ابحث
شيخ الحلم البعيد
شيخ الحلم البعيد
مهداة إلى كل حلم كان بعيدا عن كل العيون
ارتفعت الأكف والرايات تحي ذلك القادم من هناك , من أزمنة بعيدة , قادم لم تتبين ملامحه
بعد لكنه بدا واثقاً من نفسه , ومن كل ما جاء لأجله كانت حقيبة سفره تدل على أنه
غادر منذ وقت طويل , غادر أسفار الموتى وأساطير الأحياء , غادر ولم يبقى سوى
الحالمين يذكرونه :
- أنه هو .
- أجل ,, أطرق الجد ولم يزد شيئاً .
فيما كان القادم يوغل أكثر في الذاكرة , منذ خمسة آلاف عام , منذ ألف عام .. منذ الفتح
الكبير لم يبدو على القادم أنه هرم إلا بمقدار ما كانت الذاكرة أن تبتعد .
لقد أخبرهم أنه يحمل في حقيبته تلك المفاجئة , انتظر الكبار قبل الصغار ذلك الحدث ..
انتظر كل من في المدينة , وعلقت أعلام ورايات تبحث في ملامح هذا الغائب الحاضر عن
نشيد يعيد للمدينة بهجتها الأولى .
بحث بقية من حضر في سجل ذاكرته وعرفوه أنه هو لقد جاء من سفر بعيد وعليه أن يخلد للسكينة
والراحة .
كم قلباً فتح وحلماً أورق , كي يخلد هذا القادم للراحة , كانت الأكف ترتفع بتواتر وفرح كبير
, لقد جاء يحمل البشرى لكنه بحاجة للراحة .
قالوا أن الخيول التي تجر عربته تعبت من طول المسير .. خمسة آلاف عام ولازال كل من في
المدينة ينتظر بشارة النصر , بعد أن سقطت رهانات وأوهام وتهالكت الأسوار القديمة ,
وسرق التاريخ من عيون الصغار والشيوخ المتعبين , جاء يحمل البشارة وبين يديه ذلك
النور المقدس الذي سينير الطريق لكل من ينتظر .
طال رقاد الضيف وتكاثف الجراد في كل مكان وعلا المنابر والساحات والبيوت وهو يخط أسفار
الوهم لألف عام جديدة , وازدحمت الطرقات بالروائح النتنة , فيما لازال القادم
مصراً على غفوته والتاريخ يتسرب من بين أيدينا , علينا ان نقاوم , علينا ان نشعل
شمعة في كل بيت تذكر القادم بأنه عليه أن يفيق .
كان القمر الشاحب والواهي يقطع آخر أسفاره مع الخيوط الأولى للصباح , هلل الصبي بكل فرح وهو
يهتف :
- جدي أنظر لقد أفاق أخيراً .. هذه خيوله ..
هذه عربته القادمة إلينا .
هتف الناس في كل مكان وهم يطالعون القادم المسربل بألف بشارة يدخل المحراب ويقتح صندوقه وهو
يبتسم ويخرج ذلك الكتاب ويتلو بعض ما فيه.
كانت ملامح الجميع وعيونهم تتحرق لكل ما يقال وبعد أن انتهى ذلك الضيف , ترك في
خيالاتهم ذلك السر الصغير .
ومنذ ذلك اليوم والجراد يلاحق الكتب المقدسة أينما وجدت لأنها في كل ما تحتويه تخبرنا أن
الجراد سيفنى لا محالة كما كانت الكتب تسرد كل صفات ذاك الجراد البغيض لهذا فقد
باتت هذه الكتب نهباً لنيران مرات ومرات .. كل كتب التاريخ .. كل كتب المعارك كانت
تخبرنا أن الجراد راحل مع الصباح .
وقبل أن يرحل القادم في عربته الفاخرة , ترك سراً صغيراً في داخل رسالة وهو يغادر إلى
أزمنة أخرى , قيل أنه ترك حكاية سترصدها قلوب الصغار هناك .. وقيل أنه ترك موعد
الصباح القادم من خلف الحلم .. وقيل لا بل ترك أسم ذلك البطل المجهول والذي سيدخل
المحراب ليعلن الخلاص من كل لصوص الجراد قاطبة .
ومع الصباح تغير كل شيء تغير كل شيء وعبر الأفق قوس قزح لأول مرة منذ ألف عام كان هذا الصباح
صباح لا يشبهه صباح وهو يحمل ذلك العيد بين جوانحه .