You are here

الصفحة الرئيسية

شارع ستالينجراد




شارع ستالينجراد
محمد عبده عباسي


 
  أحني النهار هامته لشمس بزغت ساطعة ، طاغية لم تتورع عن صب جام غضبها فوق الرؤوس ، كان " أنس" يمضي إلي جوار خالته " حلوة" تتجاذبه أصداء هزيمة منكرة إثر خسارة فريقه لكرة القدم مباراة ليلة أمس في الدورة الصيفية بهدف في الوقت بدلاً من الضائع علي يد فريق نال الفوز زوراً وبهتاناً بفضل حكم ظالم ..

 **

 ساقان مثقلتان بتعب لم يزل يذكره بتلك اللحظات الأليمة ، ورأس مثل بيت تصدع من أثر زلزال عتي ، وقلب يكتنفه الأسي والضجر

، وصدر مثل عش  طير ناوشته الرياح ، فكأنما كل السبل سدت أمامه ، أما عن حرارة يوليو فحدث ولا حرج..

  كان يمشي كمن يلفه ضباب كثيف يعمي العيون،يجوب الشوارع محدقاً في كل وجه يمتطي صاحبه ظهر دراجة عسي أن يجد فيه ضالته ، ذلك الرجل الذي سرق حلمه بالفرح وأضاع عليه سيل الهدايا بعد نجاحه في امتحان القبول للمرحلة الإعدادية بمجموع كبير كأول أبناء الأسرة الذين أحرزوا مثل هذا المجد ، ولم يحفل بهذا النجاح أحد أو زف إليه التهنئة ، بل انهالوا عليه بالتقريع بشتي صنوفه فلما حانت لحظة اقترابه من المنزل خذلته خطاه ، وطوحته المخاوف ، وضاق صدره ، وشعر بإنكسار ورأسه مدلي بين كتفيه ..

   رأي البحر فشكا إليه حاله ، ولكن أمواجه المتتابعات تحولت من حول عنقه إلي تلال أحاطت به ، وسدت رمال الشاطئ عينيه وحلقه وأذنيه ، وصوت شادية يغني في مذياع قريب مع رجل يجلس تحت مظلة ملونة :

ـ ياعيني .. ياعيني ع الولد ..

 ترقرقت الدموع في عينيه ، ومضي نحو شارع " ستالينجراد1"

رآه وقد زاد طوله عن ذي قبل ، وتحولت أسوار حدائقه إلي متاريس وتسامقت البيوت في علوها ، وجاءت أعمدة الكهرباء لتنغرز في صدره كرماح سددها فارس مغوار ، وغابت عن عينه اللوحة الزرقاء التي تحمل اسم الميدان الذي يعود إلي اسم مدينة روسية تآخت مع مدينته ووقع عبد الناصر وخروتشوف معاهدة الصداقة المصرية السوفيتية ..

  الميدان مستدير كالكعكة الحجرية لكنها بدون صخب ، ازدانت بزهور وورود ، وكانت شجرتي الصداقة اللتين زرعهما الزعيمان ملاذه وملجأه ..

  راح ينعي حظه ويتذكر حين التقت عيناه بعيني الزعيم في ومضة كالبرق ، وحين أشار إليه وحده دون الجموع ، شعر ساعتها بنصركبير في لحظة قلما جاد الزمان بمثلها ..

**

  أيقظه من الحلم الجميل بوق سيارات نقل تمضي كل منها كالنسوة الحبالي تشققن الطريق وقد حملت كل واحدة علي كتفيها أطفالها يتصايحون ويطلقون صفيراً يصم الآذان ، كانوا يزفون أثاث ومفروشات زهرة بنت ويكا تاجر " الروبابيكيا 2" ويغنون بأصواتهم الرديئة أغنيات رخيصة وثمة دراجات بخارية يقودها شباب أشبه بالسكاري وهم يتمايلون بها ويلعبون ألعاباً خطرة ..

  لكن صوت أذان صلاة العصر المنطلق بصوت الشيخ رزق أثلج صدره وأنقذه فإنطلق يعدو يلبي النداء ..

  توضأ فأسبغ علي أطرافه الماء الكثير ليطفئ وهج اللهيب المتقد في حنايا صدره ، وحين انتهي من صلاته وقف أمام القبلة يدعو ربه أن يخلصه من مأزقه ..

**

  كانت أمه كمن تقف علي جمر متقد في " التراسينا 3" تنتظر في لهفة عودته ومعه المواد التموينية التي أرسلتها خالته من الشاي والسكر والزيت و" كوبونات الجاز" ، وحين رأته وقد عاد خالي الوفاض ضربت بيدها صدرها ثم صرخت :

ـ أين .......

  ولم تكمل حتي اختطفته وهو يصعد علي درجات السلم  وانهالت عليه ضرباً ثم جلست تبكي ...

ـ أعذرني ..

  وكأنها تستسمحه ، ومن بين دموعهما المختلطة تعانقاً وراحت تمسد شعر رأسه وتحنو عليه ، قال لها :

ـ ألم يأت الرجل ؟

ـ أي رجل ؟

ـ الرجل الذي حمل الأشياء عني لتوصيلها علي دراجته ..

  هزت رأسها ، وخفضت من نظراتها ، وقد بلغها المعني :

ـ هو إذن لص !

ولم ترد ..

**

  في الصباح كانت أمه قد أذنت له بأن يمضي للسباحة  في مياه البحر شريطة أن ينفذ طلبها بالذهاب مع خالته " حلوة" إلي البقال التمويني ، لم يمانع ..

   كان الصباح عفياً بشمسه التي لا ترحم لكن البحر كان ناعماً مسترخياً يهدهد الكبار والصغار في ساعة البكور ، لا موج يصطخب ولا رياح تشاكس ، يشبه حصيرة زرقاء امتدت أمامه فراح يمارس هوايته في استمتاع ..

  وعاد إلي المنزل ليزيل ما علق بجسده من أملاح البحر ، وارتدي ثياباً صيفية محببة إلي نفسه ومضي مع خالته ، وهي تشرح له معاني أسماء الشوارع ، وتدله علي بيوت الأقارب :

ـ هذا بيت خالي الحاج شوق ، وهذا بيت عمك الأباصيري ..

**

ـ السلام عليكم يا حاج أحمد ..

 قالت خالته ، تمتم الرجل ذي الطربوش الأحمر الرابض فوق هضاب من أجولة السكر وصناديق الشاي وصفائح السمن :

ـ وعليك ...

  حفر بالقلم " الكوبيا" طلاسم لا أحد يعرف فحواها غيره في مربعات بصفحة البطاقة التموينية ، وقام دسوقي بإحضار المقررات علي عجل :

ـ مع السلامة ..

  وأخذ الرجل الطاعن في السن يعد النقود بتأن بالغ وهو يلاطف شعر ذقنه تارة ويحك قفاه تارة أخري ، ودسوقي يحمل المواد التموينية إلي " أتوبيس عبد ربه والجزار " الذي سيحمل الصبي إلي البيت بإمتداد شارع كسري :

ـ مع السلامة يا "أنس" ..

  وأنقدت خالته المحصل ثمن التذكرة ، وقالت مودعة :

ـ دعه يصل عند شارع " اللنش"..

قال مصححاً :

ـ لقد صار اسمه شارع " ستالينجراد"..

  **

انطلق الأتوبيس يشق طريقه مروراً بشوارع عرضية ، والصبي يقرأ بعشق لافتات المحال التي خطتها فرشاة الفنان " طه شحاته4 " سارحاً في عالمه حتي أفاق علي صوت المحصل يخرجه من استغراقه :

ـ شارع ستالينجراد يا سي أنس ...

  وحط عنه الرجل المواد التموينية تحت الشجرة " الجازورينا"

علي الرصيف المقابل :

ـ أعانك الله علي حملها ..

 نظر أنس  من حوله فلم يجد أحداً من أقرانه ليساعده علي حملها

وعلي حين غرة برز وجه قبيح لرجل يبتسم ابتسامة الثعلب :

ـ أهلاً سي أنس ، هل تسمح لي بمساعدتك ؟

  كان الرجل أكرت الشعر ، مفلطح الأنف يمج من فمه دخاناً كثيفاً ، قال :

ـ دع الأمر لي ، سأحمل الأشياء عنك يا سي أنس لأنها ستثقل كاهلك ..

ـ لماذا ؟

ـ اطمئن ، أنا أعرف أخوتك جميعاً ..

ـ لكن ..

قاطعه :

ـ لي مطلب وحيد هو أن تصعد للطابق الأخير في هذا المبني لتخبر صديقي محمود بأنني انتظره هنا ..

ـ لكن ..

عاد لمقاطعته :

ـ لقد بُح صوتي من كثرة النداء ، ولكن لا حياة لمن تنادي..

  جري أنس يقطع الدرجات وثباً ، دق الباب ، فوجئ بالعروس التي حضر حفل زفافها في الأسبوع الماضي ، سألته متعجبة وهي تظن أنه جاء يهنئها بالزفاف :

ـ جئت وحدك ، أين أمك ؟

ـ دع محموداً يرد علي الرجل ..

  قالت وهي تلملم قميصها الأبيض الشفاف :

ـ أي رجل ، وأي محمود ، العريس اسمه ....

  ولم يدعها تكمل ، وجري يسابقها نحو الشرفة وهي تكاد أن تتعثر ، أشار :

ـ ها هـ ..........

  وانحبس صوته ، فلا الرجل بان ، ولا الأشياء التي تحت الشجرة كانت موجودة وخلا الشارع تماماً من المارين ، قالت تخفف عنه الصدمة بعد أن أدركت الموقف  :

ـ الآن دعك من الأمر ، ربما هو رجل طيب حاول مساعدتك ، حتماً سيحمل الأشياء إلي إلي أمك ، لا بأس  ..

  تشابكت أشجار الشارع كلها لتنشب مخالبها في وجهه تخمشه كأظافر القطط ، شعر بالدم يسيل علي جبهته ووجنتيه ، ولكن اليد الناعمة للعروس أخذت تمسح عنه العرق الذي تفصد علي جبينه وتقدم له كوباً من العصير المثلج ، ومنحته العروس قبلة علي جبهته وملأت  جيوبه بقطع الشيكولاتة ، وضمته إلي صدرها :

ـ أريد أن أطمئن عليك ..

  انسحب يجرجر هزيمته مخذولاً، فلم تخفف كلمات العروس من وطأة الألم ، ولا أضاعت الشيكولاتة طعم المرارة من فمه ..

**

ـ لقد أفسدتك خالتك بتدليلها ، كانت تردد دوماً لقد أنجبت رجلاً يا عائشة ، تعالي يا حلوة لترين هذا المسخ الذي لا يعرف كيف يحافظ علي الأشياء ، إنه فتي أبله..

  وراحت توثق رجليه بالحبال ، وهي تؤكد له أن عقاب أبيه سيكون أشد ..

  وقبل غروب الشمس جاءت العمة " جنة" لتناول فنجان قهوتها مع ابنة أخيها كعادتها كل أصيل ، سألتها عن زوجها ثم قالت :

ـ أين أنس يا عائشة ؟

  وراوغتها الأم وحكت لها قصة زواج معاطي من مرزوقة بنت وطنية التي أنجبت له خمس من البنات وكان حفل زفاف إحداهن مضرباً للأمثال ، وحين فتح الله علي معاطي وأصبح من أثرياء المدينة تزوج عليها امرأة ريفية لتنجب له الولد  :

ـ أين الأمير أنس ، قلبي في لهفة عليه ؟

  صرخت العمة في الأم التي انشغلت الأم بقطف أوراق الملوخية

من عيدانها ، قالت بلسان معوج :

ـ إنه هناك ، لقد أضاع المقررات التموينية هل تروقك فعلته ؟..

  ألجمت المفاجأة العمة حين رأت الأمير يبكي وهو موثوق بالحبال ، راحت تفكها بحنو حتي لا تخدش جلده :

ـ لا شئ يهم ، كل شئ فداء لك ..

وراحت تنادي :

ـ أين حلوي النجاح يا عائشة ؟

  وأخرجت من صدرها نقوداً دستها في جيبه ثم همست في أذنه :

ـ إذهب الآن إلي سعاد حسني في السينما ، إنها تنتظرك ، لكن قل لي لماذا ذهبت إلي العروس؟

ـ أي عروس ؟

ـ سلوي ، إنها جميلة ، سأزوجك بأجمل منها حين تصير شاباً وسأدفع عنك المهر ..

ـ لقد صرت شاباً ، وسأدفع مهري بنفسي ..

**

  مر عام وأنس يطير طائرته الورقية التي صنعها بيديه ويقف فوق مدخل المنزل في سعادة بالغة ،وإذ به يصرخ ، وهو يقفز من علٍ :

ـ اللص ، اللص ، أمسكوا به  ..

  اجتمع الأصحاب من كل حدب وصوب ، رأوا جبهة أنس يسيل منها الدم بغزارة بعد أن قفز من فوق المدخل فاصطدمت بمقود دراجة الرجل :

ـ إنه اللص ، إنه اللص..

تناهت الأصوات لأذني أبيه فهرول مسرعاً يستطلع الأمر فهاله أن رأي رجلاً مطروحاً علي الأرض يستغيث به ، والصبية يشتركون في تحطيم دراجته :

ـ ساعدني ياعماه ..

ـ لا عليك ، قم ..

  وامتدت يده تساعد الرجل ، وباليد الأخري ضم أنس ليتولي مسح جراحه ثم نادي علي " العجلاتي" :

ـ خذ هذه ، أعدها إلي حالتها الأولي ، ولا تأخذ منه أجراً ، سأدفع لك الثمن ..

  وشد علي ذراع الرجل ، ودعا له بعصير ليمون مثلج ونفحه مبلغاً من المال :

ـ لا عليك ، امض إلي حال سبيلك ، لقد سامحتك ..

وربت علي كتفه مودعاً ، ونادي في الصبيان أن ينصرفوا ، قال رجل لآخر:

ـ ظننت أنه سيلقنه درساً لن ينساه ، فإذ به يكرمه ..

**

  ولم يزل الجرح غائراً عند حاجب أنس ، ولا زال الناس في شارع " ستالينجراد" يروون الحكاية علي سبيل المزاح أو الشماتة ..

لا فرق..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ شارع ستالينجراد : يقع في قلب حي المناخ ، حمل اسم مدينة روسية وبعد انهيار الإتحاد السوفيتي عاد لها اسمها القديم " سان بطرسبرج ".

2 ـ تاجر الروبابيكيا : اسم يطلق علي تجار الأدوات المستعملة والقديمة .

3ـ التراسينا : لفظة أصلها كلمة " تراس" تطلق علي شرفات البيوت  أو البلكونات .

4ـ طه شحاته : خطاط ورسام تلقائي حمل لقب " الرسيم " لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة ، كان يكتب لأفتات المحال ويرسم علي جدران البيوت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

 محمد عبده العباسي

بورسعيد ـ مصر

صورة محمد عبده العباسي
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات