You are here
شاعرية الموت

شاعرية الموت
صور الموت الحديثة والطرق التي نحزن بها
ساندرا إم جيلبرت
مصطفى محمود
يمكننا القول بأنه لم توجد حضارة تخلو من كل من الموت والشعر. فهذان المعلمان الثقافيان اللذان يمثل أحدهما زوال الحياة الفردية وآنيتها، ويمثل الآخر خلود الفن، قد ساعدا في تعريف الحضارات عبر التاريخ والجغرافيا. فالموت والشعر في واقع الحال يعرضان لنوع من التوافق، فالشعر هو كل من رد الفعل للألم وفي الوقت نفسه هو نابع من الألم والأسى لعملية الحزن التي يطرحها هذا الرمز، الذي قال عنه الشاعر الأمريكي الحداثي "والاس ستيفنز": إن الموت في الحقيقة هو أبو الجمال.
لكن لماذا توجد هذه العلاقة الوثيقة فيما بين الموت والشعر؟ وماذا عن الشعر الذي يكون هو الوسيلة الفعالة للتعبير عن الحزن وتحديه؟ ربما تكمن الإجابة في قدرة الشعر على إضفاء بنية الشكل والمعنى على الإحساس البدائي بالموت الذي يبدو متسعاً بلا حدود. فيمكن لضغط العاطفة المدمرة كلها في مقياس منظم مثل بحر خماسي التفعيلة أن يقدم درجة معينة من التحكم والقوة في وقت الضعف الشديد. وربما يعمل الشعر بكل تقاليده الشكلية كمصفاة يتسنى من خلالها التخفيف من كثافة مشاعر الحزن والمعاناة، أو كمنشور ضوئي يأخذ مشاعر اليأس وأفكاره ويدمجها ليعكسها في شكل موحد له مغزى.
لكن ما هو في الحقيقة هذا الشيء المتعلق بالموت نفسه الذي يجعله من قبيل المفارقة مثل هذه الأرضية الخصبة لاحتضان العمل الإبداعي لمعظم حياة الجنس البشري؟ ولماذا يزودنا الموت غالباً بالمدخل الذي من خلاله ننفذ بكل قلوبنا إلى العملية التخيلية؟ فربما يحدث ذلك لأننا حينما نصطدم بفقد مفاجئ لعزيز نحبه، نكون مجبرين على مواجهة حقيقة أن الموت قضية غير اختيارية، وأنها ستأتي يوماً ما لتطالب بحياة المرء نفسه. فنحن من المفترض أن نواجه بدرونا القضية التخيلية القاسية ـ كيف ستكون النهاية ـ التي تلازمنا جميعاً. وأياً ما كان المرء يسميه انتقال من الذات إلى وضع آخر ـ كلمات تستحق الرثاء، أو الحس الأخلاقي لآدم سميث، أو ببساطة عمل من أعمال التخيل ـ فمن الواضح أنه يكمن في قلب الإبداع الشعري. فالموت يبعث الشعر لأنه يثير الخيال، أحياناً يتعاطف معه وأحياناً أخرى يروعه، لكن دائماً ما تكون قوته طاغية.
وفي دراستها الجديدة المؤثرة، "باب الموت: صور الموت الحديثة والطرق التي نحزن بها"، تبحث "ساندرا جيلبرت" الشاعرة وبروفيسورة الإنجليزية بجامعة كاليفورنيا ـ دافيس، هذه العلاقة المعقدة والساحرة التي ميزت المجتمع الإنساني منذ زمن سحيق. وكيف أن أحداث القرن العشرين قد غيرت بصورة أساسية كلا الأمرين: كيف ننظر إلى الموت ونتصور الاحتضار، كيف نحزن ونتأثر؟ وتزعم "جيلبرت" أنه بينما قد يبدو الموت هو الحقيقة الثابتة في الوجود، فإنه في واقع الحال يتأثر تأثراً عميقاً ويتغير من خلال التاريخ والصخب الجاري للأحداث والفلسفات. وكما تقول: "ميتات القادة والشخصيات ذات الجاذبية الآسرة، انحلال الأفكار القديمة، هدم العادات البالية، تفكيك الهياكل الاجتماعية العتيقة ـ كل هذه العمليات للهدم والتدمير في الماضي هي التي تجهز وتشكل التحولات الثقافية التي نسميها تاريخ، حتى لو كنا بشكل ما نسمي التاريخ الذي تؤدي إليه بالحداثة والأفكار الخاصة بها عن الموت". وفي كل صياغة للشاعر الإنجليزي "جون كيتس"، الموت يصنع التاريخ والتاريخ يصنع الموت. لكن هذا ليس كل ما نعرفه أو نحتاج إلى أن نعرفه، ويمضي كتاب "جيلبرت" ليفحص على وجه الدقة كيف حول التاريخ الموت في العالم الحديث، وما الذي يعنيه هذا التبدل الواحد في إدراك الموت لثقافتنا الخاصة والشعر الذي تفرزه.
وبالنسبة إلى "جيلبرت" فإن المفتاح لفهم التفاوتات الشاسعة بين الحداد في الصورة الحديثة وما سبقه في الحداد المسيحي السائد، يكمن في الانتقال من رؤية الموت على أنه "انقضاء" إلى تصوره على أنه "نهاية". وتشرح "جيلبرت" بالكشف عن التعريفات المستخدمة على نطاق واسع وتتطابق تماماً مع التحديد الدقيق لكلماتها: "وبسبب أن كلمة (انقضى) لها جذور في الكلمة اللاتينية (spiritus) وتعني (النَفَس)، وهي الكلمة التي ينبع منها مفهومنا عن الروح، فهي تعني كل من (يلفظ النَفَس) و(يلفظ النَفَس الأخير)، لكنها تتضمن أيضاً (أن يلفظ أو يخرج الروح أو النفْس)". فكلمة "ينقضي" تعني أن تطلق المبدأ الحيوي أو مصدر الحياة، وأن تحرره من القيود الاستثنائية التي تكبله بالغلاف الهالك، وأن تسمح له بحرية التحرك نحو الخلاص. إذن "الانقضاء"، حتى على المستوى الإتيمولوجي "أصول الكلمات"، هو مفهوم تكليفي روحاني، ورؤية للموت تؤكد رجوع الحياة بدلاً من المفهوم الحديث بانتهاء الحياة. وعلى النقيض من ذلك تأتي كلمة "الانتهاء" كما تخبرنا "جيلبرت"، إذ إنها "ترجع إلى الكلمة اللاتينية (terminus) بمعنى النهاية أو الحد، وتعني ببساطة أن تصل إلى (الانتهاء) أو (أن تصل إلى نهاية في الزمن). وحيث يتحدث "الانقضاء" عن تحرير وبعث رقيق، فإن "الانتهاء" يشير إلى نهاية عنيفة ومؤلمة. فـ"الانقضاء" هو إشارة محذوفة إلى مستقبل ضبابي لكنه سيأتي؛ بينما "الانتهاء" هو توقف نهائي، غير وجداني قاسٍ، وفوق كل شيء آخر نهائي.
وتتجنب "جيلبرت"، بامتنان، الإغراء بأن تعلن التحول التدريجي والتطور التاريخي والأدبي إلى الخط الثابت الواضح للتفرقة. فليس الأمر هو أن رؤية الشعراء قبل القرن العشرين للموت كانت رؤية فريدة كنوع من الخير والراحة، أو أن شعراء القرن العشرين بمفردهم رأوا الموت في حقيقته الباردة القاسية. فالشاعرة الأمريكية "إميلي ديكنسون" على سبيل المثال في سخريتها المراوغة وتفريغ المعنى، توضح بدقة أن الموت لم يكن سهلاً جداً، وأنه قد استوعِب كلياً في وعي القرن التاسع عشر؛ وبالمثل فإن شعر 11/9 بحث عن نوع ما من الراحة الروحية في أعقاب هذه المأساة الإنسانية. إن التغير من "الانقضاء" إلى "الانتهاء" قد جرى قياسه بالخطوة وتقدم من خلال نوبات واندفاعات. إلا أنه تغير، وهو الأمر المؤكد في تطور شعر الرثاء، وهو التطور الذي يُحسب له بالأحداث التاريخية والفلسفية التي جعلته ممكناً.
فإذا كان القرن العشرين قد غير بصورة أساسية في كيفية تفكيرنا عن الموت، وثبت بشكل جوهري "الانتهاء" باعتباره الشكل الوحيد الصحيح لفهمه، فكيف حدث مثل هذا التحول؟ تتوصل "جيلبرت" إلى أن تجريد قوى التاريخ الحديث والثقافة الجديدة يقع في القلب تماماً من تبدل النموذج. فالحرب العالمية الأولى مع إحلالها لنموذج الحرب طويلة المدى وميادين المعارك البعيدة الممتدة كأنفاق الجرذان وأكوام الجثث؛ والحرب العالمية الثانية مع تقنياتها العلمية الدقيقة للإبادة في معسكرات الاعتقال والأشباح التي تلوح للقنبلة الذرية؛ والظهور المفاجئ لوباء الإيدز الذي خرب المدن من الداخل والقارة الأفريقية؛ كل ذلك قد غير جذرياً في الكيفية التي ننظر ونفكر بها في الموت والاحتضار. وفي عالم يكون فيه الموت وسيلة متقنة ومعرفة علمية مسخرة بمهارة لاستخدام القوة الغاشمة، فما المساحة التي يمكن أن يحتلها الموت الروحي في الصورة المثالية؟ فلم يعد الموت هو المنطقة الخاصة بالروحانية، بل إنه تراجع عنها إلى الجسدية والجثث والجسامين التي تحل مكان الروح كرمز أساسي يدل على الرحيل. إن الموت لم يعد الأراضي الشكسبيرية غير المكتشفة؛ فنحن مطلعين على سره المرعب باتساع حدوده، وشهدنا برودته؛ وممارساته الغادرة.
ولا تعتمد "جيلبرت" ببساطة على غموض الكلمة من أجل إثبات هذا التحول التاريخي للموت والاحتضار. فبدلاً من ذلك تكون دراستها خليط حقيقي من النظم المختلفة التي من خلالها تتأمل الثقافة والفن لتثبت فرضيتها ـ الانثربولوجيا والصور الفوتوغرافية والتاريخ والسير الذاتية وعلم النفس، وبطبيعة الحال الشعر. فعملها واسع المدى، فكل فرع عالجته أوجدت له مساحة لم تكن مفتعلة ولا مقحمة. وعلى الرغم من أنها لم تتدرب رسمياً كناقدة للتصوير الفوتوغرافي، إلا أن تركيز "جيلبرت" على أشكال هذا الفن في التحول في كيفية رؤية الموت كان تركيزاً حاداً. فهي تستشهد بأقوال "سوزانا سونتاج" (روائية أمريكية) و"رولان بارت" (فيلسوف فرنسي) بسهولة وفهم، وتصور بدقة كيف ساعدت الصور على التحول من "اعتبار" الراحلين مبجلين وجديرين حتى بالرثاء، إلى "نظرة" موضوعية باردة على جثث، استأصل منها كل الآثار الدينية الباقية والانفعالات العاطفية. وحينما بدأت مشروعها بالفقد المؤلم لزوجها، فإن "جيلبرت" أخذت تنثر بانفعال الذكريات في كل مكان، في أحيان باستخدام ذكريات مميزة ومؤثرة لتضيف الخفة واللمسة الإنسانية لكتاب تظلله برودة الموت، وفي أحيان أخرى تستغل حزنها الشخصي لتعظيم ما عرفه الشعراء الآخرون بأنه الخبرات الأساسية للحداد. إن مثل هذا التنظيم السريع لطرق الدراسة ومجالاتها ربما كان يمكن أن تحدث بلبلة عند مفكر أضعف، لكن "جيلبرت" تتجنب التوهان في المصطلحات الفنية أو التفاصيل الدقيقة. فهي قادرة على أن تسير بمادتها إلى حجج مترابطة عن طريق الرجوع المستمر للماضي وتأمل التفرقة المركزية فيما بين "الانقضاء" و"الانتهاء".
فإذا كان استخدامها للمصادر متواصلاً، ممتنعاً عن الثبات عند نظام معين أو منطقة محددة للبحث، إذن يكون أسلوبها الشعري متجذراً بقوة ليجد صوته المميز في ماضي "جيلبرت" كشاعرة. فالتحول في صياغاتها هو بالفعل تحول شعري بليغ، مؤلم، أصيل. ومثل كل الشعراء الجيدين، تعتمد التناقضات وإعادة التكيف، فتربك القارئ وتجبره على أن يكون وجهة نظر جديدة على ما يبدو أنه موضوع ثابت. ولكن علاوة على أي شيء آخر، فإن "جيلبرت" تكشف عن ماضيها الشعري في حبها الصادق للكلمات. فهذا الحب عميق وأساسي وتقريباً ملموس. إنها تستمتع استمتاعاً شديداً من اللعب بالكلمات ـ تعالجها وتختبر أبعادها وتسكن في الفجوة الواقعة بين معانيها. ومن الواضح أن "جيلبرت" معجبة بشعر "سيلفيا بلاث" وملبوسة به، الفنانة المعذبة كتجسيد مشوه للحزن الأكاديمي. فمن المناسب إذن فقط أن نرجع السبب في تأثر "جيلبرت" إلى حد بعيد بـ"بلاث" إلى اهتمامها بأصول الكلمات. فبمجرد أن تنقب عن جذور كلمتي "إنقضاء" و"انتهاء"، فإنها تحفر في أصول كلمة "أرملة"، لتجد في جذورها الكلمة الفرنسية "vide"، بمعنى "فراغ"، في إشارة إلى العدم المرعب الملازم لوجود الأرملة في أعين المجتمع. إن "جيلبرت" لديها احترام الشاعر لتجذر كل اللغات. وهي تزاوج هذا مع القدرة الداخلية على تعديل المنظور التقليدي للقارئ، وهو ما حدث للأسلوب النثري الذي هو أحد أوجه القوة في عملها.
وفي النهاية عموماً، بعد أن تبحث "جيلبرت بشاعات القرن الماضي والتبدل الزلزالي في المفهوم الناشئ، تستدير لتعود إلى سؤالنا الأصلي: ما هو السبب النهائي في أن الموت في الغالب يثير الشعر؟ وبعد كل شيء، فإن "باب الموت"، العمل الذي يفيض بالشعر ويموج بالعملية الشعرية، قد فجره أيضاً موت حبيب والحزن الناجم عنه. إن "جيلبرت" تجد أسباباً كثيرة لتشرح هذه الظاهرة. فمن خلال الشعر، نحن نحاول أن نكتب، كما تزعم، لنضفي منظورنا الشخصي في عملية تتركنا في أغلب الأحوال نشعر بالوهن الشديد، ونعيد كتابة الماضي الذي غالباً ما يكون مؤلماً جداً ومستعصياً على الاستيعاب. وفيما وراء إعادة الكتابة هذه، فنحن نربح فرصة أخيرة لنهمس إلى الموتى من خلال الشعر، ولنستشعر روحهم، ولنستمع مأخوذين إلى أصواتهم الساحرة. وعلاوة على كل شيء فإن "جيلبرت" تجادل بأن الشعر يجعلنا شاهدين على الموت، الصوت الذي ينادي بحقيقة الموت والألم الناجم عنه. ومن خلال إعلان حزننا، فنحن في طريقنا لجعل الحزن حقيقة، والتحدث بها إلى الوجود، ونواجه الألم بدلاً من أن نتخفى منه. فهذا كما تحرص "جيلبرت" أن تقول، هو مهمة نبيلة تساعدنا حينما يتأرجح الموت عند بابنا في عنف ويقتحمه فجأة في مواجهتنا. وهو الأمر الذي ربما يكون ضاغطاً بشدة ليسأل عن شهادة أكثر قوة من "جيلبرت" نفسها.
لكن لماذا توجد هذه العلاقة الوثيقة فيما بين الموت والشعر؟ وماذا عن الشعر الذي يكون هو الوسيلة الفعالة للتعبير عن الحزن وتحديه؟ ربما تكمن الإجابة في قدرة الشعر على إضفاء بنية الشكل والمعنى على الإحساس البدائي بالموت الذي يبدو متسعاً بلا حدود. فيمكن لضغط العاطفة المدمرة كلها في مقياس منظم مثل بحر خماسي التفعيلة أن يقدم درجة معينة من التحكم والقوة في وقت الضعف الشديد. وربما يعمل الشعر بكل تقاليده الشكلية كمصفاة يتسنى من خلالها التخفيف من كثافة مشاعر الحزن والمعاناة، أو كمنشور ضوئي يأخذ مشاعر اليأس وأفكاره ويدمجها ليعكسها في شكل موحد له مغزى.
لكن ما هو في الحقيقة هذا الشيء المتعلق بالموت نفسه الذي يجعله من قبيل المفارقة مثل هذه الأرضية الخصبة لاحتضان العمل الإبداعي لمعظم حياة الجنس البشري؟ ولماذا يزودنا الموت غالباً بالمدخل الذي من خلاله ننفذ بكل قلوبنا إلى العملية التخيلية؟ فربما يحدث ذلك لأننا حينما نصطدم بفقد مفاجئ لعزيز نحبه، نكون مجبرين على مواجهة حقيقة أن الموت قضية غير اختيارية، وأنها ستأتي يوماً ما لتطالب بحياة المرء نفسه. فنحن من المفترض أن نواجه بدرونا القضية التخيلية القاسية ـ كيف ستكون النهاية ـ التي تلازمنا جميعاً. وأياً ما كان المرء يسميه انتقال من الذات إلى وضع آخر ـ كلمات تستحق الرثاء، أو الحس الأخلاقي لآدم سميث، أو ببساطة عمل من أعمال التخيل ـ فمن الواضح أنه يكمن في قلب الإبداع الشعري. فالموت يبعث الشعر لأنه يثير الخيال، أحياناً يتعاطف معه وأحياناً أخرى يروعه، لكن دائماً ما تكون قوته طاغية.
وفي دراستها الجديدة المؤثرة، "باب الموت: صور الموت الحديثة والطرق التي نحزن بها"، تبحث "ساندرا جيلبرت" الشاعرة وبروفيسورة الإنجليزية بجامعة كاليفورنيا ـ دافيس، هذه العلاقة المعقدة والساحرة التي ميزت المجتمع الإنساني منذ زمن سحيق. وكيف أن أحداث القرن العشرين قد غيرت بصورة أساسية كلا الأمرين: كيف ننظر إلى الموت ونتصور الاحتضار، كيف نحزن ونتأثر؟ وتزعم "جيلبرت" أنه بينما قد يبدو الموت هو الحقيقة الثابتة في الوجود، فإنه في واقع الحال يتأثر تأثراً عميقاً ويتغير من خلال التاريخ والصخب الجاري للأحداث والفلسفات. وكما تقول: "ميتات القادة والشخصيات ذات الجاذبية الآسرة، انحلال الأفكار القديمة، هدم العادات البالية، تفكيك الهياكل الاجتماعية العتيقة ـ كل هذه العمليات للهدم والتدمير في الماضي هي التي تجهز وتشكل التحولات الثقافية التي نسميها تاريخ، حتى لو كنا بشكل ما نسمي التاريخ الذي تؤدي إليه بالحداثة والأفكار الخاصة بها عن الموت". وفي كل صياغة للشاعر الإنجليزي "جون كيتس"، الموت يصنع التاريخ والتاريخ يصنع الموت. لكن هذا ليس كل ما نعرفه أو نحتاج إلى أن نعرفه، ويمضي كتاب "جيلبرت" ليفحص على وجه الدقة كيف حول التاريخ الموت في العالم الحديث، وما الذي يعنيه هذا التبدل الواحد في إدراك الموت لثقافتنا الخاصة والشعر الذي تفرزه.
وبالنسبة إلى "جيلبرت" فإن المفتاح لفهم التفاوتات الشاسعة بين الحداد في الصورة الحديثة وما سبقه في الحداد المسيحي السائد، يكمن في الانتقال من رؤية الموت على أنه "انقضاء" إلى تصوره على أنه "نهاية". وتشرح "جيلبرت" بالكشف عن التعريفات المستخدمة على نطاق واسع وتتطابق تماماً مع التحديد الدقيق لكلماتها: "وبسبب أن كلمة (انقضى) لها جذور في الكلمة اللاتينية (spiritus) وتعني (النَفَس)، وهي الكلمة التي ينبع منها مفهومنا عن الروح، فهي تعني كل من (يلفظ النَفَس) و(يلفظ النَفَس الأخير)، لكنها تتضمن أيضاً (أن يلفظ أو يخرج الروح أو النفْس)". فكلمة "ينقضي" تعني أن تطلق المبدأ الحيوي أو مصدر الحياة، وأن تحرره من القيود الاستثنائية التي تكبله بالغلاف الهالك، وأن تسمح له بحرية التحرك نحو الخلاص. إذن "الانقضاء"، حتى على المستوى الإتيمولوجي "أصول الكلمات"، هو مفهوم تكليفي روحاني، ورؤية للموت تؤكد رجوع الحياة بدلاً من المفهوم الحديث بانتهاء الحياة. وعلى النقيض من ذلك تأتي كلمة "الانتهاء" كما تخبرنا "جيلبرت"، إذ إنها "ترجع إلى الكلمة اللاتينية (terminus) بمعنى النهاية أو الحد، وتعني ببساطة أن تصل إلى (الانتهاء) أو (أن تصل إلى نهاية في الزمن). وحيث يتحدث "الانقضاء" عن تحرير وبعث رقيق، فإن "الانتهاء" يشير إلى نهاية عنيفة ومؤلمة. فـ"الانقضاء" هو إشارة محذوفة إلى مستقبل ضبابي لكنه سيأتي؛ بينما "الانتهاء" هو توقف نهائي، غير وجداني قاسٍ، وفوق كل شيء آخر نهائي.
وتتجنب "جيلبرت"، بامتنان، الإغراء بأن تعلن التحول التدريجي والتطور التاريخي والأدبي إلى الخط الثابت الواضح للتفرقة. فليس الأمر هو أن رؤية الشعراء قبل القرن العشرين للموت كانت رؤية فريدة كنوع من الخير والراحة، أو أن شعراء القرن العشرين بمفردهم رأوا الموت في حقيقته الباردة القاسية. فالشاعرة الأمريكية "إميلي ديكنسون" على سبيل المثال في سخريتها المراوغة وتفريغ المعنى، توضح بدقة أن الموت لم يكن سهلاً جداً، وأنه قد استوعِب كلياً في وعي القرن التاسع عشر؛ وبالمثل فإن شعر 11/9 بحث عن نوع ما من الراحة الروحية في أعقاب هذه المأساة الإنسانية. إن التغير من "الانقضاء" إلى "الانتهاء" قد جرى قياسه بالخطوة وتقدم من خلال نوبات واندفاعات. إلا أنه تغير، وهو الأمر المؤكد في تطور شعر الرثاء، وهو التطور الذي يُحسب له بالأحداث التاريخية والفلسفية التي جعلته ممكناً.
فإذا كان القرن العشرين قد غير بصورة أساسية في كيفية تفكيرنا عن الموت، وثبت بشكل جوهري "الانتهاء" باعتباره الشكل الوحيد الصحيح لفهمه، فكيف حدث مثل هذا التحول؟ تتوصل "جيلبرت" إلى أن تجريد قوى التاريخ الحديث والثقافة الجديدة يقع في القلب تماماً من تبدل النموذج. فالحرب العالمية الأولى مع إحلالها لنموذج الحرب طويلة المدى وميادين المعارك البعيدة الممتدة كأنفاق الجرذان وأكوام الجثث؛ والحرب العالمية الثانية مع تقنياتها العلمية الدقيقة للإبادة في معسكرات الاعتقال والأشباح التي تلوح للقنبلة الذرية؛ والظهور المفاجئ لوباء الإيدز الذي خرب المدن من الداخل والقارة الأفريقية؛ كل ذلك قد غير جذرياً في الكيفية التي ننظر ونفكر بها في الموت والاحتضار. وفي عالم يكون فيه الموت وسيلة متقنة ومعرفة علمية مسخرة بمهارة لاستخدام القوة الغاشمة، فما المساحة التي يمكن أن يحتلها الموت الروحي في الصورة المثالية؟ فلم يعد الموت هو المنطقة الخاصة بالروحانية، بل إنه تراجع عنها إلى الجسدية والجثث والجسامين التي تحل مكان الروح كرمز أساسي يدل على الرحيل. إن الموت لم يعد الأراضي الشكسبيرية غير المكتشفة؛ فنحن مطلعين على سره المرعب باتساع حدوده، وشهدنا برودته؛ وممارساته الغادرة.
ولا تعتمد "جيلبرت" ببساطة على غموض الكلمة من أجل إثبات هذا التحول التاريخي للموت والاحتضار. فبدلاً من ذلك تكون دراستها خليط حقيقي من النظم المختلفة التي من خلالها تتأمل الثقافة والفن لتثبت فرضيتها ـ الانثربولوجيا والصور الفوتوغرافية والتاريخ والسير الذاتية وعلم النفس، وبطبيعة الحال الشعر. فعملها واسع المدى، فكل فرع عالجته أوجدت له مساحة لم تكن مفتعلة ولا مقحمة. وعلى الرغم من أنها لم تتدرب رسمياً كناقدة للتصوير الفوتوغرافي، إلا أن تركيز "جيلبرت" على أشكال هذا الفن في التحول في كيفية رؤية الموت كان تركيزاً حاداً. فهي تستشهد بأقوال "سوزانا سونتاج" (روائية أمريكية) و"رولان بارت" (فيلسوف فرنسي) بسهولة وفهم، وتصور بدقة كيف ساعدت الصور على التحول من "اعتبار" الراحلين مبجلين وجديرين حتى بالرثاء، إلى "نظرة" موضوعية باردة على جثث، استأصل منها كل الآثار الدينية الباقية والانفعالات العاطفية. وحينما بدأت مشروعها بالفقد المؤلم لزوجها، فإن "جيلبرت" أخذت تنثر بانفعال الذكريات في كل مكان، في أحيان باستخدام ذكريات مميزة ومؤثرة لتضيف الخفة واللمسة الإنسانية لكتاب تظلله برودة الموت، وفي أحيان أخرى تستغل حزنها الشخصي لتعظيم ما عرفه الشعراء الآخرون بأنه الخبرات الأساسية للحداد. إن مثل هذا التنظيم السريع لطرق الدراسة ومجالاتها ربما كان يمكن أن تحدث بلبلة عند مفكر أضعف، لكن "جيلبرت" تتجنب التوهان في المصطلحات الفنية أو التفاصيل الدقيقة. فهي قادرة على أن تسير بمادتها إلى حجج مترابطة عن طريق الرجوع المستمر للماضي وتأمل التفرقة المركزية فيما بين "الانقضاء" و"الانتهاء".
فإذا كان استخدامها للمصادر متواصلاً، ممتنعاً عن الثبات عند نظام معين أو منطقة محددة للبحث، إذن يكون أسلوبها الشعري متجذراً بقوة ليجد صوته المميز في ماضي "جيلبرت" كشاعرة. فالتحول في صياغاتها هو بالفعل تحول شعري بليغ، مؤلم، أصيل. ومثل كل الشعراء الجيدين، تعتمد التناقضات وإعادة التكيف، فتربك القارئ وتجبره على أن يكون وجهة نظر جديدة على ما يبدو أنه موضوع ثابت. ولكن علاوة على أي شيء آخر، فإن "جيلبرت" تكشف عن ماضيها الشعري في حبها الصادق للكلمات. فهذا الحب عميق وأساسي وتقريباً ملموس. إنها تستمتع استمتاعاً شديداً من اللعب بالكلمات ـ تعالجها وتختبر أبعادها وتسكن في الفجوة الواقعة بين معانيها. ومن الواضح أن "جيلبرت" معجبة بشعر "سيلفيا بلاث" وملبوسة به، الفنانة المعذبة كتجسيد مشوه للحزن الأكاديمي. فمن المناسب إذن فقط أن نرجع السبب في تأثر "جيلبرت" إلى حد بعيد بـ"بلاث" إلى اهتمامها بأصول الكلمات. فبمجرد أن تنقب عن جذور كلمتي "إنقضاء" و"انتهاء"، فإنها تحفر في أصول كلمة "أرملة"، لتجد في جذورها الكلمة الفرنسية "vide"، بمعنى "فراغ"، في إشارة إلى العدم المرعب الملازم لوجود الأرملة في أعين المجتمع. إن "جيلبرت" لديها احترام الشاعر لتجذر كل اللغات. وهي تزاوج هذا مع القدرة الداخلية على تعديل المنظور التقليدي للقارئ، وهو ما حدث للأسلوب النثري الذي هو أحد أوجه القوة في عملها.
وفي النهاية عموماً، بعد أن تبحث "جيلبرت بشاعات القرن الماضي والتبدل الزلزالي في المفهوم الناشئ، تستدير لتعود إلى سؤالنا الأصلي: ما هو السبب النهائي في أن الموت في الغالب يثير الشعر؟ وبعد كل شيء، فإن "باب الموت"، العمل الذي يفيض بالشعر ويموج بالعملية الشعرية، قد فجره أيضاً موت حبيب والحزن الناجم عنه. إن "جيلبرت" تجد أسباباً كثيرة لتشرح هذه الظاهرة. فمن خلال الشعر، نحن نحاول أن نكتب، كما تزعم، لنضفي منظورنا الشخصي في عملية تتركنا في أغلب الأحوال نشعر بالوهن الشديد، ونعيد كتابة الماضي الذي غالباً ما يكون مؤلماً جداً ومستعصياً على الاستيعاب. وفيما وراء إعادة الكتابة هذه، فنحن نربح فرصة أخيرة لنهمس إلى الموتى من خلال الشعر، ولنستشعر روحهم، ولنستمع مأخوذين إلى أصواتهم الساحرة. وعلاوة على كل شيء فإن "جيلبرت" تجادل بأن الشعر يجعلنا شاهدين على الموت، الصوت الذي ينادي بحقيقة الموت والألم الناجم عنه. ومن خلال إعلان حزننا، فنحن في طريقنا لجعل الحزن حقيقة، والتحدث بها إلى الوجود، ونواجه الألم بدلاً من أن نتخفى منه. فهذا كما تحرص "جيلبرت" أن تقول، هو مهمة نبيلة تساعدنا حينما يتأرجح الموت عند بابنا في عنف ويقتحمه فجأة في مواجهتنا. وهو الأمر الذي ربما يكون ضاغطاً بشدة ليسأل عن شهادة أكثر قوة من "جيلبرت" نفسها.
03/01/2008 - 03:33
القسم:


التعليقات
شكرا لما نثرته من جمال هنا.
المعارف المتوارثة والمكتسبة من خلال المعيش
والمتخيل والمحكي/المروي
الموت الشعر
او الشعر الموت
من الاقوى
لمن الغلبة
لمن الحضور لمن الزوال
لمن الاستمرارية
والبقاء
محمد البلباال بوغنيم
شاعر من المغرب
لك كل التوهج
دم اخي
شكرا كل الشكر على الاهتمام.. ولنتواصل
دمت ودامت مقاومتك