ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ANA ISTARÚ / VIDA **/الحياة
- وأخيرا طارت الفراشات
- Rinconsito Azul : Tu sombra…ظلك
- قراءة في السيرة الذاتية و الا بداعية لغنتر غراس
- البير كامي يعود من الجزائر الى السينما الايطالية
- قراءة نقدية :في رواية ـ كيف ترضع من الذ ئبة دون أن تعضك ـ
- قراءة في السيرة الذاتية و الابداعية ـ ارتير رامبو ـ من خلال ديوانه
- مقاربة في قصة ـ ما حدث لي غدا ـ للقاص سعيد بوطاجين
- قراءة في كف الوطن 2/2
- قراءة في كف الوطن:1 / 2
- مقاربة في المجموعة القصصية ما حدث لي غدا
- في الجنون حكمة ؟ قراءة نقدية في المجموعة القصصية “ساعة أينشتاين ألأخيرة”*
- تأثير الشعر المغاربي في الشعر العالمي
- قراءة في ابداع / الشاعرة ضحى بوترعة
- قراءة نقدية في روايةـ خويا دحمان ـ للروائي مرزاق بقطاش
- رواية مسلسلة سيرفنتاس /13
- رواية مسلسلة سيرفنتاس /12
- رواية مسلسلة /11
- رواية مسلسلة سيرفنتاس /10
- رواية مسلسلة سيرفنتاس /9
- رواية مسلسلة سيرفنتاس /8
- رواية مسلسلة سيرفنتاس / 7
- رواية مسلسلة سيرفنتاس /6
- رواية مسلسلة سيرفنتاس في الحامة /5
- سيرفنتاس /4
- سيرفنتاس /3
- رواية مسلسلة ـ سيرفنتاس /2
- رواية مسلسلة ـ سيرفنتاس /1
- مقاربةفي رواية ـ الولي الطاهر يعود الى مقامه الزكي ـ طاهر وطار
- قراءة / في قصة اسم الحلم
رواية مسلسلة /11
الإثنين, 02/25/2008 - 03:11 | جمال غلاب
رواية مسلسلة ـ سيرفنتاس /11
جمال غلاب
بمغارة الحامة بالجزائر العاصمة مخائييل سيرفنتاس يشرع في كتابة مسودته لررائعة دون كيشوت
سيرفنتاس يشرع في كتابة روايته ـ دون كيشوت /11
أما ـ سيرفنتاس ـ بعد أن تأكدت له شكوكه في رفيقه المرتد ,و تأكد من عدم عودته ، فقد انكب على الكتابة ، و تسجيل كلما يصادفه ، في كراسته ـ كوردلو ـ . لكن ما يثير الدهشة و الاستغراب ازاء ـ سيرفنتاس ـ أنه لم ينقطع على مواصلة تنفيذ فكرة الفرار . فعندما عجز على تنفيذها على الواقع ، نلاحظه في روايته ـ دون كيشوت ـ و بخياله العجيب ، حاول ايهامنا بأنه نجح في فكرة الفرار ، بعد أن اختطف ـ زريد ـ و ارغام والدها على مرافقته . و أثناء عملية الفرار . و حينما يحاول والد ـ زريد ـ في مشهد درامي ترجي ابنته لكي تتخلى على فكرة الفرار ، يضطر ـ سيرفنتاس ـ و جما عته الفارين من الاسبانيين الى التخلي عنه من خلال رميه في منتصف الطريف باحدى الشواطىء الجزائرية ، و الاحتفاظ ب ـ زريد ـ . الى آخره من توهم ـ سيرفنتاس ـ .
غير أن الواقع ينفي تماما كل ما سلف ذكره من توهم ، بال الأكيد أن ـ ـ سيرفنتاس ـ لم يفر من الجزائر ، و انما تم اطلاق صراحه ، تبعا للفد ية التي دفعها عنه القصر الملكي في عهد ـ فليب الثاني ـ . وحتى أن ظروف اطلاق صراحه كان سببه الانفراج السياسي الذي ساد الباب العالي مقر الخلافة ـالعثمانية ـ والبابا و ملك فرنسا , حيث تحققت شبه هدنه بين الأطراف المتناحرة في حروبها الدينية ، و على اثر هذه التغيرات الحاصلة و في شهر اكتوبر1580 م ، تم اطلاق صراح الكثير من الاسبانيين بما فيهم ـ سيرفنتاس ـ .
وهكذا عاد ـ سيرفنتاس ـ الى بلاده اسبانيا , و تحديدا الى مسقط رأسه ـ الكالآـ ، القلعة التي مازالت تحتفظ باسمها العربي الى يومنا هذا . حيث تفرغ الى كتابة الكثير من النصو ص المسرحية و القصائد الشعرية ، اضافة الى نشره لقصته المعنونة ب[ ـ جالاتيا 1585ـ، غير أن كل ما صدر منه من ابداع لم يلق رواجا ، ولا شيء من انتاجه الابداعي و الفكري نجح فيه . و لما اشتدت به الفاقة الى الحد الذي صار فيه لا يتحصل على قوته اليومي ، اضطر الى قبول و ظيفة حكومية صغيرة بغيضة ، فكان يقوم بتحصيل الحبوب و غيرها من المواد الغذائية لتموين الحملة الاسبانية الشهيرة باسم ـ الأرماداـ كمااشتغل محصلا للأموال اللأميرية في مملكة غرناطة . و لقد أتهم بالتحصيل أكثر مما قام فعلا بتوريده و ألقي به في السجن ، و حينها بدأ في كتابة روايته ـ دون كيشوت ـ وفي عام 1605 نشر الجزء الأول منها ، و قد أحرز كتاب ـ دون كيشوت ـ رواجا عظيما فور ظهوره ، وذاعت شهرته بسرعة و لم تلبث أن ظهرت ترجماته الى اللغات اخرى وكان هذا سببا في ازالة متاعب ـ سيرفنتاس ـ و ان لم يعرف معنى الثراء قط . و لقد مات قبل وفاة معاصره العظيم ـ شكسبير ـ بعشرة ايام . و مات أيضا و هو لا يعرف بأنه ابتكر شيئا جديد في الأدب العالمي اسمه جنس الرواية.
{ـدون كيشوت ـ هي قصة رجل مهذب ،فقير من مدينة ـ لا منشا التي سجن بها ـ ، يمتاز بشخصية لها جاذبية الى القلوب و الى أن تحب ، قرأ الكثير من القصص الفروسية المبالغ فيها في أيامه ، فتأثر بما قرأ منها تأثرا بالغا أخل بتوازنه العقلي . فهو يتصور أنه يهم بأ ن ينطلق فارسا يجوب الآفاق بحثا عن المغامرات . و هو يضع درعا قديمة نال منها الصدأ و يمتطي صهوة جواده العجوز ـ روزينات ـ ، مصطحبا مرافقه المخلص ـ سانكوبانزا ـ و هو شاب من أهل الريف يمتاز بالبساطة و الحصافة . و يعمد الفارس الفقير الى تحويل أتفه الحوادث الى مواقف رهيبة خيالية . و في محاولته التصرف على غرار الفرسان ، يتورط في مغامرات سخيفة ، يخرج منها بأسوأ النتائج على الدوام .}
لكن الفارس لا يلبث في الجزء الثاني من الكتاب ، ينطلق من جديد وهو أكثر إيمانا بجدارته بمجد الفروسية ،
كأن يصبح سانشو أرهف ذ كاء منه في الجزء الأول ، وأكثر إدراكا ، وتستيقظ عواطفه ، فتزداد القصة طرافة
. . . إلخ
وعلى الرغم من أن النص الروائي دون كيشوت جدير بأن نتكلم عنه من أول كلمة إلى أخر حرف منه ، إلى أنه
مع ذلك سوف تقتصر جولتنا في فضاءاته على الفصل المتعلق بأسره في الجزائر ، وعلى الخطة التي أعدها
لفراره من الأسر ،التي لم يستطيع تنفيذها ، و السبب كما أشرنا إليه سالفا ، أن رفيقه المرتد تخلى عنه ، لخوفه في الجزء الاول منه وبالتحديد في الفصل المعنون بالأسير ففي هذا الفصل يلمح” سيرفنتاس ” بأنه رفيقه المرتد بعد شرائه القارب ، اتجه خفية عنه قاصدا “زريد ” ليخبرها بأنه رفيقه ، هو الذي كلفه بشراء القارب الذي على متنه يتم الفرار ، وهو تصرف لم يحبذه ” سيرفنتاس” ، و أغضبه كثيرا ، بل إن من ضمن الشكوك التي أصدرها هي خوفه على” زريد” من نصب واحتيال رفيقه المرتد الذي لم يصل إلى مراده ويرجع” سيرفنتاس” ذلك إلى كون المورسيكين يحجبون نسائهم عن أي شخص أجنبي عن العائلة ،باستثناء العبيد والمسيحيين . و يبقى مصرا الفكرةالتي تتطوي على الفرار ، ومع ذلك “سيرفنتاس” ،وباستناد على مخياله للفوز “بزريد” والدخول بها إلى إسبانيا ،وبحدود الشواطئ الأسبانية والجبال المحاذية لهل ، يصور لنا “سيرفنتاس” مشهدا فيه الكثير من التطابق مع المشاهد السالفة الذكر ،حول الأبادة التي كان يتعرض لها المورسكيون المسلمون على يد الملشيات المدينة الإسبانية والتي تشكلت في عهد فليب الثاني ، للتفنيش ،و البحث عن كل من هو مورسكي ، لتقديمه إلى محاكم التفتيش ، مقابل مبالغ مالية كان قد رصدها القصر الملكي وزبانيته من المتطرفين من الكنيسة الكثولكية
وكل ما سلف ذكره من ممارسات اللا نسانية ، هو موثق في مراسيم أصدرها كل من فيليب الثالث ، وهذه المراسيم مازالت إلى يومنا هذا ببلدية غرناطة ، وكعينة على ذلك معاهدة تسليم غرناطة ، التي تمت ترجمتها من اللغة القتشالية إلى اللغة العربية حديثا .
قلت ، وفي هذا السياق يقول” سيرفنتاس” ،ومن خلال مخياله ، أنه لما نجح في فراره رفقة زريد ، ورفاقه الاسبانين ،اختفوا جميعا في الجبال الجنوبية الاسبانية أياما ، لاستبيان الجانب الأمني واستيضاحه ، وأيضا حتى لا يكونون فريسة للمليشيات المدينة من باب الخطإ في الظن بهم إنهم من المورسكين ، وإيضا حتى لا يقضي عليهم من بقايا المورسكين المسلمين الاسبانين الذين اتخذوا من الجبال والمغارات ملاجئ لهم ،فيظنون أنهم من مرتزقه “دون خوان” و المتطرفين من الكنيسة الكاثولكية اقتفوا أثرهم الإلحاق الأذى بهم … وبالمختصر المفيد فإن” سيرفنتاس” صور الوضع في اسبانيا أنذاك بأنها تعيش حربا أهلية .
وفعلا ، وحسب مخيال” سيرفنتاس “، فقد تعرض هو ورفاقه إلى الكثير من المضايقات من الملشيات المدينة الاسبانية ، لكته بعد جهد جهيد استطاع أن ينجو من أذاهم بعد أن أفهمهم بأنه كان أسيرا هو ورفاقه ،و من تم التخلي عن ملاحقتهم ، والأفراج عنهم ن أو هكذا كما تخيل سيرفنتاس .
ومادام “سيرفنتاس” قد تمادى في مخياله ، ووصل إلى مرافئ النجاة عبر نتنفيذ خطته للفرار والفوز” بزريد “، وحتى لا يبقى توظيف المخيال حكرا على “سيرفنتاس” ، سوف أحاكي الحوار ، وتحديدا في الجزء الأول من نصه الروائي” دون كيشوت “، الذي يدور بين ” زريد” و والدها في القارب ، ولنبدأ بعنصر المكان الذي يتضمن البحر و القارب , البحر الذي يمثل في ثقافة كل الشعوب قاطبة رمزية للأهوال و الأخطار المحيطة بالأنسان , والقارب هو رمزية للوقاية والنجاة من هذه الأخطار ، وفي كلمة واحدة هو رمزية استمرارية الحياة ،بدليل أن ركابه في البداية كانوا كلهم في منأى عن كل ما يصدر عن بحر من أخطار ، وركابه هم أيضا رمزية الإنسانية التي بإمكانها العيش في سلام واطمئنان ، إذا حافظت على هذه الحياة من خلال التواصل و الإنسجام ، و الإبتعاد عن كل الصراعات،
بدليل أن البحر وعلى الرغم من المخاطر التي ينطوي عليها والذي تنبعث منه باستمرار كل المخاطر ، لم يشكل لهم أذى يذكر ، إنما الأذى كل الأذى هو الذي يصدر من الإنسان، وهو الذي يلخصه” سيرفنتاس” في الحوار الدرامي الذي يدور بين “زريد” ووالدها فهذا الأخير كان يترجاها لكي تتراجع عن فكرة الفرار ، لقد ترجاها باسم السنوات التي كرسها في تربيته لها، وما قدمه لها من عطاءات ، ومابذله من تضحيات إلى أن صارت راشدة ، وناضجة جسديا وذهنيا . . . وترجاها باسم الزمن الذي جمعهما في كنف الحنان لبعضهما البعض . . . وترجاها باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من القيم التي توصي بطاعة الوالدين … ولتفسير هذه الفقرة من الحوار فإن أول ما يتبادر للذهن أن “مخيائببل سيرفنتاس” ارتقى “بزريد” إلى أن جردها من كل ماهو مادي ، قابل للفناء ، وإلى الحد الذي اعتقد فيه أنها كانت تمثل حضارة بلاده فعلا ، وبدون منازع ، وبكل المقاييس .
وعند عودتنا إلى عنصر الزمن في الحوار ، فهو يعتبره أيضا رمزية للحضارة التي خرجت من رحم المورسكيين جنينا ، فتناولوها بالرعاية ، وسهروا على رعايتها اليالي ، واالتضحية بالنفس والنفيس على مدار أكثر من ثمانية قرون ، وبالتالي من الظلم أن يتعرضوا إلى كل هذا الإضطهاد ، وبنص الحوار نفسه يصور “سيرفنتاس زريد” قابعة في مكانها ، لاتجيب ،فتكتفي بالبكاء على الوضع الذي آل إليه والدها بسببها ، وبحكم توسطها بين صراع الديانات، من جهة والدها الذي يمثل رمز للدين الأسلامي، والذين أرغموه على الفرار رمز للديانات المسيحية ،
وما مارسه متطرفوها ، ليؤكد لنا في الأخير ، بأن الحياة تتسع للجميع بمختلف عقائدهم الدينية ، ومشاريهم المذهبية لكن الذي يقضي على هذه الحياة هو الإنسان نفسه ، من خلال افتعاله لصراع ، وبالتالي ، الصراع هو صراع أديان ، وليس صراع حضارات كما هو يوروج له اليوم ، وبالتالي أيضا ، يمكن القول أنه إذا كان ” دانتي” قد دعا إلى تجسيد فكرة الإصلاح الديني ، في القرن الثالث عشر ، من خلال مشروعه الذي تضمنه كتاب المعنون ب” الإمبراطور المسيحية “، فإن الفضل في التأسيس لمشروع حوار الديانات يعود إلى “سيرفنتاس ” ، في القرن السادس عشر والطبقة المثقفة عندنا اليوم في الجزائر ، تركز دائما في نقاشها على حوار الديانات ، ولا تعير أي اهتمام لحوار الحضارات ، مقتفية بذلك آثار” سرفنتاس” في طرحة .
وبنفس الحوارالسالف الذكر دائما ، يقع التصادم بين والد” زريد “ورفاقه ، وينتهي المشهد إلى رمي والد”زريد بأحد الشواطئ الجزائرية ، ولحسن الحظ لم يمت ، وهي أيضا رمزية لرفض المسيحة لدين الإسلامي ، ورفض التعايش معه ومن هنا يمكننا أن نستشف الطابع الذي تأسست عليه الحضارة الغربية بعد سقوط آخر القلاع الإسلامية في غرناطة , كونها مبنية على رفض الآخر , وهي جملة المساوئ التي تغذت منها الحضارة الغربية الحالية , من ممارسات المتطرفين من الكنيسة الكاتوليكية .
وخلاصة الخلاصات , كما تتبعتا أن سيرفنتاس عندما جمع الجميع في مركب واحد كان يوحي إيحاء مباشرا بأنه يمكن لديانة المسيحية والديانة الإسلامية أن يتعيشا جنبا إلى جنب ، في موطنه الأصلي اسبانيا ، للدلالة على المورسكيين المسلمين والمسحيين الإسبانيين ، لكن ولما كان صراع الديانات هو سيد الموقف ،لا شيء مما سلف ذكره تحقق .
وما يمكن أن نستشفه أيضا من هذا الحوار الدرامي ، أنه أثناء التصادم الذي يحدث بين والد “زريد” ورفاق “سيرفنتاس” في القارب ، نراه لا يتدخل بل يكتفي بنفث زفرات حزنه ، على ما تعانيه “زريد” التي بين المطرقة والسندان ،ومثل هذا الموقف السلبي من المثقف يمكن أن نرجعه إلى الإضطهاد الذي كان يعانيه المثقف ،وقد عشنا بعضا من تفاصيله أيضا، أثناء تطرقنا إلى الحملة التي شنها “دانتي” على المتطرفين من الكنيسة الكاثولوكية ، وإلى مطالبه المتمثلة في الإصلاح الديني ، وإصلاح الكنيسة .
ومن خلال محاكاتي لمخيال” سيرفنتاس “دائما ، أجد نفسي ، وبكل تواضع ،أساير ما توصل إليه النقاد الاسبانيين في استنتاجاتهم ، وتحديدا حينما يلخصون النص الروائي دون كيشوت لكاتبه سيرفنتاس بأنه نقد لإداء الحكم لكل من شارل الخامس و فليب الثاني وفليب الثالث والمتطرفين من الكنيسة الكاثولوكية .
لقد أنفق سيرفنتاس عشر سنوات في تأليف الجزء الثاني ، وتفيد الكثير من الأخبار عنه في هذه المرحلة أنه كان ينقطع عن تأليفه للجزء الثاني من دون كيشوت لينظم الأشعار ، ويكتب المسرحيات والقصص التي كان يخيل إليه أنها تزيد في أهميتها كثيرا عن دون كيشوت ، وكان أعظم ما يتمناه أن يكون شاعرا ، وأن يضع مسرحية قومية ، ولكن شهرنه الباقية على الزمن لبس مصدرها أشعارها ولا مسرحياتها ،بل إبداعه لـ دون كيشوت .
و لذلك أن معظم النقاد في العالم يصدرون أحكامهم على رائعة ـ دون كيشوت ـ أن ـ سيرفنتاس ـ فيها جمع بين الطابع الشخصي للأنه فيها الفلسفة التي خرج بها من تجاربه في الحياة ، و الطابع القومي لأن القصة خير مايعبر عن عبقرية قومه ، والطابع الانساني لأنها تصور النفس البشرية عامة ، و تخاطب العق الانساني دون تقيد بعصر ولا بجنس و لا بديانة و لا بمذهب . و الكتب مثل هذا النوع ، في الأدب العالمي كله ، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة
Serventes à Hamma
جمال غلاب
ghellabdjamel@yahoo.fr
لكن الفارس لا يلبث في الجزء الثاني من الكتاب ، ينطلق من جديد وهو أكثر إيمانا بجدارته بمجد الفروسية ،
كأن يصبح سانشو أرهف ذ كاء منه في الجزء الأول ، وأكثر إدراكا ، وتستيقظ عواطفه ، فتزداد القصة طرافة
. . . إلخ
وعلى الرغم من أن النص الروائي دون كيشوت جدير بأن نتكلم عنه من أول كلمة إلى أخر حرف منه ، إلى أنه
مع ذلك سوف تقتصر جولتنا في فضاءاته على الفصل المتعلق بأسره في الجزائر ، وعلى الخطة التي أعدها
لفراره من الأسر ،التي لم يستطيع تنفيذها ، و السبب كما أشرنا إليه سالفا ، أن رفيقه المرتد تخلى عنه ، لخوفه في الجزء الاول منه وبالتحديد في الفصل المعنون بالأسير ففي هذا الفصل يلمح” سيرفنتاس ” بأنه رفيقه المرتد بعد شرائه القارب ، اتجه خفية عنه قاصدا “زريد ” ليخبرها بأنه رفيقه ، هو الذي كلفه بشراء القارب الذي على متنه يتم الفرار ، وهو تصرف لم يحبذه ” سيرفنتاس” ، و أغضبه كثيرا ، بل إن من ضمن الشكوك التي أصدرها هي خوفه على” زريد” من نصب واحتيال رفيقه المرتد الذي لم يصل إلى مراده ويرجع” سيرفنتاس” ذلك إلى كون المورسيكين يحجبون نسائهم عن أي شخص أجنبي عن العائلة ،باستثناء العبيد والمسيحيين . و يبقى مصرا الفكرةالتي تتطوي على الفرار ، ومع ذلك “سيرفنتاس” ،وباستناد على مخياله للفوز “بزريد” والدخول بها إلى إسبانيا ،وبحدود الشواطئ الأسبانية والجبال المحاذية لهل ، يصور لنا “سيرفنتاس” مشهدا فيه الكثير من التطابق مع المشاهد السالفة الذكر ،حول الأبادة التي كان يتعرض لها المورسكيون المسلمون على يد الملشيات المدينة الإسبانية والتي تشكلت في عهد فليب الثاني ، للتفنيش ،و البحث عن كل من هو مورسكي ، لتقديمه إلى محاكم التفتيش ، مقابل مبالغ مالية كان قد رصدها القصر الملكي وزبانيته من المتطرفين من الكنيسة الكثولكية
وكل ما سلف ذكره من ممارسات اللا نسانية ، هو موثق في مراسيم أصدرها كل من فيليب الثالث ، وهذه المراسيم مازالت إلى يومنا هذا ببلدية غرناطة ، وكعينة على ذلك معاهدة تسليم غرناطة ، التي تمت ترجمتها من اللغة القتشالية إلى اللغة العربية حديثا .
قلت ، وفي هذا السياق يقول” سيرفنتاس” ،ومن خلال مخياله ، أنه لما نجح في فراره رفقة زريد ، ورفاقه الاسبانين ،اختفوا جميعا في الجبال الجنوبية الاسبانية أياما ، لاستبيان الجانب الأمني واستيضاحه ، وأيضا حتى لا يكونون فريسة للمليشيات المدينة من باب الخطإ في الظن بهم إنهم من المورسكين ، وإيضا حتى لا يقضي عليهم من بقايا المورسكين المسلمين الاسبانين الذين اتخذوا من الجبال والمغارات ملاجئ لهم ،فيظنون أنهم من مرتزقه “دون خوان” و المتطرفين من الكنيسة الكاثولكية اقتفوا أثرهم الإلحاق الأذى بهم … وبالمختصر المفيد فإن” سيرفنتاس” صور الوضع في اسبانيا أنذاك بأنها تعيش حربا أهلية .
وفعلا ، وحسب مخيال” سيرفنتاس “، فقد تعرض هو ورفاقه إلى الكثير من المضايقات من الملشيات المدينة الاسبانية ، لكته بعد جهد جهيد استطاع أن ينجو من أذاهم بعد أن أفهمهم بأنه كان أسيرا هو ورفاقه ،و من تم التخلي عن ملاحقتهم ، والأفراج عنهم ن أو هكذا كما تخيل سيرفنتاس .
ومادام “سيرفنتاس” قد تمادى في مخياله ، ووصل إلى مرافئ النجاة عبر نتنفيذ خطته للفرار والفوز” بزريد “، وحتى لا يبقى توظيف المخيال حكرا على “سيرفنتاس” ، سوف أحاكي الحوار ، وتحديدا في الجزء الأول من نصه الروائي” دون كيشوت “، الذي يدور بين ” زريد” و والدها في القارب ، ولنبدأ بعنصر المكان الذي يتضمن البحر و القارب , البحر الذي يمثل في ثقافة كل الشعوب قاطبة رمزية للأهوال و الأخطار المحيطة بالأنسان , والقارب هو رمزية للوقاية والنجاة من هذه الأخطار ، وفي كلمة واحدة هو رمزية استمرارية الحياة ،بدليل أن ركابه في البداية كانوا كلهم في منأى عن كل ما يصدر عن بحر من أخطار ، وركابه هم أيضا رمزية الإنسانية التي بإمكانها العيش في سلام واطمئنان ، إذا حافظت على هذه الحياة من خلال التواصل و الإنسجام ، و الإبتعاد عن كل الصراعات،
بدليل أن البحر وعلى الرغم من المخاطر التي ينطوي عليها والذي تنبعث منه باستمرار كل المخاطر ، لم يشكل لهم أذى يذكر ، إنما الأذى كل الأذى هو الذي يصدر من الإنسان، وهو الذي يلخصه” سيرفنتاس” في الحوار الدرامي الذي يدور بين “زريد” ووالدها فهذا الأخير كان يترجاها لكي تتراجع عن فكرة الفرار ، لقد ترجاها باسم السنوات التي كرسها في تربيته لها، وما قدمه لها من عطاءات ، ومابذله من تضحيات إلى أن صارت راشدة ، وناضجة جسديا وذهنيا . . . وترجاها باسم الزمن الذي جمعهما في كنف الحنان لبعضهما البعض . . . وترجاها باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من القيم التي توصي بطاعة الوالدين … ولتفسير هذه الفقرة من الحوار فإن أول ما يتبادر للذهن أن “مخيائببل سيرفنتاس” ارتقى “بزريد” إلى أن جردها من كل ماهو مادي ، قابل للفناء ، وإلى الحد الذي اعتقد فيه أنها كانت تمثل حضارة بلاده فعلا ، وبدون منازع ، وبكل المقاييس .
وعند عودتنا إلى عنصر الزمن في الحوار ، فهو يعتبره أيضا رمزية للحضارة التي خرجت من رحم المورسكيين جنينا ، فتناولوها بالرعاية ، وسهروا على رعايتها اليالي ، واالتضحية بالنفس والنفيس على مدار أكثر من ثمانية قرون ، وبالتالي من الظلم أن يتعرضوا إلى كل هذا الإضطهاد ، وبنص الحوار نفسه يصور “سيرفنتاس زريد” قابعة في مكانها ، لاتجيب ،فتكتفي بالبكاء على الوضع الذي آل إليه والدها بسببها ، وبحكم توسطها بين صراع الديانات، من جهة والدها الذي يمثل رمز للدين الأسلامي، والذين أرغموه على الفرار رمز للديانات المسيحية ،
وما مارسه متطرفوها ، ليؤكد لنا في الأخير ، بأن الحياة تتسع للجميع بمختلف عقائدهم الدينية ، ومشاريهم المذهبية لكن الذي يقضي على هذه الحياة هو الإنسان نفسه ، من خلال افتعاله لصراع ، وبالتالي ، الصراع هو صراع أديان ، وليس صراع حضارات كما هو يوروج له اليوم ، وبالتالي أيضا ، يمكن القول أنه إذا كان ” دانتي” قد دعا إلى تجسيد فكرة الإصلاح الديني ، في القرن الثالث عشر ، من خلال مشروعه الذي تضمنه كتاب المعنون ب” الإمبراطور المسيحية “، فإن الفضل في التأسيس لمشروع حوار الديانات يعود إلى “سيرفنتاس ” ، في القرن السادس عشر والطبقة المثقفة عندنا اليوم في الجزائر ، تركز دائما في نقاشها على حوار الديانات ، ولا تعير أي اهتمام لحوار الحضارات ، مقتفية بذلك آثار” سرفنتاس” في طرحة .
وبنفس الحوارالسالف الذكر دائما ، يقع التصادم بين والد” زريد “ورفاقه ، وينتهي المشهد إلى رمي والد”زريد بأحد الشواطئ الجزائرية ، ولحسن الحظ لم يمت ، وهي أيضا رمزية لرفض المسيحة لدين الإسلامي ، ورفض التعايش معه ومن هنا يمكننا أن نستشف الطابع الذي تأسست عليه الحضارة الغربية بعد سقوط آخر القلاع الإسلامية في غرناطة , كونها مبنية على رفض الآخر , وهي جملة المساوئ التي تغذت منها الحضارة الغربية الحالية , من ممارسات المتطرفين من الكنيسة الكاتوليكية .
وخلاصة الخلاصات , كما تتبعتا أن سيرفنتاس عندما جمع الجميع في مركب واحد كان يوحي إيحاء مباشرا بأنه يمكن لديانة المسيحية والديانة الإسلامية أن يتعيشا جنبا إلى جنب ، في موطنه الأصلي اسبانيا ، للدلالة على المورسكيين المسلمين والمسحيين الإسبانيين ، لكن ولما كان صراع الديانات هو سيد الموقف ،لا شيء مما سلف ذكره تحقق .
وما يمكن أن نستشفه أيضا من هذا الحوار الدرامي ، أنه أثناء التصادم الذي يحدث بين والد “زريد” ورفاق “سيرفنتاس” في القارب ، نراه لا يتدخل بل يكتفي بنفث زفرات حزنه ، على ما تعانيه “زريد” التي بين المطرقة والسندان ،ومثل هذا الموقف السلبي من المثقف يمكن أن نرجعه إلى الإضطهاد الذي كان يعانيه المثقف ،وقد عشنا بعضا من تفاصيله أيضا، أثناء تطرقنا إلى الحملة التي شنها “دانتي” على المتطرفين من الكنيسة الكاثولوكية ، وإلى مطالبه المتمثلة في الإصلاح الديني ، وإصلاح الكنيسة .
ومن خلال محاكاتي لمخيال” سيرفنتاس “دائما ، أجد نفسي ، وبكل تواضع ،أساير ما توصل إليه النقاد الاسبانيين في استنتاجاتهم ، وتحديدا حينما يلخصون النص الروائي دون كيشوت لكاتبه سيرفنتاس بأنه نقد لإداء الحكم لكل من شارل الخامس و فليب الثاني وفليب الثالث والمتطرفين من الكنيسة الكاثولوكية .
لقد أنفق سيرفنتاس عشر سنوات في تأليف الجزء الثاني ، وتفيد الكثير من الأخبار عنه في هذه المرحلة أنه كان ينقطع عن تأليفه للجزء الثاني من دون كيشوت لينظم الأشعار ، ويكتب المسرحيات والقصص التي كان يخيل إليه أنها تزيد في أهميتها كثيرا عن دون كيشوت ، وكان أعظم ما يتمناه أن يكون شاعرا ، وأن يضع مسرحية قومية ، ولكن شهرنه الباقية على الزمن لبس مصدرها أشعارها ولا مسرحياتها ،بل إبداعه لـ دون كيشوت .
و لذلك أن معظم النقاد في العالم يصدرون أحكامهم على رائعة ـ دون كيشوت ـ أن ـ سيرفنتاس ـ فيها جمع بين الطابع الشخصي للأنه فيها الفلسفة التي خرج بها من تجاربه في الحياة ، و الطابع القومي لأن القصة خير مايعبر عن عبقرية قومه ، والطابع الانساني لأنها تصور النفس البشرية عامة ، و تخاطب العق الانساني دون تقيد بعصر ولا بجنس و لا بديانة و لا بمذهب . و الكتب مثل هذا النوع ، في الأدب العالمي كله ، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة
Serventes à Hamma
جمال غلاب
ghellabdjamel@yahoo.fr

تعليق: رواية مسلسلة /11
ومازلنا ننتظر دون كيشوت الجزائر
دمت مبدعا
تعليق: رواية مسلسلة /11
بداية جميلة ونحن في انتظار ما يليها
كي يكون الحكم موضوعياً أحييك وأشد على يديك
أسامة فرحات
تعليق: تعليق: رواية مسلسلة /11
شكرا لمرورك الجميل و كل تمنياتي أنك تعاودين الزيارة للجزائر لكتابة قصيدة جميلة عن تنقلات ـ دون كيشوت ـ بين القصبة و أبوابها الأربعة و مغارته بالحامة أكيد أن هذه الأماكن سوف تلهمك الكثير
مودتي لكبيرة البحرين ليلى السيد
تعليق: تعليق: رواية مسلسلة /11
أسامة فرحات
محبتي و تقديري
تكفيني شهادتك العزيز فرحات بل أعتبرها و ساما أوشح به صدري في المحافل الابداعية
دمت رائعا روعة رؤيتك
محبتي و دمت قارا على القلب