You are here
شاهد عدل

شاهد عدل
عبدالجواد خفاجى
تحامل
وهو يخترق صفوف الجالسين حتى أخذ مقعدًا بينه وبين المنصة مسافة غير
قصيرة، وقد تصاعدت إلى أنفه ـ ما أن جلس ـ زفرة ما لبثت أن عبأت خيشومه،
غير أن إحساسًا بالاختناق بدأ يتصاعد حثيثًا حتى استبد أخيرًا بصدره، ومن
ثم كان عليه أن يلقف نفسه لقفًا ، وفيما كان الوقت يمضي بطيئًا ممضًا كان
جفناه ينسدلان دون أن يرمشان، فيما بدت عيناه مستسلمتان للحظة غائمة.
ـ الشاهد الأول " محمود عبد العارف ".
استفاق فجأة على صوت الحاجب لما تكرر النداء، ورفع جفنيه المجهدتين.. انتصب واقفًا ، بَيْدَ أن ساقه لم تكن تطاوعه لأن يبدأ خطوة واحدة، غير أن ألمًا خفيفًا كان يحس به منذ الصباح منبعثًا من كاحل قدمه بدأ يستعر الآن في رجله كلها.
ـ آه .......
كتم آهاته وأظهر تحديًا واهنًا وهو يسحب نفسًا شاردًا إلى صدره.. أحيانًا لا تطاوعه ساقه .. لا يعرف متى يتصلب مفصلها، ولا متى ستفاجئه بما لا يليق.. بدأ يعرج باتجاه المنصَّة .. ساق تطاوعه والأخرى تتأبى، بّيْدَ أن نصف جسده الأعلى ـ على ما بدا ـ كان مترنحًا بين المجاهدة والسقوط.. يجر رجله جرًا ، وفى لحظة أخرى كان يحجل، يخشى أن يتأخر في الوصول فيغتاظ القضاة، أو يتهمونه بالتلكؤ ، ربما لهذا ظل يجاهد ساقه وجسده، يزفر ما به من غيظ،وهو يهم بين عرج وحجل.
لم يكن الظرف مناسبًا لأن يتأمل وجه القضاة عن كثب، وقد اقترب من المنصة، وربما كان عليه ـ أيضًا ـ أن يجاهد عينيه اللتين رصدتا مساحة شاهقة من السواد الموشى بخطوط حمراء، ورؤوس ثلاث صلعاء تعلوها.
ـ هذه محكمة .. لها وقارها وهيبتها.. كلمات صارمة وصلت أذنيه ، بيدّ أنه لم يكن يفهم شيئًا يستوجب الكلام .. لقد جاء كشاهد عدلٍ، فما بالهم يتحدثون عن وقار المحكمة وهيبتها؟
ـ أنت نسيت أنك تمشي في قاعة المحكمة.. نسيت نفسك وأنت تمشي متراقصًا، وكأنك في عرس، أو لكأنك فرحُ أنك ها هنا!.
كانت كلمات القاضي صادمة كالجريمة، ومهيبة كالمجهول، وفيما بدا وجهه متجهمًا ونظراته حادة، ارتعدت مفاصل الساقين معًا.. تناسى ألمه الذي يستبد بساقه، وفيما بدا أيضًا أن بللاً بدأ يطفر من قماش بنطاله، وأن عرقًا غزيرًا بدأ يتصبب من جبهته، وفيما بدا أيضًا أنه على وشك السقوط، وقد عصفت بداخله عاصفة من الشؤم، وبدأت شجاعته التي يتوهمها تفر منه.
هو يعلم أن للمحكمة وقارها، كما يقر للقاضي بالتجلَّة، لكنه لم يكن يعلم أن مشيته جريمة، وأنها ـ إلى حد ما ـ تكسر هيبة المحكمة.
استجمع بقايا أعصابه المنهار، وانهمك يرتب بعض كلمات تليق :
سيدي القاضي : لم يكن الأمر كما تظنون.. نعم إنكم تأخذون بالظاهر، هذا صحيح ، لكنما الصحيح أيضًا أن الظاهر وحده غير كافٍ ؛ فما فهمتوه فيَّ لم يكن صحيحًا البتة، وأنني ما رقصت إلا حينما تألمت، ربما فهمتم ـ أيضًا ـ أنها حالة الفرح التي لا تتناسب وكآبة اللحظة، وإن كنت أراها مناسَبة لإطلاق الفرح أن أراني واحدًا من العدول، وأن ثمة عيوناً تتحرى العدالة، وأن أبثها شهادة حق في وجه الباطل والادعاء.. أن.. أن أخطو باتجاه الحق ريثما أنافح وجه الباطل، وريثما يتنحى ـ ولو قليلاًـ هاجس قديم يلح في رأسي بأن العدالة فوق الأرض وَهْمٌ كبير.. يقيني أنكم تفترضون للفرح مناسبة أخرى، بيد أني أراها حاضرة، أو ربما أنكم تفترضون رجلا غيري للفرح.. ليتكم أجبتم الآن من بدد الفرح في عينيّ ، لماذا هي الصفحة الآن سوداء ملبدة بالتجهم والصلافة، ولماذا أنتم الآن شبورة غائمة؟!.. لماذا هي اللحظة مالحة، ولماذا أنا الآن أبدو جريمة؟!.
لقد دفعني الزحام يومًا، إلى صدر عربة غاشمة، ولم يكن جسدي أكثر من أربعة أشبار، ولم تكن خطوتي أكثر من شبر واحد.. هكذا قيل لي، وقالو إنها مَرَسَتْ ساقي اليسرى قبل أن تمرق هاربة بين الدروب، وقالوا إن الشرطة فشلت في العثور على الجناة، أو ربما أنها لم تكترث بالتحري والبحث، وقالوا إنهم حبسوا أمي لأنها أهملتني، وقالوا أخيرًا: قضاء وقدرًا.
الحقيقة ـ سيدي القاضي ـ أنني منذ خمسين عامًا أتحمل عرجي، أو رقصتي ـ كما تفضلتم بوصفها ـ أتحملها بآلامها مع كل خطوة أخطوها .. أتحملها صابرًا، وما مطلوب من عدالتكم غير تحمل رؤيتها لدقائق معدودات، ريثما ينتهي هذا اللقاء.
التقارير الطبية التي معي تؤكد سيدي القاضي أنني مُعاقٌ، وأن مفصل قدمي اليسرى مثبت بمسامير بلاتين، وأنها لا تطاوعني عند المشي وأنها ...... .... .....
كان بإمكانه أن يقول كلامًا كهذا، وقد رتب في رأسه الكلمات، ورصَّ العبارات، كيف يبدأ، كيف ينتهي، كيف يكون الكلام موجزًا ومعبِّرًا ودالاً، وبليغًا وموحيًّا ومناسبًا للموقف والمقام.. كيف .. كيف .. كثير انشغالات بالكلام والأسلوب والمداخل والمخارج .. كثير اهتمام بالمضمون .. كثير صبرٍ وتأنٍ ومثابرة في الانتقاء والجمع والتوليف، غير أنه استجمع ما لديه من شجاعة مبددة، ومسح عرقه الطافر على جبهته،وجاهد خُنَّاق صدره كي يسحب نفَسًا عميقًا يكفي لدفقة اللفظ ، ويعين الصوت على الخروج من المخارج.. استجمع ما استجمع ومسح ما مسح وسحب ما سحب وفتح عينيه على آخرهما، وهمت شفتاه تنفرجان : سيِّدي .... لولا أن أذنه سمعت قولاً ـ يقول إنه كان ثقيلاً وشائخًا وصادمًا:
ـ يُحْبَس الشاهد أربع وعشرين ساعة لإساءته للمحكمة، على أن تؤخذ شهادته في جلسة قادمة.
9/1/ 2008
ـ الشاهد الأول " محمود عبد العارف ".
استفاق فجأة على صوت الحاجب لما تكرر النداء، ورفع جفنيه المجهدتين.. انتصب واقفًا ، بَيْدَ أن ساقه لم تكن تطاوعه لأن يبدأ خطوة واحدة، غير أن ألمًا خفيفًا كان يحس به منذ الصباح منبعثًا من كاحل قدمه بدأ يستعر الآن في رجله كلها.
ـ آه .......
كتم آهاته وأظهر تحديًا واهنًا وهو يسحب نفسًا شاردًا إلى صدره.. أحيانًا لا تطاوعه ساقه .. لا يعرف متى يتصلب مفصلها، ولا متى ستفاجئه بما لا يليق.. بدأ يعرج باتجاه المنصَّة .. ساق تطاوعه والأخرى تتأبى، بّيْدَ أن نصف جسده الأعلى ـ على ما بدا ـ كان مترنحًا بين المجاهدة والسقوط.. يجر رجله جرًا ، وفى لحظة أخرى كان يحجل، يخشى أن يتأخر في الوصول فيغتاظ القضاة، أو يتهمونه بالتلكؤ ، ربما لهذا ظل يجاهد ساقه وجسده، يزفر ما به من غيظ،وهو يهم بين عرج وحجل.
لم يكن الظرف مناسبًا لأن يتأمل وجه القضاة عن كثب، وقد اقترب من المنصة، وربما كان عليه ـ أيضًا ـ أن يجاهد عينيه اللتين رصدتا مساحة شاهقة من السواد الموشى بخطوط حمراء، ورؤوس ثلاث صلعاء تعلوها.
ـ هذه محكمة .. لها وقارها وهيبتها.. كلمات صارمة وصلت أذنيه ، بيدّ أنه لم يكن يفهم شيئًا يستوجب الكلام .. لقد جاء كشاهد عدلٍ، فما بالهم يتحدثون عن وقار المحكمة وهيبتها؟
ـ أنت نسيت أنك تمشي في قاعة المحكمة.. نسيت نفسك وأنت تمشي متراقصًا، وكأنك في عرس، أو لكأنك فرحُ أنك ها هنا!.
كانت كلمات القاضي صادمة كالجريمة، ومهيبة كالمجهول، وفيما بدا وجهه متجهمًا ونظراته حادة، ارتعدت مفاصل الساقين معًا.. تناسى ألمه الذي يستبد بساقه، وفيما بدا أيضًا أن بللاً بدأ يطفر من قماش بنطاله، وأن عرقًا غزيرًا بدأ يتصبب من جبهته، وفيما بدا أيضًا أنه على وشك السقوط، وقد عصفت بداخله عاصفة من الشؤم، وبدأت شجاعته التي يتوهمها تفر منه.
هو يعلم أن للمحكمة وقارها، كما يقر للقاضي بالتجلَّة، لكنه لم يكن يعلم أن مشيته جريمة، وأنها ـ إلى حد ما ـ تكسر هيبة المحكمة.
استجمع بقايا أعصابه المنهار، وانهمك يرتب بعض كلمات تليق :
سيدي القاضي : لم يكن الأمر كما تظنون.. نعم إنكم تأخذون بالظاهر، هذا صحيح ، لكنما الصحيح أيضًا أن الظاهر وحده غير كافٍ ؛ فما فهمتوه فيَّ لم يكن صحيحًا البتة، وأنني ما رقصت إلا حينما تألمت، ربما فهمتم ـ أيضًا ـ أنها حالة الفرح التي لا تتناسب وكآبة اللحظة، وإن كنت أراها مناسَبة لإطلاق الفرح أن أراني واحدًا من العدول، وأن ثمة عيوناً تتحرى العدالة، وأن أبثها شهادة حق في وجه الباطل والادعاء.. أن.. أن أخطو باتجاه الحق ريثما أنافح وجه الباطل، وريثما يتنحى ـ ولو قليلاًـ هاجس قديم يلح في رأسي بأن العدالة فوق الأرض وَهْمٌ كبير.. يقيني أنكم تفترضون للفرح مناسبة أخرى، بيد أني أراها حاضرة، أو ربما أنكم تفترضون رجلا غيري للفرح.. ليتكم أجبتم الآن من بدد الفرح في عينيّ ، لماذا هي الصفحة الآن سوداء ملبدة بالتجهم والصلافة، ولماذا أنتم الآن شبورة غائمة؟!.. لماذا هي اللحظة مالحة، ولماذا أنا الآن أبدو جريمة؟!.
لقد دفعني الزحام يومًا، إلى صدر عربة غاشمة، ولم يكن جسدي أكثر من أربعة أشبار، ولم تكن خطوتي أكثر من شبر واحد.. هكذا قيل لي، وقالو إنها مَرَسَتْ ساقي اليسرى قبل أن تمرق هاربة بين الدروب، وقالوا إن الشرطة فشلت في العثور على الجناة، أو ربما أنها لم تكترث بالتحري والبحث، وقالوا إنهم حبسوا أمي لأنها أهملتني، وقالوا أخيرًا: قضاء وقدرًا.
الحقيقة ـ سيدي القاضي ـ أنني منذ خمسين عامًا أتحمل عرجي، أو رقصتي ـ كما تفضلتم بوصفها ـ أتحملها بآلامها مع كل خطوة أخطوها .. أتحملها صابرًا، وما مطلوب من عدالتكم غير تحمل رؤيتها لدقائق معدودات، ريثما ينتهي هذا اللقاء.
التقارير الطبية التي معي تؤكد سيدي القاضي أنني مُعاقٌ، وأن مفصل قدمي اليسرى مثبت بمسامير بلاتين، وأنها لا تطاوعني عند المشي وأنها ...... .... .....
كان بإمكانه أن يقول كلامًا كهذا، وقد رتب في رأسه الكلمات، ورصَّ العبارات، كيف يبدأ، كيف ينتهي، كيف يكون الكلام موجزًا ومعبِّرًا ودالاً، وبليغًا وموحيًّا ومناسبًا للموقف والمقام.. كيف .. كيف .. كثير انشغالات بالكلام والأسلوب والمداخل والمخارج .. كثير اهتمام بالمضمون .. كثير صبرٍ وتأنٍ ومثابرة في الانتقاء والجمع والتوليف، غير أنه استجمع ما لديه من شجاعة مبددة، ومسح عرقه الطافر على جبهته،وجاهد خُنَّاق صدره كي يسحب نفَسًا عميقًا يكفي لدفقة اللفظ ، ويعين الصوت على الخروج من المخارج.. استجمع ما استجمع ومسح ما مسح وسحب ما سحب وفتح عينيه على آخرهما، وهمت شفتاه تنفرجان : سيِّدي .... لولا أن أذنه سمعت قولاً ـ يقول إنه كان ثقيلاً وشائخًا وصادمًا:
ـ يُحْبَس الشاهد أربع وعشرين ساعة لإساءته للمحكمة، على أن تؤخذ شهادته في جلسة قادمة.
9/1/ 2008
04/30/2008 - 16:45
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
لك التحية والتجلة
أشكركثيرا على جهدك في تتبع منشورات أخيك عبدالجواد بهذه الكيفية المتأنية المتبصرة ، وأشكرك على دقة ملحوظاتك و على حسك النقدي العالي المتمعن
لك مودتي إذن
عبدالجواد خفاجى
لك التحية والتجلة
أشكرك على هذا الغوص الحقيقى ، وأهنئك على ما تملكه من حساسية شديدة تجاه النصوص ، وما تمتلكه من قدرة على الغوص تارة والتحليق تارة أخرى بحثا عن مكامن النصوص سواء كانت في الغور أو فى الفضاء
لك خالص المودة والشكر الجزيل وإن كنت أتمنى قراءة بقية تعليقك الذي حجبته التقنية ربما لطوله
وقد دأب الأستاذ عبد الجواد خفاجي علي تقديم أعمال ترتبط بفترات سابقة تمتد للوراء إلي عام 2002 ( ليلة أخري مرعبة ) ومرورا بـ عام 1996 ( الدغل ) وتصل إلي عام 1990 ( تقول التقارير ) . كما دأب خلال تلك الفترة علي اتباع نهج الأفلام العربية بوضع كلمة ( تمت ) في نهاية القصة .
ثم يصل الأستاذ عبد الجواد إلي العام الحالي 2008 ، وقد تخلص من كل تلك الملاحظات ، واكتفي بذكر التاريخ – الذي هو المطلوب بالفعل – وليثبت أنه قد تخطي مآخذ الماضي ، ليس في الشكل فقط ، وإنما في فنية وإسلوب القص ، حيث جاءت " شاهد عدل " مفعمة بالدلالات التي تثري القصة وتزيد من مساحة الفضاء المتاح للقارئ كي يمارس فيه عطاءه وإبداعه الذي يشارك به إبداع الكاتب وعطائه .
ويبدأ عطاء الكاتب وإيحاءاته من العنوان المشاكس . فالشاهد – كما جرت العادة – لا يمنح الصفة إلا في حالة المخالفة ، أي أن نقول شاهد الزور ، حيث المفترض والمسلم به أن يكون الشاهد عادلا ، ولكن أن نمنحه صفة العدل هنا فلابد أن في الأمر شيئا . وهذا الشئ يتبين بقراءة القصة ذاتها لتتضح المفارقة ، وليتبين أن العدل مُغيب ، بل ، وأعرج ، فليس الشاهد هنا هو المعوق الساق ، وإنما العدل هو المعوق ، إذ يعتمد علي الظاهر من الأشياء ، علي لفظ القانون ، وليس روح القانون . وما هذه إلا إحدي التأويلات التي تحملها القصة في طياتها الحبلي بالتأويلات – تعوق مساحة التعليق وتقنية التتبع غير المتيحة للأستكمال عن الحديث عنها جميعا - والتي تجعل منها قصة ثرية قدمت بإسلوب قصصي ممتع ومشبع ، تستحق الإشادة والتهنئة للأستاذ عبد الجواد خفاجي .
" شاهد عدل "
للمبدع الجميل /
عبد الجواد خفاجى
عبد الجواد خفاجى كاتب موهوب ، يمتلك أدواته الفنية ،
يطوعها ، يعرف جيداً كيف يلوى جموحها ، انفلاتها المراوغ، أضف إلى امتلاكه لآليات السرد ، حنكته
كقاص متمرس خَبُرَ السير فى طرقات فنية القصة
القصيرة ، متفادياً كل مطباتها الفنية الوعرة ، العصيِّة
على التفادى لمن لا يمتلك أدواته .
عبد الجواد خفاجى قاص يلمح بعينيه الذكيتين لحظة
عابرة ، وامضة فى حيوات الآخرين ، العابرين فوق
جسور اللحظة ، وكمبدع حقيقى يلمح هذه اللحظة
الوامضة كنجمة تلمع ثم سرعان ما تتوارى ، لكن فى
فضاء عبد الجواد خفاجى / المبدع الجميل ، تظل هذه
اللحظة الوامضة مشعة فى تلاليف مُخيِّلته المبدعة ،
بل تزداد توهجاً فى شساعة مخيلته المهوسة بالإبداع ،
فتركض ، تتقافز ، تتحايل مراوغة ، لكنه معها يطلق
لها عنان جموحها المتمرد ، فجأة يقفز قابضاً عليها
لحظة اكتمالها ، فلا يتركها ، فيستدرجها فى بهو
الكمون ، لتشع ناضجة ببهاء شعلة إبداعه المتميز
بلغته الهادئة ، فيدخلنا كمتلقين من عتبات النص ،
وكيما يتحقق هذا الولوج لابد من امتلاكنا لأدوات التلقى بذهنية قادرة على النفاذ من عتبات النص إلى فضاء
الخطاب اللحظى ، الشديد التكثيف .
فنجد القاص عبر صوت الراوى الذى يرصد لنا
الشخصية المحورية فى نصه الإبداعى /
محمود عبد العارف ، الشاهد العدل ، الذى توافرت
فيه جميع صفات الشهود العدول ، هذا الشاهد الذى
جاء إلى المحكمة كشاهد وليس مشكواً فى حقه ،
كشاهد يدلى بما يعرف ، بما رأى ، ولا يعنيه الحكم
الذى سينطق به القاضى الذى يمثل رأس العدل .
فهو ليس طرفاً فى الخصومة ، ومن ثم لا ترهبه
المحكمة .
والقاص ارتكز على رهبة المحكمة بما تمثله فى
نفوس البشر ، هذا الارتكاز على هذه المهابة هى
البطل الحقيقى فى هذا النص ، وشخصيته المحورية
محمود عبد العارف هو الوجه الآخر المقابل لهذه
المهابة ، ولأن القاص يمتلك بحس المبدع الحقيقى
القدرة على التقاط اللحظة العابرة ، والعادية جداً ،
فيحولها بحسه الإبداعى إلى لحظة غير عادية ،
لحظة تتوالد منها مئات اللحظات الساخنة بتداعى أدق المشاعر الإنسانية ، فراح يرصد لنا حالة شخصيته
المحورية ، بلا تدخل مباشر منه ، هو يرصد الأجواء
الخارجية ، تاركاً التداعى الحر عند الشخصية يملأ
جوانب النص ، فنجد الشخصية المحورية لحظة
استدعائها إلى منصة الشهود بعد النداء الثانى من
الحاجب ، هذا النداء الثانى ، والذى اختاره القاص
بعناية ليوهم هيئة القضاء بجلال هيبتها ، إن الشاهد
يتلكَّأ منذ اللحظة الأولى ، لحظة النداء ، والقاص
يصور لنا الميتالحظية بدقة متناهية ، موظفاً آليات
السرد السينمائى فى تكنيكه ، متنقلاً بكاميرته فى حيز ضيق
لا يتجاوز المحيط الخارجى لمكانية البطل المحورى ،
وفى نفس اللحظة التى يرصد فيها محدودية محيط
الحركة للشخصية ، يتنقل بنا عبر استخدامه تقنية التداعى الحر للشخصية المحورية التى تعرى نفسها من الداخل ،
هذا الداخل الذى تعرى للمتلقى ، الذى بدوره ، وبما يمتلك
من أدوات التلقى ، تكتمل اللوحة أمامه ، عينه التى تتجول عبر المشهد الخارجى للحركة الصادرة عن الشخصية
المحورية فى نفس الزمن التى بدأت أدوات التلقى تغوص متعمقة مع تقنية التداعى الحر لتستشف جوانب خفية عن
العين المجردة ، فتبدأ عنده هذه الأدوات تعمل دامجة
المستوى الخارجى المرسوم بدقة شديدة ،مع الخلجات
النابعة من سراديب الذات ، وفى نفس اللحظة يتكىء
القاص على تقنية الفلاش باك عبر تداعى دواخل
الشخصية ، موضحاً لنا جوانب حياتية مرت بشخصيته
المحورية منذ طفولته ، هذه الطفولة غير العادية ،
طفل دهمته سيارة مجنونة والقته فوق أرصفة الإعاقة ، مقايضة صخبه ، ضجيجه ، فوق جسور الوجع،
هذه الإعاقة عاشت متلازمة لحظات الطفولة التى لم
يعشها كبقية الأطفال فى صخب الطفولة ، براءة
الركض فى لهوهم الضاج بالضحكات الطفولية ، ثم
مروره بمراحل الصبا ، المراهقة ، بدايات النضج ،
ثم اعتاب الشيخوخة ، اللحظة الزمنية التى قطعتها
الشخصية المحورية عبر مراحل مكتظة بالانفعالات ،
والاحساس المرير بالشعور غير الطبيعى لما لحقه من
هذه الحادثة ، وما ترتب عليها من سلوك للشخصية ،
والمتعاملين معه خلال هذه الحيوات الممتدة عبر سنواته
الخمسين .
وها هو رأس المهابة ، القاضى الذى له شروط فقهية
يجب أن تتحقق فيه كيما يكون مؤهلاً لتولى هذاالمنصب
الخطير ، ومنها الفطنة ، دقة الملاحظة ، ولأن القاص
يوجه عبر خطابه القصصى رؤيته الشديدة الإدانة
للقضاء ، فالقاضى عبر فضاء النص ، لم يلمح إعاقة
الشاهد ، لم يبصر بعينيه المجردة هذا العجز الخارجى ، الواضح ، بل رأت المحكمة ببصيرتها العمياء أن
الشاهد يرقص متحنجلاً وهو ذاهباً للأدلاء بشهادته
كشاهد عدل ، مما اعتبرته إهانة بالغة السخرية
لهيئتها الموقرة ، هذا العمى الظاهرى لمن يتولى
تصريف شئون الناس ، الفاصل فى مظالمهم ، أعمى
لا يرى ببصره الحاد ، النافذ ، العرج الواضح فى مشية
الشاهد ، هذا الشاهد الذى يقف على أعتاب العقد السادس
من عمره ، قمة النضج العمرى للإنسان ، فكيف يتأتى
بحركات بهلوانية ، راقصة ، متلكّئة فى حضرة جلالة
رأس هيئة قضائية لها مهابتها فى نفوس أصحاب السلطة
القائمين على تسيير أمور المجتمع ، فما بالك بإنسان
بسيط يمثل قطاعاً عريضاً من شرائح المجتمع .
هذا العمى الظاهرى ، والذى يمثل ذروة الطرح الرؤيوى
عند القاص لهيئة المحكمة ، فما بالك باستبطان ما فى ظاهر
الحجج المقدمة من المتخاصمين ، ولأن هذه الهيئة القضائية
عمياء البصر فهى عمياء البصيرة .
فجاءت نهاية القصة الجميلة الغنية بالتشويق ، متوافقة تماماً
مع هذا الطرح الشديد الإدانة لهيئة رفيعة لها مهابتها ،
وحياديتها فى الفصل للمظالم .
هذه الإدانة تدين باقى هيئات المجتمع المدنى الذى سقط فى
عماء الظلم ، القهر للآخرين ، الذى استشرى كالسرطان فى
جميع خلايا الوطن الذى أصبح خارج نطاق الوطن .
تحية تقدير للقاص المتمكن بما يمتلك من موهبة ، ورؤى ،
ثاقبتين .
محبتى وتقديرى
أخــــــــوك
فتحى سعد
Fathysaad61@yahoo.com
توسلت وجع ظهري أن يعقد معي الألفة ساعة أوساعتين ، لأتجول في رحاب الورشة وصحف بغداد ... لكنه أبى التخلي عن صداقته لي رغما على مناكدتي له ... لذا أكتب رأيي بعجالة .
**
قالت سطور القصة لي : إن الشاهد لم يكن يريد إثبات ـ أو إدانة ـ المتهم الذي سيشهد له أو عليه ... الشاهد كان يريد التأكد من هاجسه الذي لازمه خمسين عاما ... هاجس أن العدالة مفقودة فوق الأرض
ألأرض هنا ليست اليابسة بمعناها الجغرافي ... إنها الوطن يابسة ً وماء ً ... أما المحكمة ، فهي النظام المؤسساتي ، وبالتالي ، فالشاهد ليس فردا ... إنه الكيان المتحد : الشعب
شهادته إذن هي إمتحان لهاجسه .. فإذا تحققت العدالة ، فذلك يعني أن هاجسه كان ظنا ، فيطرده من مخيلته ... أما إذا لم تتحق ، فذلك يعني أن الهاجس كان يقينا ، فلا يعود بعدئذ صريع هواجسه .
أما وقد تأكد من صدق هاجسه ـ حين استهجن القاضي مشيته ـ فقد تحول الشاهد إلى قاض ٍ ، وغدا القاضي هو المدان وليس المتهم فحسب ..
مدان بماذا ؟
مدان بكونه سليم الجسد ـ لكنه معاق الروح والضمير ... أما الشاهد ، فهو وإن كان معاق الجسد ، إلآ أنه سليم الروح والضمير ... فما فائدة الجسد السليم إذا كان معطوب الروح والضمير ؟
لكن : إذا كان الشاهد قد أصبح هو القاضي ، والقاضي غدا هو المتهم الذي ثبتت إدانته ، فمن هو الشاهد الجديد المضمر الذي أدلى بشهادته لصالح الشعب الأعرج ؟
الشاهد الجديد هو : الأعوام الخمسون التي كان فيها يدور حول إعاقته كالناعور ، دون أن يلتفت الطبيب لعلاجه ... هذا الطبيب الحاكم بأمره في القاعة ... القاعة التي هي النظام المؤسساتي المتهم ـ والذي ستثبت إدانته بعد قليل .. ...
وما الدليل على ظلمه ؟
الدليل مجافاته للحقيقة ... ألم يصدر حكمه الكيدي بحبس الشاهد الشعبي لمدة يوم لأنه قال الحقيقة عن أسباب عرجه ؟
لكن يا صديقي العزيز المبدع شعرا وقصا ونقدا ، لماذا تدفع بنصك للنشر قبل مراجعة الهنات النحوية ؟ هي كثيرة أيها الحبيب ، ما كان لها أن تتواجد في هذه القصة الرائعة لغة وأسلوبا ورمزا وتورية ـ بل والذكية ...
قد يقول قائل : ما ملمح هذا الذكاء ؟
سأقول له : لقد شاهدت المحكمة ، والقاضي والشاهد ... فلماذا لم تشاهد المتهم ؟ هل يمكن أن تحدث محاكمة دون أن يكون المتهم موجودا بصفته كذات شاخصة ، أو ممعنى محسوسا ؟
هذا ما قصدته بالذكاء في القصة حين جعلنا القاص لا نشاهد المتهم ـ بينما هو حاضر لكنه غير مرئي ، لأنه " أي المتهم " جوهر ٌ وليس مادة ... إنه ظاهر الشيء وليس الشيء بذاته ... إنه تنفيذ القانون بالعدل وليس القانون المكتوب
لماذا رفعت الحال " مستسلمتان " في جملة " بدت عيناه مستسلمتان " ؟ ولماذا رفعت المضارع بثبوت النون وحقه النصب بحذفه في جملة " أن يرمشان " وكذلك وصف الجمع بمفرد " المنهار " في جملة " بقايا أعصابه المنهار "
ولمَ أنـَّثت " الجفن " في " جفنيه المجهدتين " يا صديقي ؟
يجوز لك تأنيثها وتذكيرها لو أنها جاءت مفردا ـ على أنها إسم جنس ( جواز وليس وجوب )... أما مجيئها مثنى فقد زالت عنها سمة إسم الجنس
أجزم أن العجالة في الطباعة هي السبب ... فأنا أزعم أنني قارئ جيد لك ، قرأت إبداعك في منتديات عديدة ، ولم أجد شوكة واحدة في حدائقك الكثيرة التي تجولت فيها مستنشقا عبير إبداعك ... العجالة هي التي جعلتك تفتح همزة إنْ الزائدة المخففة في جملة " ما أن جلس "
والان يا عزيزي المبدع عبد الجواد ، هل ثمة ضرورة للقول إن لك عندي نهر محبة ولا أعذب ؟ أقسم انني صادق
وعمنا الحلو
مساااااااااء الحب الجميل
من حقك ياصديقى قراءة بقية القراءة فى نصك الرائع
الذى لم يحجب ، ولكن إذا تفضل صديقى ونقر بالماوس
فوق " الرد على التعليق " سوف تفتح لك ما ظننته
قد أغلق تقنياً 0
أتصلت بك هاتفياً على هذا الرقم 716 ، ولم أكمل
بقية الأرقام ، إلا ورسالة مسجلة تفيد بأن هذا الرقم
غير موجود بالخدمة 0
فينك ياجميل ، لم أرك منذ مؤتمر الأقصر 0
أتمنى لك المزيد والمزيد من الإبداع الجميل
وحياة أسرية أكثر إشراقاً 0
محبتى وتقديرى
أخوك
فتحى سعد
حاشية : لى قراءة فى رواية : تغريدة البجعة فى عدد مايو
الذى سيصدر بعد أيام بمجلة الثقافة الجديدة ، أود معرفة
رأيك الثاقب ، والمهم فيه 0
الصديق المبدع الجميل جداً محمد صالح البحر صدرت له مجموعة
قصصية جديدة ، أعتقد نسختك موجودة إن لم يكن قد أرسلها إليك
محبتى
وهذا إميلى
fathysaad61@yahoo.com
لك التحية والتجلة
نهر عطائك موصول متصل دائم كوثر
لعل قراءتك للنص قراءة فريدة ، لقد كشفت إشراقتك الذكية كثيراً من الأغوار ، ولعلها أيضاً قراءة إستضافة ، وإن لمبدأها الحميمية التى تنشأ بين القاريء المضيف و النص الضيف ، وبقدر كرم الضيافة تأتى نتائج اللقاء .
لاشك أن كرمك كان وفيراً بقدر محبتك لنا .
أشكرك كثيرا بقدر حبك وبقدر كرمك .
أما بخصوص الأخطاء فإنك لمحق فيما أشرت إليه من أخطاء ، وإنني بعودتي إلى النص اكتشفت أخطاء أخرى لم تشر إليها حضرتكم من عينة
من ثم أعاهدك على أن أراجع النص جيداً قبل النشر
أما ما آلمني حقيقة هو أن تكون متألما ، وخاصة ألم الظهر وما أشده ، أدعو لك كثيرا مخلصا متضرعا إلى الله أن يكون الشفاء عاجلاً
مودة عبدالجواد خفاجى