ، ومن وغاية الله صبحانه في ارسال الرسل ، هو للتنوير ، و تصحيح الأ ديان كلما شابها الاعوجاج ، وضلت عن مفاهيمها الصحيحة , التي أرادها اللة رحمة لعباد ه ، لذلك ،فان الأديان كلها من عند الله ،وجاءت رحمة للعالمين . واذ ن لماذا كل هذا التعصب ؟ و ماذا يريد ـ دانتي ـ من هذا الاصلاح ؟

لقد تعرض ـ دانتي ـ كما أسلفنا الذكر لحملات شديد ة في عصر نكسة الاصلاح ، و مع ذلك فقد ظل فريق كبير من قاد ة الفكر الايطالي في القرن السادس عشر من المتشبثين بالاعجاب به ـمثل مكيافيللي ـ لأنه كان منبع آمال القومية الايطالية ـ يقول العرفين به ـ داعية تحرير ايطاليا من الحتلال الأ جنبي …

و بقي المتطرفون من الكنيسة الكاثولوكية يطارد ونه من خلال حمالات الشعراء الايطاليين من أتباع المدرسة الكلاسيكية الفرنسية الى القرن الثامن عشر و لكن فريقا كبيرا من شعراء ايطاليا ، و رجالات فكرها هبوا للدفاع عنه في حرارة مثل ـ جيسيبي باريتي و يتور يو آ لفيري ـ على مدار ثلاثة قرون. حتى رفعوه الى عرش الشعر الايطالي بد ون منازع .

و تفيد الكثير من الأخبار عن ـ دانتي ـ أن فكرة الاصلاح الديني التي أطلقها . انتقلت الى خارج حد ود بلاد ه فمثلا ـ شوسر ـ الانجليزي في القرن الرابع عشر ، كان أول شاعر اقتدى ـ بدانتي ـ خارج ايطاليا في رؤاه الخيالية التي استوحاها من شعره، كما كانت ـ مرجريت د ي ـ نافار الفرنسية ـ في القرن السادس عشر متأثرة بروحه الد ينية تأثرا شد يدا واقتد ى به الشعراء الاسبانيون في القرن الخامس عشر ،و أعتبره ـ البروتستانت ـ الالمان و السويسرون سباقا الى الاصلاح الديني .

و عند ما ظهرت طلائع المدرسة القصصية الشاعرية ـ الرومنسية ـ أصبح ـ دانتي ـ من كبار قاد ة هذ ه المدرسة في انجلترا و فرنسا و المانيا و أمريكا و لعل خير تقد ير له هو ما قاله ـ وليم جلادستون ـ الذ ي كان رئيسا لوزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر ـ ان قراءة ـ دانتي ـ ليست مجرد متعة، بل انه بطولة ، أو درس انه ترويض شاق للقلب و الفكر و الانسان بأسره ، لقد تزود ت من مدرسة ـ دانتي ـ بزاد عقلي ساعدني على أن أمضي في رحلة الحياة الى سن الثالثةو السبعين ـ

نعم وهكذا اقتفى اثره الكثير من الشعراء الاسبان الذ ين كان في طليعتهم الروا ئي ـ سيرفنتاس ـ لأن ـ دانتي ـ كان سباقا الى الاصلاح الديني بالكنيسة ولأن هذه الآخيرة عرفت الكثير من الانحرافات . حيث حذا حذوه ـ سيرفنتاس ـ في تاليفه لروايته ـ دون كيشوت ـ التي يصفح مضمونها عن دلالات عميقة في نقد الكنيسة الكاثولكية و بخاصة المتطرفين منها و كذا الملوك الذين يهتد ون بهد يها. لكن ماذا تعني الكومديا اللهيةو ما علاقتها بالكنيسة ؟

مضمون الكومديا الالهية هو طريق نظام روحي لترويض النفس التي أرهقها الصراع عن جهل . و هذا هو المعنى العميق الذي قامت عليه القصة عوالم ثلاثة تبدأ بالجحيم و المطهر و الفرد وس . وقد كتب ـ دانتي ـ كل فصل من هذ ه الفصول في شكل قصيدة وكان يقود ـ دانتي ـ في رحلته في العوالم الثلاثة أدلاء فقاده …ـ فرجيل ـ و ـ سايتوس ـ و قد اتخذ هما رمزا للعقل، الذ ي غلبه على العواطف، و قد اتخذ هما رمزا للايمان ، الذ ي أيقن أنه العون الأوحد للخلاص من المحنة فــــــي الفرد وس، و اختياره عد د العوالم عد د الادلاء المرشد ين . انما هو استطراد لقاعد ة التثليث المستمد ة من تعليم القديس الجزائري ـ أوجستين ـ .

وقد تـخيل ـ دانتي ـ ، في خريطة ،ما وراء الحياة أن الجحيم يقع في منتصف الارض، و أن جبل المطهر يبرز من خلال سطح الأرض في موقع يقابل بيت المقد س ، و أن جنة عد ن فوق ذروته العليا ومنها يبدأ يرقى مع ـ بياتريس ـ الى السماء .

و دائما مع العوالم الثلاثة ـ الاثم ـ و ـ التكفير ـ و ـ المغفرةـ ،على نسق شعور له بداية ،و قمة و نهاية وكأنه انعكاس لرسم بياني ، لما وصل اليه الانسان، من فساد، كالجشع الذي يقابله أ قذار الخنزير ، و العاشقان الآثمان ويرمز لهما بعواصف الشهوات . ثم ينتقل ـ دانتي ـ الى المطهر، و هو المسار المؤدي الى الجنة، وهذا المكان الأ خير هو الذي طردا منه آ دم و حواء ؟إإإ .

و خلاصة هذه العوالم الثلاثة ،الجحيم يصورها ـ دانتي ـ مكانا للشهوات، و المطهر و يقابله العطف، و الغفران و الفردوس، و يقابله تصور روح الله ، و الجحيم و يقابله الخزي و العذاب ، و في الجحيم فقد تخيل الشيطان ،في عمق أعماقه ،وفي هذا العالم الرهيب . فقد أنزل أقصى العقاب على كبار الخونة و الغدارين في تاريخ الانسانية مثل : يهوذا الاسخريوطي ،الذي غدر بالمسيح ، و بروتس و كاسيوس اللذين اغتالا قيصر .

و تكشف رحلة دانتي في العوالم الثلاثة عن كراهية كبيرة ـ للبابوات ـ الذين لم يكونوا اهلا لمراكزهم السامية وللأمراء الفرنسيين الذين كانوا يتدخلون في شؤن بلاده كل هـذه المظاهر السلبية، يعود سببه الى ممارسات المتطرفين من الكنيسة الكاثولوكية ، وما مارسوه من ابادة وقهر باسم الدين ، والدين المسيحي بريء منهم . و مع مرور السنين كل ما سلف ذكره تخمر في ذاكرة ـ سيرفنتاس ـ و هو ما سنقف عليه لاحقا في كتاباته .

وقد لا أ ضيف شيئا جديدا ان قلت : بأن ـسيرفنتاس ـ يكون قداستلهم رائعته ـ دون كيشوت ـ ،من فارس حقيقي يدعى ـ رود ريجو باتشيكو ـ علقت صورته في كنيســة ـ لا منشا ـ لتشهد بأنه قد شفي من الجنون ببركة العذراء فبمثل هذ ه الحيل، و المغا لطات التي تتنافى مع القيم المسيحية الحقيقية ، و الصحيحة كان المتطرفون من الكنيسة الكاثولوكية يزرعون الأ حقاد ، و يبيد ون الديانات الأخرى و التي سوف نعيش فصولا طويلة منها لا حقا .

من هذ ه المنابع نهل ـ سيرفنتاس ـ الذ ي كان دائما يحلم أن يبد ع شيئا يجعله من الخالد ين و لهذا الغرض : أقام ـ سيرفنتاس ـ في ايطاليا باحثا ودارسا للآداب الايطالية، وفي أحضان الكرد ينال ـ أكوافيفا ـ الذي عطف عليه ، و قد م له الكثير من الخدمات مع وجهاء كنائس ايطاليا ورموز طبقاتها الارستقراطية .

وبعد أن استعرضنا الأسباب الحقيقية التي تركت ـ سرفنتاس ـ يهاجر الى ايطاليا نبقى نحن باسبانيا و تحديدا بمملكة غرناطة لاستعراض المذبحة التي أقامها المتطرفون من الكنيسة الكاثولكية ،في حق المورسكيين في غرناطة و أيضا لنشهد كيف تغتال الذاكرة الجماعية لهذا الشعب البريء ؟ولماذا الطبقة المثقة كانت تدعو الى الاصلاح الديني ، و نترك نحن ـ سيرفنتاس ـ يواصل مغامراته في اطاليا .



جمال غلاب
ghellabdjamel@yahoo.fr

صورة جمال غلاب
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات