You are here
شرق بعيد
شرق بعيد
محمد علوان جبر
سراعا سراعا
تمضي الايام بين ثنايا السحب
تمضي الايام بين ثنايا السحب
لااحد يمكن ان يوقف هذا الانزياح ،
- هل يمكن ذلك .... ماذا اسمع ... ربما هو وهم ؟
- وهم كبير ...........
اضاف احد الواقفين قربي ، بلا ادنى مقدمات .. واصل .... انه لم يعد يفهم سوى التكرار ، تكرار جملة واحدة - فانا لااستطيع ان اردد غيرها – واضاف - دون ان اعرف لماذا - . قلت
- ماهي ............؟ قال :
- سمعتها في ليلة حالكة السواد ، حينما كنت اسير قرب سياج المشرحة ، تماما في اطراف باب المعظم ، فبقيت ملتصقة في رأسي..........
- سراعا .. سراعا .. سراعا ..........
لمحت ان يديه موثوقتان .. كان يغني بصوت خافت سرعان ماتصاعدت النبرة الحزينة وكان يردد كلمات فهمتها ببطء حينما رددها واحدة .. واحدة ( كأن الليل يلدهم ، كنا نرى تزايد اعدادهم .. يسيرون في الشوارع ، وقرب الاسواق المعفرة بالتراب وهم موثوقي الايدي .. برؤوس مطرقة .. يسيرون ببطء وربما يقفون بفوضى لكي يشكلوا طابورا حتى اذا لم يزاحمهم احد !!) ........
- سراعا ... سراعا .. سراعا
كان يغني ويبكي .. فبكيت معه .. وبدأت اردد معه اغنيته ، كانت كلماتها قريبة مني .. بل انا متأكد اني سمعتها يوما ما ... كان يكرر الكلمات وانا اكرر بعده .. وحينما لاحظ تركيزي وانتباهي .. توقف عن التكرار واكمل بصوت شجي .....
- تمضي الايام ... تمضي الايام ...
كررها .. وكررتها معه ، ربما بنفس النبرة الدافئة والهادئة
- بين ثناياالسحب .. بين ثنايا السحب
ثم اضاف وهو شبه غائب عن المكان .. كان مغمض العينين ... ( الزحام في باب المعظم لايشبه زحاما اخر ) انا اعلم ان ثمة خطب كبير يهز كيان هذا الرجل الذي يقف مشدوها وسط الشارع لايعلم اين هو ( الموتى يزاحمون الاحياء )
( ينتظرون ... منهم من يرى بوابة الطب العدلي لانه برأس .... اما من قطعت رأسه فيرى مناظر اخرى ) ........................
ثم يضيف دون ان يظهر عليه انه يراني او انه يكلمني..........
( يتزاحمون امام الباب : فيخرج لي لسانه كانه يهزأ باحد ما .. تصدمهم صلافة العمال - عمال نقل الجثث دائما اكثر قسوة من غيرهم -
يعزلون امام الباب .... توضع في سواعدهم علاماتهم الفارقة ......................
- مجهولــــــــــــــــــــــــــــــــون......
- معلومــــــــــــــــــــــــــــــــون......
- كلمة واحدة تجعلك معلوما او مجهولا .. هكذا كرر الرجل لمرات هذه العبارة دون ان افهم منها شيئا ( منهم من يحاول في لحظة جنون ان يثبت هويته ولكن تصدمه دوما صلافة العمال - عمال نقل الجثث دائما .. اكثر قسوة من غيرهم - دون ان نعرف لماذا ، ربما وهذا يحدث احيانا .. ازاء اصرار العمال يوافق على ان يوضع في احدى الخانات - يقبل ذلك على مضض ، لانه لايصدق انه عار تماما ... لالشيء .. ابدا وهذا مايكرره دائما )
- لان رأسي في مكان اخر اكثر سعة ولايحمل برودة وزناخة قاعات الطب العدلي .
وتبقى اسئلة محدودة ,, مرتبطة بالارتباك .. فكل شيء مرتبك هنا او هناك....
ولان عمال نقل الجثث اكثر قسوة من غيرهم يحاول احدهم ان يوهم المحيطين به انه بخير فيزيد الطوابير ارتباكا .........
وان لامشكلة له في موضوعة الطوابير
وان لامشكلة له ابدا في موضوعة اثبات هويته
ولكنه يقول هل قال احد للرأس الملهوف الذي يريد الارتباط بشكل او باخر بالجسد ان الرصاصات ازاحت جزءا منه والباقي تكفل به دود الارض ؟.
ويشير بيده نحو الشرق نحو مكان محدد .... ونبقى انا واياه نحدق بطوابير من رجال ملتحين ، يسيرون بصمت دونما اى ضجة ، عدا البعض منهم - هؤلاء لاتهمهم صلافة عمال نقل الجثث ولاقسوتهم - وربما يشير واحد اخر خلسة - خوفا من عمال المشرحة القساة - في محاولة للاتصال باحد ما غير العمال وحينما يعجز يكتب على شيء يتصوره ورقة سمراء اول الامر لكنه يعرف فيما بعد انها خرقة اعدت ليشد بها جسده وكانت بلا لون .
- يكتبون رسائل على خرق
يقول احد عمال نقل الجثث - ربما - يضيف مدير العمال
وطالما كنا نسير حول المشرحة كنا نسمع بقايا اغنية تدور حول ماسمعته من فمه المرتعش عن السحب والايام والمضي السريع لهما حول دوائر الرحلات لكن الشيء المختلف اني سمعتها مقلوبة هكذا .....
- بين ثنايا السحب
- تمضي الايام
- سراعا .. سراعا
قال لي وهو يحدق في عيني بصلافة تخيلتها نفس صلافة عمال نقل الجثث القساة دائما دون ان نعرف لماذا
هزني من كتفي .. وهو يصرخ ( صدقني .. لقد اجفلتني الاصوات )
وحينما قلت له – اية اصوات ؟ لم يعر سؤالي انتباها فواصل بقسوة ( صدقني لقد اجفلني الصوت ، فالتصقت بالجدار .. لكني اصطدمت باحد الموتى وهو يلوذ بالجدار من الصوت .. فغيرت مكاني فكان هناك احدهم يحتمي وهكذا لمرات ... ربما عشر او مئة او الف ... لااعلم كم مرة غيرت مكاني فالوذ بمكان اخر متجنبا جوقة الموتى وهم يرددون الاغنية بشكلها المعكوس .. صدقني كلما حاولت ان احتمي فاجد في مكان احتمائي ميتا يحتمي من موتى )
تخلصت من قسوة ذراعيه فسرت حول المشرحة متجنبا ان انظر خلفي لكني كنت اسمع صوته يردد كلمات الاغنية بشكلها المعكوس فاسرعت .. كانت خطواتي تتسارع وانا امرق قرب اسواق مهجورة معفرة بالتراب وثمة لغط يتزايد حولي .. فلم اتمالك نفسي .. وبدأت اركض وفي حلقي كانت ثمة اسياخ تزيد من جفافه وكلما حاولت ان ارطب شفتي بلساني كنت احس انهما قاسيتان اكثر قسوة من عمال نقل الجثث .
04/02/2008 - 07:12
القسم:


التعليقات
أجفلني صوتك وتذكرت العراق الذي لا أنساه ودلفت إلى باب المعظم وتذكرت موتنا الذي نحاول أن نحتمي منه نصٌ جميلٌ وموجعٌ معاً
أحييك وأشد على يديك
أسامة فرحات
يا جابر عثرات النصوص والاصدقاء..
انه شرق مديد حقا .. يخنقنا وننأى عنه . لكنا شمسنا لاتريد الشروق إلا تحت أعواد مشرحته المشرقة دائما
لك مودتي وطيف من أمنية بلقاء قريب معكم