You are here
عم صباحا... أيها الحب

عم صباحا... أيها الحب
يانيس ريتسوس
ترجمها عن الانجليزيّة: تحسين الخطيب
dodo_nomercy
I
نومٌ شهوانيٌّ، بعدَ الوصالِ. ملاءاتٌ مبلَّلةٌ بالعرقِ
تتدلّى منَ السّريرِ حتّى الأرضِ. أَسمعُ في نوميَ
النّهرَ الجَبَّار. في ايقاعٍ يتلكّأُ. جذوعُ الأشجارِ الهائلةِ
تتدحرجُ معهُ. في أغصانها ألفُ عصفورٍ
يجثمُ ساكناً، يرتحلُ مع أغنيةٍ طويلةٍ
من ماءٍ وأوراقِ أشجارٍ، تقطعها النّجومُ. أُمرِّرُ
يدي، بخفّةٍ، أسفلَ عنقكِ، خائفاً
أن أقطعَ أغنيةَ العصافيرِ في نومكِ. غداً، في العاشرةِ-
حينَ تفتحينَ مصراعَيِّ النّافذةِ، وتندفعُ الشّمسُ في الغرفِ-
سوفُ تُرى العضّةُ فوقَ شفتكِ السّفلى أكثرَ وضوحاً في المرآةِ
ويستحيلُ البيتُ أحمرَ زاهياً، كلُّ شيءٍ مُرقّطٌ
بزغبٍ ذهبيٍّ وأبياتِ شعرٍ قصيّةٍ لم تكتمل بعدُ.
II
عُدتِّ منَ السّوقِ، ضاحكة ً، محمّلة ً
خبزاً، فاكهة ً، وباقةَ أزهارٍ كبيرةً. مرَّرَتِ الرّيحُ-
أُبصِرُ- أصابعها في شعركِ. أقولُ لكِ، مرّةً أخرى:
أنا لا أُحبُّ الرّيحَ. ما حاجتكِ بكلّ هذهِ الأزهارِ؟ أيّهنَّ
رماها الزَّهَّارُ اليكِ؟ لعلَّ صورتكِ
ظلّتْ في مرآتهِ، جُنُبٌ مضاءَةٌ
ببقعةٍ زرقاءَ فوقَ ذقنكِ. لا أُحبُّ الزهورَ. فوقَ صدركِ،
يستلقي بُرعمٌ كِبَرَ النّهارِ كلّهِ. حسناً إذن! إجسلي قُبالتي؛
أريدُ أن أنظرَ إلى منحدرِ ركبتيكِ قُربي، وحيداً، حينَ أدخلُ
حتّى يهبط الليلُ، خفيةً، وينتصبُ راسخاً قمرُ أرضٍ سُفليّةٍ، مفتوناً، فوقَ سريرَيْنَا،
قمرُ ليلةِ سبتٍ بكَمَانٍ، مزمارٍ، وسانتوري.
III
ما زلتُ نائماً. أسمعكِ تنظّفينَ بالفرشاةِ أسنانكِ في الحمَّامِ. ثمّةَ أنهارٌ، في ذلكَ
الصّوتِ، أشجارٌ، جبلٌ بكنيسةٍ بيضاءَ صغيرةٍ،
وقطيعُ خرافٍ في العشبِ (أَسمعُ الأجراسَ)، حصانانِ أحمرانِ،
ورايةٌ على دَكَّةِ البُرجِ، عصفورٌ فوقَ المدخنةِ؛
نحلةُ عسلٍ تئزُّ في وردةٍ –الوردةُ ترتعشُ-
آهٍ، كم يطولُ الوقتُ بكِ! لا تُسرّحي شعركِ الآنَ،
ذاكَ أنِّيَ نائمٌ –أقولُ لكِ- في انتظارِ فمكِ. لا أريدُ
رائحةَ النّعناعِ في رُضابكِ. سألقي،
حينَ أستيقظُ، أسفلَ المنور، كلَّ أمشاطكِ، دبابيسَ شعركِ، وفراشي أسنانكِ.
IV
ذاتَ يومٍ، ستسألني القصائدُ التي عشتها
في الصّمتِ فوقَ جسدكِ عن أسمائها، حينَ تكونينَ قد رحلتِ.
لكنّني سأكونُ بلا صوتٍ أكلّمها بهِ. ذاكَ أنّكِ اعتدتِّ
المشيَ حافيةَ القدمينِ في الغُرفِ أبداً، ثمّ تحتشدينَ في السّريرِ،
لهباً ضارياً من زغبٍ وحريرٍ. تشبكينَ يديكِ
حولَ ركبتيكِ، سامحةً لأخمصَي قدميكِ الورديينِ المُغْبَرّينِ
أنْ يتمطّيا باستفزازٍ. تَذَكَّرَنِي، هكذا، تقولينَ؛
هكذا تذكَّرني، بقدميَّ الوسختينِ، بشعريَ
يتدلّى فوقَ العينينِ –ذاكَ أنّي بعمقٍ هكذا أراكِ. حسناً إذن،
أَنَّى لِيَ الصوتُ؟ لمْ يَمْشِ الشِّعرُ أبداً على هذهِ الشّاكلةِ
أسفلَ شجرِ التّفاحِ المُزهرِ أبيضَ من غيرِ سُوءٍ في أيِّ جنةِ عَدْنٍ.
V
حينَ لا تكونينَ هنا، لا أعرفُ أينَ أنا. يُفرغُ البيتُ نَفْسهُ. تُرفرفُ السّتائرُ
خارجَ الشُّبّاكِ. مفاتيحُ على الطّاولةِ. على الأرضِ،
مفتوحةٌ حقائبُ سفرٍ من رحلاتٍ عتيقةٍ، بأزياءَ غريبةٍ
لفرقةِ مسرحيينَ كانتْ مرّةً ذاتَ أمجادٍ، ثمّ تفرّقَ شملها،
ذاتَ ليلةٍ انتحرتِ الممثلةُ الرئيسةُ الجميلةُ على خشبةِ المسرحِ. حينَ لا تكونينَ هنا،
يركضُ الجنودُ في الشّوارعِ خارجاً، تصرخُ نساءٌ؛
تدمدمُ الحافلاتُ الثقيلةُ؛ تصفرُ صفّاراتُ الإنذارِ؛
تأتي سيّاراتُ الاسعافِ وتتوقّفُ؛ ممرضاتٌ بثيابٍ بيضاءَ
يُلملمنَ الجرحى من الاسفلتِ، يُلملمنني أيضاً،
ثمّ يحملنني إلى مستشفىً أبيضَ طاهر بلا أسرّةٍ؛
أُغلقُ عينيَّ كطفلٍ مُطوَّقٍ بالبياضِ الخَطِرِ. ظلّتْ
ممرضةٌ في الحديقةِ قُربَ النّافورةِ؛ تنحني وتجمعُ
بعضَ أزهارٍ بيضاءَ نَفَضَتْها الرّيحُ عن أشجارِ السَّنْطِ. ثمّ هناكَ- ينفتحُ البابُ،
فتدخلينَ بسلّةٍ- تفوحُ من الكُمثّراتِ النّاضجةِ رائحةٌ عذبةٌ،
أنائمٌ أنتَ؟ أسمعُ صوتكِ يقولُ. أتنامُ وحدكَ؟ ألستَ في انتظاري؟
أفتحُ عينيَّ. وهَا هُوَ البيتُ. وهَا أنا ذَا. والكرسيّانِ ذوا الذّراعينِ.
كرسيانِ أحمرانِ. وأعوادُ ثقابٍ على الطّاولةِ.
أيّها الضوءُ الأبيضُ، أيّها الدمُ الأحمرُ، أيّها الحُبُّ، أيّها الحُبّ.
VI
دائماً، في الصّباحِ، أنا أكثرُ تعباً منكِ،
ربّما أكثرُ سعادة أيضاً. تنهضينَ بلا ضجيجٍ؛
ملاءاتُ السّريرِ تُخشخشُ قليلاً؛ تمضينَ حافيةَ القدمينِ. ما زلتُ
نائماً في دفءِ جسدكِ العاري
المتروكِ فوقَ السريرِ، غارقاً في عتمةٍ ضاربةٍ إلى البياضِ. أسمعكِ
تغتسلينَ، تُعدّينَ القهوةَ، تنتظرين.
أسمعكِ تَقِفينَ فوقي، حائرةً. ابتسامتكِ
تقطعُ جسدي كلّهُ، تُلِينُ أظافري. أنامُ.
أشرعةٌ بيضاءُ تلمعُ ساكنةً. بطّانيّةٌ
حمراءُ تتدلّى فوقَ حبلِ الغسيلِ. الأحمرُ يُثقلُ أهدابي.
نساءٌ عارياتٌ في النّهرِ. رجالٌ عراةٌ في الأشجارِ.
أحصنةٌ مهيبةٌ (ليستْ حزينةً) تمشي الهُوينى في مياهِ البحرِ الضّحلةِ. أَنْعَظَ أحدها،
فكادَ أنْ يطأَ الماءَ قضيبُهُ الأسودُ. فتاةٌ تنتحبُ.
بمديةِ جيبهِ ينقشُ الصّبيُّ الأرقام 99 على شجرةِ تُوتٍ،
ثمّ يُضيفُ 9 أخرى. أنامُ عميقاً أكثرَ، أكثرَ في الدّاخلِ،
عصفورٌ يجثمُ على لُبدةِ أسدٍ أبيضَ. Tir, tir، صاحَ. العالمُ
طازجٌ ومُنيرٌ ومَنِيٌّ وافرٌ. عمتَ صباحاً أيّها الحُبُّ، عمتَ صباحاً.
VII
لقد أخذتِ كلّ شيءٍ منّي. لَنْ يبقَ للموتِ أيَّ شيءٍ يأخذهُ.
داخلَ جسدكِ أتنفّسُ. بذرتُ ألفَ صبيّ في حقلكِ المبلولِ بالعرقِ؛
ألفَ حصانٍ تَخبُّ على الجبلِ، تجرُّ وراءها أشجارَ تنّوبٍ مُجتثّةً؛
هبطتْ صوبَ ضواحي القريةِ، رفعتْ رؤوسها،
تفرّستْ بعيونها اللوزيّةِ السّوداءِ في الأكروبولِس، الأضواءِ الطويلةِ للمصابيحِ،
فتحتْ أهدابها القصيرةَ ثمّ أغمضتها. أوصلتها أضواءُ إشاراتِ المرورِ الخضراءُ والحمراءُ
إلى حيرةٍ نزقةٍ. شرطيُّ المرور هذا يُحرّكُ يديهِ كما لو يحصدُ ثمرةً محجوبةً منَ الليلِ
أو يقبضُ على نجمٍ من ذيلهِ. تُديرُ ظهورها
كما لو هُزمتْ في معركةٍ لم تُخَض أبداً. ثمُ، فجأةً،
تهزُّ أعرافها مرّةً أخرى وتخبُّ صوبَ البحرِ. كنتِ على صهوةِ أكثرها
بياضاً، عاريةً. صحتُ عليكِ. يُطوّقُ
نهديكِ –بالعرض- غُصينا لبلابٍ. حلزونٌ
يستلقي ساكناً فوق شعركِ. أصيحُ بكِ: يا حُبّي. ثلاثةُ مقامرينَ، مستيقظينَ طوالَ الليلِ،
يدلفونَ إلى حانوتِ حليبِ الحيّ. إِنَّ النهارَ ينبلجُ.
تنطفئُ أنوارُ المدينةِ. ظلُّ الأزرقِ الشّاحبِ الهائلِ ينهمرُ ناعماً
فوقَ جلدكِ. إِنِّيَ فيكِ. أصرخُ من داخلكِ. أصرخُ عليكِ
هُنَا حيثُ صاخبةً تحتشدُ أنهارٌ وتتدحرجُ السّماءُ
في الجسدِ الآدميِّ، رافعةً معها
مخلوقاتٍ وأشياءَ فانيةً –بطّاً بريّاً، نوافذَ، جواميسَ،
صنادلكِ الصّيفيّةَ، إحدى أساوركِ، قنفذَ بحرٍ، يمامتينِ-
صوبَ الأراضي المفتوحةِ من خلودٍ لا يُفسَّرُ أو يُنشَد.
VIII
لا أريدُكِ أن تصعدي السّلالمَ الرّخاميّةَ للمستشفياتِ. لا أريدُكُِ أن تَقِفي
أمامَ البابِ نصفِ الموصدِ لغرفةِ العميلّةِ الجراحيّةِ –لحمٌ مُمزَّقٌ، دمٌ-
إنّها ليستْ طمثَكِ الذي يدوم 27 يوماً، مع أنّ ذلك يجعلني أتراجعُ، يَعوقُني، يَفتِنُني. خُلقَ الدّمُ
كي يَسري خفيّاً في العروقِ، كي يُسمَعَ في الليلِ،
قلباً إلى قلبٍ، كموسيقى على الأرضيّةِ في الأسفلِ حيثُ كانَ زوجانِ أُخريانِ
يتهيّآنِ لتعميقِ حبّهما بالموسيقى. لا أريدكِ
أن تتسكّعي في هذهِ الأروقةِ التي برائحةِ
اليُودوفورم، الكافورِ والموتِ. لا أُريدكِ أنْ تكوني
ممرضةَ أحدٍ، ولا حتّى ممرّضتي أنا. لا أريدكِ أن تعتني
بالمُقعدينَ، التّماثيلِ المبتورةِ والقُمْرِيَّةِ
التي هشّمَ الخُرْدُقُ جناحها الأيمنَ. لا أريدُ لابتسامتكِ
أنْ تهبطَ على الأجسادِ العاريةِ المذبوحةِ، حتّى لو كانتْ لرفاقي. تَصِيرُكِ
إِذْ تظلُّ ساكنةً في فمكِ، أو ببضعةِ حركاتٍ
كي تُهيمنَ على الأمواجِ أمامَ السّريرِ، أو على الأكثرِ تُمشّطينَ
شعريَ المبلولِ بأشكالٍ جميلةٍ، بهيجةٍ من صنعكِ، أو حتّى حينَ
تُحضرينَ الصّينيّةَ الكبيرةَ بالشّاي كلّ صباحٍ كما لو كنتِ تُحضرينَ
قيثارةً، بلا أيِّ نِيَّةٍ للعزفِ، طالما أنّ القيثارةَ
تعزفُ من تلقاءِ نفسها كلّما رفعتُ عينيَّ نحوكِ. لأنّ –مثلما تعرفينَ-
على الجوهرةِ ناريّةِ اللّونِ للخاتم الذي أعطيتنيهِ تلمعُ
مدينةٌ مضاءةٌ بفوانيسَ خضراءَ. في جادّاتها
يُدوّمُ راقصونَ صغارٌ بفوانيسَ ورقيّةٍ قُرمزيّةٍ وأزهارِ أقحوانٍ،
ومنَ الشّرفةِ يَرشُّ شابٌّ شعورهم بقصائدي الممزَّقةِ.
لهذا أُقلِّبُ الجوهرةَ، كي أضغطها
بكفيَّ حتّى لا تستطيعَ عينُ غريبٍ حسودةٌ أو بريئةٌ
أنْ تسحرَ هذهِ السّعادةَ التي لا تنفدُ فِيَّ، خارجَ الزّمنِ،
ذاكَ أنّا في الصّباحِ التّالي لنْ نعثرَ على الأيائلِ الثلاثةِ مقتولةً في المصعدِ.
IX
كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني. أَجوعكِ. أَظمؤُكِ.
أُناشدكِ، احتجبي؛ احتجبِي على الكُلِّ، ولا تترائِي إِلاّ لِي أنا وحدي. مُغطّاةً،
من رأسكِ حتّى أخمصَي قدميكِ، بحجابٍ مُعتمٍ، شفّافٍ
مُرقّطٍ بتنهيداتٍ فضيّةٍ من أقمارِ الرّبيعِ. مسامُكِ تبعثُ
حروفَ علّةٍ، حروفاً ساكنةً مُشتاقةً؛ كلماتٍ غامضةً لُفِظَتْ،
انفجاراتٍ ورديّةً منَ الوِصَالِ. حجابُكِ يعلو، يلمعُ
فوقَ المدينةِ التي أدركها الليلُ بحاناتها خافتةِ الإنارةِ، أماكنِ البحّارةِ المألوفةِ؛
كشّافاتٍ خضراءَ تُنيرُ ليلَ الصيدليّاتِ، كرةِ زجاجٍ
تُدوّمُ مُسرعةً تَبِينُ عن صورةٍ لكوكبِ الأرضِ. السكّيرُ يترنّحُ
في عاصفةٍ هبّتْ من تنفّسِ جسدكِ. لا تذهبي. لا تذهبي. واضحةً جدّاً، ومراوغةً. ثورٌ
حجريٌّ يثبُ من القَوْصَرَةِ فوقَ العشبِ النّاشفِ. امرأةٌ عاريةٌ تصعدُ السلّمَ الخشبيَّ
حاملةً طَسْتَ ماءٍ ساخنٍ. يُخفي البخارُ وجهها. عالياً، في الهواءِ،
مروحيّةُ استطلاعٍ تَسُفُّ مواضعَ عشوائيّةً. احترسِي.
إنّهم يطلبونكِ. اختبئِي عميقاً أكثرَ في يديّ. يكبرُ فَرْوُ
البطّانيّةِ الحمراءِ التي تُغطّينا ويكبرُ حتّى
يصيرَ دُبَّةً حُبلى. تحتَ الدُّبَّةِ الحمراءِ
نمارسُ الحُبَّ بلا انقطاعٍ، أبعدَ من الزّمنِ أبعدَ منَ الموتِ،
في وئامٍ كُلّيٍّ، مُتوحّدٍ. كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني.
وأجوعكِ. وأظمؤُكِ. وأمجّدكِ: احتجبِي.
X
كلُّ الأجسادِ التي لمستُها، رأيتُها، نِلتُها، حلمتُ بها –كلّها-
تكاثفتْ في جسدكِ. آهِ، يا دِيُوْتِيْمَا الشّهوانيّة
في سِمْبُوزْيَمِ الإغريقِ العظيمِ. لقد رحلَ عازفو المزاميرِ،
رحلَ الشّعراءُ والفلاسفةُ. والشّبابُ الوسيمونَ للتوّ قد ناموا
بعيداً في غرفِ نومِ القمرِ.وحيدةٌ أنتِِ
في ابتهاليَ الصّاعدِ. صندلٌ أبيضُ
بسيورٍ بيضاءَ طويلةٍ رُبِطَ إلى رجلِ الكرسيِّ. أنتِ نسيانٌ مُطلقٌ،
ذاكرةٌ مُطلقةٌ أنتِ. أنتِ رِقّةٌ لا تنكسرُ. إِنَّ النّهارَ ينبلجُ.
إِجَّاصاتٌ شوكيّةٌ مُكتنزةٌ تَشْطَأُ من الصّخورِ. شمسٌ ورديّةٌ
تستلقي ساكنةً فوقَ بحر مُوْنُوْفِاسْيَا. ظلّنا الثّنائيُّ
بَدَّدَهُ الضوءُ على أرضيّةِ الرّخامِ بسجائرها الكثيرةِ المُداسَةِ،
بأزهارِ ياسمينها الصّغيرةِ المُعلّقةِ على إِبَرِ الصّنوبرِ. آهِ، يا ديوتيما الشّهوانيّة،
يا مَنْ وَلَدتِني ويا مَنْ وَلدتُكِ، آنَ أنْ نَلِدَ الأدوارَ والقصائدَ، أنْ نمضي في العالمِ. ولا تَنسَيْ،
حينَ تذهبينَ إلى السّوقِ، أنْ تشتري كومةَ تفّاحٍ،
ليسَ ذهبيَّ هِسْبِردِيْزَ، بل الأحمرَ الكبيرَ، ذاكَ أنّكِ حينَ تقضمينَ
لُبّها القاسيَ بأسنانكِ اللامعةِ، تظلُّ ابتسامتُكِ الحيويّةُ
عالقةً كأبديّةٍ فوقَ الكُتُبِ.
XI
أُريدُ أن أَصِفَ جسدكِ. لا حَدَّ لجسدكِ. جسدُكِ
بتلةُ وردٍ ناعمةٌ في زجاجِ ماءٍ صافٍ. جسدكِ
غابةٌ وحشيّةٌ بأربعينَ حطّابٍ أسودَ. جسدكِ
أوديةٌ رطبةٌ عميقةٌ قبل شروقِ الشّمسِ. جسدكِ
لَيْلَتَانِ بِجَرَسِ بُرجينِ، بِشُهُبٍ وقطاراتٍ خارجةٍ عنِ السِّكَّةِ. جسدكِ
حانةٌ خافتةُ الإنارةِ ببحّارةٍ سُكارى وبائعي تبغٍ؛ يُفرقعونَ أصابعهم في الرّقصِ،
يكسرونَ زجاجاً، يبصقونَ ويلعنون. جسدكِ
أسطولٌ بحريٌّ بكاملهِ –غواصاتٌ، بوارجُ، سفنٌ مدفعيّةٌ؛ هَا قَدْ
رُفِعَتِ المراسِيُّ التي تَرِنُّ وغمرَ الماءُ ظهورها؛ بحّارٌ
يقفزُ من الصّاري في البحرِ. جسدكِ
صمتٌ مُتعدِّدُ الأصواتِ مَزَّقتهُ خمسُ سكاكينَ، ثلاثُ حرباتٍ، وسيفٌ واحدُ. جسدكِ
بحيرةٌ شفّافةٌ تُرَى في أعماقها المدينةٌ البيضاءُ. جسدكِ
أخطبوطٌ هائلٌ رهيبٌ بمجسّاتٍ نازفةٍ في حوضِ زجاجِ القمرِ
فوقَ الجادّاتِ المُنَارةِ حيثُ، في الظّهيرةِ،
مَرَّتْ بجلالٍ ثقيلٍ جنازةُ الإمبراطورِ الأخيرِ. أزهارٌ كثيرةٌ مُداسَةٌ
مُبلَّلةٌ بالبنزينِ ظَلَّتْ على الإسفلتِ. جسدكِ
مبغىً عتيقٌ في سُوْبِيْرْبْيَا سْتْرِيْتْ بغانياتٍ عجائزَ تبرّجنَ
بأحمرِ شفاهٍ برّاقٍ رخيصٍ، يضعنَ أهدابَ جفونٍ زائفةً؛
وثمّةَ، هنالكَ، أيضاً، غانيةٌ شابَّةٌ غِرَّةٌ – تُمتِّعُ نفسها مع كلِّ الزبائنِ،
تتركُ نقودها على طاولةِ الليلِ، تنسى أن تَعُدَّها. جسدكِ
صبيّةٌ مُشرقةٌ؛ إنّها تجلسُ أسفلَ شجرةِ التّفاحِ تأكلُ
قطعةَ خبزٍ طازجٍ وبندورةٍ مُمَلَّحَةٍ؛ الآنَ، ثانيةً،
تغرزُ بُرعمَ تفّاحٍ بينَ نهديها. جسدكِ
صَرَّارُ ليلٍ في أُذُنِ جَاني العنبِ –إنّهُ يطرحُ ظلاًّ بنفسجيّاً على عنقهِ الذي لوّحتهُ الشّمسُ
وَلِوحدهِ يُغنّي كلَّ ما لا تستطيعُ الكُرومُ أنْ تقولَهُ جميعها. جسدكِ
مَرقبٌ، أرضُ دِرَاسٍ كبيرةٌ على رأسِ التّلَّةِ-
سبعةُ أحصنةٍ بيضاءُ كالثلجِ تَدْرُسُ عبرَ حُزَمِ الكتابِ المُقدّسِ؛ قشٌّ ذهبيٌّ
يشبكُ مرايا صغيرةً فوقَ شعركِ، والأنهرُ الثلاثةُ تلمعُ
حيثُ تنحني بقراتٌ كبيرةٌ سوداءُ برؤوسٍ قاسيةٍ،
تشربُ الماءَ، وتبكي. جسدكِ لا حدَّ لَهُ.
جسدكِ لا يُوصَفُ. أريدُ أنْ أَصِفَهُ،
أنْ أقبضَ عليهِ بِشِدَّةٍ قُبالةَ جسدي، أنْ أحتويهِ وأنْ أُحتَوَى.
XII
النّهارُ مجنونٌ. البيتُ مجنونٌ. ملاءاتُ السّريرِ مجنونةٌ.
وأنتِ، كذلكَ، مجنونةٌ؛ ترقصينَ بالسّتارةِ البيضاء بينَ ذراعيكِ؛
تطرقينَ على الكِفْتِ فوقَ أوراقي كَرِقٍّ؛
تركضُ القصائدُ في الغرفِ؛ تفوحُ رائحةُ الحليبِ المُحترقِ؛
ينظرُ الحصانُ البلّوريُّ خارجَ النّافذةِ. انتظري –أقولُ –
لقد نسينا الحاملَ ثلاثيَّ القوائمِ لِفِيْمُوْنُوْيْسَ في مبنى نقابةِ الحطّابينَ؛
كانَ مقلوباً رأساً على عقبٍ. لقد نسينا قمرَ البارحةِ النّازفَ،
الأرضَ المحروثةَ للتَّوِّ. عربةٌ تعبرُ محمّلةً دُفلَى.
أظافركِ بتلاتُ وردٍ. لا تلتمسي الأعذارَ. لقد وضعتِ في خزانتكِ
حقائبَ تُوْلٍ مملوءَةً خُزامى. مظلاّتُ الشّمسِ جُنَّتْ،
صارتْ متشابكةً بأجنحةِ الملائكةِ. تُلوّحينَ بمنديلكِ؛
مَنْ تُحَيِّينَ؟ أيَّ ناسٍ تُحَيِّينَ؟ -العالَمَ كُلَّهُ.
سلحفاةُ ماءٍ سمراءُ استقرّتْ مُرتاحةً فوقَ ركبتيكِ؛
طحالبُ بحريّةٌ نديّةٌ تتحرّكُ فوقَ صدفتها المنحوتةِ. وترقصينَ.
طَارَةُ برميلٍ من عصورٍ غابرةٍ تتدحرجُ أسفلَ التَّلِّ
ثُمَّ تسقطُ في الجدولِ، راشقةً قطراتٍ تُبلّلُ قدميكِ،
لكنّكِ، في رقصكِ، لا تسمعينني. حسناً إِذن، الأمدُ
زوبعةٌ، الحياةُ دوريّةٌ، لا نهايةَ لها. ليلةَ أمسِ
مَرَّ الفارسُ. فتياتٌ عارياتٌ على أردافِ الخيولِ؛
رُبّما لهذا كانتِ الإوزّاتُ البريّةُ تصرخُ في جرسِ البُرجِ، لم نسمعها
حينَ غرقتْ حوافرُ الخيلِ في نومنا. اليومَ، أمامَ بابكِ،
وجدتِ حدوةَ حصانٍ فضيّةً. علّقتها فوقَ عتبةِ البيتِ. يَا لِحُسنِ طالعي –صِحْتِ-
يَا لِحُسنِ طالعي –صِحْتِ- ثمّ رقصتِ. قُربكِ، ترقصُ المرآةُ الطّويلةُ أيضاً،
تلمعُ بألفِ جسدٍ وتمثالِ هِيْبالِيْتَس مُكلَّلاً بالخشخاشِ.
لقد رحلَ ببغائي –تقولينَ كلّما رقصتِ –ولا أحدَ يُقلِّدُ ثانيةً صوتي؛ إلى الأبدِ، إلى الأبدِ –
هذا الصوتُ الذي ينبعثُ منّي يخرجُ من غابةِ دُوْدُوْنَا
بحيراتٌ صافيةٌ تصعدُ في الهواءِ بكلِّ زنابقها البيضاءِ،
بكلِّ نباتاتِ قيعانها. نقطعُ قَصَبَاً،
ونقيمُ كوخاً ذهبيّاً. بِمَشَقَّةٍ تصعدينَ الى السّقفِ.
بِكِلتا يديَّ أقبضُ على كاحليكِ. لا تهبطينَ.
تطيرينَ. تطيرينَ في الزّرقةِ. تسحبيني معكِ
ذاكَ أنّيَ أقبضُ على كاحليكِ. من كتفيكِ
تسقطُ المنشفةُ الزرقاءُ الكبيرةُ على الماءِ؛ تطفو لبُرهةٍ ثُمَّ
بِطَيَّاتٍ واسعةٍ تغرقُ، تاركةً على وجهِ الماءِ
نجمةً خماسيّةً ترتعشُ. لا تذهبي أبعدَ –صرختُ. أعلى. وفجأةً،
نهبطُ، بارتطامٍ أخرسَ، على السّريرِ الخُرافيِّ. هَا أَنصِتي –
في الشّارعِ، أسفلَ، يعبرُ المُضربونَ بلافتاتهم وأعلامهم.
أَلا تسمعينهم؟ لقد تأخّرنا. خُذي أيضاً منديلكِ الذي ترقصينَ بهِ. لِنذهبَ. أشكركِ، يا حُبّي.
أثينا، 1981
نومٌ شهوانيٌّ، بعدَ الوصالِ. ملاءاتٌ مبلَّلةٌ بالعرقِ
تتدلّى منَ السّريرِ حتّى الأرضِ. أَسمعُ في نوميَ
النّهرَ الجَبَّار. في ايقاعٍ يتلكّأُ. جذوعُ الأشجارِ الهائلةِ
تتدحرجُ معهُ. في أغصانها ألفُ عصفورٍ
يجثمُ ساكناً، يرتحلُ مع أغنيةٍ طويلةٍ
من ماءٍ وأوراقِ أشجارٍ، تقطعها النّجومُ. أُمرِّرُ
يدي، بخفّةٍ، أسفلَ عنقكِ، خائفاً
أن أقطعَ أغنيةَ العصافيرِ في نومكِ. غداً، في العاشرةِ-
حينَ تفتحينَ مصراعَيِّ النّافذةِ، وتندفعُ الشّمسُ في الغرفِ-
سوفُ تُرى العضّةُ فوقَ شفتكِ السّفلى أكثرَ وضوحاً في المرآةِ
ويستحيلُ البيتُ أحمرَ زاهياً، كلُّ شيءٍ مُرقّطٌ
بزغبٍ ذهبيٍّ وأبياتِ شعرٍ قصيّةٍ لم تكتمل بعدُ.
II
عُدتِّ منَ السّوقِ، ضاحكة ً، محمّلة ً
خبزاً، فاكهة ً، وباقةَ أزهارٍ كبيرةً. مرَّرَتِ الرّيحُ-
أُبصِرُ- أصابعها في شعركِ. أقولُ لكِ، مرّةً أخرى:
أنا لا أُحبُّ الرّيحَ. ما حاجتكِ بكلّ هذهِ الأزهارِ؟ أيّهنَّ
رماها الزَّهَّارُ اليكِ؟ لعلَّ صورتكِ
ظلّتْ في مرآتهِ، جُنُبٌ مضاءَةٌ
ببقعةٍ زرقاءَ فوقَ ذقنكِ. لا أُحبُّ الزهورَ. فوقَ صدركِ،
يستلقي بُرعمٌ كِبَرَ النّهارِ كلّهِ. حسناً إذن! إجسلي قُبالتي؛
أريدُ أن أنظرَ إلى منحدرِ ركبتيكِ قُربي، وحيداً، حينَ أدخلُ
حتّى يهبط الليلُ، خفيةً، وينتصبُ راسخاً قمرُ أرضٍ سُفليّةٍ، مفتوناً، فوقَ سريرَيْنَا،
قمرُ ليلةِ سبتٍ بكَمَانٍ، مزمارٍ، وسانتوري.
III
ما زلتُ نائماً. أسمعكِ تنظّفينَ بالفرشاةِ أسنانكِ في الحمَّامِ. ثمّةَ أنهارٌ، في ذلكَ
الصّوتِ، أشجارٌ، جبلٌ بكنيسةٍ بيضاءَ صغيرةٍ،
وقطيعُ خرافٍ في العشبِ (أَسمعُ الأجراسَ)، حصانانِ أحمرانِ،
ورايةٌ على دَكَّةِ البُرجِ، عصفورٌ فوقَ المدخنةِ؛
نحلةُ عسلٍ تئزُّ في وردةٍ –الوردةُ ترتعشُ-
آهٍ، كم يطولُ الوقتُ بكِ! لا تُسرّحي شعركِ الآنَ،
ذاكَ أنِّيَ نائمٌ –أقولُ لكِ- في انتظارِ فمكِ. لا أريدُ
رائحةَ النّعناعِ في رُضابكِ. سألقي،
حينَ أستيقظُ، أسفلَ المنور، كلَّ أمشاطكِ، دبابيسَ شعركِ، وفراشي أسنانكِ.
IV
ذاتَ يومٍ، ستسألني القصائدُ التي عشتها
في الصّمتِ فوقَ جسدكِ عن أسمائها، حينَ تكونينَ قد رحلتِ.
لكنّني سأكونُ بلا صوتٍ أكلّمها بهِ. ذاكَ أنّكِ اعتدتِّ
المشيَ حافيةَ القدمينِ في الغُرفِ أبداً، ثمّ تحتشدينَ في السّريرِ،
لهباً ضارياً من زغبٍ وحريرٍ. تشبكينَ يديكِ
حولَ ركبتيكِ، سامحةً لأخمصَي قدميكِ الورديينِ المُغْبَرّينِ
أنْ يتمطّيا باستفزازٍ. تَذَكَّرَنِي، هكذا، تقولينَ؛
هكذا تذكَّرني، بقدميَّ الوسختينِ، بشعريَ
يتدلّى فوقَ العينينِ –ذاكَ أنّي بعمقٍ هكذا أراكِ. حسناً إذن،
أَنَّى لِيَ الصوتُ؟ لمْ يَمْشِ الشِّعرُ أبداً على هذهِ الشّاكلةِ
أسفلَ شجرِ التّفاحِ المُزهرِ أبيضَ من غيرِ سُوءٍ في أيِّ جنةِ عَدْنٍ.
V
حينَ لا تكونينَ هنا، لا أعرفُ أينَ أنا. يُفرغُ البيتُ نَفْسهُ. تُرفرفُ السّتائرُ
خارجَ الشُّبّاكِ. مفاتيحُ على الطّاولةِ. على الأرضِ،
مفتوحةٌ حقائبُ سفرٍ من رحلاتٍ عتيقةٍ، بأزياءَ غريبةٍ
لفرقةِ مسرحيينَ كانتْ مرّةً ذاتَ أمجادٍ، ثمّ تفرّقَ شملها،
ذاتَ ليلةٍ انتحرتِ الممثلةُ الرئيسةُ الجميلةُ على خشبةِ المسرحِ. حينَ لا تكونينَ هنا،
يركضُ الجنودُ في الشّوارعِ خارجاً، تصرخُ نساءٌ؛
تدمدمُ الحافلاتُ الثقيلةُ؛ تصفرُ صفّاراتُ الإنذارِ؛
تأتي سيّاراتُ الاسعافِ وتتوقّفُ؛ ممرضاتٌ بثيابٍ بيضاءَ
يُلملمنَ الجرحى من الاسفلتِ، يُلملمنني أيضاً،
ثمّ يحملنني إلى مستشفىً أبيضَ طاهر بلا أسرّةٍ؛
أُغلقُ عينيَّ كطفلٍ مُطوَّقٍ بالبياضِ الخَطِرِ. ظلّتْ
ممرضةٌ في الحديقةِ قُربَ النّافورةِ؛ تنحني وتجمعُ
بعضَ أزهارٍ بيضاءَ نَفَضَتْها الرّيحُ عن أشجارِ السَّنْطِ. ثمّ هناكَ- ينفتحُ البابُ،
فتدخلينَ بسلّةٍ- تفوحُ من الكُمثّراتِ النّاضجةِ رائحةٌ عذبةٌ،
أنائمٌ أنتَ؟ أسمعُ صوتكِ يقولُ. أتنامُ وحدكَ؟ ألستَ في انتظاري؟
أفتحُ عينيَّ. وهَا هُوَ البيتُ. وهَا أنا ذَا. والكرسيّانِ ذوا الذّراعينِ.
كرسيانِ أحمرانِ. وأعوادُ ثقابٍ على الطّاولةِ.
أيّها الضوءُ الأبيضُ، أيّها الدمُ الأحمرُ، أيّها الحُبُّ، أيّها الحُبّ.
VI
دائماً، في الصّباحِ، أنا أكثرُ تعباً منكِ،
ربّما أكثرُ سعادة أيضاً. تنهضينَ بلا ضجيجٍ؛
ملاءاتُ السّريرِ تُخشخشُ قليلاً؛ تمضينَ حافيةَ القدمينِ. ما زلتُ
نائماً في دفءِ جسدكِ العاري
المتروكِ فوقَ السريرِ، غارقاً في عتمةٍ ضاربةٍ إلى البياضِ. أسمعكِ
تغتسلينَ، تُعدّينَ القهوةَ، تنتظرين.
أسمعكِ تَقِفينَ فوقي، حائرةً. ابتسامتكِ
تقطعُ جسدي كلّهُ، تُلِينُ أظافري. أنامُ.
أشرعةٌ بيضاءُ تلمعُ ساكنةً. بطّانيّةٌ
حمراءُ تتدلّى فوقَ حبلِ الغسيلِ. الأحمرُ يُثقلُ أهدابي.
نساءٌ عارياتٌ في النّهرِ. رجالٌ عراةٌ في الأشجارِ.
أحصنةٌ مهيبةٌ (ليستْ حزينةً) تمشي الهُوينى في مياهِ البحرِ الضّحلةِ. أَنْعَظَ أحدها،
فكادَ أنْ يطأَ الماءَ قضيبُهُ الأسودُ. فتاةٌ تنتحبُ.
بمديةِ جيبهِ ينقشُ الصّبيُّ الأرقام 99 على شجرةِ تُوتٍ،
ثمّ يُضيفُ 9 أخرى. أنامُ عميقاً أكثرَ، أكثرَ في الدّاخلِ،
عصفورٌ يجثمُ على لُبدةِ أسدٍ أبيضَ. Tir, tir، صاحَ. العالمُ
طازجٌ ومُنيرٌ ومَنِيٌّ وافرٌ. عمتَ صباحاً أيّها الحُبُّ، عمتَ صباحاً.
VII
لقد أخذتِ كلّ شيءٍ منّي. لَنْ يبقَ للموتِ أيَّ شيءٍ يأخذهُ.
داخلَ جسدكِ أتنفّسُ. بذرتُ ألفَ صبيّ في حقلكِ المبلولِ بالعرقِ؛
ألفَ حصانٍ تَخبُّ على الجبلِ، تجرُّ وراءها أشجارَ تنّوبٍ مُجتثّةً؛
هبطتْ صوبَ ضواحي القريةِ، رفعتْ رؤوسها،
تفرّستْ بعيونها اللوزيّةِ السّوداءِ في الأكروبولِس، الأضواءِ الطويلةِ للمصابيحِ،
فتحتْ أهدابها القصيرةَ ثمّ أغمضتها. أوصلتها أضواءُ إشاراتِ المرورِ الخضراءُ والحمراءُ
إلى حيرةٍ نزقةٍ. شرطيُّ المرور هذا يُحرّكُ يديهِ كما لو يحصدُ ثمرةً محجوبةً منَ الليلِ
أو يقبضُ على نجمٍ من ذيلهِ. تُديرُ ظهورها
كما لو هُزمتْ في معركةٍ لم تُخَض أبداً. ثمُ، فجأةً،
تهزُّ أعرافها مرّةً أخرى وتخبُّ صوبَ البحرِ. كنتِ على صهوةِ أكثرها
بياضاً، عاريةً. صحتُ عليكِ. يُطوّقُ
نهديكِ –بالعرض- غُصينا لبلابٍ. حلزونٌ
يستلقي ساكناً فوق شعركِ. أصيحُ بكِ: يا حُبّي. ثلاثةُ مقامرينَ، مستيقظينَ طوالَ الليلِ،
يدلفونَ إلى حانوتِ حليبِ الحيّ. إِنَّ النهارَ ينبلجُ.
تنطفئُ أنوارُ المدينةِ. ظلُّ الأزرقِ الشّاحبِ الهائلِ ينهمرُ ناعماً
فوقَ جلدكِ. إِنِّيَ فيكِ. أصرخُ من داخلكِ. أصرخُ عليكِ
هُنَا حيثُ صاخبةً تحتشدُ أنهارٌ وتتدحرجُ السّماءُ
في الجسدِ الآدميِّ، رافعةً معها
مخلوقاتٍ وأشياءَ فانيةً –بطّاً بريّاً، نوافذَ، جواميسَ،
صنادلكِ الصّيفيّةَ، إحدى أساوركِ، قنفذَ بحرٍ، يمامتينِ-
صوبَ الأراضي المفتوحةِ من خلودٍ لا يُفسَّرُ أو يُنشَد.
VIII
لا أريدُكِ أن تصعدي السّلالمَ الرّخاميّةَ للمستشفياتِ. لا أريدُكُِ أن تَقِفي
أمامَ البابِ نصفِ الموصدِ لغرفةِ العميلّةِ الجراحيّةِ –لحمٌ مُمزَّقٌ، دمٌ-
إنّها ليستْ طمثَكِ الذي يدوم 27 يوماً، مع أنّ ذلك يجعلني أتراجعُ، يَعوقُني، يَفتِنُني. خُلقَ الدّمُ
كي يَسري خفيّاً في العروقِ، كي يُسمَعَ في الليلِ،
قلباً إلى قلبٍ، كموسيقى على الأرضيّةِ في الأسفلِ حيثُ كانَ زوجانِ أُخريانِ
يتهيّآنِ لتعميقِ حبّهما بالموسيقى. لا أريدكِ
أن تتسكّعي في هذهِ الأروقةِ التي برائحةِ
اليُودوفورم، الكافورِ والموتِ. لا أُريدكِ أنْ تكوني
ممرضةَ أحدٍ، ولا حتّى ممرّضتي أنا. لا أريدكِ أن تعتني
بالمُقعدينَ، التّماثيلِ المبتورةِ والقُمْرِيَّةِ
التي هشّمَ الخُرْدُقُ جناحها الأيمنَ. لا أريدُ لابتسامتكِ
أنْ تهبطَ على الأجسادِ العاريةِ المذبوحةِ، حتّى لو كانتْ لرفاقي. تَصِيرُكِ
إِذْ تظلُّ ساكنةً في فمكِ، أو ببضعةِ حركاتٍ
كي تُهيمنَ على الأمواجِ أمامَ السّريرِ، أو على الأكثرِ تُمشّطينَ
شعريَ المبلولِ بأشكالٍ جميلةٍ، بهيجةٍ من صنعكِ، أو حتّى حينَ
تُحضرينَ الصّينيّةَ الكبيرةَ بالشّاي كلّ صباحٍ كما لو كنتِ تُحضرينَ
قيثارةً، بلا أيِّ نِيَّةٍ للعزفِ، طالما أنّ القيثارةَ
تعزفُ من تلقاءِ نفسها كلّما رفعتُ عينيَّ نحوكِ. لأنّ –مثلما تعرفينَ-
على الجوهرةِ ناريّةِ اللّونِ للخاتم الذي أعطيتنيهِ تلمعُ
مدينةٌ مضاءةٌ بفوانيسَ خضراءَ. في جادّاتها
يُدوّمُ راقصونَ صغارٌ بفوانيسَ ورقيّةٍ قُرمزيّةٍ وأزهارِ أقحوانٍ،
ومنَ الشّرفةِ يَرشُّ شابٌّ شعورهم بقصائدي الممزَّقةِ.
لهذا أُقلِّبُ الجوهرةَ، كي أضغطها
بكفيَّ حتّى لا تستطيعَ عينُ غريبٍ حسودةٌ أو بريئةٌ
أنْ تسحرَ هذهِ السّعادةَ التي لا تنفدُ فِيَّ، خارجَ الزّمنِ،
ذاكَ أنّا في الصّباحِ التّالي لنْ نعثرَ على الأيائلِ الثلاثةِ مقتولةً في المصعدِ.
IX
كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني. أَجوعكِ. أَظمؤُكِ.
أُناشدكِ، احتجبي؛ احتجبِي على الكُلِّ، ولا تترائِي إِلاّ لِي أنا وحدي. مُغطّاةً،
من رأسكِ حتّى أخمصَي قدميكِ، بحجابٍ مُعتمٍ، شفّافٍ
مُرقّطٍ بتنهيداتٍ فضيّةٍ من أقمارِ الرّبيعِ. مسامُكِ تبعثُ
حروفَ علّةٍ، حروفاً ساكنةً مُشتاقةً؛ كلماتٍ غامضةً لُفِظَتْ،
انفجاراتٍ ورديّةً منَ الوِصَالِ. حجابُكِ يعلو، يلمعُ
فوقَ المدينةِ التي أدركها الليلُ بحاناتها خافتةِ الإنارةِ، أماكنِ البحّارةِ المألوفةِ؛
كشّافاتٍ خضراءَ تُنيرُ ليلَ الصيدليّاتِ، كرةِ زجاجٍ
تُدوّمُ مُسرعةً تَبِينُ عن صورةٍ لكوكبِ الأرضِ. السكّيرُ يترنّحُ
في عاصفةٍ هبّتْ من تنفّسِ جسدكِ. لا تذهبي. لا تذهبي. واضحةً جدّاً، ومراوغةً. ثورٌ
حجريٌّ يثبُ من القَوْصَرَةِ فوقَ العشبِ النّاشفِ. امرأةٌ عاريةٌ تصعدُ السلّمَ الخشبيَّ
حاملةً طَسْتَ ماءٍ ساخنٍ. يُخفي البخارُ وجهها. عالياً، في الهواءِ،
مروحيّةُ استطلاعٍ تَسُفُّ مواضعَ عشوائيّةً. احترسِي.
إنّهم يطلبونكِ. اختبئِي عميقاً أكثرَ في يديّ. يكبرُ فَرْوُ
البطّانيّةِ الحمراءِ التي تُغطّينا ويكبرُ حتّى
يصيرَ دُبَّةً حُبلى. تحتَ الدُّبَّةِ الحمراءِ
نمارسُ الحُبَّ بلا انقطاعٍ، أبعدَ من الزّمنِ أبعدَ منَ الموتِ،
في وئامٍ كُلّيٍّ، مُتوحّدٍ. كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني.
وأجوعكِ. وأظمؤُكِ. وأمجّدكِ: احتجبِي.
X
كلُّ الأجسادِ التي لمستُها، رأيتُها، نِلتُها، حلمتُ بها –كلّها-
تكاثفتْ في جسدكِ. آهِ، يا دِيُوْتِيْمَا الشّهوانيّة
في سِمْبُوزْيَمِ الإغريقِ العظيمِ. لقد رحلَ عازفو المزاميرِ،
رحلَ الشّعراءُ والفلاسفةُ. والشّبابُ الوسيمونَ للتوّ قد ناموا
بعيداً في غرفِ نومِ القمرِ.وحيدةٌ أنتِِ
في ابتهاليَ الصّاعدِ. صندلٌ أبيضُ
بسيورٍ بيضاءَ طويلةٍ رُبِطَ إلى رجلِ الكرسيِّ. أنتِ نسيانٌ مُطلقٌ،
ذاكرةٌ مُطلقةٌ أنتِ. أنتِ رِقّةٌ لا تنكسرُ. إِنَّ النّهارَ ينبلجُ.
إِجَّاصاتٌ شوكيّةٌ مُكتنزةٌ تَشْطَأُ من الصّخورِ. شمسٌ ورديّةٌ
تستلقي ساكنةً فوقَ بحر مُوْنُوْفِاسْيَا. ظلّنا الثّنائيُّ
بَدَّدَهُ الضوءُ على أرضيّةِ الرّخامِ بسجائرها الكثيرةِ المُداسَةِ،
بأزهارِ ياسمينها الصّغيرةِ المُعلّقةِ على إِبَرِ الصّنوبرِ. آهِ، يا ديوتيما الشّهوانيّة،
يا مَنْ وَلَدتِني ويا مَنْ وَلدتُكِ، آنَ أنْ نَلِدَ الأدوارَ والقصائدَ، أنْ نمضي في العالمِ. ولا تَنسَيْ،
حينَ تذهبينَ إلى السّوقِ، أنْ تشتري كومةَ تفّاحٍ،
ليسَ ذهبيَّ هِسْبِردِيْزَ، بل الأحمرَ الكبيرَ، ذاكَ أنّكِ حينَ تقضمينَ
لُبّها القاسيَ بأسنانكِ اللامعةِ، تظلُّ ابتسامتُكِ الحيويّةُ
عالقةً كأبديّةٍ فوقَ الكُتُبِ.
XI
أُريدُ أن أَصِفَ جسدكِ. لا حَدَّ لجسدكِ. جسدُكِ
بتلةُ وردٍ ناعمةٌ في زجاجِ ماءٍ صافٍ. جسدكِ
غابةٌ وحشيّةٌ بأربعينَ حطّابٍ أسودَ. جسدكِ
أوديةٌ رطبةٌ عميقةٌ قبل شروقِ الشّمسِ. جسدكِ
لَيْلَتَانِ بِجَرَسِ بُرجينِ، بِشُهُبٍ وقطاراتٍ خارجةٍ عنِ السِّكَّةِ. جسدكِ
حانةٌ خافتةُ الإنارةِ ببحّارةٍ سُكارى وبائعي تبغٍ؛ يُفرقعونَ أصابعهم في الرّقصِ،
يكسرونَ زجاجاً، يبصقونَ ويلعنون. جسدكِ
أسطولٌ بحريٌّ بكاملهِ –غواصاتٌ، بوارجُ، سفنٌ مدفعيّةٌ؛ هَا قَدْ
رُفِعَتِ المراسِيُّ التي تَرِنُّ وغمرَ الماءُ ظهورها؛ بحّارٌ
يقفزُ من الصّاري في البحرِ. جسدكِ
صمتٌ مُتعدِّدُ الأصواتِ مَزَّقتهُ خمسُ سكاكينَ، ثلاثُ حرباتٍ، وسيفٌ واحدُ. جسدكِ
بحيرةٌ شفّافةٌ تُرَى في أعماقها المدينةٌ البيضاءُ. جسدكِ
أخطبوطٌ هائلٌ رهيبٌ بمجسّاتٍ نازفةٍ في حوضِ زجاجِ القمرِ
فوقَ الجادّاتِ المُنَارةِ حيثُ، في الظّهيرةِ،
مَرَّتْ بجلالٍ ثقيلٍ جنازةُ الإمبراطورِ الأخيرِ. أزهارٌ كثيرةٌ مُداسَةٌ
مُبلَّلةٌ بالبنزينِ ظَلَّتْ على الإسفلتِ. جسدكِ
مبغىً عتيقٌ في سُوْبِيْرْبْيَا سْتْرِيْتْ بغانياتٍ عجائزَ تبرّجنَ
بأحمرِ شفاهٍ برّاقٍ رخيصٍ، يضعنَ أهدابَ جفونٍ زائفةً؛
وثمّةَ، هنالكَ، أيضاً، غانيةٌ شابَّةٌ غِرَّةٌ – تُمتِّعُ نفسها مع كلِّ الزبائنِ،
تتركُ نقودها على طاولةِ الليلِ، تنسى أن تَعُدَّها. جسدكِ
صبيّةٌ مُشرقةٌ؛ إنّها تجلسُ أسفلَ شجرةِ التّفاحِ تأكلُ
قطعةَ خبزٍ طازجٍ وبندورةٍ مُمَلَّحَةٍ؛ الآنَ، ثانيةً،
تغرزُ بُرعمَ تفّاحٍ بينَ نهديها. جسدكِ
صَرَّارُ ليلٍ في أُذُنِ جَاني العنبِ –إنّهُ يطرحُ ظلاًّ بنفسجيّاً على عنقهِ الذي لوّحتهُ الشّمسُ
وَلِوحدهِ يُغنّي كلَّ ما لا تستطيعُ الكُرومُ أنْ تقولَهُ جميعها. جسدكِ
مَرقبٌ، أرضُ دِرَاسٍ كبيرةٌ على رأسِ التّلَّةِ-
سبعةُ أحصنةٍ بيضاءُ كالثلجِ تَدْرُسُ عبرَ حُزَمِ الكتابِ المُقدّسِ؛ قشٌّ ذهبيٌّ
يشبكُ مرايا صغيرةً فوقَ شعركِ، والأنهرُ الثلاثةُ تلمعُ
حيثُ تنحني بقراتٌ كبيرةٌ سوداءُ برؤوسٍ قاسيةٍ،
تشربُ الماءَ، وتبكي. جسدكِ لا حدَّ لَهُ.
جسدكِ لا يُوصَفُ. أريدُ أنْ أَصِفَهُ،
أنْ أقبضَ عليهِ بِشِدَّةٍ قُبالةَ جسدي، أنْ أحتويهِ وأنْ أُحتَوَى.
XII
النّهارُ مجنونٌ. البيتُ مجنونٌ. ملاءاتُ السّريرِ مجنونةٌ.
وأنتِ، كذلكَ، مجنونةٌ؛ ترقصينَ بالسّتارةِ البيضاء بينَ ذراعيكِ؛
تطرقينَ على الكِفْتِ فوقَ أوراقي كَرِقٍّ؛
تركضُ القصائدُ في الغرفِ؛ تفوحُ رائحةُ الحليبِ المُحترقِ؛
ينظرُ الحصانُ البلّوريُّ خارجَ النّافذةِ. انتظري –أقولُ –
لقد نسينا الحاملَ ثلاثيَّ القوائمِ لِفِيْمُوْنُوْيْسَ في مبنى نقابةِ الحطّابينَ؛
كانَ مقلوباً رأساً على عقبٍ. لقد نسينا قمرَ البارحةِ النّازفَ،
الأرضَ المحروثةَ للتَّوِّ. عربةٌ تعبرُ محمّلةً دُفلَى.
أظافركِ بتلاتُ وردٍ. لا تلتمسي الأعذارَ. لقد وضعتِ في خزانتكِ
حقائبَ تُوْلٍ مملوءَةً خُزامى. مظلاّتُ الشّمسِ جُنَّتْ،
صارتْ متشابكةً بأجنحةِ الملائكةِ. تُلوّحينَ بمنديلكِ؛
مَنْ تُحَيِّينَ؟ أيَّ ناسٍ تُحَيِّينَ؟ -العالَمَ كُلَّهُ.
سلحفاةُ ماءٍ سمراءُ استقرّتْ مُرتاحةً فوقَ ركبتيكِ؛
طحالبُ بحريّةٌ نديّةٌ تتحرّكُ فوقَ صدفتها المنحوتةِ. وترقصينَ.
طَارَةُ برميلٍ من عصورٍ غابرةٍ تتدحرجُ أسفلَ التَّلِّ
ثُمَّ تسقطُ في الجدولِ، راشقةً قطراتٍ تُبلّلُ قدميكِ،
لكنّكِ، في رقصكِ، لا تسمعينني. حسناً إِذن، الأمدُ
زوبعةٌ، الحياةُ دوريّةٌ، لا نهايةَ لها. ليلةَ أمسِ
مَرَّ الفارسُ. فتياتٌ عارياتٌ على أردافِ الخيولِ؛
رُبّما لهذا كانتِ الإوزّاتُ البريّةُ تصرخُ في جرسِ البُرجِ، لم نسمعها
حينَ غرقتْ حوافرُ الخيلِ في نومنا. اليومَ، أمامَ بابكِ،
وجدتِ حدوةَ حصانٍ فضيّةً. علّقتها فوقَ عتبةِ البيتِ. يَا لِحُسنِ طالعي –صِحْتِ-
يَا لِحُسنِ طالعي –صِحْتِ- ثمّ رقصتِ. قُربكِ، ترقصُ المرآةُ الطّويلةُ أيضاً،
تلمعُ بألفِ جسدٍ وتمثالِ هِيْبالِيْتَس مُكلَّلاً بالخشخاشِ.
لقد رحلَ ببغائي –تقولينَ كلّما رقصتِ –ولا أحدَ يُقلِّدُ ثانيةً صوتي؛ إلى الأبدِ، إلى الأبدِ –
هذا الصوتُ الذي ينبعثُ منّي يخرجُ من غابةِ دُوْدُوْنَا
بحيراتٌ صافيةٌ تصعدُ في الهواءِ بكلِّ زنابقها البيضاءِ،
بكلِّ نباتاتِ قيعانها. نقطعُ قَصَبَاً،
ونقيمُ كوخاً ذهبيّاً. بِمَشَقَّةٍ تصعدينَ الى السّقفِ.
بِكِلتا يديَّ أقبضُ على كاحليكِ. لا تهبطينَ.
تطيرينَ. تطيرينَ في الزّرقةِ. تسحبيني معكِ
ذاكَ أنّيَ أقبضُ على كاحليكِ. من كتفيكِ
تسقطُ المنشفةُ الزرقاءُ الكبيرةُ على الماءِ؛ تطفو لبُرهةٍ ثُمَّ
بِطَيَّاتٍ واسعةٍ تغرقُ، تاركةً على وجهِ الماءِ
نجمةً خماسيّةً ترتعشُ. لا تذهبي أبعدَ –صرختُ. أعلى. وفجأةً،
نهبطُ، بارتطامٍ أخرسَ، على السّريرِ الخُرافيِّ. هَا أَنصِتي –
في الشّارعِ، أسفلَ، يعبرُ المُضربونَ بلافتاتهم وأعلامهم.
أَلا تسمعينهم؟ لقد تأخّرنا. خُذي أيضاً منديلكِ الذي ترقصينَ بهِ. لِنذهبَ. أشكركِ، يا حُبّي.
أثينا، 1981
يانيس
ريتسوس (1909 - 1990) ولد في "مونيمفاسيا" في الجنوب الشرقي من
"البلوبونيز" جنوبي اليونان. ومنذ لحظته الأولى، كان منذورا للموت بالسل،
ذلك المرض الذي قضى على أمه - في طفولته وشقيقه. وكان عليه أن يجابه - مع
السل - الخراب الناجم عن أب مولع بالقمار حتى الجنون.
لا طفولة - إذن - ولا فراديس، بل عنابر المصحات المجانية، والتأرجح - طويلا - على حافة الحياة والموت، حافة النقاهة والانتكاس. أما بيت الأسرة فهو بيت الأشباح والذهول والكوابيس. لا عودة اليه، الا بعد عشرات الأعوام في قصيدته الأسطورية "البيت الميت" فإلى العاصمة، الى أثينا التي تموج بالمهاجرين القادمين من أسيا الصغري.
صبي يرمي بنفسه - وحيدا - الى العالم الشاسع، ليبدأ من الصفر تماما.. كاتبا ينسخ أوراقا في نقابة المحامين، فراقصا هامشيا بإحدى الفرق الفنية أو ممثلا صامتا، ثم مصححا وقارئا لبروفات الطباعة لدى أحد الناشرين.
وفي عام 1934، يظهر ديوانه الأول "تراكتورات"، ثم "أهرامات" في العام التالي، اللذين كتب معظم قصائدهما في المصحة. هما - معا - شارة على اكتشاف الشعر، أكثر من كونهما تحققا له. ولن يبدأ التحقق والحضور إلا مع "أبيتافيوس"، تلك القصيدة الجنائزية التي تتكون من عشرين نشيدا أو ترنيمة. لا خطابية ولا تعليمية. غنائية مشدودة الى الذاكرة الجمعية بوشائجها الشعورية بالغناء العامي والأسطورة الوثنية والطقس الأرثوذكسي.
والى أن تنشب الحرب العالمية الثانية، سينشر ثلاثة دواوين أخرى: "أغنية أختي" (1937) و"سيمفونية الربيع" (1938) و" مسيرة المحيط" (1940)، الذي نقدم ترجمته العربية الأول الكاملة في الصفحات التالية. وسيكون لسيد ذلك الزمن الشعري «بالاماس » أن يرسل له رباعية احتفالية: «ننحني لك، أيها الشاعر كي تمر».
وعل الفور، يجيء الرد من جانب النظام العسكري الحاكم فينهب البوليس نسخ «ابيتافيوس » الى محرقة الكتب، أمام أعمدة معبد «زيوس» في أثينا. وتبدأ سنوات الرعب والإرهاب. سنوات عاشها ريتسوس محطما تحت وطأة المرض، في غرفة تقع على نفس مستوى الشارع، في حي شعبي باثينا. ومع المجاعة الكبرى، يصبح خطر الموت أقرب اليه. وحينما يكتشف ذلك أحد الصحفيين، يطلق صرخة تحذير في جريدته اليومية، ويتم فتح اكتتاب عام لإنقاذ حياة الشاعر. لكن ريتسوس يرفض النقود، ويطلب تحويلها الى جمعية الأدباء الشبان لتوزيعها عليهم.
هي حقبة «القرن الأخير قبل الميلاد» و«أثينا تحت السلاح» الذي سيتحول - من بعد - الى «أبعد من ظلال السرو» ثم «يونانية» و"سيدة الكروم". سطوع مباغت للصور وحساسية في الاستلهام تنبثق منها يونان طبيعية شهوانية، نبيلة ولاذعة. أبدية للهيللينية، تذوب فيها الطقوس القديمة والاساطير البيزنطية والأعمال الفدائية لقطاع الطرق والأنصار. ابدية للتمرد، ونداء للجزر والرياح والبحر، كي يمتزج الجميع.
وفي 1948، يتم اعتقال ريتسوس ضمن أكثر من مائة ألف معتقل الى الجزر. كابوس بلا تسمية، لكنه سيتخلل شقوق أشعاره في تلك المرحلة. ويقود «لوى اراجون» -الشاعر الفرنسي الكبير- ومجلة " الآداب الفرنسية "حملة للدفاع والافراج عنه. وعندما يتم نقله الى جزيرة أخرى" يكتب «اركان العالم» و«النهر ونحن». ويفرج عنه، فيصدر "سهر" ( 1954).
واربع سنوات من المضايقات الإدارية، ويبدا السفر الى "الاتحاد السوفييتي" فرومانيا فتشيكوسلوفاكيا. وفي فجوات الوقت، يترجم مايافسكي وناظم حكمت وهنري ميشو ونيقولا جيين. ويتزوج عام 1954، ليكتب لطفلته - في العام التالي - «نجمة الصباح». وكل عام يجيء بديوانين أو ثلاثة: «سوناتة ضوء القمر» (1956)، «تأريخ » و «البعيد» (1957)، «عندما يأتي الغريب » (1958)، «النافذة» و" الجسر" (1959). وتنفتح الدائرة التراثية عام 1962 بـ" البيت الميت " و«تحت ظلال الجبل»، وبعدهما "فيلوكتيت " (1965) و«أوريست» (1966).
واذا ما كان التكنيك يظل " تكنيك الاعتراف "، فإن المقدرة على المواربة تتزايد، ويتخفى الشاعر وراء الشخوص التي يقدمها بإيجاز في المفتتح ليتركها -من بعد -الى الحديث في مونولوج طويل. وانطلاقا من «سوناتا..» يعمل كل ديوان استعادة وبلورة لذلك الشكل المستحدث الذي يسمح بتنوع الرصد بلا نهاية، ضمن حركة الذهاب والإياب داخل القصيدة، والتذبذب الذي يلتقط كافة ظلال الحلم والفكر والوجود.
وخارج هذه القصائد الطويلة والتي تصدر مجتمعة عام 1973 في سفر ضخم بعنوان «البعد الرابع» يكتب ريتسوس مجموعات من قصائد قصيرة مستلهمة من الحياة اليومية. نصوص مكثفة تأخذ شكل الشذرات، تسعي الى ابتعاث جزئيات الحياة، والى التركيز على اللحظات المتعاقبة للنهار. وتصدر هذه القصائد القصيرة تحت عنوان «شهادات» في جزءين، عامي 1963و1966.
ويعود الحكم العسكري من جديد عام 1967. ويعود ريتسوس الى الاعتقال بالجزر اليونانية. من «يا روس: جزيرة الشيطان» الى «ليروس» حيث تبدأ القصائد حتى الهذيان: إيماءات غريبة، اوضاع متضاربة، عفونة، كلمات معلقة أجساد وتماثيل مبتورة، معتوهون وعميان وعجرة، أفعال بلا وعي، انزلاقات وانقطاعات في الفكر وسرد موجز للاشياء المتباينة كأنه لابد -بأسرع ما يمكن- من ملء الصدع الذي يهرب منه العالم.
وبدأت حملة واسعة - بتحريض من "أراجون " للمطالبة بالإفراج عن الشاعر، ضمت أشهر الأدباء في فرنسا وايطاليا وألمانيا والبلاد الأنجلوسكسونية واسكندنافيا. ويفرج عنه في ديسمبر 1968، محدد الإقامة في منزله في "ساموس"، ممنوعا من الاتصالات والخطابات والسفر. ولن يتمكن من الحصول على تصريح بالسفر الى أثينا إلا بعد عام من الإقامة الجبرية حقبة كئيبة تنغرس اصداؤها في قصائد ديوان «الممر والسلالم » توقفت الحياة الثقافية تماما. وقائمة الممنوعات تغطي كافة مجالات الفكر والفن. وباب الهجرة مفتوح على الناحيتين: الهجرة الى المنفى والهجرة الى الصمت الداخلي.
ويخرج ريتسوس - من سنوات الصمت الأخيرة - بلا رصيد منشور، لينشر-من بعد - العديد من الدواوين التي تضم القصائد القصيرة «أحجار، تكرا رات، قضبان» ويماءات» و«الممر والسلالم»، وبعدها القصائد الطويلة ذات الطابع التراثي: «هيلين» و«اسمين» و«عودة ايفيجيني» و«كريسوثيميس».
وفي يوليو 1974، يسقط النظام العسكري. وتنتهي سنوات العذاب وأربعون عاما من المحن والصراعات الداعية. أربعون عاما من الغناء والمراثي والملاحم، التي تعكس آمال وبصيرة اليونان المعاصرة. ذلك ما منحه الجائزة الدولية الكبرى للشعر عام 1972، والتي سبق منحها لأونجاريتي وسان - جون بيرس وأوكتافيوباث. وهو ما أفضى الى ترشيحه للحصول على جائزة نوبل.
" لم أكن أعرف - من قبل -أنه أعظم الشعراء الأحياء في عصرنا. أقسم أنني لم أكن أعرف. ولكنني عرفت ذلك رويدا رويدا، من قصيدة الى أخرى، بل من سر الى آخر، حيث في كل مرة رجفة الاكتشاف الجديد: اكتشاف إنسان واكتشاف بلد، أعماق إنسان وأعماق بلد". ذلك ما كتبه عنه «أرا جون».
أما هو، فيقول - في اعوامه الأخيرة – "أحس بأنني طفل يافع وأن عمري يمتد الى ملايين السنين. أنا شيخ شاب، وطفل عجوز وأنا أغتني بما أفقد. وكل عام يمر، أزداد فتوة بما أكسب، أي بما أفقد. حينما كنت في الثالثة والعشرين، كتبت: " عندما أستيقظ كل صباح، أرى من خلال النافذة المفتوحة السماء المزهرة في البحر، أشعر أني أبدية اصغر من البارحة ". والآن، وبعد كل هذه الأعوام، كم من الأبديات احمل فوق أكتافي وفي جسدي وروحي لقد عبرت ميتات كثيرة، وسأموت في النهاية وأنا أحمل بعض الأبدية، أجل، أنا متفائل. لقد خرجت من أحلك الظلمات خرجت حيا من الأمراض، ومن جلسات التعذيب. ويمكنني القول إنني خرجت من أغرار الموت. التفاؤل ليس سهلا، وليس وسيلة سهلة لتجاوز الصعوبات أو تجاهلها. تفاؤلي لا يتزعزع، وهو راسخ لأنه ينجم - تحديدا. عن اليأس "
لا طفولة - إذن - ولا فراديس، بل عنابر المصحات المجانية، والتأرجح - طويلا - على حافة الحياة والموت، حافة النقاهة والانتكاس. أما بيت الأسرة فهو بيت الأشباح والذهول والكوابيس. لا عودة اليه، الا بعد عشرات الأعوام في قصيدته الأسطورية "البيت الميت" فإلى العاصمة، الى أثينا التي تموج بالمهاجرين القادمين من أسيا الصغري.
صبي يرمي بنفسه - وحيدا - الى العالم الشاسع، ليبدأ من الصفر تماما.. كاتبا ينسخ أوراقا في نقابة المحامين، فراقصا هامشيا بإحدى الفرق الفنية أو ممثلا صامتا، ثم مصححا وقارئا لبروفات الطباعة لدى أحد الناشرين.
وفي عام 1934، يظهر ديوانه الأول "تراكتورات"، ثم "أهرامات" في العام التالي، اللذين كتب معظم قصائدهما في المصحة. هما - معا - شارة على اكتشاف الشعر، أكثر من كونهما تحققا له. ولن يبدأ التحقق والحضور إلا مع "أبيتافيوس"، تلك القصيدة الجنائزية التي تتكون من عشرين نشيدا أو ترنيمة. لا خطابية ولا تعليمية. غنائية مشدودة الى الذاكرة الجمعية بوشائجها الشعورية بالغناء العامي والأسطورة الوثنية والطقس الأرثوذكسي.
والى أن تنشب الحرب العالمية الثانية، سينشر ثلاثة دواوين أخرى: "أغنية أختي" (1937) و"سيمفونية الربيع" (1938) و" مسيرة المحيط" (1940)، الذي نقدم ترجمته العربية الأول الكاملة في الصفحات التالية. وسيكون لسيد ذلك الزمن الشعري «بالاماس » أن يرسل له رباعية احتفالية: «ننحني لك، أيها الشاعر كي تمر».
وعل الفور، يجيء الرد من جانب النظام العسكري الحاكم فينهب البوليس نسخ «ابيتافيوس » الى محرقة الكتب، أمام أعمدة معبد «زيوس» في أثينا. وتبدأ سنوات الرعب والإرهاب. سنوات عاشها ريتسوس محطما تحت وطأة المرض، في غرفة تقع على نفس مستوى الشارع، في حي شعبي باثينا. ومع المجاعة الكبرى، يصبح خطر الموت أقرب اليه. وحينما يكتشف ذلك أحد الصحفيين، يطلق صرخة تحذير في جريدته اليومية، ويتم فتح اكتتاب عام لإنقاذ حياة الشاعر. لكن ريتسوس يرفض النقود، ويطلب تحويلها الى جمعية الأدباء الشبان لتوزيعها عليهم.
هي حقبة «القرن الأخير قبل الميلاد» و«أثينا تحت السلاح» الذي سيتحول - من بعد - الى «أبعد من ظلال السرو» ثم «يونانية» و"سيدة الكروم". سطوع مباغت للصور وحساسية في الاستلهام تنبثق منها يونان طبيعية شهوانية، نبيلة ولاذعة. أبدية للهيللينية، تذوب فيها الطقوس القديمة والاساطير البيزنطية والأعمال الفدائية لقطاع الطرق والأنصار. ابدية للتمرد، ونداء للجزر والرياح والبحر، كي يمتزج الجميع.
وفي 1948، يتم اعتقال ريتسوس ضمن أكثر من مائة ألف معتقل الى الجزر. كابوس بلا تسمية، لكنه سيتخلل شقوق أشعاره في تلك المرحلة. ويقود «لوى اراجون» -الشاعر الفرنسي الكبير- ومجلة " الآداب الفرنسية "حملة للدفاع والافراج عنه. وعندما يتم نقله الى جزيرة أخرى" يكتب «اركان العالم» و«النهر ونحن». ويفرج عنه، فيصدر "سهر" ( 1954).
واربع سنوات من المضايقات الإدارية، ويبدا السفر الى "الاتحاد السوفييتي" فرومانيا فتشيكوسلوفاكيا. وفي فجوات الوقت، يترجم مايافسكي وناظم حكمت وهنري ميشو ونيقولا جيين. ويتزوج عام 1954، ليكتب لطفلته - في العام التالي - «نجمة الصباح». وكل عام يجيء بديوانين أو ثلاثة: «سوناتة ضوء القمر» (1956)، «تأريخ » و «البعيد» (1957)، «عندما يأتي الغريب » (1958)، «النافذة» و" الجسر" (1959). وتنفتح الدائرة التراثية عام 1962 بـ" البيت الميت " و«تحت ظلال الجبل»، وبعدهما "فيلوكتيت " (1965) و«أوريست» (1966).
واذا ما كان التكنيك يظل " تكنيك الاعتراف "، فإن المقدرة على المواربة تتزايد، ويتخفى الشاعر وراء الشخوص التي يقدمها بإيجاز في المفتتح ليتركها -من بعد -الى الحديث في مونولوج طويل. وانطلاقا من «سوناتا..» يعمل كل ديوان استعادة وبلورة لذلك الشكل المستحدث الذي يسمح بتنوع الرصد بلا نهاية، ضمن حركة الذهاب والإياب داخل القصيدة، والتذبذب الذي يلتقط كافة ظلال الحلم والفكر والوجود.
وخارج هذه القصائد الطويلة والتي تصدر مجتمعة عام 1973 في سفر ضخم بعنوان «البعد الرابع» يكتب ريتسوس مجموعات من قصائد قصيرة مستلهمة من الحياة اليومية. نصوص مكثفة تأخذ شكل الشذرات، تسعي الى ابتعاث جزئيات الحياة، والى التركيز على اللحظات المتعاقبة للنهار. وتصدر هذه القصائد القصيرة تحت عنوان «شهادات» في جزءين، عامي 1963و1966.
ويعود الحكم العسكري من جديد عام 1967. ويعود ريتسوس الى الاعتقال بالجزر اليونانية. من «يا روس: جزيرة الشيطان» الى «ليروس» حيث تبدأ القصائد حتى الهذيان: إيماءات غريبة، اوضاع متضاربة، عفونة، كلمات معلقة أجساد وتماثيل مبتورة، معتوهون وعميان وعجرة، أفعال بلا وعي، انزلاقات وانقطاعات في الفكر وسرد موجز للاشياء المتباينة كأنه لابد -بأسرع ما يمكن- من ملء الصدع الذي يهرب منه العالم.
وبدأت حملة واسعة - بتحريض من "أراجون " للمطالبة بالإفراج عن الشاعر، ضمت أشهر الأدباء في فرنسا وايطاليا وألمانيا والبلاد الأنجلوسكسونية واسكندنافيا. ويفرج عنه في ديسمبر 1968، محدد الإقامة في منزله في "ساموس"، ممنوعا من الاتصالات والخطابات والسفر. ولن يتمكن من الحصول على تصريح بالسفر الى أثينا إلا بعد عام من الإقامة الجبرية حقبة كئيبة تنغرس اصداؤها في قصائد ديوان «الممر والسلالم » توقفت الحياة الثقافية تماما. وقائمة الممنوعات تغطي كافة مجالات الفكر والفن. وباب الهجرة مفتوح على الناحيتين: الهجرة الى المنفى والهجرة الى الصمت الداخلي.
ويخرج ريتسوس - من سنوات الصمت الأخيرة - بلا رصيد منشور، لينشر-من بعد - العديد من الدواوين التي تضم القصائد القصيرة «أحجار، تكرا رات، قضبان» ويماءات» و«الممر والسلالم»، وبعدها القصائد الطويلة ذات الطابع التراثي: «هيلين» و«اسمين» و«عودة ايفيجيني» و«كريسوثيميس».
وفي يوليو 1974، يسقط النظام العسكري. وتنتهي سنوات العذاب وأربعون عاما من المحن والصراعات الداعية. أربعون عاما من الغناء والمراثي والملاحم، التي تعكس آمال وبصيرة اليونان المعاصرة. ذلك ما منحه الجائزة الدولية الكبرى للشعر عام 1972، والتي سبق منحها لأونجاريتي وسان - جون بيرس وأوكتافيوباث. وهو ما أفضى الى ترشيحه للحصول على جائزة نوبل.
" لم أكن أعرف - من قبل -أنه أعظم الشعراء الأحياء في عصرنا. أقسم أنني لم أكن أعرف. ولكنني عرفت ذلك رويدا رويدا، من قصيدة الى أخرى، بل من سر الى آخر، حيث في كل مرة رجفة الاكتشاف الجديد: اكتشاف إنسان واكتشاف بلد، أعماق إنسان وأعماق بلد". ذلك ما كتبه عنه «أرا جون».
أما هو، فيقول - في اعوامه الأخيرة – "أحس بأنني طفل يافع وأن عمري يمتد الى ملايين السنين. أنا شيخ شاب، وطفل عجوز وأنا أغتني بما أفقد. وكل عام يمر، أزداد فتوة بما أكسب، أي بما أفقد. حينما كنت في الثالثة والعشرين، كتبت: " عندما أستيقظ كل صباح، أرى من خلال النافذة المفتوحة السماء المزهرة في البحر، أشعر أني أبدية اصغر من البارحة ". والآن، وبعد كل هذه الأعوام، كم من الأبديات احمل فوق أكتافي وفي جسدي وروحي لقد عبرت ميتات كثيرة، وسأموت في النهاية وأنا أحمل بعض الأبدية، أجل، أنا متفائل. لقد خرجت من أحلك الظلمات خرجت حيا من الأمراض، ومن جلسات التعذيب. ويمكنني القول إنني خرجت من أغرار الموت. التفاؤل ليس سهلا، وليس وسيلة سهلة لتجاوز الصعوبات أو تجاهلها. تفاؤلي لا يتزعزع، وهو راسخ لأنه ينجم - تحديدا. عن اليأس "
05/24/2008 - 20:44
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
شكرا لجهدك ووقتك وذوقك
وأنت تختارين لنا أجمل الترجمات