You are here
شطيرة بطيخ !!!
شطيـرة بطيـخ
محمد سامي البوهي
مد رأسه خلف ظلال الطيور المحلقة فوق الشمس ، فتثاقلت عليه أوجاع القلب المغموس في طست الأحماض المُرهقة ، لاك بأصابعه صلابة القضبان ليعتصر الألم الذي يفتت أحشاءه المقبلة على الانفجار ، حصر نظراته بين قمم الجبال الملتفة من حوله ،حتى أوغلت في صدره ريبة الانطلاق بعد تلك السنين التي قضاها بين أنصاب هذا المكان المتخم بأبخرة الأفواه المحترقة ، اعتاد على صوت الطعنات ، ووقع الأقدام ، وجادية السوط ، وصوت القهر المنطلق من بين أنياب البشر المتعجرف بآمال العظمة ،لم يتصور أبداً أنه سيعود ليأكل من تلك الأطباق المختلفة التي كانت تنظمها له أمه عند رأس المائدة المنتظرة صباحه ، وظهيرته ، ومسائه ، حرك طرف لسانه يمسح شفتيه الملوثتين ببقايا العدس المضحك ، تذكر عندما أَجهز عليه أول مرة ، بعد حرمانه من الطعام والشراب طيلة ثلاثة أيام متتالية ، كانت بمثابة حضانة الاستقبال التي تخبيء خلفها تلك الأدوات المتفردة من أحذية سوداء باهتة ، وأكف سمراء تلصق بها قضبان من لحم ، وبعض من رذاذ الشتائم المحلقة ، وأشياء أخرى يجهلها حتى هذه اللحظة ، إلا شيئاً واحداً قد عرفه مصادفة عندما كان ينتظر دوره في طابور دورة المياه المستباحة ، اكتشف وللمرة الأولى وبعد كل هذه السنوات التي قضاها تحت أقدام هذا المكان ، أن هناك كوة تفتح وتغلق في جسد هذا السور الملتف ، المتوج بأنياب حديدية تغيظ الشمس،و التي مزقت جسد أحد زملائه عندما حاول الفرار ، من تحت طائلة عرش المملكة ، كنا نسمع صوت لحمه يتمزق ، و فرقعة عظامه عندما كانت تتطحنها أسنان الكلاب المتعطشة للحظات الهروب ، هاجت رائحة الخوف في المكان ، بعد أن أنضجت جلودنا بأزنام السياط المصهللة بالندم ، عدت ... عاد سريعا بذاكرته عند قفا من يقف أمامه في دور الانتظار ، حبست أنفاسي ، ارتعدت عندما تذكرت أنه لا يُسمح لنا بأن نعمل عقولنا هنا أو هناك ، من يفكر يخضع لجلسات الكهرباء ، و يحرم من العدس المعسول بالجوع أيام وأيام ، هززت رأسي وتأملت تعاريج قفاه المتخمة بالشيخوخة ، انطلقت بكلمة نظر لها كل المنتظرين ، حتى الكلاب نالت حظها من التلفت ، والتبصص –إياك أن تفكر-كانت هذه هي الكلمة الفضائية المنطلقة بنهي الواقع المتسرطن داخل خلايانا المخدرة ، تمدد وقت الانتظار هذا اليوم ، تذكر شطيرة البطيخ التي جادوا علينا بها أمس على( سرفيس) العدس كوجبة إضافية بمناسبة حلول شهر رمضان ، بيضاء مائلة للحمرة ، نحيفة غير منتظمة ، ، علم أنها السبب وراء طول البقاء في طابور قضاء الحاجة باليوم التالي ، كان ينحني على كفيه المسندتين أسفل بطنه المنتفخة ، وخزته برأس حذائي من الخلف -قلت لك إياك أن تفكر أبداً – التف بجسده نحوي حتى كاد أن يشبه شطيرة البطيخ وهلال رمضان وأشياء أخرى أراها جيدا ،ثم هز رأسه بعدم الوقوع في هذا الخطأ مرة أخرى ، قفز خلفنا أحد العظماء عندما وصل إليه همسنا ، سار يتفحصنا ، أمسك رأسي ، عصرها بإصبعيه ، ثم قذف بها لتضغط على عنقي ، وترتد في مكانها ، تركني ، ثم اقترب منه ، تشمم رائحته ، أمسك برأسه هو الآخر ، أحكم إلصاق كفه بجبهته ، احمرت عيناه ، و صرخ في وجهه – فيمَ كنت تفكر يا ابن ...؟؟ – دفعه بقوة ، ألقاه على الأرض ، داس عنقه بحذائه ، ضربه بهراوته على ظهره ، لم يصرخ ، لم يتأوه ، لم ... لكن دموعه كانت تتبخر على الأرض الإسفلتية عندما انتشرت بقع صفراء على سرواله الأبيض ....
- نحن أحرار الآن؟
- نعم أحراراً .. أحراراً
- الآن سأدخن ،و أشاكس بنات أفكاري ، أتزوج من خطيبتي و..
- مهلاً مهلاً .. ههههه هههههه هههه
- ما الذي يضحكك ؟!
- تتزوج من خطيبتك ، و هل تعتقد أن خطيبتك في انتظارك يا محمد هههههه ؟
- محمد؟؟!، لأول مرة أسمع أحداً يناديني باسمي منذ .. خمسة عشر عـ ... خمسة عشر عاماً .. ياااااااه ..
- نعم. خمسة عشر عاماً يا محمد .
- لقد كبرت إذن ...
- بل كبرنا معاً..
**** **** ****
ألقتنا السيارة المعتمة على قارعة الطريق ، رحلت مع غمامة الصوت المزمجر ، نظر كل منا صوب الآخر ، كأننا نرى أنفسنا لأول مرة ، ابتسمنا ... الآن آن لنا أن نقفز ، ونمرح ، ونمزح ، ونضحك ، ونسهر، ونبك دون ألم ، أو .. - بكينا – رقصنا، قفزنا ، ضحكنا ، صحنا بأصواتنا لنسمع الصدى: - نحن أحرار الآن؟
- نعم أحراراً .. أحراراً
- الآن سأدخن ،و أشاكس بنات أفكاري ، أتزوج من خطيبتي و..
- مهلاً مهلاً .. ههههه هههههه هههه
- ما الذي يضحكك ؟!
- تتزوج من خطيبتك ، و هل تعتقد أن خطيبتك في انتظارك يا محمد هههههه ؟
- محمد؟؟!، لأول مرة أسمع أحداً يناديني باسمي منذ .. خمسة عشر عـ ... خمسة عشر عاماً .. ياااااااه ..
- نعم. خمسة عشر عاماً يا محمد .
- لقد كبرت إذن ...
- بل كبرنا معاً..
**** **** ****
كنا نذوب وسط زحام المدينة ، الشوارع مسخت ، البيوت ، العمارات ، السيارات تحورت ، زخم وضجيج ، صراع ، وسباق نحو الذهاب أو العودة ، هذا يحمل حقيبة ، وهذا يحمل كتباً ، و آخر يحمل خبزاً ، وهذه تسير شبه عارية ، كل شيء يجري ، يجري ويلهث ، كشريط سينما أجبر على الإسراع بالمشاهد ، أو كأننا سقطنا في فيلم من أفلام (شارل شابلن) بحلة جديدة ، الألفاظ تتقافز حولنا من أناس يتحدثون بأجهزة صغيرة ، تشبه أجهزة العظماء ، نفهم بعضها ، والبعض الآخر لا يفهمنا ، ولا نفهمه ، كيف سنتعامل مع هؤلاء البشر؟ ، كيف سنتحدث إليهم؟ ، النساء تمردن ، الألوان أصبحت أكثر لمعاناً ، الإعلانات تتحرك بمنتجات جديدة ، لافتات المحلات تزهو بالأضواء والأسماء ، أشكال ملونة ، ووجوه مصورة ، أبطال لأفلام سينما نقرأ أسماءهم لأول مرة ، الناس تنظر إلينا كأننا بعثنا من الكهف ، لم نعد نعرف من أين نذهب ومن أين نأتي ، تهنا ، تفرقنا اختفى عني (محمد) وسط أبراج اللحم المتأفف ، سقطت يدي من يده دون أن أشعر ، أو يشعر هو ، دلفت إلى زقاق صغير ، شعرت ببعض راحة للماضي العالق على جدران المحال والمنازل المتهالكة ، الضوء خافت جداً ، و حرارة الجو مرتفعة ، من الممكن أن يأتي العظيم ليجس جبهته فيعلم أنه يفكر ؟؟ - ابتسمت – مازلت أبحث عن (محمد) ، أو عن طريق منزلنا ، لا أستطيع أن أفكر ، تجمد عقلي أمام اتخاذ القرارات وحسن التصرف ... سمعت صوتاً جهوراً يأتيني من بعيد ، الصوت يقترب ، من الشارع المجاور ، دفعني الفضول لاكتشاف الفاعل ، اتجهت نحوه ، وكانت المفاجأة ، بائع جوال يدفع أمامه عربة خشبية محملة بثمار البطيخ ، ابتسمت ، عندما حدثتني نفسي بأنني لأول مرة منذ خمسة عشر عاماً أرى بطيخة كاملة . 09/30/2007 - 10:07
القسم:


التعليقات
تحمل في كلماتك الإحساس بأبطال قصتك
والشعور القوي بهم وبأحلامهم وآلامهم
أعيش في قصتك بكل تفاصيلها
وتشير نهاياتها دائما إشارة واحدة
لكنها شاملة
وكأنك تدثر طبخة شهية بعد الانتهاء منها استعدادا لتناولها
تناولتها
وكلي اشتهاء للوجبة القادمة
تحياتي لقلمك الحساس
التحيات الطيبات من عند الله
كم أسعدني هذا التواجد الثري ، ورغم اقتصادك الحرفي في الرد إلا أنه لم يخل من الحرفية التذوقية ، وعين الأديبة .
احترامي لك
دائما ما أبحث بداخل سطورك عما ما هو أبعد من كلماتك الجميلة
ودائما يأتيني المعنى بكل جمال ليخترق الذاكرة ويظل فيها لأجل غير مسمى
ولكن محمد لي أستفسار عن العنوان
لماذا " شطيرة بطيخ " وليس " شريحة بطيخ "
في انتظار ردك
دمت بكل ود .. وتألق
دعـــاء
ود يليق بك
بداية أشكرك على تعقيبك واهتمامك الدائم ...
أما عن شطيرة وليس شريحة
الشطيرة : هي رقاقتان تحوي داخلها طعاماًً
الشريحة : هي قطع طولي أو عرضي في ذات الشىء
إذن فالشطيرة أكثر احتواء ، إذ أنها تحوي داخلها الكثير والكثير من الهموم ، معك أنها تختلف مع المعنى اللغوي لمفهوم شريحة البطيخ ، لكني هنا أردت التمرد حتى على مدلولات المعاني ...
أشكر ملاحظتك
تحيتي