You are here

الصفحة الرئيسية

علاقة معقدة مع الملك لير

علاقة معقدة مع الملك لير
نص تتغلغل فيه السادية وقصة مرتبكة، لكن شيئاً لا يُقاوم يغلف مسرحية شكسبير

جاك لينش
ترجمة: مصطفى محمود



إنها ليست مسرحية سهلة لتحبها. فقد وجد الروائي "وليم ماكبيس ثاكري" أن "الملك لير" مسرحية "مملة" حينما شاهدها في سنة 1847. وهو يعترف بأنه "قد يكون من قبيل سب المقدسات أن تقول على مسرحية لشكسبير أنها سيئة، لكن لا فائدة من قول هذا"، فمنذ أن ظهرت مسرحية "لير" لأول مرة حوالي سنة 1605، والكثير يتهمونها باتهامات مماثلة.
وقد أُصيب البعض بالإحباط من عدم توافقها وتناقضاتها: إنها ليست مسرحية من السهل فهمها. ففي المشهد الأخير حينما ينوح "لير": "مسكينتي الحمقاء شُنقت"، فهل هو يعني أن الحمقاء التي اختفت بدون تبرير في الفصل الثالث قد راحت في مذبحة قوات "لير"؟ أو أن الملك العجوز يصف ابنته الميتة "كورديليا" بالحمقاء؟ وإذا كانت الأخيرة، فهل هو اصطلاح يدل على التأثر، كما جادل النقاد، أم إن "لير" المشوش عقلياً قد خلط بين الاثنين؟ أم كان شكسبير نفسه مشوشاً؟
لقد امتدح البعض "لير" كعمل أدبي، لكنهم اعتقدوا أنه لا يصلح للتقديم على المسرح: إذ إنه ليس من السهل مشاهدته. فيجادل الكاتب شارلز لامب في 1811 بأنه "لكي ترى (لير) تُمَثَل... فليس في هذا شيء، لكن ما هو مؤلم ومقزز... هو أن (لير) من المستحيل أساساً أن تُمثل على خشبة المسرح".
ويوافق على هذا الناقد المتميز "أيه سي برادلي" في سنة 1904، ويسميها "الأقل نجاحاً" من بين التراجيديات على المسرح. فمازال الممثلون يناضلون من أجل أن يرتقوا إلى روعة النص، وحينما يفشل الأداء المسرحي فهو يفشل بجدارة. فملك شكسبير "الأكبر من الحياة" وهو يواجه الرياح المدمرة للعالم يصبح مجرد ممثل تحيط به الأضواء المبهرة والمؤثرات الصوتية المزعجة. فقد قال الكثيرون إن "الملك لير" أعظم بكثير من خشبة المسرح. وعلى الرغم من ذلك فإن الشكوى الأعظم هي تقريباً تلك التي تثيرها القسوة السادية التي تتغلغل في النص: فهي مسرحية لا تُستوعب بسهولة. وقد اعترف ذات مرة "صمويل جونسون"، ناقد الأدب الإنجليزي من القرن الثامن عشر: "لقد كنت منذ سنوات مضت مصدوماً بموت (كورديليا)، إلى درجة أنني لم أعرف إذا كنت سأتحمل أبداً أن أقرأ مرة أخرى الجملة الأخيرة في المسرحية" – حتى ذلك الحين الذي كان يتعين عليه أن ينقح مجموعة أعمال شكسبير.
إن "ثاكري" و"جونسون" و"لامب"، لم يكونوا بعيداً عن هذا الاتجاه، حيث إنهم في الحقيقة كانوا متحفظين بقدر كبير فيما يتعلق بـ"لير"، حتى أن المسرحية أُعيد كتابتها حتى تكون مستساغة. وفي سنة 1681، استبدل كاتب مسرحي أيرلندي اسمه "نام تات" نهاية شكسبير بأخرى حيث يسبغ حمايته على من سيصبحون القتلة، وتتزوج "كورديليا" من "إدجار"، ويعيش الجميع في سعادة إلى النهاية. ولمدة قرن ونصف القرن، كان رواد المسرح يشاهدون نسخة "تات". فقد كان "لير" الذي كتبه شكسبير أكثر مما يمكن تصوره.
إن "الملك لير" مسرحية يصعب أن تحبها، على الرغم من أنه من الأصعب أن تكرهها، فهناك شيء ما لا يقاوم يكمن فيها، يرفعها إلى أعلى درجة في قائمة الأعمال العظيمة. ويعترف "جونسون" بأنه مع كل هذه الشكاوى حول النهاية، لا توجد مسرحية أخرى "تستولي على الانتباه بكل هذه القوة والثبات"، أو "تثير فينا مثل هذا القدر من الانفعالات أو تبعث فينا هذا الكم من الشغف والفضول" بنفس الدرجة.
وقد ضمن الناقد والشاعر والفيلسوف الإنجليزي في القرن التاسع عشر مسرحية "لير" من بين "أعظم أعمال الشعر الخالد"، وسماها الشاعر الإنجليزي الرومانتيكي "بيرسي بايش شيلي" (النموذج الكامل للفن الدرامي الموجود في العالم).
وبالنسبة للمشاهدين المعاصرين، تستلزم "لير" بعض المطالب الخاصة، لأنها من أشد التراجيديات العظيمة لشكسبير تأثيراً عاطفياً وانفعالياً، ولا يعرف إلا القليل من المعاصرين كيفية تناول مثل هذه الأعمال.
فمازالت "هوليوود" تنتج الكوميديا الساخرة القائمة على النماذج الشكسبيرية، أو حتى المسرحيات التاريخية التي يكون لها امتداد حديث عبر برامج التوثيق التاريخي والمسرحيات الدرامية الارستقراطية. لكن ليس لدينا مثل تراجيديات شكسبير. إن إدراكنا الزمني يقع بعيداً عن زمن "لير"، وهو ما يعمق الألم الذي نعانيه من خبراتها. ونحن نعاني، من بين الأشياء الأخرى، من خلل مع درجة الشر القصوى في المسرحية، وهو ما يجعلها متميزة حتى عن التراجيديات الشكسبيرية الأخرى. فلا يوجد شرير في مسرحية "روميو وجوليت"؛ لكن التعصب الأحمق وسوء التفاهم والتوقيت الفاسد، يؤدي إلى موت الحبيبين المنحوسين. كما أن افتقاد "ياجو" للرقي جعله ينتقم من "عطيل" و"كاسيو". أما "كلوديوس" فقد قتل والد "هاملت" ليغتصب منه العرش وزوجته.
وحتى "الليدي ماكبيث" بكل شرورها، من السهل فهمها؛ على الرغم من أنها تصرخ في الأرواح: "املأوني من أعلى التاج على رأسي إلى أخمص قدمي/ بالقسوة الرهيبة المشؤمة"، فنحن نعرف أن عينها على العرش؛ إذ إن مثل هذه الشرور لها معنى. لكن الأمر ليس كذلك مع "لير"، التي يكثر فيها الأشرار، وتبدو فيها قسوتهم بلا مبرر على الإطلاق. وفي أكثر مشاهد المسرحية إيلاماً، يستجوب "كورنويل" "جلوستر" حول الغزو الوشيك، ويتوعده بالإيذاء البدني: "فوق عينيك هذه سوف تطأ قدمي". ويصرخ الرجل العجوز "رحماك"، حينما يقتلع عينه "كورنويل"؛ "ما أقساك أيتها الآلهة".
ويقدم خادم المساعدة، لكن "كورنويل" يقتل المدعي، ويحول غضبه عائداً إلى "جلوستر" البائس. وكل ما يتبقى هو القسوة والتعذيب من أجل حب الآلام المبرحة. وحينما يقتلع عين "جلوستر" الأخرى، فإنه ينطق بواحدة من أبشع السطور في كل آداب اللغة الإنجليزية: "فليصفى الجيلي الخسيس!".
إن مسرحية "الملك لير" تفيض بالسادية ـ ليس فقط "كورنويل"، ولكن "إدموند" و"جونريل" و"ريجان" ـ وليس من المسموح لنا أن ننتظر الخير من الجنس البشري.
لكن التعاسة في المسرحية لا تنبع كلها من الأشرار ـ فيبدو أن كوناً غاضباً بالمثل يقف ضد احتمالية السعادة الإنسانية. فيصرخ الملك العجوز في العاصفة: "فلتهب عاصفة الغضب! ولتلطم الخدود رياحك الصفيقة، ولتعصف رياحك يا غضب! لتطلق شلالاتك وأعاصيرك وفيضاناتك/ حتى تغطي أبراج الكنائس!".
إنها رؤية رائعة يحوطها الغموض لعالم نحن فيه أشياء تلهو بها الآلهة، فيقول "جولستر": "مثل الذباب لأشبال الوحوش، هكذا نحن بالنسبة للآلهة، إنها تقتلنا لتتسلى".
يجسد "لير"، "المسكين، العاجز، الضعيف، الكهل المنبوذ" على الأرض اليباب أكثر رؤية مظلمة للطبيعة الإنسانية في تاريخ المسرح ـ فالملك الذي كان ذات مرة صاحب سلطة وصولجان قد اختُصِر إلى "الشيء نفسه". ومن خلال هذا "الرجل غير المتكيف" نحن نرى نوعاً من الكرامة المأساوية التي تستمر في اجتذابنا إلى المسرحية، على الرغم من كل صعوباتها.
إن "الملك لير" تظل مسرحية تستعصي على المتعة، لكن المتعة ربما هي الكلمة الخطأ ـ فهي عمل يبقي على الأمل في أنها سوف تكشف لنا عن شيء ما من أنفسنا وعمن نكون. فلا توجد مسرحية أخرى لها القوة المأساوية نفسها، والقدرة على تفجير الألم في مشاهديها: ففي تاريخ الأدب بأكمله، فقط هو "سوفوكليس" من أعطانا صورة مشابهة للمعاناة.
إن المشاهدين يكررون كثيراً العودة إلى العصور المضطربة، كما في أحداث الحرب العالمية الثانية، ومرة أخرى أحداث هذه الأيام. وحينما يبدو عالمنا مفعماً بالحرب، والتعذيب، والقسوة المجانية التي ازدحمت بها مخيلة شكسبير، فإننا ننظر إلى "لير" لنعرف ما حقيقة الإنسان.
عن لوس انجيلوس تايمز Copyright L

الصورة ل تشارلز اتش كاميرون في دور الملك لير
صورة مصطفى محمود
القسم: 

التعليقات

 
ا.مصطفى
اشكر لك هذا الاختيار الرائع
الملك لير أهم ما استوقفنى من بين أعمال شكسبير
ربما لأن فيها مساحة كبيرة جدا من الوعى والتفهم لذلك الحيوان الضعيف القاسي بداخلنا.
لا أعتقد ان تاريخ الكتاب التراجيديين قد أنجب من هو اكثر حكمة ومأساوية وقدرة على فهم هذا الحيوان المسكين المفلوق من أسفل - على حد قوله- الغريب في هذه التراجيديا على وجه الخصوص انها استطاعت ان تكون جامعة ومعبرة عن تلك النزعات بالغة التوغل والتعقيد بشكل طاعن في الفضح.
اما عن استعصائها على المتعة فلا اتفق مع الكاتب حوله فلطالما كانت المفضلة عندي.
  ربما يكون عرضها
على المسرح امرا صعبا الي حد كبير ولكن دعنا نتذكر سوفوكليس في "مأساة آياس" ألم يكن صادما بنفس الدرجة بالنسبة لعصره ؟؟
فتجسيد مشهد قتل بالكيفية التى جاءت في مأساة سوفوكليس تجعل الامر يبدو مزعجا ان كان مقنعا وهزيلا ان لم يكن.
بعيدا عن كل تلك التفاصيل أردت ان احييك على اختيارك وترجمتك
خالص الشكر والتقدير

  
سلمي عمارة
صورة سلمي عمارة

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات