Error message

  • Notice: Undefined index: alwarsha2012new in drupal_theme_initialize() (line 100 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/theme.inc).
  • Notice: Trying to get property of non-object in _drupal_theme_initialize() (line 146 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/theme.inc).
  • Notice: Trying to get property of non-object in _theme_load_registry() (line 335 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/theme.inc).
  • Notice: Undefined index: alwarsha2012new in theme_get_setting() (line 1431 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/theme.inc).
  • Notice: Trying to get property of non-object in theme_get_setting() (line 1468 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/theme.inc).

عندما يتكلم جسد المراة .. الشاعرة مليكة مزان

عندما يتكلم جسد المراة .. الشاعرة مليكة مزان




عندما يتكلم جسد المراة  ..
الشاعرة مليكة مزان
علي الامارة


كانت المراة و لاتزال كمعشوقة في تاريخ الادب العربي مركونة في ضمير الكلمة ومعلقة في فراغ الهواجس والتعابير فحين نلتفت الى التراث الادبي وفي الشعر الغزلي او العشق العذري كما سماه تاريخ الادب  لا نجد صدى لتلك القصائد الغزلية او العذرية من قيل المراة المعشوقة فلم نقرا بيتا من الشعر او تعليقا على بيت او حدث او أي نص مهما كان قصيرا يعود الى ليلى العامرية  محبوبة قيس بن الملوح او بثينة محبوبة قيس بثينة او جنان حبيبة ابي نؤاس او غيرهن من اللواتي كتب عنهن الشعر وظلت صورهن في التاريخ مثل اشباح نساء لانهن خارج النص الادبي كلسان وخطاب ، وداخله كموضوع ومخاطب أي ان تهميش المراة المعشوقة  في التراث الادبي كذات قائلة كان موازيا لتمجيدها كذات مقولة ولا سيما حين تكون هذه المراة معشوقة او جسدا يقال فيه  الشعر.. ولم نقرا قصيدة غزلية للمراة في الرجل كما لم نقرا كلاما لجسد المراة يرتقي الى ان يكون نصا .. كانت المراة خارج المتن الشعري الذي يمجدها  او انها خارج اطار اللوحة التي ترسم لها   وعنها.. فصارت صورة اكثر منها حقيقة وخطابا اكثر منها ذاتا .. اما جسدها – المراة – فقد كان التعتيم الفني عليه اثقل وطأة وابعد تهميشا ونسيانا او الغاء لان الهاجس الديني او الاخلاقي كان وما يزال قامعا لخطاب المراة و لا سيما لخطاب جسدها حين يريد ان يكتب نصا ما .. لذلك حرم القارئ العربي من نصوص الجسد حتى لو كان هذا الجسد ملائكيا او كان خطابه نبيلا فوق الشيهات ..

من هنا  كان  الخطاب الشعري للشاعرة المغربية مليكة مزان  يحمل صدمته للقارئ العربي المنتمي الى ذائقة شعرية ذات خطاب ذكوري حبس المراة داخل النص الشعري الذي يريده هو لها ولم يستمع الى صدى الخطاب او الخطاب الاخر القادم من خارج النص نصا شعريا جديدا على هذا القارئ ان يهيء ذائقته له ويكيف حواسه لتلقيه .. فمن ديوانها الشعري المعنون ( متمردا يمر نهدك من هنا ) تختار لنا ثلاث قصائد  الاولى بعنوان (  ما ثمة غير نهدي فاغنموه ) والثانية ( عواء هذا الجسد ) والثالثة ( من التراث العالمي للامازيغ – علمانية النهد ) وتنشرها لنا في موقع – الهدف الثقافي -  حيث تركز على نداء الجسد وخطابه الحسي ولا تكتفي بالخطاب الوصفي التصويري للجسد بل تستدرج المتلقي الذكوري الى منازلة نصية لم يحسب لها حسابا فيقع في المنطقة الفاصلة او الواصلة بين الجسد والشعر او  بين الشفة والكلمة فالنص يتقدم بقوة الى المتلقي حاملا معه شعريته وانوثته ومستفزا المساحة الذكورية من التلقي التي تعودت ان تنظر الى ضفة واحدة من نهر الشعر وتجاهلت الضفة الاخرى الاكثر اثارة وصدما .. لقد كان الشعر العربي نهرا بضفة واحدة ! فلنزح الغشاوة الذكورية وننظر الى الجانب الاخر لعل هناك شاطئا  اخر للنهر الذي غرقنا فيه منذ قرون ولنصغ الى النداء القادم مع موجات النهر المنسية وهي تنتفض على اهمالنا لنصف النهر الاخر وتداهمنا وتصعد الى اسماعنا الغافلة :
 
لكل جسد رب يأويه  ،
عواء هذا الجسد
لكم اكتأب العواء
 في اعالي الجوع 
 
ها هو الجسد يدق الاجراس فثمة صوت  قادم من اعماق النص الذي تناسى او الغى هذا الصوت وانشغل بصاحب الصوت ... وصف الشفاه ولم يستمع الى همسها او الى عنفوان ندائها  فتراكم هذا النداء الجسدي عبر الاجيال والعصور فحين ينهمر.. على المتلقي الذكوري ان يستقبله كنص مكبوت ومدفون في الشفاه لا كجسد يحاول التمظهر بالانوثة والغواية في فضاء الكلمات .. اذن علينا ان نهيء مساحة من التلقي لهكذا نص فاذا كنا قد استمعنا الى نداء المراة و خطابها الشعري ممثلا مشاعرها وهواجسها ومحاولتها الانصهار في الخطاب الشعري العام فاننا لم نسمع نداء جسدها وصوت انوثتها ونصها الذي تلقيه علينا مفاتنها التي كانت موضوع النص الشعري دائما ..  وحتى الشعراء الذين تناولوا جسد المراة بجراة شعرية مثل نزار قباني .. لم يصغ الى نداء جسد المراة بل كان يقف احيانا بخطابه النرجسي كرجل عربي مالك للمراة وكشاعر يشاكس المراة بخطاب شعري يكون الجسد موضوعه :

فصلت من جلد النساء عباءة        وبنيت اهراما من الحلمات

لقد كانت حلمة واحدة كافية لتسع حلم الشاعر ..   ويكمل :

لم تبق زاوية بجسم جميلة            الا ومرت فوقها عرباتي

بل يذهب الى مساحة البذخ اللفظي والموضوعي ليجعل المراة من جواري النص حد ان يصبح هذا البذخ ماساة كماساة هارون الرشيد في كثرة الاجساد الانثوية المتهافتة عليه :

ماساة هارون الرشيد مريرة               لو تعلمين مرارة الماساة

اجساد كثيرة حد الماساة ولكن لا نص ياتي من هذه الاجساد .. لا كلمة لا حرف .. جسد انثوي لا يقول شيئا انما يقال فيه كل شيء ..

 ولعل بعض  المقاربات الشعرية  في الشعر العربي القديم   استنطقت جسد المراة  لكنها على اية حال تندرج ضمن الخطاب الذكوري للنص كما في قصيدة دوقلة المنبجي الذي يرسم لوحة متناسقة لجسد المراة يقول فيها  :

وَبِصَـدْرِها حُقّانِ خِلْتَهُما
كــافـورتينِ عَـلاهُـما نَدُّ

والبطـنُ مَطـويٌّ كما طُوِيتْ
بِيـضُ الرِّيـاطِ يَزِينُها المَلْدُ


ولها  هن راب   مجسته
وعر المسالك حشوه وقد

فاذا طعنت.. طعنت في لبد
واذا  نزعت  يكاد    ينسد

والتف فَخْــذَاها وَفَوقَهُمَا
كَفَلٌ ، يُجـاذِبُ خَصْرَها ، نَهْدُ

ومع كل هذا التماهي الشعري  مع الجسد الانثوي.. بقي صوت الانثى خارج النص

لذا  وقفت الشاعرة مليكة مزان عند هذا الحيز المفقود  من التمرد النصي الانوثي فلم تلغ  مفردة من الخطاب الجسدي  وتركت الجسد يسير على مساحة النص بحرية الكلمة التي تحمله او يحملها الى المتلقي  .. تلك التي لا تقف عند الجسد كوصف بل تتعداه الى الفعل الجسدي ومشاكسته الخطابية :

  ثمة أربابٌ ،

لكني من حسمتُ ملتهُ :

مضاجعة ُ الفكرةِ
بديلاً عن أي ما ربْ !

***

  لكن مليكة الشاعرة الانثى  تذهب الى الحافة الخطرة من الرضا والقبول عند المتلقي رغم انها تتكلم بصوت انثى ما.. لا صوت الشاعرة التي كانت واسطة الخطاب او المؤدية له كرسالة تبليغية يحملها بريد الشعر الا ان المتلقي يقف معها على هذه الحافة :

من جوعهِ أعجن الجسدَ ،
من عهريَ أنفخ فيهِ :
أكتفي .. بانتشائه المرْ

ما زال فضاء الدلالة يستدعي التواصل مع النص وهو يتقدم بجراة الخوض في فضاء الجسد وتداعياته ..

بل ان مرارة الانتشاء تنتقل الى  القصيدة الاخرى ( من التراث العالمي للامازيغ – علمانية النهد ) لتكشف عن جسد او نهد عصي ليس له سبيل سوى امازيغ الجراح وكفر كثيف :  

رُبﱠ نهدٍ لنشوةِ السكر ِ ،
إلا نَهديَ الأطلسُ المرﱡ
كيف السبيلُ إليْ ؟!

***

رُبﱠ نهدٍ لزينةِ الصباح ِ ،
ونهديَ لأمازيغ ِ الجراح ِ ،
وكفر ٍ كثيفْ !
 

ولكن هذا الكفر الكثيف ياخذ النص الى مداه الابعد  وان كانت كلمة الرب في المقطع الاتي تعني صاحب الشيء الا ان هذا التاويل التبريري لا يمنع النص من تمرده وعبوره الخط الاحمر من  المساحة المسموح لها في ذاكرة وذائقة التلقي للشعر العربي لكن النص مصر على صدمته لا على مستوى حدوده كجسد يتكلم  بلغة مفاتنه بل على مستوى امتداد الخطاب الى مساحات اخرى تقع ضمنها الممنوعات الثلات المعروفة في الواقع او الادب العربي  وهي الجنس والدين والسياسة هذه التي لم يقف عند أي من حدودها او يتحاشاها  نص الشاعرة مليكة مزان :

   ولأني من تضاجعُ الربﱠ
بنهد يختلفُ
عن باقي السبايا
أرى الربﱠ ينسف جسدي
بدين القتل ِ وفِقهِ الرزايا

بيد ان قضية مليكة الشعرية  لا تقف عند حدود الجسد ولغته وتحولاته النصية بل تجعل منه مادة لادانة الاخر وكأن الجسد لا يتعرى في النص الا لكي يعري الاخر سواء كان هذا الاخر شخصا او مجتمعا او زمنا  او واقعا معاشا فهي توجه خطابها في قصيدة – ما ثمة غير نهدي فاغتنموه -  الى كل اشكال العهر العربي – كما تذكر -  ولان الجسد هو الاداة التي يتراءى عليها العهر بكل اشكاله .. السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيره فهو -  الجسد-    الوعاء الاول للعهر ثم بنزاح هذا العهر بطريقة المجاز الى المناطق الاخرى خارج الجسد   لذلك تصرح الشاعرة الانثى :

العاهرة َ ظننتـُني ،
ولديﱠ الرجالُ ،
والشرفاتُ والورد ُ والفصولُ ؛
وما العاهرة ُ ، ويلي ،
غيرُ أورامي ،
وعجزي عن صنع انتقامي !

تتمرد الشاعرة على واقعها وزمنها فتجعل من جسدها او من بعضه خطابا ورمزا لهذا التمرد كما يعلن عنوان الديوان – متمردا يمر نهدك من هنا – ولكنها لا تقف عند حد لتمردها و لاتهادن احدا فالعهر شامل والجسد مراة له والشاعرة ماضية في الخطاب الجسدي النصي حتى لو اتهمت بالابتذال او العهر نفسه فالصدمة التي تتمخض بها لغتها الشعرية الانثوية لم تضع في حسبانها ان يفرش لها الدرب بالورود بل ان كلماتها ستصل الى المتلقي الذكوري مدماة بصلابة الحجر والاشواك التي تسير بيتها كلماتها المشاكسة حتى مع نبي او  رب .. !  

     عن نبيﱟ
بدين النهدِ
يكتبُ سيرة َ النهدِ ..
كم سألت ُ ،
حسبي أني أكتبُ سيرة َ النهدِ
بما كان من ذئابْ !

***
من كفرٍ إلى كفرٍ
ها أكتبُ سيرة َ النهدِ
وما فتح الربﱡ جنته ُ الأحلى ،
وما تبرأ الربﱡ
من كل عاهري الشرقْ !

اما الاداء الفني من القصيدة فعلى الشاعرة ان تتنامى به الى اعلى مستوياته بين اللغة الشعرية المتماسكة وبين الصورة الشعرية التي تحمل في طياتها مجازا شعريا عاليا اعلى من المجاز الذي امتد من جسد المراة الى الاشياء الاخرى .. لكي تسوغ تحديها الدلالي بتحد فني شبيه .. فمع كل التماعاتها الفنبة على مستوى الصورة او اللغة الشعرية فقد بقيت المساقة بين الشعر والجسد ابعد من المسافة بين الجسد وتحدياته أي ان نصها الجسدي ما زال يبحث عن افاق فنية اوسع ....

صورة على الامارة
القسم: