You are here

الصفحة الرئيسية

سين ..

" القاك اين الان ...
والمنفى بعيد ...
والبلاد تناقلتك ؟؟ "
شاعر يرثى حلمه

خالد :

لست بالاعمى ...
ولا بخفيف الظل ...السمير والانيس ... وخير جليس ...
بل اننى وفقط ضعيف البصر الى حد بعيد ... جدا ... والى ذاك الحد ... فأنا بغيض وكريه ...
ومنفر ...

انا لست باحد المشايخ ...
ولا امتلك لهجتهم المميزة ... صحيح انى كنت اعمل فى مدرسة ازهرية ...
لكننى مجرد استاذ للدراسات الاجتماعية .. وكنت حين اقف لالقى درسى ... اتحدث بصعوبة شديدة ليس لعيب بلسانى ومنطقى ...
بل لاننى كنت ارى الوجوم وعدم الفهم لاى مما اشرحه قد ارتسم باعين التلاميذ من امامى ..
ارتسم فى قبح طاغِ ووقاحة جمة ...
وتحد سافر ...

عملت فى تلك المدرسة " الحكمة " لعشر سنوات ... منذ تخرجى تقريبا ...
ومع هذا فاننى لم اكون بها اى صداقات ... رغم انى احببت الجميع ... نوعا ما ... وكنت اخا لهم .,..
وهم ... بادلونى نفس الامر ... لكن من مسافة معينة ...لم تقصر يوما ما ...
ابدا ...

اذكر اننى اخترت مكانا منزويا بحجرة المدرسين ... بجانب النافذة ... كنت اقضى جل وقتى قبل وبعد الحصص ...
الحصص عديمة الجدوى والفائدة ... جالسا انظر الى لا شىء ... بينما احطم اصابع الطبشور ...
واحدا .. تلو الاخر ... حتى يدق الجرس ...
ويأذن لى بالرحيل ...

واذكر ايضا ... اننى مع كل ذهاب واياب ...
كنت اتسائل عن اهمية ماافعله ... حيثيته ... وجدواه ... ولا استقر على راى قط ...
ويسخطنى ذلك بشدة ثم اعود لابتسم فى داخلى ...فأصل ما اقدمه هو عدم الاستقرار ...
لا الجغرافيا تعرف الجمود ...
ولا التاريخ براسخ ...

كل لا يلبث ان يتجدد ... حتى يتبدد ...

خالد ثابت ...

دائما ما يوقظه الضجيج والهزات التى يحدثهم سريان اول عربة ترام
تطأ شارع عثمان اباظة فى طريقها الى محرم بك ... او كرموز ...
لكنه لا ينهض عن فراشه الا بعد ان تصل الاخرى القادمة من
شارع الخديوى... الى حيث هو ... قبل ان تنحرف الى باب الكراستة
وتنتهى عند رأس التين ...
يكون هذا بعد عشر دقائق تقريبا ...

وبعد عشر دقائق اضافية ... يخرج من دورة المياة ...يجفف وجهه وشعره ...
وتنحسر المنشفة عن ذات النظرة الشغوفة ...يدقق امامه ... يحاول التحقق من قسماته وملامحه ...لكنه يفشل ...
بصره يذبل كل يوم عما قبله ...
وبات لا يرى نفسه مطلقا ...

عشر دقائق اخرى ...ويكون قد اعد فنجان قهوته السادة ...واشعل سيجارته ...
وجلس الى جانب من البلكونة ...يحاول الا ينتبه الى مايدور فى الشارع من احاديث صباحية ...
والا يتابع حركة الباعة المتجولين ...ولا حتى راديو المقهى الذى يتجه مؤشره دائما نحو اذاعة الشرق الاوسط ...

يبقى هنالك حتى تسيطر الشمس على المكان باكلمه ...فينسحب للداخل ...ولا يعود الا بعد ان ينحسر نفوذها من جديد ...

يكون قد راجع فى ذلك الوقت ... ما سجله بالامس ...وتاكد منه ...
يحضر معه المسجل ... ويعاود التدوين ...
والرسم ...

منذ صغره وهو يميل الى التعبير بالخطوط والالوان ...كان يحاكى الصور والاشكال ... بطريقته الخاصة
وكان له استاذ قال له ان عليه ان يستمر فى هذا الاتجاه
فاعماله توحى بأن لديه شىء ما ... ليفضى به ...
لم يتضح بعد ...

لم يتحقق من موهبته ابدا ... ولهذا لم يدرس الفنون ...
وطوال فترة عمله كان عليه الالتزام بالبعد عن هوايته القديمة ...
عل الجرح يندمل ...
لكنه شعاع الضوء ... لم يدفىء ولم يكن كافيا للرؤية ...
ومع هذا قد اجتاز الغيوم مجددا ...رغم ماكان بعد الحادث ...
الا انه تحايل على الموقف ...
كانت صفحته البيضاء ... هى ذهنه المتقد انفلاتا من التبلد ....
والوانه ...هى اماله ... والامه .
ولذا
فقد انحصرت فى الابيض والسود ...

منحة :

عنيدة انا ...والى ابعد مدى ...
رغم كونى ساذجة غرة ...وارثة لعقلية صعيدية بحتة ...
بيئتى واهلى هناك فى الجنوب العالى ...لكنها الرحلة ...
قد نسجت فيها حلما من الواقع ...
وجعلت من الحلم ... واقعا ..

تستفذنى الاشياء منذ امد ...لكن افاعيله لم تكن لترقى الى تلك الدرجة ...الا اننى مؤخرا ...قد بت مهتمة ... على نحو ما ... بدوافعه ...
ذلك الجار المُبعَد ... المبتعد ...
رغم كونه قريب جدا ...

استقيت معلوماتى من عمتى ...تلك التى باتت تكفلنى ... وصرت اعيش فى كنفها ...قالت انه لم يتزوج ...
امه وابيه رحمهما الله كانا من اهل الكرم والاخلاق ...
وليس له من اقرباء سوى اخته الكبرى تأتيه من " غيط العنب " مرتين فى الاسبوع ... تعد طعامه وترتب المنزل ... منزل ابيها ...
وتغسل ثيابه وتكويها ....لا تستغرق وقتا طويلا حتى تنصرف لبيت زوجها من جديد...

قالت ايضا انه لم يتغير كثيرا بعد ان صدمته السيارةوهو ينقذ ذالك الطفل يومها الذى كاد يهلك على الطريق ...
" عند ناصية سيدى المنير " وانه لم يمعن فى عزلته بعد ان خفت نور البصر ...
بل انه من يومه وهو وحيد بلا اصدقاء " براوى " له نأى الافتراس والتوحش ... وان كثر معارفه ومن يعرفونه ...
فقط ... قل خروجه الى حد بعيد ...
لكنه لم ينعدم ...
ففى اوقات كانت تحضر اخته ولا تجده وتنتظر عودته فى خوف وشغف
حيث المفترض كونه لا يخرج ابدا بمفرده
وحتى معاشه هى التى تحضره له ...
قالت عمتى انها فى اوقات اخرى كانت تراه جالسا فى بلكونته
مرتديا ثياب خروجه كعادته ... ويدخن ... وفجأة يهب واقفا ...
وقد بدت عليه علامات الاضطراب والتأثر ثم يختفى داخل البيت ...
ولا تبصره الا مندفعا فى الطريق ...وكأنه لا يأبه لاى من العوائق تحيط به ...وكأنه مدفوع دفعا الى ما هو فيه ...

اردفت عمتى وهى تخفى ابتسامة خبيثة ...
انها لم تكن تتمنى لى ان ارتبط بمثله وقت ان كان يصلح للارتباط ...
فقاطعت دعائها لى... بابن الحلال .... متعمدة اثارتها والنيل منها لا اكثر ...
وانا اتسائل ...
وهل هو الان ... لا يصلح لذلك ؟!

منحة نوار ...

لما تطل من شرفتها ...
تدرك الحياة فى يومها قيمة ومغذى الضياء ... بعد العتمة الطويلة ...
سنا ثغرها البسام ... والنظرة الالقة ... انفاسها العطرة ...وسمرة التقاسيم العذبة ...
يجعلون جميع ما حولها ينتشى فى سعادة جمة وابتهاج بالغ ...
يذوب فيها ...
ومنها ...

يصحب طلوعها فجر جديد ...فجر سعيد ...
تخرج والنسائم المشتاقة ... تمرح وعصافير جنتها ..." زوج الكنارى "
الفرح بفيض الحنان ...
الممتع ... المستمتع ...

بعد المطعم والمشرب ... والمداعبات الطفولية ...والضحكات تروى القلوب العطشى ...تسقى ازهارها ... فى ود وحميمة تتلمس الاوراق ...
والغصون ..." الياسمين "... تعشق منظره ومخبره ...
اوراقه الغضة النضرة ...
و عطره الاخاذ ...
المثير ...

تحضر الشمس اذن وهى ساطعة ... فى اوج توهجها ...
لذا فإنها باستدارتها البرتقالية المتصابية تتوارى خلف سحابات اول النهار ...خجلا من الحسن الجنوبى ... البديع ...
ذى الرونق والبهاء ...
وعنفوان البداوة ...

قد تريح صدرها العامر البض الى حافة السور ...وتغنى ...
تهمس فى توق وحنين ...
وهيام ...
وقد تجلس لتقرأ قليلا ...بعد ان تؤدى صلاة فرضها ... وترتدى ملابسها ... وتتهيأللخروج الى كليتها ...
فى بشر وطلاقة ...

ويكون جميع ذلك قبل ان تمر بالشارع عربة ترام واحدة ...
وتكون هى على غير علم ولا هدى بأنها اصبحت توقظ جارها ...
مبكرا عما اعتاد ...
وعلى غير ما اعتاد ...
وانها قد اصابته بالقلق و الحقت برأسه صداعا يوميا شديدا ...
وانها قد اورثته ضيقا بها
وكراهة لها ...

خالد : منحة ؟

امضيت حياتى وانا اعزب ... لكننى لم اكن بمعزل تماما عن الجنس الاخر ... شاهدت عديد من الشابات الحسان ...
رأيت فيهن زوجات مثاليات ... لكننى لم اتقدم نحو اى منهن ...
فبعد طول تفكير ... وجدت انى اعافهن ... فابتعدت ...
لكن الى حد ما .... فأنا لم اكن بقديس ...
صحيح انى اعتنقت افكارا نبيلة منذ مطلع شبابى ...
وصحيح انى كان لى المبادىء والقيم التى اؤمن بها ...
الا ان ذلك لم يمنعنى من اشياء كثيرة ... اعلم انها مخجلة ومشينة ...
كأن اتلصص على جاراتنا.. الجميلات منهن ... فى لحظات التكشف وجلاء الاسرار والحميمية النادرة ...
وكألا يرقب بصرى ممن تقف ازائى سوى مايفتن ويلهب الرغبة فيها ...
قبة ثوب نسيت مفتوحة .... ذيل قميص حسر لاعلى ...
حركة غير مقصودة ... وجلسة غير منتبهة ...

ارقنى ذلك طويلا ... فكان لابد من ان يدفع المبعد نحو الاقتراب ...
فلم اتردد كثيرا فى ذلك اليوم ...
كانت والدة احد تلاميذى ...الذى لم يختلف كثيرا عن بقيتهم فى ضعف المستوى ... وتكرار الرسوب ...
ومع هذا فامه اتتنى تبكى ...بساطة الحال وضيق ذات اليد ... والولد الذى... على العكس من اخويه يكبرانه ... خاب املها وابيه المسكين فيه ...
لم اجد مااعلق به ... فانا اعلم جيدا حقيقة ما اقدمه ...
ومع هذا وجدتنى مضطرا الى عرض المساعدة ...
بلا اى مقابل ...فانا عموما لا اعطى دروس خصوصية ...
وذهبت الى بيتهم مرات قليلة ... لاشرح للولد الذى لم يكن ليفهم شيئا ... جميع مالا يفهمه ...
لما وقفت بنفسى على فقرهم الشديد وبؤس الحال ...
قررت ان اجتهد كثيرا فى تعليم ذلك الولد ...
وشاركت امه الحلم بانه اذا نجح فى دراسته قد يصبح ذو شان يوما ما ...
هكذا قلت لها لما تناقشت معها حول جدوى الامر ...
طلبت منها ان تطمئن ... واخبرتها ان مستوى ولدها يتحسن ...
دعت لى وهى تضع الشاى امامى ...
وجلست تنتظر معى حضور الولد لتلقى الدرس ...

مضى وقت طويل ... وكنا بمفردنا فى البيت ...
وانقطع حديثنا ...
شعرت هى بتململى ... وحرجى من الموقف ... فاستأذنت فى الخروج لاحضاره ... وتركتنى وقت اخر ... ثم عادت بمفردها وهى تبكى بشدة ...
وتشتكى مايفعله بها ذلك العابث الشقى ... الذى لاتعرف اين ذهب واصدقاء السوء برفقته ...
كنت جامدا فى مكانى ... اواسيها بكلمات فارغة ...
حتى اشتد بها البكاء ... وراحت تنحب وقد انقطعت انفاسها او كادت ...
اقتربت منها ... اطيب خاطرها ...
طال بقاء يدى فوق كتفها ... لما لاحظت انها جميلة للغاية ...شديدة الفتنة ... والاثارة ...
انتبهت من جديد ان احدا سوانا غير موجود بالبيت ...
واقتربت اكثر ...
وهى ...
كانت تعلم يقينا ان الغائبين لن يعودوا قبل حين ...

لم تمنعنى ... ولم تمتنع ...
اقتربت هى الاخرى ...
فكان بيننا ما يكون بين رجل شغوف ... وامرأة ولهى ...

تذكرت ذلك هذا الصباح ... وشعرت بالحرج والضيق ...
فبعد ان انصرفت عنها لم اعد مطلقا ... ولم ارها سوى مرة اخرى ... بعد اكثر من سنة ... كان ولدها قد تم فصله من المدرسة لكثرة هروبه ...
التقيتها مصادفة ... فى الفناء ... وتصرفت معها بتحفظ لم تنكره على ...
فتعاملت هى معى بصفتى مدرس ابنها وفقط ...

تذكرت ذلك وانا مدرك انه ... لم يكن فعلى هذا قد تكرر مع امرأة بعدها ...
وصحيح ان مكانتها كانت فى طليعة الذكريات ...الشبقة ... تحمل النشوة وطعم الفرح ...
الا ان بريقا ما كان قد انطفىء ...

ويؤرقنى الامر الى الان ... لكن اليقين انعقد على نحو مختلف ...
خلصت منه الى ما تبدى لى فى لوحتى الاخيرة ...
" افق "
تلك اللوحة التى شرعت في بدئها ... قبل ان تظهر جارتى الجديدة ...
المزعجة تلك ...
كنت افكر فى الخطوط ... الخطوط تتماوج بالابيض والاسود ...
تخلق نوعا من الفسحة والتحرر ... تستقيم حينا فتحد رجلا وامرأة انبسطا كل تجاه إلفه ... بلا تقاسيم تفتن ... ولا تضاريس تثير ...
ولا رغبة او شغف الا فيما اتضح انه قد كان ...
الدفىء ... و الوصال ...

منحة : خالد !

هذا الشخص مختل لا محالة ...!
والا فما افتقد ابسط قواعد واصول التعامل ... خاصة مع انثى مثلى ...
اطلع لاجده فالقى عليه التحية ... ليردها متململا ... وينصرف عنى
بلا اى استئذان ولا ادنى اعتبار او تقدير ...
ثم يتعمد الخروج على فى مرات اخرى ... فيتصرف كأننى غير موجودة الى جواره ... رغم تعمدى اظهار تواجدى ...
لا يتحدث الى مطلقا ... حتى بالتحية الواجبة ... واكثر من هذا انه يتناسى قصر المسافة بيننا ... ويدخن بشراهة ...
وينفث دخانه البغيض ناحية عصافيرى وازهارى ...
ولا يأبه الى كونى اسعل بشدة ويضيق صدرى من فعله المقيت ...

انظر اليه ... فيتشاغل بالمسجل من امامه ... ينقر عليه باصابعه مرات طويلة ... فاعود الى متابعة الطريق ... والتفت لاجده معلقا بصره بى ...
يرمقنى بشدة ...
فأشك فى كونه ضعيف البصر ...
وتراودنى افكار كثيرة ...وغريبة .,... انتبه منها على كونه قد تحول عنى و انفلت الى داخل بيته من جديد ...
اشعر برفضه لى حاضرا من حوله ... كمجال مغناطيسي نافر ...
ومنفر ...

لذلك لم استغرب كونه اختفى عن ناظرى لعدة ايام ...تصورت انه يخرج فى اوقات عدم تواجدى ... وساعد على ذلك ان المسجل الخاص به فى مكانه فوق المنضدة الصغيرة ... كما هو معتاد فى اوقات تردده على البلكونة ...

حتى كان ان نزل المطر ... كنا فى اخر الصيف ... والاجواء بدأت فى التقلب ... فتجمعت بعض السحب فى نهاية اليوم ...
وكانت غزارة الهطول ...
انتبهت فى تلك اللحظة الى ان المطر سوف يتلف المسجل ... ولهذا اسرعت الى عصا زوج عمتى الراحل ... احضرتها ...ووقفت فى اقرب نقطة منه ... على اطراف اصابعى ...ومن المسافة الفاصلة بين الجانبين ... استطعت ان احرك المسجل ناحيتى ...
حتى اصبح فى متناول يدى ...
امسكته ...
ومسحت بثيابى مااعتلاه من قطرات الماء ...
ودخلت به ...

وبينما كنت انشفه من الداخل ... واتأكد من عدم وصول الماء خلاله ... لاحظت كون شريط الكاسيت لا يحمل اى كتابة عليه ...
استفذنى الامر كعادتى ... ودفعنى فضولى المقدس ...الى تشغيل الكاسيت ...ذلك الذى يلازمه كظله ...
كنت افكر ...
الى ما يستمع ذلك الرجل الغريب ...
الغامض ...؟!
وفى الانتظار ...

كان صمت ... وكان فراغ ...
ثم اتانى صوته ...
رقيق ... رغم الاصداء تقاطعه وتتخلله ...
عذب ... رغم تردده ...وخوفه .

منحة / خالد ...

لم تنم منحة ليلتها تلك ...
بقيت مسهدة ...
تتفكر ...فى ذلك " الافق " الذى امتد من امامها ...
بينما ظل يرن فى اذنها ... رجع الكلمات الرشيقة ...
المنمقة ...

لم تقف على وصف اوتصوير مثل هذا من ذى قبل ...
كانت مبهورة ...

لما كان الصباح ... كانت تنتظر خروجه فى شغف ...
وشوق ...
لكنه لم يظهر ... ارتابت فى الامر ...
ثم وهى تلتقط انفاسها اللاهثة من صعودها السلم ...
وقبل الطرقة المواهجة لباب شقته ...
تفكرت ان فضولها وحده ليس مسئولا عن الاتيان بها حيث هى الان ...
وعلى هذا النحو ... لا الفضول ... ولا حتى القلق الانسانى المبرر ...
والمألوف ...

مع صوت جرس الباب ... سرت فى بدنها رعدة ...
لكنها تماسكت ...
حتى فتح لها ...

تأملت لوهلة ... حضوره امامها ...
بنيانه القائم ... بشرته الداكنة ... شفاهه الغليظة وانفه الافطس ...
شعره المجعد " بدأ المشيب يطعن فى غرته " وعينيه السوداوين ...
بحر حائر فى اخر ليله ...

كان متجهما ... تعلو وجهه علامات الاعياء والتعب ...فقدمت نفسها ...وفى عجالة واضطراب شرحت ما كان منها بالامس ...
واعطته المسجل ... وشريط الكاسيت خارجه ... لم يعلق ...
وهمت هى بالانصراف ... لكنه دعاها الى الجلوس ...
واصر ...

دخلت بخطى وجلة ...
وجلست الى اقرب مقعد ... وخلال اللحظات التى تركها ليحضر كوب عصير الليمون ...تأملت المكان بعناية ...
المكتبة الصغيرة المرتبة لم يمسسها بشر منذ امد ...
والفرش والاساس يبدو جليا ان احدا لا يستخدمهم ...حتى هو ...
فاغلب الظن انه يأنس الى تلك الاريكة الى جوارها ...
وفقط ... اثره جلى بها ...
و لما عاد اليها جلس فى صمت المستريح ...الا انها قد اخذت باللوحات ...
اللوحات التى شغلت اغلب مساحات الحوائط والزوايا من حولهم ... لم تكن على درجة بالغة من الجودة ولا اتقان الحرفية ...
لكنها كانت تملك سحرا من نوع خاص ... يخطف الابصار ...
استحوذ عليها تماما ...
كانت تحدق باحداها القريبة منها ...
موج عارم ... وسماء غير صافية ... وصخور قليلة تجمعت عند الحافة ...
حيث البقايا وما انعدمت قيمته ...

وهى ترشف من العصير ... الذى اخبرها ان اخته " المتسلطة " لما عادته فى وعكته الاخيرة ...
قررت اجباره على استهلاك محصول الليمون هذا بكامله قبل زيارتها القادمة ... لاحظت توقيعه والتأريخ القديم .,..
التفتت اليها باندفاعها المعهود ....
لتسأله عن عنوان اللوحة الغامضة ...

- شط منسى ...
قال لها ذلك فى حدة بادية ... ثم صمت قليلا وهو يرقب المسجل وشريط الكاسيت على المنضدة ...
وكان يود لو قال شيئا ... هكذا احست هى فتحرجت ... لكنه عطس بقوة وبصورة كاريكاتورية غريبة للغاية ...
فلم تتمالك نفسها ...
ضحكت بشدة ... ورغم تأثره البالغ ... الا انه لم يتمالك نفسه هو الاخر ...
شاركها الضحك ...
حتى كادت ان تنقطع انفاسهما ...

خالد ... ومنحة

هل تواصلنا بالحديث ... لا يكاد ينقطع بيننا فى كل نحو واتجاه ..
ام ان صمتنا يشملنا بوصال اعم واكمل ؟
والاجواء من حولنا ... ملائمة ..
اخبرته بحيرتى فى الالتحاق باى من اقسام كليتى ...اللغة العربية ... ام الجغرافيا لاصير زميلته يوما ما ...؟
واخبرته ايضا بأننى كنت غاية فى الشقاوة وانا طفلة ...
واننى حتى حين .... ظللت العب وفقط مع الصبية فى الطريق ...
اخبرته عن الزروع فى بلدتنا ...
والطيور فى صحبتها ...
وعن جريان النهر باحضاننا ... وكيف يحدنا الجبل ...
من كل اتجاه باق ...

حدثتها عن الشوارع الطويلة اخر الليل ...وافتقاد الصديق ...
وعن مشاغبات الاحداث فى النواحى المتفرقة " من كوم الناضورة وباب 14 وحتى سوق الجمعة واول العنانى "...
وعن الضباب المصاحب لاول النهار ..

حدثتها عما لم اتعلمه من التعليم ...
وعن الحياة... تلك التى لم احيها ...

حدثتها عما لاتعرفه عنى عمتها كى تقصه عليها ...وتستمر فى تحذيرها منى ...
حدثتها عما لم اكن لاعرفه قبلها عن نفسى ...

كنا طرفى نقيض فى اغلب مناقشات افكار اللوحات الجديدة ...التى قررنا ان نضمها الى الاخرى القديمة ...ونجعل منها كتاب ...
اسمته هى " سين "
ورغم اننا كنا لا نخلص لرأى سواء ...
الا انها كانت تستمتع كثيرا بما امليه عليها من وصف ورسم ...
كذلك هو ...
كان يفرحه كونى استوقفه طويلا استنكر غموض اى من تصوراته ...
واعترض على سوداويتها ...او اصر على تعديل لمحة ما فى سياق ما يطرحه ...
ويسترسل فيه ...

لكننا اكتشفنا كوننا طرقنا ابواب الحديث حول ما قد مضى ...
وما قد يأتى ...
دون ان نلتفت كثيرا الى ما يكون فى لحظتنا الحالية ...

هل لاننا بتنا على يقين من اننا نصنعها معا ...؟
وفى هذا الكفاية والرضا ...

كانت تهتم باصغر وادق اشيائى ...تابعت امورى كلها ...
وتحملت المسئولية فى غير الزام منى ...
لو ابصرت بجلاء لوقفت على كم الفرح الذى غمر اركان بيتى ...
وفاض على اثاثه وفرشه ...
حتى احتواه ...

وكنت سعيدة بترحابه ...وهناءه بجوارى ...كالاطفال كان وانا اهيئه للخروج معى ...كنت قد حدثته اننى لا اعرف الكثير عن مناطق الاسكندرية ...الشهيرة الجميلة ...
لا اعرف سوى اسماءها التى قيلت لى دون ان ازورها ... فضحك وقال انه مثلى ...
رغم ضيقه بالبقاء فى البيت وكثرة خروجه منه ...
لم يتح الفرصة لنفسه ان يزور تلك المناطق ...

وعزمنا على اكتشاف ما نجهله سويا ... معا...

وهى تأخذ به للباب ... استوقفها ... وطلب منها السماح له بسؤال ...
وابتسمت وقد اعطته ما طلب ...
كان ما يود ان يعرفه ... هو هل هى تشعر بالاطمئنان له ...
والامان معه ...
والراحة ؟
وهو على ماهو عليه من بؤس وشقاء ... يهيم فيه بسخطه وتمرده ..
وعناءه المستديم ...

لم تجب ... فقط ... رفعت يده الى وجهها ...
تعلم انه يرى ما ارتسم بملامحها وتقاسيمها من اجله ... ان كان بالبصر ضعف ما ...
عين القلب لا تخطىء ولا تنكر بيانا ...
وهو يمرر راحته فوق جبينها ...قوس الحواجب ...والرموش الطويلة ...
وجنتيها ..."اللتين قد توردتا " والشفاه ... "التى بدأت تختلج "
كان وجلا .. حتى لمس طبع الحسن ...
فانتشى ...
واستأنف المسير ...

وهما بمحاذاة خط الترام ... اشار لاعلى عساها تنتبه ...
فلقد ذكرها وهو يبتسم بانهما نسيا المسجل فى البلكونة ...
والجو حتما سيمطر ... ذلك فعل الحقد النبيل لزوج عصافيرها الحبيس دونهما... حتى ياسمينتها تحسده على الخروج معها ...
هكذا همس بأذنها فى عذوبة وجمال ...

وهى ...
شردت قليلا ... تفكرت فيما يحدث ...
لا تدرك له اى معنى ...
احيانا يفزعها ما وقفت عليه منه ...
احيانا اخرى تغرق فى حيرة غير متناهية ...
تود لو انه لم يجعلها تعرفه هكذا ...
وتخبر امره ...
لم يكشف لها حقيقته كما يراها ...
كانت تود لو رأته لا بعينه وانما بعينها هى ...
عين العاشقة ...
نعم ...
فهى قد احبته ...
وهو ايضا قد احبها ...
واذا كان من ثمة سؤال ...
فالاجابة حاضرة ...
يكفيها انها سوف تجعله يحب حبها له ...
تماما كما سوف تحب هى حبه لها ...

صورة محمد عبد الرحمن
القسم: 
اقرأ أيضا للكاتب: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات