You are here
طبق المشمش
.jpeg)
طبق المشمش
د. رضا صالح
بالأمس هاتفنى أحد أقربائى من القاهرة ؛ قال لى :
سوف آتى إليك فى المدينة ؛ لكى نذهب سويا إلى العزاء ..
قلت فى محاولة للتنصل ؛ تكاد تكون غريبة :
الجو كان حارا هذه الليلة ؛ ولم أنم جيدا ؛ ظللت ساهرا طوال الليل تقريبا..
رد متجاهلا:
أتدرى أن الكوكب ساتورن قد اقترب من الأرض فى هذه الليلة ، وقد أذاعوا هذا الخبر فى روسيا بالأمس .
سألته :
آه ساتورن ...
قال :
نعم .. زحل... أنت تعلم طبعا زحل وأوارنوس ونبتون وبلوتو ..
قلت :
طبعا طبعا ...
ساتورن هو السبب فى بقاء أعداد كبيرة من الناس ساهرة على وجه الأرض بسبب هذا الاقتراب ؛ ولكن دعنى أقول لك : هذا واجب ولا ينبغى التأخر عنه أو تجاهله...
---***---
قبيل وصولى إلى دار المناسبات ؛ لفت انتباهي سيدة تحتضن رضيعا ؛ أمامها يلهو طفلان ؛ كانت تنظر بابتسامة عذبة إلى زوجها الممدد جوارها على ناصية الطريق ، وقد ربط ساقه السليمة ؛ أما الأخرى فهى مبتورة – كما هو واضح - أعلى الفخذ ؛ رأيت أحد المارة وقد خرج من سيارته ووضع فى حجر السيدة مجموعة أوراق مالية تحسب بعشرات الجنيهات على الأقل ..
---***---
فى جلستى بالسرادق ؛ جوار قريبى ؛ عالم الفلك؛ تداعت إلى الذاكرة بعض أحداث الماضى القريب والبعيد .
لم يكن بين أسرتنا وعائلة المرحوم أى صلة تذكر ، ربما كانوا يعرفوننا كما أعرف أنا هذا الكوكب ساتورن من بعد. فالمسافات بيننا كانت – وماتزال- شاسعة ؛ لا أعرف منهم سوى لقب العائلة ، وربما لا أعرف وجها واحدا ؛ ربما نلمح بعضنا بعضا دون أن ندرى أن هناك صلة رحم ؛ فقد انمحى من الذاكرة ما كان على السطح فبها ، من صور لأشخاص ربما نكون الذاكرة قد اطلعت عليها مرة أو مرتين أو ثلاث على أكثر تقدير ، كان ذلك منذ أيام الطفولة البعيدة... أين ذهبت تلك الأيام ؟ راحت الأشكال فى طى النسيان مع فعل الزمن وتراكم السنين , ربما يكون تواجدى بالسرادق محل تساؤلاتهم : من هذا الشخص ؟ و ما الذى أتى به إلينا ؟ أحقا للعزاء؟
كنت عازفا عن الذهاب ؛ أى والله !! ليس شماتة ولا خجلا ؛ ولكن ترفعا عن أى ظنون أو هواجس قد تخطر على البال ..
مضى زمن بعيد منذ أن كانت أمى تحكى لنا عن أبناء عمومتها الذين ورثوا تلك الحديقة المثمرة ، التى لم يكن لشجر المشمش بها عدا ولا حصرا ؛ وحظيرة مفعمة بالماشية ؛ بالإضافة إلى منزلين يقعان فى وسط المدينة ؛ جاوز سعرهما ملايين الجنيهات فى أيامنا هذه ..ورثوا ذلك عن أبيهم الذى ورثه عن جدهم ؛ فقد توفى أبوها – جدى - قبل أخوته الذين ورثوا الجمل بما حمل ، وأهمل الكبار أبناء أخيهم المتوفى ، نعم !! أهملوا هؤلاء الأيتام – أمى وأخواتها- الذين لم يكن لهم فى الدنيا ظهر ؛ ولا فى الجمع شهادة كما يقولون.
---***---
كل عام كان يأتبنا طبق ملىء بالمشمش عن آخرة ؛ كنا نفرح به ؛ تقول أمى :
هذا المشمش الحلو هو ميراث أبى من حديقة جدى!.
لم نكن نهتم ؛ كان المشمش لذيذا ؛ نجمع البذور ، ونكسرها بالشاكوش أو بكسارة البندق ،التى كانت تتواجد عادة فى منازل عديدة – دون بندق- نستمتع بطعم البذور الخالى من المرارة .
كانت تردف أحيانا:
رحمك الله يا أبى ؛ فقد خطفك الموت مبكرا..
---***---
بعد انتهاء العزاء؛ جلس أحدهم إلى جوار قريبى ؛ همس له قائلا : المرحوم صرف أموالا طائلة على العلاج ؛ ذهب إلى أرقى المستشفيات وأكبر أساتذة الطب ، باع الحديقة التى كانت نصيبه ، وصرف ثمنها كله تقريبا ..اقترب منى برأسه ، لم أكن أعرفه ؛ قال لى قريبى العالم ؛ الجالس إلى جوارى :
هذا فلان؛ قريبك...
قلت له:
أهلا...
نظر إلى قائلا :
كيف حال أبيك ؟
قلت:
توفى من زمن..
تصنع الاهتمام قائلا:
ياه... منذ متى ؟
قلت :
منذ حوالى عشر سنوات ..
لم نكن ندرى ؛ لم يقل لنا أحد ..
والوالدة كيف حالها ؟
أجبت :
الحمد لله
أهى بخير ؟
نعم ؛ رحمها الله..
استكمل اهتماما زائفا وهو يقول:
أقد ماتت؟
قبل أبى بأكثر من عام .
خرجت من العزاء وطعم الملح الممزوج بالمرارة فى فمى ؛ ولكن قلبى كان فى راحة ، فقد رأيت شعاعا من الحقيقة؛ لم يكن ليسطع لولا أن أقحمت نفسى فى هذه المهمة؛ فى ذلك المساء الحار عالى الرطوبة .
د.رضا صالح- السويس 2006
09/01/2006 - 22:56
القسم:


التعليقات
اينها في قصتك
ما فرق القصة عن القصيدة اذن....
سرنى ردك ..
أرجو معالجة اضطراب فهمى
هل كلامك يقصد به المدح؟ أم هو عكس ذلك ، أرجو ايضاح رأيك أكثر
أشكرك ..
سرنى ردك ..
أرجو معالجة اضطراب فهمى
هل كلامك يقصد به المدح؟ أم هو عكس ذلك ، أرجو ايضاح رأيك أكثر
أشكرك ..