ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- وطن رقمي
- سرير البنفسج
- سرير البنفسج
- أمراة الريح
- اختطاف
- مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي
- رحيل القمر...
- مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي يبحث واقع الثقافة العراقية في المهجر
- السيد الوزير ...
- الفنان أحسان الجيزاني في مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي
- الثقافة العراقية تتألق في مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي
- بيوت منزوية ...
- مهرجان ميزوبوتاميا الثقافي
- إبعاد قسري ...
سرير البنفسج
وسط غرفة نومه الصغيرة، فوق سطح بناية من ثلاثة طوابق في حي سكني شعبي مكتظ بالفقراء في زاوية منسية من المدينة كانت أصوات الباعة المتجولين تتكرر بالمناداة والترويج لما يحملون من بضائع، أواني بلاستيكية ملونة، للمقايضة بما تفيض البيوت به من فتات الخبز اليابس والعلب الزجاجية الفارغة والملابس القديمة، أكياس كبيرة تعتلي ظهورهم، صغار بوجوه كهلة متعبة أحرقتها شمس بغداد اللاهبة، تنهش قلبها بأظافرها وتلعق دماء أيامها المجدبة، وحيدة، عارية قدمت توقع صفقة عمرها، تبعثر أوراق استسلامها وتنثرها ثم تلملمها من جديد، تعد نبضات بوحها لرجل كل مافيه يستفز أنوثتها للابحار معه في قارب مطاطي يخلو من سترة النجاة، مهاجرة سرية إلى عوالم سحرية عبر بحاره المتوحشة بالأمواج العاتية.
لفها سكون المكان، تلبستها الوحشة، التقطت قطع ثيابها المتناثرة فوق السرير حين راعها شحوب لونها ونظرة الهلع في عينيها منعكسة على المرآة المعلقة على الجدار ببرود تتفرس فيها تمط شفتيها تسخر من تلك الندوب التي طرزت جسدها المتوقد شهوة مخلوطة بعطش أنثى لم تتعد الثلاثين، يفتك بروحها وقلبها لضمة رجل طالما ارتوت من عينيه، سافرت في واحة محبته الدافقة بالحنين، هائمة به تكتوي بجمرات اشتياقه وترتمي على رمل شواطئه، تلتحف بابتسامة من شفتيه تدخلها طمأنينة مثل الصلاة، تبتعد ترصدها نظرات المرآة المبتسمة في خبث، تدير ظهرها، تشبك يديها الاثنتين مخفية ندبة احتلت نصف صدرها، جرح عميق مر عليه مشرط جراح بارع استأصل توأم أنوثتها ملقياً به في حاوية معدنية موحشة، فاتها سؤاله عن مصير نهدها المسكين الذي تتحسس مكانه الخالي في كل لحظة كأنها لازالت في حلم لم تفق منه بعد من هلوسات التخدير، تراقبها المرايا من كل الجهات على جدران الغرفة حتى السرير غدا مرآة ترى انعكاس صورة نهدها عليه، ترتدي قميصها الذي تختفي أزراره كما في أحلامها تسير وسط الشوارع مشرعة الصدر، تلملم أطرافه، تداعبه الريح، يبدو نهدها الوحيد المكتنز يئن من وجع الأغنيات الحزينة، تهزمها القهقهات، تبحث عن باب الغرفة، لا تراه، فقد انضم إلى جيش المرايا الكبيرة المضيئة، عصية الاختراق، معلنة الحرب عليها، من غير سلاح تقاتل برفرفة قلبها المتوهج بالحب والاشتعالات، حبيسة في غرفته تطاردها المرايا، أوه! زمن مر على قصة حبهما.
فرت، لاذت بحجج واهية حين قدم قلبه، رغم كوابيس سنواتها الثلاثين، أجابته أن الوقت لم يحن بعد مدركة وجع ما تعنيه الثلاثين في مجتمع ماانفك يحاصرها بالنظرات والأسئلة الحائرة، حسرة أمها المريضة التي تنوء بها أينما حلت، وحزن والدها يملأ منذ أعوام زوايا البيت الذي يمنحه الشهيق من خلال كرسيه المتحرك، رفضت غير رجل قبل أن ينسحب الجميع من حياتها حين يهمس لهم أحد الناصحين ، تذرعت بعجز والديها ووحدتهما ، بعد أن تزوج أخوتها، عاهدها على رعايتهما وهو الذي يحرقه الحنين إلى دفء العائلة منذ أن فتح عينيه يتيماً، أحبها بعمق، غمرها بالاهتمام متلهفاً الى حديثها مستعجلا لحظات لقائهما.
منذ اليوم الأول لمجيئها إلى المؤسسة التي يعمل فيها، أربع سنوات قاسمته غرفة واحدة، أحبته حلماً وردياً شفافاً مثل أوراقه التي طرز عليها أحلى قصائد الحب بالظلال وفتوحاتها، تريد أن تكون له امرأة غير منقوصة الأنوثة، تهاوت مقاومتها أمام قوة إصراره، ترددها كان مثار حديث الزميلات اللائي يحسدنها عليه لدماثة خلقه ووسامته ونجاحه في عمله ، حملت قلبها عصفوراً يرتعد بين ضلوعها، خذلها وانعقد لسانها، عجزت أن تبوح بما تحت ثيابها ، كتبت له سطراً واحداً على ورقة وردية شفافة، فهم، اتفقا على لقاء لتلقي بين يديه هماً دفنته تحت ثيابها، لكنه تركها صحبة المرايا تلملم شتات أنوثتها، أصوات نقر على الباب، تسمرت في مكانها حين طوقها بذراعيه وطاف بها بين المروج والغيم والأمواج، رقصا تحت حبات المطر، عبر المطارات والمحطات في مدن العشق المترعة بالحب والدفء والأطفال ودهشة الحياة على سرير من بنفسج .
من مجموعة سرير البنفسج
