You are here
عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد

عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
شوقي عبد الحميد يحيى
إذا كانت الغربة والاغتراب قد أصبحت سمة عامة في كتابات الشباب ، فإن التعبير عنها قد اختلف من كاتب لآخر . وكما قيل إن الأفكار علي قارعة الطريق ، لكن التعبير عنها هو الذي يميز كاتبا عن آخر . فإذا كانت الوقائع من حولنا ازدادت تأزما ليصح ضغطها فوق ما نحتمل ، فكان الهروب والعزلة هي الحل في الكثير من الأعمال ، فإن ما حدث ويحدث يرعبنا ، يصيبنا بالخوف ، والخوف يجعلنا ننكمش و نتقوقع علي أنفسنا ، تصيبنا الهلاوس والهواجس ، فهي أيضا نوع من العزلة ، وإن كانت عزلة حركية ، لكنها حركة في المكان ، حركة من النوع الاستاتيكي ، والتي تصبح أقرب للجلبة منها للفعل ، وتلك كانت حياة عباس العبد ، أو تلك كانت حياة كائن أحمد العايدي في روايته " أن تكون عباس العبد " .[1]
وإذا كانت هزيمة يونيو 1967 قد أصابت جيل الستينيات بالدوار الذي أدار برؤوسهم وأفقدهم الوعي حين اكتشفوا أنهم واقفون علي ألاأرض ، فإن الجيل التالي قد تفتحت مداركه علي تيه وضياع ، فقدوا الإيمان والأمان والثقة في الأباء ، وتشككوا في الأخوة ، فإذا بالراوي في " أن تكون عباس العبد " يصرح لنفسه ، قبل أن يصرح لقارئه :
{ .. قل لنفسك ما تقوله للآخرين ، لكن لا تصدقها . في مصر كان هناك جيل " النكسة " . نحن الجيل الذي يليه . جيل "معنديش حاجة اخسرها " . نحن جيل من المتوحدين نحيا تحت السقف نفسه ، مع غرباء لهم أسماء تشبهنا .
هذا أبي ، وتلك أمي ، وهؤلاء ، حتما أخوتي .
أنت تحلق ذقنك في المرآة وتصفر ثم تصطدم بأخيك – صدفة – في طريقك نحو غرفتك ، وكأنه نزيل أجنبي في الفندق نفسه ...} [2] . فالعزلة قائمة في أشد الأماكن أنسة وأمان ، وأصبح الفرد واحدا متوحدا مع ذاته ، وعندما تشتد الوحدة تشتد الخيالات ، ويشتد الخوف ، ويضغط الخوف ، ليصبح الخوف من كل شئ :
{ .. [ بانو فوبيا ] الخوف من كل شئ .
"متخافش" ..
[ فوبوفوبيا ] الخوف من الفوبيا .
" متخافش " ..
[ إيلوثروفوبيا ] الخوف من الحرية .
"متخافش " ..
[ ...] الخوف من ...
[ ... ] الخوف من ....
[ ... ] الخوف من ... } [3] ويتحول الخوف والوحدة إلي حالة مرضية ، فينقسم الفرد كما لو كان يتوالد ، أو كما الأميبا تنقسم علي نفسها ، ويصبح الراوي ليس وحيدا ، بل ينقسم منه صديق في المكان ، مضاد في الاتجاه ، ذلك هو عباس ، عباس العبد ، العبد للخوف :
{ .. لم أسأله عن اسمه . ولم أعرف ما لون مشروبه المفضل . كان صامتا طوال الوقت ، يتجاهله الآخرون وكأنه هواء . ..}
{ .. يبتسم ( عباس ) ويقول :
وأنا إيه وانت إيه ، ما وانت واحد .. } .
وبينما يكون الراوي أشبه بالبكر ، الخالي من التجارب ، يكون عباس هو النقيض ، ويوضح الحوار التالي مدي المسافة بين الأصل والصورة ، بين الراوي وعباس :
{ .. لا أعرف كم مكثت مع (عباس ) ، لكنها فترة تكفي ليتحول صوته لمذيع في قناة ( استاكيوس) .
يقرر ( عباس – لسبب مجهول – أن يجني ثوابا لأن :
" شكلك مش عاجبني خالص ، قولي يا شقيق ، ايه نظام الحريم معاك ؟ "
" مش فاهم "
" انت هتتصلبط عليا ، باقولك ايه نظامك في الحريم ، يعني مصاحب ، مرافق ، كده يعني "
والله فيه حاجة بس مش متأكد إذا ..
شاهندة ؟؟
تقدر تقول كده
رّكّبِت الفيشة ولا ..
متحترم نفسك يا بني آدم شوية
يابا حقك ع اللي جابوني ، أنا قصدي وصلتو لفين ؟
أطرق برأسي مفتونا بالأرض و ..
يعني بنتكلم كل يوم ، خرجنا مرتين تلاتة ، الجو ده ، انت فاهم
أكنت أكذب ؟
ربما
اااااااااااه ..ايوا أيوا .. انت فاصل الكهربا .. هممم .. أستيكة يعني
أستيكة يعني ايه ؟؟؟
يعني ميح .. فيسو .. أبيض .. الباكو لسا بالأستك .. البغبغان لسا مشخش في القفص .. ملعبتش عريس وعروسة .. أقول كمان ؟ } [4] .
وليس هذا ما يحاول الراوي المستوحد به أن يؤنس وحدته في محاولة الاكتمال ، بل إنه يختلق مغامرة نسائية ، يسوق إليه ( عباس ) فتاتان لهما نفس الإسم ( هند ) ليقابلهما معا في نفس المكان ونفس الزمان ، إحداهما في الطابق الأول – وربما كانت تمثل الطابق السفلي منه ، بطبيعة شخصيتها واتجارها بجسدها – والأخري ( هند ) أيضا في الطابق الثاني – وربما أيضا تمثل الجانب الأعلي منه بطبيعة شخصيتها كذلك وطريقة حديثها – وكأن إحداهما للحب والأخري للمادة ، أو للتطهر ، حيث هي التي تساعده في محاولة الايقاع بعباس في يد البوليس ، وكأنه الجاني يبلغ عن جريمته في محاولة للتطهر أو التخلص من عبئ ما فعل ، أو أنه الانتحار الذي يصبح المخرج أمام من تزايدت عليه الضغوط النفسية .
وليس ذلك – أيضا – فقط ، وإنما يزيد الراوي من الوجود حوله ، فيختلق كذلك شخصية عوني ، الطبيب النفسي ، من نفسه كذلك حيث يتضح أن عوني ليس إلا الراوي ذاته{ تقولها (هند الغزالي ) بينما تقترب الأخري مني وتحتضنني في صمت ، فأدفعها بغلظة فتسحب في اندفاعها الطاولة لتنقلب معها .
بعد موت ( عبد الله ) لم يبق سواي : ( عباس ) / ( عوني ) .
اتجه نحو ( عباس ) الذي أشار بكفه نحو الحافة وقال : " اتفضل يا برنس المنط من هنا .
نحن لسنا بقايانا ، ولا نشبه من نكون .
الجمهور مستنيك تحت ، ومالي الدنيا صفافير .. سامعهم ؟؟
عوني .. عاوني .. عايزين عوني
لأنك تريد لموتك أن يملأ العالم ، تريد أن يشاهد الناس صورتك ونخاعك يغطي الأسفلت .. }[5]
وفي المقابل يختلق شخصية " شاهندة " وكأنه – كما سبق أن ذكرنا – الأميبا المنقسمة التي سرعان ما تصبح عددا من الخلايا بعد أن كانت مجرد خلية واحدة .
ولم يكن الخوف وحده هو ما يضغط وجود الراوي / عباس ، وإنما كفرد مصري يحمل علي أكتافه تاريخ من الحجارة التي أثقلت كاهله حتي بات ينوء بحملها ، ويري خلاصه في الخلاص أو التخفف منها :
{ .. هنا انفجر ( عباس ) كمجرور لم يعد يطيق الاهانة .
أتريد أن تتقدم ؟؟
إذن احرق كتب التاريخ ، وانس حضارتك الميتة الثمينة .
توقف عن استحلاب الماضي .
اتلف تاريخك الفرعوني .
ثم توقف ، رجاء ، عن ثقب جدار جديد في الهرم .
بم سيفيدك اكتشاف المدخل الحقيقي أو معرفة ( الأنتريه ) الذي كان يستقبل فيه الفرعون الأعظم ( سبوبته ) من مبعوث دولة صديقة قبل تقديم ( البيتفور ) له ؟؟؟
حاول الاستغناء عن تجارة الموتي . سننجح ، فقط عدما نحول المتاحف إلي مراحيض عامة ..}[6] .
وفي لحظات اليأس يلجأ المأزوم إلي ما يتيه عقله ، إلي المخدرات والحبوب التي يري فيها انعتاقه وتحرره :
{ .. ممكن أعرف حضرتك إيه الحبوب دي ؟
يقولها شاب خجول قصير القامة ، فتبتسم ( شاهندة ) وتقول :
دا علاج جديد يا علاء اسمه (بارتاكوزين )
تريد الانعتاق ؟ أن تكون حرا . لو كنت تريد أن تحيا حياتك بالطول والعرض فهذه فرصتك .. } [7] .
تلك كانت عناصر الخطاب الذي أراد أحمد العايدي أن يبثه عبر عباسه العبد الذي يسعي لللانعتاق . والذي حاولنا تجميع أشلائه من نواصي النص المحكم الذي يبدو غير ذلك ، وبإسلوبه ولغته التي جاءت متميزة معبرة عن جيل ضائع تائه ، له لغته الشبابية التي هي لغة النواصي في تجمعات الشباب في شوارع مصر . والذي أراده مغايرا متخليا عن إسلوب السرد التقليدي فجاء ك
التجديد في الثوابت :
يقول آلان روب جرييه[8] :
( ليست المشكلة هي تأسيس نظرية أو قالب موجود سلفا نصب فيه كتابة المستقبل . وعلي كل روائي ، وكل رواية ، أن يخترع شكله الخاص ) .
والواقع أن أحدا لا يستطيع اختراع شكل خاص به دون الاستناد إلي الموروث من تقاليد الكتابة المتعارف عليها ، وإلا أصبحت الأمور دون ضابط ، ويكون لكل أن ( يشطح ) وفقما اتفق ، وحينها يقول أن هذا تجديد وتطوير ، ولكن الأمر يتطلب – في نظرنا – ضرورة ( هضم ) القائم حتي أستطيع التمرد عليه أو تطويره أو من خلاله تقديم ما يحمل خصوصيتي ، وهذا ما فعله أحمد العايدي في " أن تكون عباس العبد " .
فإذا كانت الرواية التقليدية تقوم علي العناصر الأربعة الحاكمة ( الحدث / الفعل ، الشخصية / الفاعل ، الزمان / التوقيت ، المكان / مسرح الحدث ) .
وإذا كنا قد ذكرنا في دراسات لأعمال سابقة ، أن الرواية الجديدة في بدايات القرن الجديد ( القرن الواحد والعشرين ) قد تخلت عن الكثير من تلك العناصر ، خاصة الحدث أو الفعل وكذلك الشخصية ، فإننا لا نستطيع أن ندعي بتغافلها كلية ، ولكن ما يؤكد قيام هذه الأعمال علي أسس صحيحية ، هي محاولة الثورة عليها ، أو التجديد فيها ، تحقيقا للخصوصية والتجديد ، وعدم الالتزام بها حرفيا .
فإذا ما أردنا تحقيق ذلك علي روايتنا هذه " أن تكون عباس العبد " لاستطعنا دون مجاهدة الوقوف علي سعيها الواضح في شق طريق خاص بها ، ولقلنا بوضوح أن لأحمد العايدي شخصيته الخاصة في الكتابة – وكما سبق أن أوضحنا كذلك أن الرواية الأولي هي التي تحدد شخصية الكاتب وتعطي بطاقة تعارفه مع القارئ - ، فإنه لم يهدم المعبد القديم تماما ، وإنما هو استفاد منه كقاعدة بني عليها معماره . فكيف كان ذلك ؟
الحدث / الفعل :
يتجلي هذا العنصر أكثر ما يتجلي ، في الروايات البوليسية التي تعتمد علي فعل محدد قام به شخص ما ، ثم يمتد هذا الفعل ، أو يتفرع عنه ، عملية البحث عن الفاعل . وفي رائعة الكاتب العالمي نجيب محفوظ " اللص والكلاب " نستطيع تحديد الحدث الذي هو البؤرة التي تتحرك منها الخيوط وتتشعب في تلك الدروس التي يلقنها " رءوف علوان " ل " سعيد مهران " الذي يعتبر هو التجسيد الحي لأفكاره ، حيث منه تأخذ الخيوط امتداداتها ، وتأخذ الرواية استمراريتها . وحيث كان الزمن زمن فعل ، أو الحث علي الفعل .
أما وقد غاب الفعل في الزمن الحالي ، وانحصر في طبقة الحكام ، أو تحديدا في شخص الحاكم ، وأصبح المواطن العادي مهمشا ، لا فعل له ، فقد غاب الفعل في الرواية الآن .
ففي " أن تكون عباس العبد " نستطيع القول أنها بلا فعل أو حدث ، اللهم إذا اعتبرنا تلك المقابلة بين الراوي والفتاتين " هند " و " هند " هو حدث ، خاصة أنه هو الذي أدي إلي النتيجة النهائية في الرواية – كتابة رقم الموبايل في المراحيض – علي أنه الرغبة في الانتحار ، التي تراود الراوي ، والتي يراها المخرج من أزمته ، أزمة الوطن ، وأزمة العصر .
إلا أن هذا الحدث يتوه في غمرة التصويرات التي يقوم بها الكاتب للتعبير عن ضغوط الوطن ، وضغوط العصر ، فلم يعد هو الحدث الفاعل الضاغط علي القارئ ، الذي يسيطر عليه طوال عملية القراءة أو بعدها ، إذ ما يتبقي في النهاية ؟ ، إن ما يتبقي بعد القراءة هو تصوير الفرد المنسحق في هذا الوطن ، وهو التيمات ، أو الافيهات التي تصور فرد هذا العصر ، خاصة أن الكاتب أمعن في تضفيرها بين السطور بصورة مكثفة وضاغطة ن حتي يمكن القول أنه أوقع القارئ في أثرها ، خاصة تلك المتعلقة باصطلاحات العصر ، من لغة الشباب ، واستخدامات أجهزة العصر مثل الموبايل والكمبيوتر ، وما يرتبط بها من اصطلاحات ، بحيث باتت ضاغطة الوجود علي القارئ ، مثلما هي ضاغطة الوجود علي إنسان هذا العصر .
فنستطيع إذن القول أن الحدث الذي هو العمود الفقري في الرواية – فيما سبق – استعيض عنه ، وأصبح شبه حدث – إن جاز التعبير - ، أو هو تواري دوره وتراجعت أهميته ، وأخلي مكانه للتصوير العام لأحوال الوطن ، أو للفرد في هذا المجتمع .
الشخصية / الفاعل :
لا أعتقد أن أحدا ينكر أن أكثر النماذج وضوحا في تحديد معالم الشخصية ، هي شخصية السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ ، تلك الشخصية التي استطاع نجيب محفوظ أن ينحتها بإزميل نحات ماهر ، حتي يتبين القارئ أنها شخصية حية بيننا ، تجسدت علي الورق من لحم ودم ، فيها من الشخصية الحية كل مقوماتها ، في لحظات قوتها ولحظات ضعفها ، في الاحساس بمشاعرها ، والوقوف علي انفعالاتها ن حتي باتت نموذجا للشخصية الروائية ليس علي مستوي الأدب العربي فقط ، وإنما في الأدب العالمي أيضا ، مثلما شخصية هاملت في رائعة شكسبير الشهيرة ، وشخصية " عبد الهادي النجار " في " زينب والعرش " للرائع فتحي غانم . ولا شك أن خلق مثل هذه الشخصيات جاء في عصر كان للشخصية وجودها ، ممثلة في بروز بعض الشخصيات القومية – علي المستوي السياسي أو الثقافي – لها وجودها وتأثيرها الفاعل ، فكان وجود الشخصية الفاعلة والمؤثرة في ذلك الحين ، يتفق وطبيعة المجتمع والعصر . فما هي حدود الشخصية في رواية القرن الجديد ، وفي رواية العايدي نموذجا ؟
طبيعة المجتمع و العصر في هذا القرن – رغم أن البعض قد يعترض بأنه لم يمض منه الوقت الذي يمكن معه تحديد معالم له – إلا أن ما يقد الأن ليس ابن هذه السنوات ، وإنما وضعت بذرته في أواخر القرن الماضي وبدأت هذه الثمار في الانبات ، أقول أن طبيعة المجتمع باتت لا تنبت تلك الشخصية الفاعلة ، اللهم شخصية الرئيس المصنوعة من جموع المنتفعين حوله ، ليس في مصر وحدها ، وإنما في كل بلاد المشرق العربي ، وباتت كل الشخصيات من حوله نماذج باهتة ، هلامية ، تعيش وتفعل مثلما يراد لها أن تفعل . فجاءت الشخصيات في روايت هذا الجيل مثلها ، باهت ، هلامية ، غير واضحة المعالم . فها هي شخصية الراوي ، أو عباس العبد ، هي بالفعل شخصية عبد ، عبد للماضي ، لا وجود لحاضرها ، عبد للخوف من المستقبل ، فجاءت مسحوقة مهزومة مستسلمة لما يفعل بها . إلا أنها لا تعدم بعض مواقف المقاومة التي قد تظهر علي استحياء ، لتؤكد وجود عنص الشخصية / الفاعل ، ولكن بما يتواءم مع طبيعة العصر . فالراوي – في " أن تكون عباس العبد " ، لا نعرف عن ماضيه شئ ، ولا كيف تكونت شخصيته ، فقط هو شخص موجودا حاليا في هذا العصر ، يخضع لضغوطه ، وقد يثور علي مسالبه ، يريد صديقه / الشخص الآخر بداخله ، أن يخرجه من عذريته ، ( يباصي ) له تجربة غريبة ، اللقاء بفتاتين في وقت واحد وفي مكان واحد ، وزكما هي شخصية ابن هذا العصر ، يفشل في التعامل معهما ، فعندما يذهب مع إحداهما إلي بيته ، وبعد أن يدفع ، لا يستطيع أن يفعل : { أحك ذقني النابتة وأوليها ظهري فيما يعرفه المتزوجون باسم : شد ( الكوبرتا ) و (استغطا )
" انت بتعمل ايه؟"
"يعني أكون بعمل ايه يعني ، حتخمد شوية " } .
والأخري بدلا من أن يقيم معها علاقة عاطفية رومانسية ، يستخدمها في عمليةالانتحار ، بالاتفاق معها علي كتابة التليفون في الأماكن التي تدفع بالمسئولين للوصول إليه والقبض عليه . فالشخصية هنا اصبحت مفعولا بها ، وليست فاعلة مثلما المقصود بالشخصية / الفاعل فيما سبق .
الزمان / التوقيت :
علي الرغم من أن هذا العنصر ليس بالوضوح الذي عليه في القصة القصيرة مثلا ، حيث قد يمتد في الرواية ليشمل أجيالا بأكملها – مثلما أيضا في ثلاثية نجيب محفوظ - ، إلا أنه كان من اليسير تحديد بداية ونهاية هذا الزمن ، مثلما كانت الحدود واضحة والتحديدات بين الأشياء واضحة ، إلا أن الوضوح لم يعد من سمات هذا العصر ، والغائمية والضبابية اصبحت هي السمة العامة ، لذا جاء الزمن هنا – في عباس العبد – غير واضح الحدود ، غير أنه لا زال موجودا في الخلفية ، في المستتر أو في العام ، فنستطيع أن نتبين أن هذا العباس موجود في هذا الجيل : { .. في مصر كان هناك جيل النكسة . نحن الجيل الذي يليه } . وإذا كانت هذه هي البداية ، فإن النهاية مفتوحة ممتدة ، لا أحد يستطيع معرفة متي يسدل الستار علي هذا الحدث ، الذي هو الحركة أو الفعل الذي يصل بالمشاهد للخروج من ساحة المسرح .
فالزمن هنا أيضا موجود ، لكنه الزمن الممتد غير المحدد، وكأنه يدور في اللامنظور .
المكان / أو مسرح الحدث :
في " ثرثرة فوق النيل " لنجيب محفوظ أيضا ، دارت الأحداث أو الحدث في عوامة علي النيل ، وكان للجو العام فيها تأثير مباشر ومساعد في إيضاح كيفية سير الحدث ورسم الجو العام الذي يحيط بشخوصها ويستخرج مكنوناتها ، ويتحرك المكان بكامله بفك حبال العوامة لتسير في الماء وتتعرض للغرق في محاولة لإيضاح أن الوطن بكامله يغرق ، فالمكان إذن له وجود ملموس ومؤثر ، بل وفاعل في إيصال الرسالة للقارئ ، وكذلك في كل أعماله – تقريبا – يمكن تحديد المكان بسهولة ، حيث ارتبط الكثير منها وسميت الأعمال بالمكان ، وفي كل أعمال الكاتب المصري المتمكن خيري عبد الجواد ، تدور الأحداث في أحد أحياء القاهرة وهو " بولاق الدكرور " وهو أيضا مرتبط ومؤثر في سير الأحداث وتكوين الشخصيات .
أما في عباس العبد ، فلا نستطيع تحديد مكان بعينه ، حتي عندما ذهب الراوي مع فتاته – هند – إلي بيته ، لا نستطع تحديد معالم هذا البيت ، ولا مكانه ، وحتي ذلك المكان الذي ضرب فيه عباس الموعد للراوي لمقابلة الفتاتين ، نعرف أنه ( بيكاري ) المهندسين ، فإذا كنا نعرف حيا باسم المهندسين ، فإننا لا نعرف ما هو ( البيكاري ) ، كما أنه لم يكن لأي من المكانين ، بيته أو البيكاري ، أي دور أو تأثير في الحدث ، إذ لو كان اللقاء في أي مقهي أو كازينو أو فندق لما اختلف الأمر . حيث أصبح التركيز في الرواية الجديدة عامة ، وفي عباس العبد تحديدا ، علي رسم الصورة العامة للوطن وللعصر ، فالمهم أن هذا العباس واقع تحت تأثير متغيرات هذا العصر ، ومضغوط بضغوطه الساحقة ، فلم يعد هناك حاجة لتحديد المكان تحديدا دقيقا ، حيث لم يعد فاعلا .
الرسم بالكلمات أو تطابق الشكل والمضمون :
قد يسارع البعض للقول بأن ( حكاية ) الشكل والمضمون قد عفي عليها الزمن ، إلا أننا – وكما سبق أن أوضحنا ، ليس التجديد هو ترك الماضي كلية ، ولكن ما المانع من استخدامه – كما هو – ما دام سيؤدي إلي الهدف الرئيسي من الدراسة ، وهو إضاءة النص ، الهدف الذي نتمسك به في كل تناول لعمل أدبي ، فإذا كنا في القراءة السابقة حاولنا تفكيك ما عقّده وركبه أحمد العايدي ، حيث أراد أن يقدم لنا شخصية مريضة نفسيا ، معقدة متداخلة وسائل التأثير عليها ، فكان حتما أن تتداخل تصرفاتها وتختبئ وراء الدوافع المستترة ، فجاء التعبيرعن التداخل والتضارب داخل الشخصية مربكا للقارئ العابر ، فاستعاض الكاتب عن السرد العادي بالرسم بالكلمات ، فحين أراد التعبير عن شخصية الراوي المركبة ، وكأنها مجموعة من الشخصيات المتداخلة رسم التعبير هكذا :
{ أنا لست سوي عشر أقواس وجملة سخيفة :
(أنـ(داخـ(أنـ(داخـ(أنا)ـل)ـا)ـل)ــا) } .
وحين أراد التعبير عن التداخل أو التوحد بين عباس وعوني والراوي معا رسمها هكذا :
{ .. بداخلي كانت الأقواس التي وضعها ( عباس ) حول ( عوني ) هكذا :
[ عبـ(عـونـــي)ـاس ] ..}
فنستطيع بوضوح إدراك أن الرواي في الرسم الأول ليس فردا واحدا واضح المعالم سهل الوصول إلي ملامحه وصفاته ، وإنما هو شخص مركب من عدد من المستويات المتداخلة ، وفي الرسم الثاني نستطيع تبين احتواء عباس لعوني وكأنه الجنين داخل الرحم ، حيث لا نستطيح تحديد ملامح الجنين إلا من خلال الأم ، كما أن الأم ذاتها – في حالة الحمل تتغير ملامحها وتتغير عناصر تركيبها لوجود مخلوق آخر بداخلها . وكأن الكاتب يساعد القارئ علي الفهم ، أو كأنه يقدم الرسم التوضيحي لما أراده بالكلمات ، حتي تتم المعادلة الإبداعية ( كاتب ـ رسالة ـ متلق ) ، ويتم الارتياح أو الاشباع .
شوقي عبد الحميد يحيي
Em: shawkyshawky2004@yahoo.com
[1] - أن تكون عباس العبد –دار ميريت – الطبعة الثانية 2005
[2] - ص - 41
[3] - ص 69
[4] - ص 71
[5] - ص 122
[6] - ص 39
[7] - ص65
[8] - من دراسة للآساذ محمد جبريل بعنوان " التجريب في القصة الحديثة "
وإذا كانت هزيمة يونيو 1967 قد أصابت جيل الستينيات بالدوار الذي أدار برؤوسهم وأفقدهم الوعي حين اكتشفوا أنهم واقفون علي ألاأرض ، فإن الجيل التالي قد تفتحت مداركه علي تيه وضياع ، فقدوا الإيمان والأمان والثقة في الأباء ، وتشككوا في الأخوة ، فإذا بالراوي في " أن تكون عباس العبد " يصرح لنفسه ، قبل أن يصرح لقارئه :
{ .. قل لنفسك ما تقوله للآخرين ، لكن لا تصدقها . في مصر كان هناك جيل " النكسة " . نحن الجيل الذي يليه . جيل "معنديش حاجة اخسرها " . نحن جيل من المتوحدين نحيا تحت السقف نفسه ، مع غرباء لهم أسماء تشبهنا .
هذا أبي ، وتلك أمي ، وهؤلاء ، حتما أخوتي .
أنت تحلق ذقنك في المرآة وتصفر ثم تصطدم بأخيك – صدفة – في طريقك نحو غرفتك ، وكأنه نزيل أجنبي في الفندق نفسه ...} [2] . فالعزلة قائمة في أشد الأماكن أنسة وأمان ، وأصبح الفرد واحدا متوحدا مع ذاته ، وعندما تشتد الوحدة تشتد الخيالات ، ويشتد الخوف ، ويضغط الخوف ، ليصبح الخوف من كل شئ :
{ .. [ بانو فوبيا ] الخوف من كل شئ .
"متخافش" ..
[ فوبوفوبيا ] الخوف من الفوبيا .
" متخافش " ..
[ إيلوثروفوبيا ] الخوف من الحرية .
"متخافش " ..
[ ...] الخوف من ...
[ ... ] الخوف من ....
[ ... ] الخوف من ... } [3] ويتحول الخوف والوحدة إلي حالة مرضية ، فينقسم الفرد كما لو كان يتوالد ، أو كما الأميبا تنقسم علي نفسها ، ويصبح الراوي ليس وحيدا ، بل ينقسم منه صديق في المكان ، مضاد في الاتجاه ، ذلك هو عباس ، عباس العبد ، العبد للخوف :
{ .. لم أسأله عن اسمه . ولم أعرف ما لون مشروبه المفضل . كان صامتا طوال الوقت ، يتجاهله الآخرون وكأنه هواء . ..}
{ .. يبتسم ( عباس ) ويقول :
وأنا إيه وانت إيه ، ما وانت واحد .. } .
وبينما يكون الراوي أشبه بالبكر ، الخالي من التجارب ، يكون عباس هو النقيض ، ويوضح الحوار التالي مدي المسافة بين الأصل والصورة ، بين الراوي وعباس :
{ .. لا أعرف كم مكثت مع (عباس ) ، لكنها فترة تكفي ليتحول صوته لمذيع في قناة ( استاكيوس) .
يقرر ( عباس – لسبب مجهول – أن يجني ثوابا لأن :
" شكلك مش عاجبني خالص ، قولي يا شقيق ، ايه نظام الحريم معاك ؟ "
" مش فاهم "
" انت هتتصلبط عليا ، باقولك ايه نظامك في الحريم ، يعني مصاحب ، مرافق ، كده يعني "
والله فيه حاجة بس مش متأكد إذا ..
شاهندة ؟؟
تقدر تقول كده
رّكّبِت الفيشة ولا ..
متحترم نفسك يا بني آدم شوية
يابا حقك ع اللي جابوني ، أنا قصدي وصلتو لفين ؟
أطرق برأسي مفتونا بالأرض و ..
يعني بنتكلم كل يوم ، خرجنا مرتين تلاتة ، الجو ده ، انت فاهم
أكنت أكذب ؟
ربما
اااااااااااه ..ايوا أيوا .. انت فاصل الكهربا .. هممم .. أستيكة يعني
أستيكة يعني ايه ؟؟؟
يعني ميح .. فيسو .. أبيض .. الباكو لسا بالأستك .. البغبغان لسا مشخش في القفص .. ملعبتش عريس وعروسة .. أقول كمان ؟ } [4] .
وليس هذا ما يحاول الراوي المستوحد به أن يؤنس وحدته في محاولة الاكتمال ، بل إنه يختلق مغامرة نسائية ، يسوق إليه ( عباس ) فتاتان لهما نفس الإسم ( هند ) ليقابلهما معا في نفس المكان ونفس الزمان ، إحداهما في الطابق الأول – وربما كانت تمثل الطابق السفلي منه ، بطبيعة شخصيتها واتجارها بجسدها – والأخري ( هند ) أيضا في الطابق الثاني – وربما أيضا تمثل الجانب الأعلي منه بطبيعة شخصيتها كذلك وطريقة حديثها – وكأن إحداهما للحب والأخري للمادة ، أو للتطهر ، حيث هي التي تساعده في محاولة الايقاع بعباس في يد البوليس ، وكأنه الجاني يبلغ عن جريمته في محاولة للتطهر أو التخلص من عبئ ما فعل ، أو أنه الانتحار الذي يصبح المخرج أمام من تزايدت عليه الضغوط النفسية .
وليس ذلك – أيضا – فقط ، وإنما يزيد الراوي من الوجود حوله ، فيختلق كذلك شخصية عوني ، الطبيب النفسي ، من نفسه كذلك حيث يتضح أن عوني ليس إلا الراوي ذاته{ تقولها (هند الغزالي ) بينما تقترب الأخري مني وتحتضنني في صمت ، فأدفعها بغلظة فتسحب في اندفاعها الطاولة لتنقلب معها .
بعد موت ( عبد الله ) لم يبق سواي : ( عباس ) / ( عوني ) .
اتجه نحو ( عباس ) الذي أشار بكفه نحو الحافة وقال : " اتفضل يا برنس المنط من هنا .
نحن لسنا بقايانا ، ولا نشبه من نكون .
الجمهور مستنيك تحت ، ومالي الدنيا صفافير .. سامعهم ؟؟
عوني .. عاوني .. عايزين عوني
لأنك تريد لموتك أن يملأ العالم ، تريد أن يشاهد الناس صورتك ونخاعك يغطي الأسفلت .. }[5]
وفي المقابل يختلق شخصية " شاهندة " وكأنه – كما سبق أن ذكرنا – الأميبا المنقسمة التي سرعان ما تصبح عددا من الخلايا بعد أن كانت مجرد خلية واحدة .
ولم يكن الخوف وحده هو ما يضغط وجود الراوي / عباس ، وإنما كفرد مصري يحمل علي أكتافه تاريخ من الحجارة التي أثقلت كاهله حتي بات ينوء بحملها ، ويري خلاصه في الخلاص أو التخفف منها :
{ .. هنا انفجر ( عباس ) كمجرور لم يعد يطيق الاهانة .
أتريد أن تتقدم ؟؟
إذن احرق كتب التاريخ ، وانس حضارتك الميتة الثمينة .
توقف عن استحلاب الماضي .
اتلف تاريخك الفرعوني .
ثم توقف ، رجاء ، عن ثقب جدار جديد في الهرم .
بم سيفيدك اكتشاف المدخل الحقيقي أو معرفة ( الأنتريه ) الذي كان يستقبل فيه الفرعون الأعظم ( سبوبته ) من مبعوث دولة صديقة قبل تقديم ( البيتفور ) له ؟؟؟
حاول الاستغناء عن تجارة الموتي . سننجح ، فقط عدما نحول المتاحف إلي مراحيض عامة ..}[6] .
وفي لحظات اليأس يلجأ المأزوم إلي ما يتيه عقله ، إلي المخدرات والحبوب التي يري فيها انعتاقه وتحرره :
{ .. ممكن أعرف حضرتك إيه الحبوب دي ؟
يقولها شاب خجول قصير القامة ، فتبتسم ( شاهندة ) وتقول :
دا علاج جديد يا علاء اسمه (بارتاكوزين )
تريد الانعتاق ؟ أن تكون حرا . لو كنت تريد أن تحيا حياتك بالطول والعرض فهذه فرصتك .. } [7] .
تلك كانت عناصر الخطاب الذي أراد أحمد العايدي أن يبثه عبر عباسه العبد الذي يسعي لللانعتاق . والذي حاولنا تجميع أشلائه من نواصي النص المحكم الذي يبدو غير ذلك ، وبإسلوبه ولغته التي جاءت متميزة معبرة عن جيل ضائع تائه ، له لغته الشبابية التي هي لغة النواصي في تجمعات الشباب في شوارع مصر . والذي أراده مغايرا متخليا عن إسلوب السرد التقليدي فجاء ك
التجديد في الثوابت :
يقول آلان روب جرييه[8] :
( ليست المشكلة هي تأسيس نظرية أو قالب موجود سلفا نصب فيه كتابة المستقبل . وعلي كل روائي ، وكل رواية ، أن يخترع شكله الخاص ) .
والواقع أن أحدا لا يستطيع اختراع شكل خاص به دون الاستناد إلي الموروث من تقاليد الكتابة المتعارف عليها ، وإلا أصبحت الأمور دون ضابط ، ويكون لكل أن ( يشطح ) وفقما اتفق ، وحينها يقول أن هذا تجديد وتطوير ، ولكن الأمر يتطلب – في نظرنا – ضرورة ( هضم ) القائم حتي أستطيع التمرد عليه أو تطويره أو من خلاله تقديم ما يحمل خصوصيتي ، وهذا ما فعله أحمد العايدي في " أن تكون عباس العبد " .
فإذا كانت الرواية التقليدية تقوم علي العناصر الأربعة الحاكمة ( الحدث / الفعل ، الشخصية / الفاعل ، الزمان / التوقيت ، المكان / مسرح الحدث ) .
وإذا كنا قد ذكرنا في دراسات لأعمال سابقة ، أن الرواية الجديدة في بدايات القرن الجديد ( القرن الواحد والعشرين ) قد تخلت عن الكثير من تلك العناصر ، خاصة الحدث أو الفعل وكذلك الشخصية ، فإننا لا نستطيع أن ندعي بتغافلها كلية ، ولكن ما يؤكد قيام هذه الأعمال علي أسس صحيحية ، هي محاولة الثورة عليها ، أو التجديد فيها ، تحقيقا للخصوصية والتجديد ، وعدم الالتزام بها حرفيا .
فإذا ما أردنا تحقيق ذلك علي روايتنا هذه " أن تكون عباس العبد " لاستطعنا دون مجاهدة الوقوف علي سعيها الواضح في شق طريق خاص بها ، ولقلنا بوضوح أن لأحمد العايدي شخصيته الخاصة في الكتابة – وكما سبق أن أوضحنا كذلك أن الرواية الأولي هي التي تحدد شخصية الكاتب وتعطي بطاقة تعارفه مع القارئ - ، فإنه لم يهدم المعبد القديم تماما ، وإنما هو استفاد منه كقاعدة بني عليها معماره . فكيف كان ذلك ؟
الحدث / الفعل :
يتجلي هذا العنصر أكثر ما يتجلي ، في الروايات البوليسية التي تعتمد علي فعل محدد قام به شخص ما ، ثم يمتد هذا الفعل ، أو يتفرع عنه ، عملية البحث عن الفاعل . وفي رائعة الكاتب العالمي نجيب محفوظ " اللص والكلاب " نستطيع تحديد الحدث الذي هو البؤرة التي تتحرك منها الخيوط وتتشعب في تلك الدروس التي يلقنها " رءوف علوان " ل " سعيد مهران " الذي يعتبر هو التجسيد الحي لأفكاره ، حيث منه تأخذ الخيوط امتداداتها ، وتأخذ الرواية استمراريتها . وحيث كان الزمن زمن فعل ، أو الحث علي الفعل .
أما وقد غاب الفعل في الزمن الحالي ، وانحصر في طبقة الحكام ، أو تحديدا في شخص الحاكم ، وأصبح المواطن العادي مهمشا ، لا فعل له ، فقد غاب الفعل في الرواية الآن .
ففي " أن تكون عباس العبد " نستطيع القول أنها بلا فعل أو حدث ، اللهم إذا اعتبرنا تلك المقابلة بين الراوي والفتاتين " هند " و " هند " هو حدث ، خاصة أنه هو الذي أدي إلي النتيجة النهائية في الرواية – كتابة رقم الموبايل في المراحيض – علي أنه الرغبة في الانتحار ، التي تراود الراوي ، والتي يراها المخرج من أزمته ، أزمة الوطن ، وأزمة العصر .
إلا أن هذا الحدث يتوه في غمرة التصويرات التي يقوم بها الكاتب للتعبير عن ضغوط الوطن ، وضغوط العصر ، فلم يعد هو الحدث الفاعل الضاغط علي القارئ ، الذي يسيطر عليه طوال عملية القراءة أو بعدها ، إذ ما يتبقي في النهاية ؟ ، إن ما يتبقي بعد القراءة هو تصوير الفرد المنسحق في هذا الوطن ، وهو التيمات ، أو الافيهات التي تصور فرد هذا العصر ، خاصة أن الكاتب أمعن في تضفيرها بين السطور بصورة مكثفة وضاغطة ن حتي يمكن القول أنه أوقع القارئ في أثرها ، خاصة تلك المتعلقة باصطلاحات العصر ، من لغة الشباب ، واستخدامات أجهزة العصر مثل الموبايل والكمبيوتر ، وما يرتبط بها من اصطلاحات ، بحيث باتت ضاغطة الوجود علي القارئ ، مثلما هي ضاغطة الوجود علي إنسان هذا العصر .
فنستطيع إذن القول أن الحدث الذي هو العمود الفقري في الرواية – فيما سبق – استعيض عنه ، وأصبح شبه حدث – إن جاز التعبير - ، أو هو تواري دوره وتراجعت أهميته ، وأخلي مكانه للتصوير العام لأحوال الوطن ، أو للفرد في هذا المجتمع .
الشخصية / الفاعل :
لا أعتقد أن أحدا ينكر أن أكثر النماذج وضوحا في تحديد معالم الشخصية ، هي شخصية السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ ، تلك الشخصية التي استطاع نجيب محفوظ أن ينحتها بإزميل نحات ماهر ، حتي يتبين القارئ أنها شخصية حية بيننا ، تجسدت علي الورق من لحم ودم ، فيها من الشخصية الحية كل مقوماتها ، في لحظات قوتها ولحظات ضعفها ، في الاحساس بمشاعرها ، والوقوف علي انفعالاتها ن حتي باتت نموذجا للشخصية الروائية ليس علي مستوي الأدب العربي فقط ، وإنما في الأدب العالمي أيضا ، مثلما شخصية هاملت في رائعة شكسبير الشهيرة ، وشخصية " عبد الهادي النجار " في " زينب والعرش " للرائع فتحي غانم . ولا شك أن خلق مثل هذه الشخصيات جاء في عصر كان للشخصية وجودها ، ممثلة في بروز بعض الشخصيات القومية – علي المستوي السياسي أو الثقافي – لها وجودها وتأثيرها الفاعل ، فكان وجود الشخصية الفاعلة والمؤثرة في ذلك الحين ، يتفق وطبيعة المجتمع والعصر . فما هي حدود الشخصية في رواية القرن الجديد ، وفي رواية العايدي نموذجا ؟
طبيعة المجتمع و العصر في هذا القرن – رغم أن البعض قد يعترض بأنه لم يمض منه الوقت الذي يمكن معه تحديد معالم له – إلا أن ما يقد الأن ليس ابن هذه السنوات ، وإنما وضعت بذرته في أواخر القرن الماضي وبدأت هذه الثمار في الانبات ، أقول أن طبيعة المجتمع باتت لا تنبت تلك الشخصية الفاعلة ، اللهم شخصية الرئيس المصنوعة من جموع المنتفعين حوله ، ليس في مصر وحدها ، وإنما في كل بلاد المشرق العربي ، وباتت كل الشخصيات من حوله نماذج باهتة ، هلامية ، تعيش وتفعل مثلما يراد لها أن تفعل . فجاءت الشخصيات في روايت هذا الجيل مثلها ، باهت ، هلامية ، غير واضحة المعالم . فها هي شخصية الراوي ، أو عباس العبد ، هي بالفعل شخصية عبد ، عبد للماضي ، لا وجود لحاضرها ، عبد للخوف من المستقبل ، فجاءت مسحوقة مهزومة مستسلمة لما يفعل بها . إلا أنها لا تعدم بعض مواقف المقاومة التي قد تظهر علي استحياء ، لتؤكد وجود عنص الشخصية / الفاعل ، ولكن بما يتواءم مع طبيعة العصر . فالراوي – في " أن تكون عباس العبد " ، لا نعرف عن ماضيه شئ ، ولا كيف تكونت شخصيته ، فقط هو شخص موجودا حاليا في هذا العصر ، يخضع لضغوطه ، وقد يثور علي مسالبه ، يريد صديقه / الشخص الآخر بداخله ، أن يخرجه من عذريته ، ( يباصي ) له تجربة غريبة ، اللقاء بفتاتين في وقت واحد وفي مكان واحد ، وزكما هي شخصية ابن هذا العصر ، يفشل في التعامل معهما ، فعندما يذهب مع إحداهما إلي بيته ، وبعد أن يدفع ، لا يستطيع أن يفعل : { أحك ذقني النابتة وأوليها ظهري فيما يعرفه المتزوجون باسم : شد ( الكوبرتا ) و (استغطا )
" انت بتعمل ايه؟"
"يعني أكون بعمل ايه يعني ، حتخمد شوية " } .
والأخري بدلا من أن يقيم معها علاقة عاطفية رومانسية ، يستخدمها في عمليةالانتحار ، بالاتفاق معها علي كتابة التليفون في الأماكن التي تدفع بالمسئولين للوصول إليه والقبض عليه . فالشخصية هنا اصبحت مفعولا بها ، وليست فاعلة مثلما المقصود بالشخصية / الفاعل فيما سبق .
الزمان / التوقيت :
علي الرغم من أن هذا العنصر ليس بالوضوح الذي عليه في القصة القصيرة مثلا ، حيث قد يمتد في الرواية ليشمل أجيالا بأكملها – مثلما أيضا في ثلاثية نجيب محفوظ - ، إلا أنه كان من اليسير تحديد بداية ونهاية هذا الزمن ، مثلما كانت الحدود واضحة والتحديدات بين الأشياء واضحة ، إلا أن الوضوح لم يعد من سمات هذا العصر ، والغائمية والضبابية اصبحت هي السمة العامة ، لذا جاء الزمن هنا – في عباس العبد – غير واضح الحدود ، غير أنه لا زال موجودا في الخلفية ، في المستتر أو في العام ، فنستطيع أن نتبين أن هذا العباس موجود في هذا الجيل : { .. في مصر كان هناك جيل النكسة . نحن الجيل الذي يليه } . وإذا كانت هذه هي البداية ، فإن النهاية مفتوحة ممتدة ، لا أحد يستطيع معرفة متي يسدل الستار علي هذا الحدث ، الذي هو الحركة أو الفعل الذي يصل بالمشاهد للخروج من ساحة المسرح .
فالزمن هنا أيضا موجود ، لكنه الزمن الممتد غير المحدد، وكأنه يدور في اللامنظور .
المكان / أو مسرح الحدث :
في " ثرثرة فوق النيل " لنجيب محفوظ أيضا ، دارت الأحداث أو الحدث في عوامة علي النيل ، وكان للجو العام فيها تأثير مباشر ومساعد في إيضاح كيفية سير الحدث ورسم الجو العام الذي يحيط بشخوصها ويستخرج مكنوناتها ، ويتحرك المكان بكامله بفك حبال العوامة لتسير في الماء وتتعرض للغرق في محاولة لإيضاح أن الوطن بكامله يغرق ، فالمكان إذن له وجود ملموس ومؤثر ، بل وفاعل في إيصال الرسالة للقارئ ، وكذلك في كل أعماله – تقريبا – يمكن تحديد المكان بسهولة ، حيث ارتبط الكثير منها وسميت الأعمال بالمكان ، وفي كل أعمال الكاتب المصري المتمكن خيري عبد الجواد ، تدور الأحداث في أحد أحياء القاهرة وهو " بولاق الدكرور " وهو أيضا مرتبط ومؤثر في سير الأحداث وتكوين الشخصيات .
أما في عباس العبد ، فلا نستطيع تحديد مكان بعينه ، حتي عندما ذهب الراوي مع فتاته – هند – إلي بيته ، لا نستطع تحديد معالم هذا البيت ، ولا مكانه ، وحتي ذلك المكان الذي ضرب فيه عباس الموعد للراوي لمقابلة الفتاتين ، نعرف أنه ( بيكاري ) المهندسين ، فإذا كنا نعرف حيا باسم المهندسين ، فإننا لا نعرف ما هو ( البيكاري ) ، كما أنه لم يكن لأي من المكانين ، بيته أو البيكاري ، أي دور أو تأثير في الحدث ، إذ لو كان اللقاء في أي مقهي أو كازينو أو فندق لما اختلف الأمر . حيث أصبح التركيز في الرواية الجديدة عامة ، وفي عباس العبد تحديدا ، علي رسم الصورة العامة للوطن وللعصر ، فالمهم أن هذا العباس واقع تحت تأثير متغيرات هذا العصر ، ومضغوط بضغوطه الساحقة ، فلم يعد هناك حاجة لتحديد المكان تحديدا دقيقا ، حيث لم يعد فاعلا .
الرسم بالكلمات أو تطابق الشكل والمضمون :
قد يسارع البعض للقول بأن ( حكاية ) الشكل والمضمون قد عفي عليها الزمن ، إلا أننا – وكما سبق أن أوضحنا ، ليس التجديد هو ترك الماضي كلية ، ولكن ما المانع من استخدامه – كما هو – ما دام سيؤدي إلي الهدف الرئيسي من الدراسة ، وهو إضاءة النص ، الهدف الذي نتمسك به في كل تناول لعمل أدبي ، فإذا كنا في القراءة السابقة حاولنا تفكيك ما عقّده وركبه أحمد العايدي ، حيث أراد أن يقدم لنا شخصية مريضة نفسيا ، معقدة متداخلة وسائل التأثير عليها ، فكان حتما أن تتداخل تصرفاتها وتختبئ وراء الدوافع المستترة ، فجاء التعبيرعن التداخل والتضارب داخل الشخصية مربكا للقارئ العابر ، فاستعاض الكاتب عن السرد العادي بالرسم بالكلمات ، فحين أراد التعبير عن شخصية الراوي المركبة ، وكأنها مجموعة من الشخصيات المتداخلة رسم التعبير هكذا :
{ أنا لست سوي عشر أقواس وجملة سخيفة :
(أنـ(داخـ(أنـ(داخـ(أنا)ـل)ـا)ـل)ــا) } .
وحين أراد التعبير عن التداخل أو التوحد بين عباس وعوني والراوي معا رسمها هكذا :
{ .. بداخلي كانت الأقواس التي وضعها ( عباس ) حول ( عوني ) هكذا :
[ عبـ(عـونـــي)ـاس ] ..}
فنستطيع بوضوح إدراك أن الرواي في الرسم الأول ليس فردا واحدا واضح المعالم سهل الوصول إلي ملامحه وصفاته ، وإنما هو شخص مركب من عدد من المستويات المتداخلة ، وفي الرسم الثاني نستطيع تبين احتواء عباس لعوني وكأنه الجنين داخل الرحم ، حيث لا نستطيح تحديد ملامح الجنين إلا من خلال الأم ، كما أن الأم ذاتها – في حالة الحمل تتغير ملامحها وتتغير عناصر تركيبها لوجود مخلوق آخر بداخلها . وكأن الكاتب يساعد القارئ علي الفهم ، أو كأنه يقدم الرسم التوضيحي لما أراده بالكلمات ، حتي تتم المعادلة الإبداعية ( كاتب ـ رسالة ـ متلق ) ، ويتم الارتياح أو الاشباع .
شوقي عبد الحميد يحيي
Em: shawkyshawky2004@yahoo.com
[1] - أن تكون عباس العبد –دار ميريت – الطبعة الثانية 2005
[2] - ص - 41
[3] - ص 69
[4] - ص 71
[5] - ص 122
[6] - ص 39
[7] - ص65
[8] - من دراسة للآساذ محمد جبريل بعنوان " التجريب في القصة الحديثة "
08/20/2006 - 16:45
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:

