You are here

الصفحة الرئيسية

عطب

تسابقت يداه على البطانة المتسخة ، تطوقان الزجاج الأمامى لعربته.. تحاولان ازالة ما تلبد عليه من غبار .
صوت المحرك الدائر بلا توقف تهتز له أركان العربة ، يئز له غطاء مقدمتها المتلطخ بالزيت و الشحم .. يرتج معه زجاج نوافذها غير المحكم ، يزيد من حدة الأزيز ..
يعلو صوته المحشور بين تردداته، و ينخفض مستدعيآ  الركاب.

رغم اكتظاظ العربة بأكثر من حمولتها فى ساعة الذروة ، اندفع زعيق نفيره فى كل مرة يلمح فيها أحد الواقفين على طول الطريق ؛ فيهدىء من سرعته ، و تشير أصابع يمناه بعلامة اتجاه سيره ؛ فتهيج زفرات الضيق ممن أحنت عربته ظهورهم .
لما استيقن من عدم جدوى لهفته استعار نظرة خلفية دهشة مطلقآ لخفة ظله العنان ، مشيرآ الى رأسه ساخرآ:
ـ لم أتمكن من عد الرؤوس جيدآ !

كقطرات صنبور شح ماؤه توافدوا ، كلما اعتلى أحدهم درجات العربة ، أحدث مع اهتزازها ميلآ الى الجانب .. تستشعره اليدان الساعيتان عبرسطح الزجاج .
حينما بدأت الرؤوس تتناثر فى فضاء داخل العربة ، ألقى بطانته على حامل مرآة طريقه اليسرى المهشمة ، و اعتلى كرسيه ؛ ليطلق على فترات متفاوتة نفيره المتقطع ، و ترتد نظرته المكتسية باللا مبالاة الى الخلف .. يتناول الرؤوس بالعد .. تعاود يمناه ضغط النفير . يزفر . تتملى عيناه المغبشتان بالحمرة فى عبارته الملصقة قرب سقف العربة
" زينة الرجال الأدب "
توقف تقاطر الركاب . تصاعدت تململات القاعدين .
قفز الى خارج العربة .. يعاود النداء ، بينما تنطلق الى جواره العربات محملة بركابها .
استعجله أحد الساخطين . أشاح بيده متبرمآ . همّ ثالث بالمغادرة .
بوثبة ملسوعة عاد الى كرسي القيادة . قبضت يده بعصبية على عصاة تغيير السرعات ؛ فاندفعت العربة الى الأمام ، ثم تراجعت ، ثم توقف المحرك تمامآ .
تعالى صوت ارتطام الأكف ببعضها .. تسبقها السيقان المغادرة للعربة .
انكفأ على المقود .. تتخبط بحلقه و فمه عبارات السباب ، بينما تعبث أنامله بأسلاك لوحة الادارة العارية.

صورة محمد عطية محمود
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات