You are here

الصفحة الرئيسية

سركون بولس ... يا للخسارة

سركون بولس...

يا للخسارة.
ومن سيُبحر بعد الآن؟
من سيلتقي بشيخ البحر؟

.....

إعداد: الورشة

أبصر النور في العام 1944، وعاش حتى الثالثة عشرة في الحبانية (80 كلم غرب بغداد) الزاخرة بالمياه. بعدها انتقل الى كركوك، وهنا بدأ كتابة الشعر. في العام 1961 نشر يوسف الخال قصائده في مجلة «شعر». وبعدها بخمس سنوات سيأتي إلى بيروت سيراً على الأقدام، عبر الصحراء وبلا جواز سفر. هنا قصد المكتبة الأميركية، طالباً أعمال آلن غينسبرغ وجاك كرواك وآخرين، وأعد ملفاً عنهم في «شعر». في المدينة التي كانت تعرف نهضة ثقافية، انكبّ على الترجمة، قبل أن يستأنف ترحاله. هذه المرّة ستكون وجهته الولايات المتحدة (1969)، وفي سان فرانسيسكو سيلتقي جماعة الـ«بيتنيكس» ويعقد صداقات معهم. ديوانه الأول «الوصول إلى مدينة أين» (1985) يعكس بوضوح تلك المرحلة البوهيميّة من حياته. مجموعات الشعرية الأخرى هي «الحياة قرب الأكروبول» (1988)، «الأول والتالي» (1992)، «حامل الفانوس في ليل الذئاب» (1996)، «إذا كنت نائماً في مركب نوح» (1998). وصدرت له مختارات شعرية مترجمة بعنوان «رقائم لروح الكون»، وسيرة ذاتية بعنوان «شهود على الضفاف» ومختارات قصصية نُشرت بالعربية والألمانية بعنوان «غرفة مهجورة».

لا يمكن استعادة مسيرة سركون بولص من دون التوقف عند «جماعة كركوك». لقد ضمت هذه الجماعة أكثر تجارب الشعر العراقي الستيني طليعيةً: سركون بولص وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجان دمو وصلاح فائق... معظم هؤلاء كانوا يتقنون اللغة الإنكليزية، فاطلعوا على التجارب الغربية بوصفها مؤثراً ضرورياً في صنع النسخة العربية من الحداثة وقصيدة النثر. ولعل الاطلاع المبكر على الشعر الأميركي والتأثر به تدخّلا في تكوين نبرة سركون الشعرية الذي رأى أنّ «الترجمة تجعل جميع اللغات والكتابات تتداخل وتتلاحم لتخلق شيئاً جديداً»، ناصحاً «كل شاعر بأن يعرف لغة أخرى وأن يحاول الترجمة حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة».

نشر الشاعر العراقي سركون بولص عددا من المجموعات الشعرية إضافة إلى ترجمات شعرية عن اللغة الإنجليزية. وأول ديوان شعري "الوصول إلى مدينة أين" نشره متأخرا رغم بدايته المبكرة في الكتابة.

من مجموعاته الشعرية "حامل الفانوس في ليل الذئاب" و"إذا كنت نائما في مركب نوح".



محلولة، سلفا، كل الأحاجي

كل الطرقات مفتوحة
أمامي، كل الأحاجي محلولة
سلفا؛ طرقة على الباب، وينفتح…
الليل، للنهار، زوجة.
ومع ذلك
ففي نهر الدم أخوض، ولن ألقى البوابة
أو أدخل ليلا إلى المدينة
في مهرجان من نباح الكلاب.
وما هي إلا نبضة
سرية من دم القصيدة
تسمح لي بالدخول.
وها هي المسألة:
أي علقم أشرب، أي إيقاع أتبع حتى
أتحاشى الجنون…
سوى هذه الكلبة
التي تغطي بعوائها الأفق
سوى هذه الذئبة المجنونة
سائحة في خيالاتي
قائلة للعالم أنها تعرف أسراري
مهما نزفتُ، أو تلفظتُ بهذا الزبد
مهما، ومهما…




تحولات الرجل العادي

أنا في النهار رجل عادي
يؤدي واجباته العادية دون أن يشتكي
كأي خروف في القطيع لكنني في الليل
نسر يعتلي الهضبة
وفريستي ترتاح تحت مخالبي



أنا الذي

لا نأمةٌ.
هل مات من كانوا هنا؟
لا كلمةٌ
تَرِدُ اللسان -
الانتظارُ أم الهجوم؟
أم التملّصُ من ...
كهذا الصمت
حين أُهيل جمرَ تحفُّزي حتى
يبلّدني التحامُ غرائزي: أرعى كثورٍ في الحقول
أنا نبوخذُ نُصَّر -
تُلقي الفصولُ إليَّ
أعشاباً ملوَّثةً، وأُلقي النردَ
في بئر الفصول -
لأجتلي سرّاً
يعذّبني؟
يعذبني طوال الليل. حتى صيحة
الديك الذبيح.
لأجتلي سرّاً.
وأسمعَ ضجّةَ الأكوانِِ؟
(إنهُ مأتمُ
قالوا لنا: عُرْسٌ)
جيوشُ الهمّ تسحبني
بسلسلةٍ
ويستلمُ الزمانُ أعنّةَ الحوذيّ -
تسبقنا الظلالُ.
وراءنا:
كلُّ الذينَ، وكلُّ مّنْ

"طال الزمن"، قال الرجل.

شمسٌ على هذا
المشمّع فوق مائدتي:
نهارٌ لا يضاهيه نهار. كوجه الله
تبقى تحت عينيّ انعكاستها، وتخرقني
الى قاعي كرمْحٍ -
إنها شمسي.
وملأى غرفتي، بيتي، كقارب رَعْ
تسافرُ في المتاهة
بالهدايا.
شمسٌ على صحني
وصحني، في الحقيقة، فارغٌ:
حبّات زيتونٍ، بقايا قنّبيطٍ، عظمةٌ...
ما زاد عن مطلوبنا.
تلك البقايا..
نُتفةٌ في كل يومٍ، قشرةٌ
نلقي بها في لُجة التيار - يبقى الصحنُ.
والسّكين.تبقى شوكةُ
أبقى. وجوعي، تُخمتي.
*
الشمسُ أو ليمونةٌ
تطفو على وجه الغدير المكتسي
بطحالبٍ ألقي الى أكداسها حجراً
فتخفقُ، مرةً، وتُبقْبِقُ الأغوارُ
فقّاعاتُ أوهامٍ مبّددةٍ
رغابٌ لم تجسدها الوقائعُ
جَمجَماتٌ لا محلّ لها من الإعراب
أطماعٌ. دهاليزٌ. وعود بالعدالة؟
(بالسعادة!)
رغوةُ الكلمات في بالوعة المعنى
تواريخٌ
وثمّةُ من يُفبركها، ويشطبنا بممحاةٍ -
لنبقى.

قال الرجل: "فاتَ الأمل.
زادَ الألم"

شدّوا الضحيّة بين أربعةٍ
من الأفراسِ
جامحةٍ.
جنودٌ يسكرون. جنازةٌ عبرت وراء
التل. هل جاء البرابرةُ القدامى
من وراء البحر؟
هل جاؤوا؟
وحتى لو بنينا سورنا الصيني،ّ سوف يقال: جاؤوا.
انهم منّا، وفينا. جاء آخَرُنا
ليُضحكنا، ويُبكينا..
ويبني حولنا سوراً من الأرزاء. لكن، سوف نبقى.

هناك، في بلاد باتاغونيا، ريحٌ
يسمّونها "مكنسة الله"

ريحٌ
أريدُ لها الهبوبَ، على مدار
الشرق، في أسماله الزهراء
والغرب المدجّج بالرفاه: أريد أن أختارها
لتكون لي
أن أستضيف جنونها
إذ تكنس الأيام والأسماء
تكنس وجه عالمنا كمزبلةٍ
لتنكشف التجاعيدُ العميقة تحت
أكداسٍ من الأصباغ
والدم، والجرائمِ
والليالي.
أقْبلي، يا ريحُ.
مكنسةَ الإلهِ، تَقدّمي.

قال الرجل. قال الرجل

لا ترمِ في مستنقعٍ حجراً
ولا تطرق على بابٍ فلا أحدٌ
وراءه غيرُ هذا
الميّت الحيّ الموزع بينَ بينٍ في أناهُ، بلا أنا
يأتي الصدى:
هل مات.
من كانوا.
هنا.

*

جاء الواحدُ الذي يقولُ، والآخر الذي يصمتُ.
الذي يمضي، والآتي من هناك.
بينهما
كلمةٌ، أو نأمةٌ.
بينهما أنهارٌ من الدم جرتْ، فيالقٌ تسبقها الطبولُ.
ولم يستيقظ أحد.
بينهما صيحةٌُ الجنين على سنّ الرمح
في يد أول جنديٍّ أعماهُ السُّكْر
يخسفُ بابَ البيت.
بينهما مستفعلنٌ، أو ربّما متفاعلنٌ؟
لا
ليس بينهما سوايَ :
أنا الذي




حمامة مسافرة.. إليك

لك كل الدفء،
'هذه الساعة التي ستدنينا
أو تفرقنا، أو تذكرنا بأن ليلتنا هذه
قد تكون الأخيرة، وتعرف أنها خسارة أخرى
سيعتاد عليها القلب مع الوقت'
فالوقت ذلك المبضع
في يد جراح مخبول سيعلمنا ألا ننخدع
بوهم الثبات:
'أقل مما يكفي، أكثر مما نحتاج'.
أقل مما يكفي هذا الأرث الفائض من مكمنه
في صيحة الحب الأولى
أولى في كل مرة.
أكثر مما نحتاج طعم الرغبة هذا
كما لم نذقه من قبل
لم نذقه من قبل.



هذا السيد الأمريكي ..

الموت
هذا سيّدٌ
من أمريكا
جاء ليشربَ
من دجلةَ
ومن الفراتَ.

***

الموت
هذا سيدٌ عطشان
سيشربُ كلَّ ما في آبارنا
من نفط، وكلَّ ما
في أنهارنا
من ماء.

***

الموت.
هذا سيَّدٌ جائع
يأكلُ أطفالنا بالآلاف
آلافاً بعد آلافٍ
بعد آلاف.

***

هذا سيّدٌ
جاء من أمريكا
ليشرب الدم
من دجلةَ
ومن الفرات.


لم يبق من بياض ..

طردتِ الأرضُ النادلَ الكبيرَ
لتدخل شيخوختها بأمان.
فلتكن هناك..
أقصد جالساً بين الجبال.
فآخر نهرِ،
سيمرُ بكَ محمولاً على عربة ٍ
تعمل بطاقة الأنين.
كن هناك..
أقصد ُ ظلاً يتفشى على سبورةٍ
يقيمُ عليها خطُ الاستواء.
أو تعال.
ترى المناجمَ فارغةً.
الطيورَ بوالينَ بغاز العزلة.
الكتبَ مُجمدّات لهوائيات الدماغ
فيما ستكون الأمشاط ألسنةً
للذكريات.
القطار الأخير،
بعد ساعة ودون سكة هذه المرة.
النبعُ،
زجاجةٌ فارغةٌ دون إقامة
بعد اليوم.
يا للهوّل..
أن يصبح الوداعُ متقاعداً.
أن تدخل التفاحة المشرحة َ.
أن يصبح الليل فروّة محترقة.



المرأة الجانحة مع الريح ..

لو رأتها، تلك المرأة
الجانحة مع الريح
وفي عينيها علائم زوبعة قادمة
وشعرها، منذ الآن، ينتفش في دواماتها،
لا
تترددْ
وخبّرني، فهي قد تكون ضالتي
قد تكون من ذهبتُ أبحث عنها في القرى
والأرياف البعيدة
حالماً أن أجدها في زقاق
مقفر، ذات يوم، تحمل طفلا بين
ذراعيها أو تطل من نافذة
أو حتى أن أعرف أنها هي
في ثمّة صوت، في ثمة أغنية على
الراديو
أغنية تقول أشياء جميلة
عن الحزن
أو الهجرة
وقد لا تراها
سوى في جناحي فراشة
ترفرف لازقة في قار الطريق
عينيها الملطختين بمكحلة التاريخ العابثة
نهديها المثقلين يأنداء حزن أمة
وفاكهتها اليتيمة
كبضعة أحجار في سلة
تعود بها من سوق أقفلت دكاكينها تصفر في أخشابها الريح
على أطراف بلدة
ولدنا فيها، وحلمنا أحلامنا الصغيرة
ثم هجرناها



مرثية إلى سينما السندباد ..

هناكَ طريقٌ
ترصّعها سقوفٌ قرميدُها
غسلته الذاكرة
حتى ابيضّ تحت سماء بلغت
أوجَ حُرقتها
حيث كلماتي
تُريدُ أن تعلو مثل أدراجٍ
مثل أصوات ترتقي
السُلَّم الضائع
في دفتر الموسيقيّ الذي ماتَ
في السجن، نوطة بعد أجرى.
أعثر على ذاك المبنى
وأفتح باباً
على المهْوى:
كل آثار حياتي
الغابرة، يسمّي ذاتَه
بأسمائه، هناك.
ساقيةُ المواضي
مازالت تجري في الحُفر
لكن أمواجَها
أبطأُ من نبض السلحفاة.
زماننا وكيف ضيَّع تذكراته!
قالوا لي…
إنهم هدموا سينما السندباد!
يا للخسارة.
ومن سيُبحر بعد الآن؟
من سيلتقي بشيخ البحر؟
هدموا تلك الأماسي؟
حجرًا على حجر؟
قمصاننا البيضاء، صيف بغداد
حبيباتنا الخفراوات حتى
التجلي…
سبارتاكوس، شمشون ودليلة
فريد شوقي، تحية كاريوكا،
ليلة مراد؟
وهل يمكننا أن نُحبّ الآن؟
كيف سنحلمُ بعد اليوم
بالسفر؟
إلى أي جزيرة؟
هدموا سينما السندباد؟
ثقيلٌ بالماء شعرُ الغريق
الذي عاد إلى الحفلة
بعد أن أطفأوا المصابيح
وكوموا الكراسي
على الشاطئ المقفر
وقيّدوا بالسلاسل أمواجَ دجلة



بورتريه للشخص العراقي في آخر الزمن ..

أراه هنا، أو هناك:
عينهُ الزائغة في نهر
النكبات، منخراه المتجذّران
في تُربة
المجازر، بطنه التي طحنتْ
قمحَ
الجنون في طواحين بابل
لعشرة آلاف عام…
أرى صورتَهُ
التي فقدت إطارها
في انفجارات التاريخ
المستعادة
تستعيد ملامحها كمرآةٍ
لتدهشنا في كل مرة
بمقدرتها الباذخة على التبذير.
وفي جبينه الناصع
يمكنك أن ترى
كأنما على صفحات كتابٍ
طابورَ الغزاة يمرُّ
كما في فيلم بالأبيض والأسود:
أعطه أيَّ سجن ومقبرة
أعطه أي منفى
أي هنا، أو هناك
ورغم ذلك يمكنك أن ترى
المنجنيقات تدكُّ الأسوار
لتعلو مرّة أخرى.
وتصعد أوروك من جديد.



حانة الكلب

لا أخفي عليكم أنني أنا أيضا
أفكر أحيانا بماهية الشعر بخطورة القضية
بنوع من التوبة كما هي حال الجميع وفقر العصافير الأسطوري وفي أغلب الأحيان وأنا نائم أحلم أنني أتعثر برجل نائم تحت جبل وأركله لأوقظه برفق أولا ثم بتهور وصراخ حتى يستيقظ، و يوقظني وأحيانا يكون الفرق الوحيد بين الحياة والنوم هو هذه العلاقة الزجاجية بين المصادفة والقصد بين أن تستيقظ بنفسك، أو أن توقظ، بواسطة حذاء حتى إذا لم يكن هناك جبل حتى إذا لم يكن هناك!

ذات فجر يقع المحذور برمته ودون مصالحة

كما يقول صديقي الذي كتب أطروحة عن صمت أبي الهول لنيل شاهدة الدكتوراه باليانصيب ذات فجر يقع المحذور ينتقل فيه نبع القرية من وراء السياج إلى فم رجل نائم يرصّعه الظمأ يحلم أن فرقة مدربة من الأعداء تهيل الصحراء بالرفش وطوال الليل في قصبته الهوائية، دون كلل، ذات فجر عندما يقع المحذور ويحظر التجول ويفشى السر تحت شبكة الأحكام العرفية غيمة واطئة تركب أبخرة النهر تتلصص على النائمين في ضفتيه بثقوبها المطرية الاثني عشرة، أو ربما كنت أؤمن ببساطة، أن هذه التورية هي المسؤولة ترفع بالسطل مخلوقاً أخضر كان ينام بانتظاري في بئر السبعينات ومنذ الطفولة أو ربما كنت أؤمن ببساط الريح إيماناً أعمى لا يشفيني منه علماء الجاذبية حيث القصائد لا تحتاج إلى مجذاف لتعبر بنا جميعاً إلى الضفة الثانية وكل كلمة فيها، كوّة سرية يتجسس منها الماضي

على الأحياء. في حالات كهذه عادة أحوم حول أسوار العالم حيث أسجل في دفتري مواقع الثغرات بدقة وأضيفها إلى الخارطة بالمسامير أفكر بجبران بن خليل يسير في نيويورك بشجاعة الحالمين، بأبي فراس أسيراً في بلاد الروم يخاطب (على بحر الطويل) الحمامة وعندما أكاد أنسى العربية اغمض عينيّ وأحلم لأستحضر المعجم من الذاكرة في رأسي مركب نوح في بحبر متلاطم من المخلوقات تدوزن كل سمكة فيه حراشفها وهي تسبح في / على عتبة / خارج نافذة مشرعة على مصراعيها وسط لساني موسيقى ربع اللحن بيات أصفهان سيكا همايون الشرق يدندن على العود في آبار الجهة الغربية وعلى حين غرة

وعنوة وبالكاد ولكن تماماً كأنما في موسم للرجم بالحجارة يصب فيه الجميع سخطهم على النوافذ في قصور الذئاب المالكة يظهر راوية ذئب مهلهل الثياب حاد يهلهل هامساً يهمهم بالهلاك يروي عليّ كالسيل ويل الشعر: رأس مشعث يثب من مناماتي من قراب ذاكرتي من حجارة المعرّات حيث الشعراء يطالبون بأن يسمَلوا ليفتحوا حواراً مع رهين المحبسين أو أقرب العميان يهمهم بالهمس يهلهل بالهلاك كأنني فتحت حنفية المحيط بمطرقة

يروي عليّ كالسيل ويل الشعر رعش الليل وقيل إن شاعرا جاب ممالك مؤرقة تحكمها بمشاعل من ذهب خالص رعشة وحيدة

تحاول الفرار من ثغرة في رسغه كان يجلس في الإيوان المهيأ لذوي المظالم البعيدة كان يجلس في الديوان المهيأ لرمل لا يعرف مستقراً
ينتظر قافلة منسية في بئر الآلاف بيدين ضارعتين ديباجاً ترفوه يداه اللتان تتجاهل إحداهما الأخرى وحبراً وفيراً يسيل على حين بغتة إلى وريد البائية الأبهر من قبر الحائية الكبرى من يديّ الأعمى الذي نظر إلى أدبي بعينه الثالثة وبكى

كان رحمه الله يصبّ العزلة في إناء من الفضة كل مساء أو نحوه و ما إن يشرف الغروب على الهروب وإذ يرفعه إلى شفتيه (أي الإناء لا المساء) كانت والله أعلم (هنا قد يهر الراوية كتفيه أو يقهقه بجنون أو ربما يجهش بالبكاء) أفعى رقشاء مكحولة العينين بتوابع الزوابع الرمادية تصعد بدلال

وغنج من باطن الإناء وتقصد الراحة في حاجبيه الكثين= رأس يثب فجأة من خندق فمي حين أفتح شفيّ من الظمأ يتسلق أسناني أكياساً من الرمل هاجماً إلى الأمام شعره مشعث ولكن في فمه كالإعجاز تتذأبن الحمامة يهدل الذئب يذكرني بالحروب بالحصارات وأحياناً بحزن ينصب منجنيقات الضوء الصدئة حول قلعة أوهامي التي نهضت وتركت مكانها على التلة ذات ليلة

ذئبي الذي يهدل بين الخمائل بعذوبة، حمامتي التي تصيد الحملان لتذكرني بالطرق الطويلة التي قطعتها لتصل وتنقذني بوصولها من التبول في فوانيس القطارات ومضاجعة التلال المجنزرة بأفخاذ العذارى. ثم نامت الصحراء، واستراح التراب.
وجدت نفسي نائما في حانة السلحفاة والأرنب في حانة الكلب والثعلب ورجل الأعمال في حانة الخلد والفراشة والعظاءة والقرد بجانبي مقامر نائم تتدلى ذراعه من الكرسي وفي يده ملكة دينارية وجوكر. أطباء ملتحون، حلاقون وعارضات أزياء أساتذة وتجار ماشية وتجار أسلحة ومهندسون يدللهم الحاكم والنائب والله

وتحرسهم الدولة بالمدافع بحياة آلاف الشعراء والعاطلين إذا اقتضى الأمر يتقاضون أجورا عالية لن أطالها حتى في أكثر أحلامي تفاؤلاً في عطلة رخية على المحيط الهادي تحت القمر الغربي الذي يحمل كتابات بالإنكليزية وبالروسية في جانبه المظلم، لافتات في "بحر الهدوء" تعلن مالكيه

وجدث نفسي نائماً في الجانب المظلم من العالم أثقب كل صباح في مكتبة الآلام العامة عن جذر يربطني بك، أنت، دائما وحتى أنني أتردد في أن أسميك لأنك، لست امرأة أو الأرض أو الثورة ، شجرة فقيرا حذاء في الطوفان لا أسمي أحدا بالضبط لكنني أريدك أن تشعر بخطورة القضية! لكننا نبدأ عادة بالبداية أي الخروج بكل ما نملكه من الصدق نحو الفريسة التي ستقودنا إلى قلب المعنى لأن المعنى دائما هناك يدخن صابرا في نهاية القصيدة

منتظرا وصولك وهو يبتسم باحتقار وأنت تلهث أو تبكي أو تصل بقدم واحدة أو مشلولا من النصف أو ميتا من التعب يطاردك الدائنون بهراوات القانون أو في نقالة المرضى أردت أن تكون هذه قصيدة تجرب فيها أن تهاجم نفسك بالقلم والجوع و المشاعل والحجارة؟ ليصب بعض الدم في حضن القارئ؟ لكنني ويجب أن تصدقني (أعلم انك ستصدقني) أؤمن بأنها ضرورية إيمانا غريبا يفاجئني لأنني لست واثقا من نفسي حين أقول هذا!

لذلك أخرج لأشتري علبة سجائر في أعماق الليل وأزور صديقي لنناقش الشعر ونقذف المسبات في وجه الغرب حيث نعيش كلانا مؤقتا بالدين وبنوع من الشعور العميق بالعمى والتبول بإسهاب على تابوت الرأسمالية الباهظ التكاليف كأننا شربنا برميلا كاملا من البيرة الرخيصة.

أطرق على الباب ثم أطرق على الباب ثم أصيح ولك قواد! لك أخي افتح يا هذا وأسمع حركة متراجعة كالريش نحو الأعماق ثم صوتا بإنكليزية زنجية تشوبها لكنة فلسطينية لا تخطأ ولوا يا أولاد القحبة ماذا تريدون لن أعترف لكم لن أعترف ك، س، م، ح، (غمغمة غير مفهومة بأية لغة (ضحكات يائسة بالعربية)

الصباح أذهب إلى فلمور وهو حيّ الزنوج في سان فرنسيسكو على طريقة هارلم في نيويورك لأزور صديقي الفلسطيني في دكانه المسيج بالقضبان (جميع الدكاكين في أحياء الفقراء بأمريكا مسيجة بالقضبان) صباح الخير كيف الصحة أبو الشباب؟ وكأنه يقذف باتجاهي قرحة مزمنة: بلاد العرصات بدك تشنق حالك، مش هيك؟

بيخلوك تروح تستأجر شجرة! وإلا عمود تلغراف؟ كيف حال الشعر هذي الأيام؟

لعلك أدركت قصدي، من الواضح كما ترى أنني أهدف إلى شيء غامض قليلا لأنه لم يكتمل بعد وأقول هذا بمنتهى البساطة أيها الصديق لا أريدك أن تسيء فهمي هذه كلمات بسيطة مكتوبة بالعربية بالمناسبة أذكر هذا لكي لا تتهمني بأنني تأثرت في كتابتها، بشاعر "عالمي!"
أي شاعر يخاطر بالكتابة على هذا النحو لن يكون حتى محليا! وسيقضى سنواته الباقية
بعيني نسر محموم أو رجل ينتظر زيارة صاحب البيت الشهرية وهذا يعرف جيدا أن الرجل الفقير لا يستطيع أن يدفع الإيجار لكنه مع ذلك وللتسلية، أو إشباعا لنزعة غريبة في الإرهاب، أو ربما لأن الكلب يعرف أن شرطة العالم والتاريخ كلها تقف من ورائه يقرع الباب بحذائه، وخصوصا بالكعب المليء بالمسامير...

سيقضي سنواته الباقية إذن بانتظار الجلاد الذي سيأتي متنكرا ببدلة ممرض رسمي طيب القلب يخفي وراء ظهره سلسلة حديدية وسترة للمجانين.
ابتسامته الكاذبة ستملأ الأرض بموضوع هذه القصيدة.

(سان فرانسيسكو1975)
من كتاب (إذا كنت نائماً في مركب نوح) الطبعة الأولى - منشورات الجمل- ألمانيا- 1998

صورة الورشة
القسم: 

التعليقات

 
يمثل سركون بولس الفص الماسي في عقد جماعة كركوك العراقية  والتي جاءت من شمال العراق حاملة مشعل التجديد في سماء المشهد الشعري العراقي الحديث
سركون بولص صوت خاص وحداثوي  .. كتب الشعر بهاجس انساني رؤيوي متفرد
شكرا للورشة على هذا الاستذكار لسركون الحيّ في قلوب القراء والمحبين  
ولابد ان اصحح معلومة بسيطة وهي الحبانية  تقع غرب بغداد على مسافة 80 كم فقط !!
وديع سامخ
صورة وديع سامخ
 
هم لا يموتون د أحمد. هي فقط رحلة قد تطول وقد تقصر لكنها تنتهي بأن تعود بالموعودين للحياة كي يواصلوا نحتهم للأغاني من جديد.
محبتي
 
أغنية لزمن المراثي
 وحده الشاعر ينطفئ لحظة اكتمال الأغاني فيه
وحده يضيء في عنفوان الموت...
إرخ عقالك
أيها الباتر
المتوغل في مفازات الظلام الفارق...
أيها الزاهد
في ضوء أرواح اليتامى
المنتشر هنا ذات مطر
تحت عرش الله
حيث أوج موتنا المتربص...
يتزلزل عماد السماء
كلما اكتمل الملكوت
في سيد الحزن الأزلي
و كلما امتلأ بصراخ الصمت
و استوت فيه الرؤى...
كيف يحدث
أن لا ترف روحك كمدا
عندما بنصلك المتشفي
تهدر نسغ المراثي
ليس للشاعر أيها البتار
غير المراثي
.........................
فاحش ظلمك أي صديقي
إرخ عقالك
ذاك الطيف العسجدي
القافز في الفراغ الآن
كان ذات بكاء
خلف نافذة شقة بالطابق الثالث و الستين
في " مدينة أين " *
يلتهم سوادك
دخانا متلويا
يجتاح الأحشاء الدامية
أي سيدي الموت...
طيفا كان
يعد حبات عقد منفرطة
عند عتبات الرصيف  
لا تنفك ضحكاتها الناشجة
تجلجل فيه
أغاني للجمر
حبات غجرية صارت
كلما هطلت دموع السماء
تتهاوى عيونا تزقزق
في برك رعبنا السرمدي
كم من أنساغنا  
واريت في ظلماتك
كم من فسائل نخلنا
أحرقت نارك
حتى كأننا صرنا مجرد ذكرى ترهلت فينا
..............................
داعر بغيك، وأيم الحق أي صديقي
 
إرخ عقالك
و إن كنت المسكونة بالموتى
ليس لك بعد الآن في عهدتي جماجم أخرى
قرابين تصلي للحياة مهما
كان جورك كاسرا.......
ليس لدي ضحكات أخرى
تبرئ نهمك إلى رمادي المنثور
في أدغال دياجير محيطات
تناديني...
هذي أنا
خذني
قبل أن ترشف عنقاء التيه
ما تبقى في
من ضوء يتهاوى كي يتعالى
هذي أنا الحية موتا
أنا النابضة عسفا
أنا المنفية من مدن الرماد
إلى التاريخ   
أقضي دقائقي مثقلة بحنيني
إلى رائحتهم
أتقرب بها إلى ذئب
أراوغ نهمه بالوضوح العاري
عسى أن أرى عيونهم الصائمة عن الفرح
إلى حين
تلوح لي
بياقوت الكلام المنفلت من ملكوت الصمت
..................................
عات حكمك... عات حكمك... باغ
عندما تفرغني من/ي/هم ذات لحظة خاوية أي رفيقي
* " الوصول إلى مدينة أين " : عنوان ديوان للشاعر العراقي الراحل سركون بولس
 
آسية السخيري
صورة آسية السخيري
 
سركون أحد بوابات الشعر والحلم لدي
ولذا موته كان يتما لبعض حلمي
ولعلكم تقدرون مبلغ احساس اليتم من الحلم
الشاعر العظيم وحده من يوقفنا برجل واحدة على السلك
وهكذا سركون
تقديري للورشة
ليلى السيد
صورة ليلى السيد
 
لا يصلب على الموت مبدع
ولا  تقيد سلاسل ماء دجلة
الكتاب لا يبلى
تصفر أوراقه فقط
الحديث لا يذهب إلى بدد
ورائحة العطر لا تتطاير بعيدا
والشمعة لا تحترق كما نتخيل

إنه بقاء
لكن من نوع آخر
منى الشيمى
صورة منى الشيمى
 
سنغني لك  ياسركون  أجمل  أغنية  ونوقد شموع الحب على أضرحة  اغترابك وسنحمل ألف باقة ورد لنقدمها باسمك  للعراق  لانك رمزا من رموز الشعر
          ألف تحية
                     مع أجمل الامنيات


                          أكرم التميمي
أكرم التميمي
صورة أكرم التميمي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات