You are here
صباح أبيض

صباح أبيض
محمد عبده عباسي
هذا الصباح حملت سنارتي و" عدة" الصيد والطعم اللازم ، الشمس لم تخرج بعد من مكمنها ، ثمة برودة تسري رغم فصل الصيف ، المدينة في سبيلها للاستيقاظ بعد ساعات من وسن لم يدم طويلاً ، تثاؤبة ما اعترتني أزحت بها كسلاً بغيضاً ، بحثت عن سيارة أجرة تقلني إلي ميناء الصيد ..
الطريق خالية ، هدأة الصباح الباكر لم يعكر صفوها إلا سيارات مارقة يقودها صبية صغار سرقوا المفاتيح من أبائهم ..
شق الهدوء صوت غناء ردئ توقفت علي أثره سيارة ، منحت السائق تحية وابتسامة ارتسمت في المرآة أمامه ، ردها بشبه وجوم وجفون منتفخة ، أشعل سيجارة فألهب حماسي لأقلده ، قال بلسان ثقيل :
ـ رحلة صيد ..
ـ نعم .
ـ الغاوي ينقط بطاقيته علي رأي الصبوحة ..
نفثت دخاناً خفيفاً ومددت يدي بنقود تفحصها جيداً :
ـ صباحك أبيض ..
الصباح بالفعل أبيض ، حجر سعيد يمتد مثل سيف دُك في فم البحر ، مراكب الصيد ترحل تباعاً لتلقي شباكها بعيداً ، ثمة ضجيج من الميناء يأتي تحمله الريح الخفيفة ، الهواء مشبع بيود البحر والنوارس تمارس هوايتها في التقاط الرزق من بين الأمواج ..
مكاني الذي اعتدت الجلوس فيه للصيد هو نتوء صخري حفرته الطبيعة ، تجويف مثل حضن دافئ ..
ثمة رجل يحتله الآن ، تنحنحت كي أنبهه لوجودي ، لم يبال ، ألقيت عليه التحية لم يأبه ، أعدتها لم يرد :
ـ يبدو أنه أصم ..
قلت لنفسي وأنا أشعل سيجارة كي يصله دخانها ، تغافل ثم أطلق صيحة مدوية :
ـ الله أكبر ..
ورفع سنارته لأعلي وهو يضم سمكة كبيرة إلي صدره ثم واراها بين حاجياته ، عاد ليلقي السنارة ثانية ، سحبها فخرجت بلا صيد ، نظر لي كمن يلومني :
ـ مكاني ...
أشرت بسبابتي ، ضحك مقهقهاً في سخرية:
ـ ليغرب الصبي عن وجهي الآن ، وإلا.....
وددت لو أحمل صخرة أحطم بها رأسه المفلطحة وأنتهي منه بعد أشعلت سخريته الدم في عروقي :
ـ يبدو أن الصباح لن يكون جميلاً ..
قالها وهو يتأهب لان ينقض علي ليفتك بي بعد أن ألقي بسنارته بعيداً وشمر عن ساعدين نحيلين وهرش في شعره المجعد الكثيف ، قلت له :
ـ هذا مكاني منذ زمن بعيد ..
امسك بتلابيبي بشكل زري ، قال في سخرية ورائحة من الدخان العفنة تخرج من فمه :
ـ أرني وثيقة ملكيته ..
دفعته بقوة فكاد يترنح ، تدخل جندي الدرك في الوقت المناسب ، وهدده :
ـ من العيب أن تفعل ذلك مع رجل محترم ، من الآن فصاعداً عليك الحصول علي تصريح بالصيد ..
عاد ضعيفاً يتمسح في الجندي مثل حمل وديع: ـ سافعل ، الآن أنا في حاجة لإطعام عيالي ..
نبهه الشرطي :
ـ يجب أن تحترم نفسك أيضاً ، هل سمعت؟
ـ ولكن ..
قاطعه :
ـ ولا كلمة ..
لم يمنحني البحر سمكة واحدة بينما انهمك الرجل في صيده الوفير ، علت الشمس زاحفة نحو السماء ..
غادر الرجل المكان بعد أن هربت الأسماك إلي قاع البحر فقد سخن سطح الماء ، كانت جموع الصيادين تغني عائدة في كورال واحد:
ـ طلعت يا محلا نورها ...
والرجل يردد معهم ثم أشار لي :
ـ هذا مكانك قد خلا الآن ..
ثم أطلق ضحكة مدوية راحت تطارد النوارس فملأت الفراغ الشاسع بين البحر والسماء ..
* * *
الطريق خالية ، هدأة الصباح الباكر لم يعكر صفوها إلا سيارات مارقة يقودها صبية صغار سرقوا المفاتيح من أبائهم ..
شق الهدوء صوت غناء ردئ توقفت علي أثره سيارة ، منحت السائق تحية وابتسامة ارتسمت في المرآة أمامه ، ردها بشبه وجوم وجفون منتفخة ، أشعل سيجارة فألهب حماسي لأقلده ، قال بلسان ثقيل :
ـ رحلة صيد ..
ـ نعم .
ـ الغاوي ينقط بطاقيته علي رأي الصبوحة ..
نفثت دخاناً خفيفاً ومددت يدي بنقود تفحصها جيداً :
ـ صباحك أبيض ..
الصباح بالفعل أبيض ، حجر سعيد يمتد مثل سيف دُك في فم البحر ، مراكب الصيد ترحل تباعاً لتلقي شباكها بعيداً ، ثمة ضجيج من الميناء يأتي تحمله الريح الخفيفة ، الهواء مشبع بيود البحر والنوارس تمارس هوايتها في التقاط الرزق من بين الأمواج ..
مكاني الذي اعتدت الجلوس فيه للصيد هو نتوء صخري حفرته الطبيعة ، تجويف مثل حضن دافئ ..
ثمة رجل يحتله الآن ، تنحنحت كي أنبهه لوجودي ، لم يبال ، ألقيت عليه التحية لم يأبه ، أعدتها لم يرد :
ـ يبدو أنه أصم ..
قلت لنفسي وأنا أشعل سيجارة كي يصله دخانها ، تغافل ثم أطلق صيحة مدوية :
ـ الله أكبر ..
ورفع سنارته لأعلي وهو يضم سمكة كبيرة إلي صدره ثم واراها بين حاجياته ، عاد ليلقي السنارة ثانية ، سحبها فخرجت بلا صيد ، نظر لي كمن يلومني :
ـ مكاني ...
أشرت بسبابتي ، ضحك مقهقهاً في سخرية:
ـ ليغرب الصبي عن وجهي الآن ، وإلا.....
وددت لو أحمل صخرة أحطم بها رأسه المفلطحة وأنتهي منه بعد أشعلت سخريته الدم في عروقي :
ـ يبدو أن الصباح لن يكون جميلاً ..
قالها وهو يتأهب لان ينقض علي ليفتك بي بعد أن ألقي بسنارته بعيداً وشمر عن ساعدين نحيلين وهرش في شعره المجعد الكثيف ، قلت له :
ـ هذا مكاني منذ زمن بعيد ..
امسك بتلابيبي بشكل زري ، قال في سخرية ورائحة من الدخان العفنة تخرج من فمه :
ـ أرني وثيقة ملكيته ..
دفعته بقوة فكاد يترنح ، تدخل جندي الدرك في الوقت المناسب ، وهدده :
ـ من العيب أن تفعل ذلك مع رجل محترم ، من الآن فصاعداً عليك الحصول علي تصريح بالصيد ..
عاد ضعيفاً يتمسح في الجندي مثل حمل وديع: ـ سافعل ، الآن أنا في حاجة لإطعام عيالي ..
نبهه الشرطي :
ـ يجب أن تحترم نفسك أيضاً ، هل سمعت؟
ـ ولكن ..
قاطعه :
ـ ولا كلمة ..
لم يمنحني البحر سمكة واحدة بينما انهمك الرجل في صيده الوفير ، علت الشمس زاحفة نحو السماء ..
غادر الرجل المكان بعد أن هربت الأسماك إلي قاع البحر فقد سخن سطح الماء ، كانت جموع الصيادين تغني عائدة في كورال واحد:
ـ طلعت يا محلا نورها ...
والرجل يردد معهم ثم أشار لي :
ـ هذا مكانك قد خلا الآن ..
ثم أطلق ضحكة مدوية راحت تطارد النوارس فملأت الفراغ الشاسع بين البحر والسماء ..
* * *


التعليقات
تحياتي ومودتي
محمد عبده العباسي
أنت من سوريا أليس كذلك؟
تحياتي لك ودمت صديقا من أي مكان كنت
مصر وسوريا لم ينفصلا أبداً وكان شاعرنا الرائع علي بك الجارم قد كتب قصيدة شعر بدأها
لمصر أم لربوع الشام تنتسب هنا الفخار وهناك المجد والحسب
ياصديقي العزيز أنا مصري وأعشق سوريا حتي الثمالة ، ولي أصدقاء في بلاد الشام قاطبة ..
وقد زرت سوريا ومشيت في سوق الحميدية ، وأنا متيم بدمشق
بلدي مصر ومدينتي بورسعيد تقع علي البحر المتوسط وعلي رأس قناة السويس
لك مني خالص الود والمحبة ..
وأهديك أغنية لفيروز تغنيها لدمشق من كلمات وألحان الرحابنة"
لي فيك عهد أعيش به عمري
ويسرقني من حبه العُمر
عهد تأخر يوم في الخريف بكي
وصاحباك عليه الريح والمطر
هنا التربات من طين ومن طرب
وأين في غير شام يطرب الحجر ؟
مصر أم الدنيا
مصر التي في خاطري وستبقى مصر العروبة والرجال الاشداء رجا حرب اكتوبر شركاء سورية والعرب في السراء والضراء
اتمنى أن ازور مصر يوما وأن اسير في خان الخليلي وأزور الاهرامات
شكرا على كلماتك وليتنا نلتقي
مودتي العميقة
مصر كلها ترحب بك في أي ساعة
كما ترحب بكل عربي في أرجاء المعمورة
تفتح له ذراعيها
وتسكنه سويداء القلب فكل أمنياتك
ليست ببعيدة
أهلا بك في أي وقت
محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر
أخي محمد
إدمان الصيد لايكتمل إلا بتلك الصباحات البيضاء
جميلة لعبة الصيد بكل ماتحتويه من صبر
اعشق الصيد وليس هناك أروع من سنارة تخرج وهى تُقبل سمكة بالرغم من أنها قبلة الموت الأخيرة
سرد صباحي مشرق ممتع
دمت مبدعا ياابن البحر
مودتي واحترامي
علي حسن قراءتك للقصة
فتلك والله هواية تعلمناها منذ الطفولة
فالبحر هو الذي تجري مياهه في دمائنا
والأجمل كما يقول الشعر البحريني قاسم حداد
" طوبي لمن يري البحر من بيته"
والحمد لله فأنا أري البحر من شرفة بيتي ومن نافذتي
أدعو لك بدوام التوفيق
والتواصل
وشكراً علي حسن ظنك بي
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر
حين أكملت قراءة القصة ، قلت في نفسي " رحم الله بدر شاكر السياب "... قد يسأل سائل : وما علاقة هذه القصة بالسياب ؟
سيكون جوابي : العلاقة تتمثل في أن قصيدة حفار القبور للشاعر الرائد بدر شاكر السياب تتناول الحقيقة الفنية ... وقصة صباح أبيض تتناول هي الأخرى الحقيقة الفنية .. العلاقة بينهما كالآتي :
المؤكد أن حفار القبور ( أي حفار قبور في الدنيا ) سيموت جوعا حين يكفّ " عزرائيل " عن حصد الأرواح ... والمؤكد أيضا أن كل حفار قبور ، حين يخرج من بيته صباحا ، يقول مع نفسه : " إرزقني يا رب "... هذه هي الحقيقة الفنية ... انها تتناول المشاعر المشتركة للإنسان ، وليس الوقائع والاحداث ..
الأدب الجميل هو الذي يتناول الحقائق الفنية وليس التأريخية ـ لأن علم التأريخ هو المعنيّ بالحقائق التأريخية .
هل في قصة صباح ابيض حقيقة فنية ؟
نعم بالتأكيد ـ بل هي تخلو من حقيقة تأريخية حتى لو كان موضوعها قد حدث في تاريخ معين ومكان معين ...فالجانب الفني في القصة أكثر وضوحا من الجانب التوثيقي .
الحقيقة الفنية في هذه القصة تتمثل في أنّ الصباح كان أبيض بالنسبة لسائق السيارة وللصياد الذي اصطاد سمكا ً كثيرا ... البياض لم يكن ـ بالنسبة للسائق والصياد ـ ناجما عن صفاء النهار وعذوبة الجو ، إنما هو ناجم عنالكسب المتحقق في ذلك الصباح ... هذا الصباح الرائق ذاته ، هو صباح معتم بالنسبة للقاص الذي خرج بسنارته وطعوم الصيد على أمل العودة بصندوقه مليئا بسمك ـ وليس فارغا ..
وإذن ؟ أليست هذه حقيقة فنية ـ يشترك بها كل الناس ؟
قصة تقول ماهو جوهري ... اللغة فيها رائقة مثل صباح أبيض ... لكن العزيز محمد عبدة قد أخطأ في استخدام حرف الجر " في " .. حين كتب : " قال في سخرية ورائحة المكان .... " و " انهمك في صيده الوفير ... " والصواب استخدام حرف الجر " الباء " لأن " في " تتعلق بالمكان و" الباء " هو المختص بما يسميه النحاة " الإلصاق مثل : أمسكت بالسمكة ... و" الاستعانة " مثل : اصطدت بالسنارة ... و : المصاحبة " مثل : إشرب بصحة وعافية ... و : الظرفية " مثل : الصيد جميل بالليل .. " البدل " مثل : باع الوطن بكرسي السلطة ... و " " القسم " مثل : حلفت بالله ... و " السببية " مثل : واجهت بصيدي الأهوال َ و " التعدية " مثل : عاد محمد عبدة عباسي بسنارته الى البيت من دون سمك ...( وللباء استخدامات أخرى منها التوكيد ووتأتي أحيانا بمعنى " عن " و " على " و " الى " ـ ولكنها لا تأتي بمعنى " في "..
مثل هذه الهنات اللغوية تبدو غير منظورة للكثير من القراء ... وقد لا يُنتبه لها بالمرة ... لكنني افترضت ( مجرد افتراض ) أن الإشارة اليها قد تكون نافعة ما دام أن مثل هذه الاشارة تخلو من ضرر حين ذكرها .
محبتي للمبدع محمد عباسي .
تحياتي لك وشكري الكبير علي اللحظات التي قضيتها في القراءة
وأمنيتي أن نظل علي دوام التواصل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر