عين حلوان




عين حلوان
سمير الفيل



 
لو أخرجنا الولد الصغير من الصورة ستكون الفرصة أعظم لسبك قصة معقولة حول سبع شخصيات تضمها صورة قديمة التقطت  بالأبيض والأسود. إن الصورة تفكر في طمس بعض الملامح والذكريات ولكنني بقدرة قادر سأكون قادرا على المباغتة ، وسأهمل العصافير التي كانت تمر في الفضاء مشقشقة في فبراير من عام 1972 ، وأنا أبحث بكل قواي عن بنت جميلة أحبها .
 فجأة أعلنوا عن الرحلة إلى عين حلوان الكبريتية ، ووجدتني في الطريق إلى هناك .  أجلس مصادفة إلى جوارها ، وأبص في عينين خضراوين فرحتين ، ممتلئتين بفرح الكون . وهي لا تعرف أنني أريد أن أستشف مدى قبولها لي ، لكنها تتغافل عن النظرة ، وتلقي بكامل اهتمامها نحو الغيطان والأشجار التي كانت تفر كأشباح القرون الوسطى ، ومعها عواميد الكهرباء ، وحقول الفول .
مررنا  بالحديقة اليابانية ، وقد تركناها وسرنا نحو عين حلوان ، ونحن نقف في رحابها الآن . الولد يواجهني ولا يريد أن يخرج من المشهد حتى يجعل الحبكة ممكنة . حسنا سأتجاهله بكل وسيلة ممكنة وربما أصفعه في لحظة مواتية بغل دون أن يخاصمني أبوه ؛ فالأدب فضلوه على العلم. أشعر بعين تراقبنا من بعيد . عين الأستاذ مجاهد الذي يريد أن ينشر الفضيلة بطريقته المحتدة والعنيفة . إنها نظرة تخترق صمتنا المؤرق ، ويبدو أنه قد غضب فعلا حين ترقرقت ضحكاتنا صافية .
كانت نشوى إلى جواري تماما ، وشعرها منسدل من ناحية واحدة هي اليمنى ، وبيننا 30 سم أو أقل قليلا، إنها تشبك ذراعيها تحت نهديها تماما ، ويظهر خاتم فضي صغير على شكل زهرة لوتس في إصبعها الخنصر. حلق صغير على شكل حبة الحمص مرصع بفص من الياقوت المقلد يشغل أذنيها .
أذكر أنني لحظتها كنت أميل لجهة اليمين ميلا غير طبيعي البتة ، ولا يليق بصورة تذكارية ، وهو ميل سببته لي حقيبة المدرسة الثقيلة التي حملتها مع توالي السنين حين كان المدرسون لا يعطوننا الجداول المدرسية ، وكنا نضطر لدس الكتب كلها في جوفها فتنتفخ ، ويظهر حز بلون محمر سيظهر للرائي لو كشفت الكتف بعد الذهاب أو العودة .
أراها شاخصة ببصرها للأمام ، وفي ملامحها سحر غامض . لم أكن قد قرأت عن الموناليزا لذا فسيكون صعب عليّ أن أشبهها بها. سأقول إنها قريبة في تقاطيعها المليحة من مشيرة ابنة خالتي والتي كانت أكبر من سنها بأعوام قليلة أو ربما تشبه ملامح فلاحة من الدلتا صورها محمود مختار وقد زرت متحفه في نهاية كوبري قصر النيل ووقفت متعجبا من مهارة نحته ، وارتعبت من ضخامة الأسدين الرابضين في طرفي الكوبري .
لا ينبغي أن يقتصر حديثي عن نشوى حتى لو كانت هي التي استرعت انتباهي في رحلة حلوان ، أجدني أميل إلى تذكر لون بلوزتها الصوفية . كانت فستقية ولها صف من الأزرار الصدف الذهبية أما تنورتها فقصيرة ، وتصل لما فوق الركبة ، ولمن يريد أن يصطاد في الماء العكر عليه أن يتوقف فورا إذ أنها  ارتدت تحت التنورة أو الجيبة ـ يبدو أن التنورة تذكرني بالتنور أي بيت النار فأجدها كلمة غير مناسبة بتاتا عن قصة حب سأحكيها ـ جوربا بلون زهري خلاب . أعتقد أنه كان يصل إلى خصرها ، فلو أنها وضعت ساقا على ساق فلن يظفر شخص مراهق مثلي بأي غنيمة ـ باعتبار أنني شاب عمره واحد وعشرون عاما ، ولم يسبق له تقبيل فتيات إلا مرات قلائل تحت السلم الخشبي للبيت أو فوق السطوح في الليالي التي يختفي فيها القمر ، وبصورة غامضة ومتسرعة خوفا من الأهل ودخول النار ـ وقد صدق حدسي عندما تسابقنا لتسلق أحجار هرم خوفو الأكبر ؛ فسبقتني وتوقفت بعد تسعة أحجار واضعة يدها على جانبها الأيسر . قالت لي بصوت خافت متألم : "ساعدني " .
كنت أمني نفسي أن أصارحها بأنها جميلة جدا ، وقد خلبتني بروعتها لكنني وجدت نفسي أضع يدي على قلبها بدون أي سوء نية وأرتعب من الدقات العنيفة المتتالية . بدت لي كطبلة يدقها زنجي في أعماق قارة أفريقيا . لقد أجلستها على حافة الصخرة وخجلت عندما شعرت بيدي تجسها . نظرت في عينيّ  بعتاب فسحبتها ، واعتذرت بنظرة خجلى .
كانت هناك سيدة أجنبية تمر بنا فطلبت منها جرعة ماء فهزت رأسها مرحبة . قالت الكلمة الوحيدة التي حفظتها من مقرر الإعدادي " love" " ، وكانت مخطئة لأنني لم أكن قد أحببتها بعد . كنت قد رسمت خطة بيني وبين نفسي أن أصارحها بجمالها حين نبلغ نصف المسافة للقمة التي تلتحم بزرقة السماء . لكنها تجلس مخطوفة اللون ، وأنا في حيرة من أمري :" ماذا بك؟ ".
فكرت أنها قد تموت لحظيا ، وأتهم بجريمة لم أفعلها . يبدو أنني ارتبكت وذعرت وطفرت الدموع من عيني ّ فقد وجدتها تقترب مني كلية حتى تماس كتفينا .
 همست لي بخفوت مذعن : " لا تخف " .
خلعت سترتي الصوفية غير هباب من البرد : " ضعيه على كتفيك" .
شملنا سكون " " سأكون بخير".
رمقتها بنظرة تجمع الوله بالشفقة. ابتسمت بصعوبة : " قلبي ضعيف . ورثت ذلك عن أبي " .
قلت مواسيا : " قلوبنا ضعيفة لأننا نحزن كثيرا" ،  فتندت عيناها . وجدت أن الصمت في هذه الحالة خير من الكلام . بقينا فترة نتأمل الناس والأحصنة والجمال بسنامها المتأرجحة تحتنا .
سرى الدفء من يديّ ليديها اللتين بدتا باردتين جدا . قالت : " بنا نهبط " .
 وافقتها ووجدت سلوى أختها الكبرى ، مدرسة الجغرافيا التي فاتها قطار الزواج تلوح لنا فيما تبرطم بهيرة بكلمات ساخطة بما يعني أننا تأخرنا .
كانت سلوى هي التي جاءت بنشوى طالبة الثانوي ، وببهيرة شقيقتها الوسطى التي تزوجت من تاجر موبليات ثري وبخيل .فشل زواجها ، ورجعت لبيت أبيها بطفل أشقر وعفريت في شقاوته . تركته حين جاءت الرحلة مع والدتها المسنة . رأت الشقيقة الكبرى أن تحضرها معها كي تسري عنها . ظلت بهيرة مكتئبة ، ولم تضحك ضحكة واحدة طوال الرحلة .
أراها في الصورة أشبه بطائر أبوقردان ؛ فرقبتها ملتوية بصورة غريبة ،وهي ترتدي فستانا مزركشا،  وتجلس في المقدمة مادة ساقيها نحو اليسار ولا يظهر موديل حذائها ، فقد قص بمقاس الكادر ، وهذا يهمني جدا فقد كنت أتعرف على الشخصية من شكل ولون وموضة الحذاء ؛ فكما يعرف أصحابي قضيت زمنا في مهنة بيع الأحذية .
 لن أبتعد عن الحقيقة إذا قلت أنها كانت تنتعل حذاء أحمر بفيونكة ، وهو ما يؤكده وجود توكة من العاج الأبيض وقد تدلت منه شرائط حمراء كموضة هذا العصر.
بهيرة رأتني أمسك بيد شقيقتها في الحديقة لنعبر جدولا صغيرا فحدجتني بنظرة قاسية فتركتها على الفور، وأنا أتمتم لنفسي : " لا شيء جرى . لا شيء " . سألتني نشوى :" لماذا تكلم نفسك؟ " أخفيت النظرة المعاتبة ، وقلت أنني أقطع وقت فراغي بتنظيم أشعار فاسدة . ضحكت كما لم تضحك من قبل ، وشدتني حتى لا يرتطم ساقي بنوع من الصبار فدخلت برأسي في أفرع التين البنغالي المتدلي . علت ضحكتها أكثر: " تذكرني بأفلام شارلي شابلن الصامتة"  .
أخرجت منديلها ومسحت العفار ودم شحيح لا يؤبه له : " خذ بالك من نفسك" . قالتها بثقة واعتزاز ، ومدت يدها تساندني في خطواتي المتعثرة فشممت عطرا دوخني أكثر. سألتها عن اسمه فقالت لي لفظا إنجليزيا لم أستوعبه . استولت علي الدهشة لبراعتها في التحدث بالانجليزية وأجلستها على العشب بالقرب من حوض ياسمين: " هل تعرفين معنى أن يهديك شخص وردة بيضاء؟ " .
هزت كتفيها لأعلى مستفسرة ؛ فطرت وأحضرت وردة غرستها في شعرها فبان منظرها متألقا ، وفاحت رائحة البتلات المنعشة . قالت لي وهي تلوح لشقيقتيها إنها هنا :" الورد لغة من لا يجيد الكلام!" .
فوجئت بنظرات بهيرة تتبعنا . وجدتني أنحاز لصف مطلقها تاجر الموبليا الذي سرحها بإحسان وخلص نفسه من مثل هذه النظرة الخرساء.
لن يرتاح لي بال حتى انتهي من الحديث عن سلوى . إنها تجلس أيضا في أقصى الصورة من الناحية المقابلة . رأسها كبير ونظرتها تحمل وداعة الدنيا . بلوزنها صفراء وجونلتها ـ هذا أفضل من التنورة والجيبة  وسأسعى لتثبيت الكلمة في كل ما أكتبه تاليا ـ  سوداء مع فتحة من الخلف لا تظهربالصورة لكنني أتذكرها.
سلوى ظلت معي بالمدرسة ، ولم تتزوج سوى في سن الخامسة والأربعين  بعد أن ماتت زوجة الأستاذ عبدالحكم مفتش الرياضيات فطبها للزواج ولم تمانع . كان هو مفتشها الصارم ، ويبدو أن هذه العلاقة الرسمية انسحبت للبيت فقد كانت توقره في حديثها عنه ، وتقول كلما جاءت سيرته :  " الأستاذ راح" ، " الأستاذ جاء " . لم يسكن قلبها سعادة من أي نوع .
لم تنجب وقالت مدرسات خبيثات أنها تستخدم " اللولب" ، وقالت أخريات مؤدبات : " بل حبوب منع الحمل" . ووصل إلى الأسماع أنها بعد أن زهقت من تصرفات المفتش  الباطشة  ، تشاجرت معه مرات لأنه لم يكن يريد أطفالا وهي تريد .
انكسر فرحها المتبقي وظلت بلا أطفال حتى أصيب زوجها بالذبحة الصدرية ، ومات فسألت أبناءه أن يبقوها في البيت تطبخ وتكنس وتمسح وتساهم في النفقات فهي مستورة . وافق الابن الوحيد لكن البنات رفضن أن تظل بالبيت رغم أنه بإيجار أربعة جنيهات في الشهر تدفع بوصل مختوم .  
بهذا لم تحصل من هذه الزيجة غير على نصيب محدود من معاش المفتش وشبكة متواضعة من الذهب عيار 18 ، وعشر شهادات استثمار لا تتعدى قيمتها مجتمعة الألف جنيه .
 الصورة أخذت بعد زواجها بعام ونصف لذا كانت ما زالت بشوشة ، وهي على النقيض من شقيقتها بهيرة فحين لمحت يدي تسرح شعر شقيقتها برفق ، وهي مرهقة في أتوبيس العودة هزت رأسها متبسمة وكأنها تقول لي : " عش أيامك. اسعدها واسعد أنت أيضا " .
لقد انشغلت بالشقيقات ، ولم أقترب من فتاتين جالستين في منتصف الصورة. لا يسعفني الأبيض والأسود بالتفاصيل الكاملة. سأبدأ من العشب الذي يظهر فاتح اللون وهو أخضر ومتموج بدون شك. أما التي تضحك من قلبها فهي بثينة ابنة ناظر الثانوية وطالبة الهندسة . دقيقة في كل شيء . مهندمة في اختيار ملابسها. وهي فتاة وطنية ومثقفة  فقد كان معها كتاب عن جمال عبدالناصر الذي كان قد مات منذ سنتين في سبتمبر1970. بثينة بين كل جلسة وأخرى تفتح الكتاب لتقرأ صفحة وتنتحب  . قالت إن أخاها استشهد في حرب الاستنزاف 1969  . لما أخبرتني بوجود وسام في البيت حصل عليه لقيامه بأعمال بطولية سنوات الصمود طلبت رؤيته ووافقتني نشوى في ضرورة القيام بزيارة بيت بثينة .
 بعد انتهاء الرحلة بأسبوع اصطحبت نشوى حسب اتفاقنا ، وزرنا البيت بعد المغرب . كانت صورة شقيقها البطل  بحجم كبير وتحته دون تاريخ الاستشهاد . لم تفتح بثينة أي كتاب في حضورنا لكنها فتحت المصحف وراحت تتلو بعض سوره ثم أغلقته بخشوع . قامت وأحضرت الوسام في علبته القطيفة فبدا محنطا كالمومياوات . مسسته بباطن يدي فارتجف قلبي وانخرطت نشوى في بكاء خافت . احتضنت فتاة الهندسة التي بدت متماسكة وصبورة. مضت لتعد لنا أكواب الشاي . في واقع الأمر لم أجسر على أن تمتد يدي ناحية يد نشوى  فقد احتل صدرينا حزن عظيم لفنا بأوجاعه المؤلمة . نكسنا نظراتنا في زخارف السجادة النبيتي المفروشة في حجرة الصالون والتي تتداخل فيها أفرع مشجرة مع ذيل طاووس جسده أخضر مشوب بزرقة قانية.
سألتني فور أن خرجت بثينة : " ماذا تريد مني" ؟
قلت صادقا: " لا أعرف . أحتاجك بقوة " .
 لمحت عينيها مغرورقتين بدموع طفرت دون إرادة منها : " أنشعر بالحب  وبلادنا مهزومة " . أطرقت وأحسست بأنني في قمة الخجل . غرقت هي في صمت ثقيل. دخلت بثينة بالشاي محاولة أن تعيد الصفاء لأنفسنا قالت مصطنعة المرح : " أمي تريد أن تسلم عليكما ؟ ".
 قلنا في نفس واحد : " نتشرف" .
 دخلت سيدة في مثل سن أمي ، مرتدية السواد وعلى رأسها طرحة بنفس اللون تنفر منها خصلات بلون الفضة . قالت : " شرفتم يا أولاد" .
بعد أن تحدثنا عن الرحلة قالت : " عرفتكم من الصور ، وأجملها صورة عين حلوان . يقولون أن مياهها تشفي الروماتيزم؟" .
قلت بصوت فضحه الألم : " صحيح" .
قالت نشوى: " ليتك جئت معنا " .
 زفرت في أسى، وهي ترمق الصورة بزيها العسكري في إطارها  : " والمرحوم؟ ".
  نظرت إلى ملامح الشهيد . وجدت بؤبؤ العين يرمقنا في عشم ، وبود حقيقي . شعرت أنه يفهمني ، ويعرف كم أنا حزين .
 فيما نحن نهبط السلم صادفنا ظلام  . أمسكت يد نشوى.  وجدتها باردة تماما فاقشعر بدني . قالت وهي ترتجف : " لا عليك " . لم أكرر المحاولة  ، وهي استندت على الدرابزين في خطواتها الحذرة ، ولما صرنا في الميدان تفرقنا دون كلمة .
البنت السادسة التي بقيت ولم أحدثكم عنها هي أمنية . أعرف أن اسمها فيه موسيقى وتفاؤل . وقد انعكس ذلك عليها فهي محبوبة من الجميع . حصلت على بكالوريوس التجارة وتعمل في بنك حكومي . كان خطيبها قد دخل الجيش وأرسلت تستأذنه كي تذهب في رحلة مع خالها رمزي . قمة سعادتها أن تستمع لأغاني عبدالحليم حافظ . معها مسجل صغير تلصقه بأذنها وتروح تستمع لأغنياته وتغني معه أيضا.  أذكر لون ملابسها تماما . تايير كحلي مع حلقات معدنية صغيرة في الصدر . أمنية حصلت على الإجازة بصعوبة وكانت معها رسائل من خطيبها أرسلها من الجبهة. كانت الرسائل معطرة وتسكنها ورود صغيرة ملونة . تـُـري صويحباتها الخط فقط دون الكلام. تضع أصبعين فوق الكلام الممنوع عليهن قراءته . وجدتها قبل التقاط الصورة تفرجهن ، وكلها مرح ولطف .
لمحت عبارة " حبيبتي الغالية " ، وضحكت لأنني تصورت أنه بعد أن أتم خطوبتي لنشوى فسوف أرسل خطاباتي تحمل نفس العبارة. وزارة الحربية أجلت دخولنا الجيش لوجود عجز فادح في أعداد المعلمين. فوتت علينا فرصة إرسال مثل هذه الخطابات بحرارتها وسطوعها وجمالها . حين انتهت حرب أكتوبر دخلت الجيش ، ولم أخطب نشوى ،  وبالتالي لم أرسل خطابات لها.
أن صوت أمنية عجيب . فيه روعة وسحر . ذلك الصوت الذي يتسلل للقلب بلا مقدمات. سألتها عن علامات الحب فقالت :  " هو شيء لا يوصف " . كانت نشوى  تتصنت لحوارنا. جاءت وجلست . قالت بقدر من الشفافية : " لا يوجد تعريف محدد للحب . لكنه موجود. مثل الكهرباء التي لا نراها ونشعر بتأثيرها " . كدت أقول : " مثل الله الذي نعرفه دون أن نراه؟" . أمسكت عن الكلام وخشيت أن تفهمني نشوى خطأ فتمتنع عن حبها لي.
لم يبق في الصورة غير الأستاذ رمزي مفتش التربية الرياضية . شخص هادي الطباع ، وسخي ، أعطاه الله ميزة رائعة ، وهي قدرته الفائقة على رسم المناظر الطبيعية بألوان زيتية. كانت محال الموبليات تستعين به في رسم " روميو وجولييت " على ضلف الدواليب ، وكان يكسب الذهب . بعد الحرب كسدت التجارة وعمل في رسم اللوحات في أطر مذهبة ، والاشتراك بها في معارض تشكيلية محلية. لم يعد السوق رائجا فسافر إيطاليا وعاد بعد سنة مع زوجة من روما. كلما رأيتها في الرحلة تذكرت ليونارد دافنشي . قد يسألني أحدكم ولماذا لم تظهر في الصورة؟
  أسارع بالقول أن كاحلها قد التوى وهي تسير في إحدى الشوارع المؤدية لعين حلوان فقالت بصوت خشن بعض العبارات وترجمتها حيرة يلفها حسرة وجدتها تسكن ملامح الأستاذ رمزي ممشوق القوام .  كانت "جانيت " جميلة جمالا باردا ومتعالية وعنطوزة ـ لم أجد كلمة واحدة تحقق المعنى فقررت الإبقاء على الكلمة الأعجمية  ـ وسألت نفسي : " لماذا تبدو نشوى الصغيرة أكثر أنوثة  منها؟ ".
عرفت بعد سنوات طويلة أن الجمال نسبي وخاص وشخصي. صوت الحياة وقد تفتتت لأيام وشهور وسنين علمني الكثير. وقد روعتني جانيت عندما رأيتها خلسة تفتح البلوزة وتخرج نهديها لتعرضهما للشمس التي بزغت حين فجأة من وراء السحب . كانت قد صارت وحيدة في منضدة بعيدة عنا . جاء زوجها بجريدة وبسطها فوق نصفها العلوي  المكشوف ؛ فأزاحتها ، وزمجرت في وجهه. بهتت نشوى  واحمر وجهها وقامت غاضبة مني لأنها رأت عيناي تمتصان المنظر .
يبدو أنه الجسد الذي يسكر ، ومع النظرة المعاتبة بدون أية كلمة عرفت أن نشوى لي وأنني لها. دبلتها الفضية التي خلعتها في نهاية الرحلة ووضعتها في إصبعي مع هدهدة السيارة عبر الطريق الزراعي  ونحن نعود لمدينتنا كانت تحمل كل تلك المعاني . لم تكن لمسات عفوية ولا اشتهاء محرم ينتهي مفعوله بوصولنا لمحطة النهاية .
لقد أخرجته من الصورة عمدا؛ فهو صغير ولا يليق أن يسكن " حكاية " . كان في سن الثامنة حين جاء مع والده الأزهري المعمم ـ سابقا ـ الذي تحول من عبادة الرحمن لفن التمثيل فخلع الجبة والقفطان وارتدى البدلة الأفرنجي . كان رخيم الصوت وتزوج في فترة انتقاله لدنيا الفن ولما ذهب لليبيا وعاد بأموال قارون قرر إنشاء مسرح خاص ولكن المشروع فشل بعد أن حاول تطبيق نظريات بريخت في هدم  الحائط الرابع.
كان الصراع قد نشب مخيفا بينه وبين مجموعة مثقفين يساريين بعد أن اصطدم بمشكلة لم تكن في الحسبان . حين راح يعرف بمذهب الكاتب الطليعي والثوري فنان ألمانيا الشرقية الشهيرعن المسرح الملحمي . كان ينطق اسمه " برتولت بريشت" وهم ينطقونه " برتولد بريخت" . من أجل النزاع على حرفين فشل المشروع ، وعاد الرجل للجبة والقفطان . ثم بنى مسجدا تحت بيته لم يكن يدخله سوى يوم الجمعة . أما ابنه ممدوح فقد حقق حلم أبيه حين دخل المعهد العالي للتمثيل وتخصص في فرع الديكور ؛ ولوسامته صار نجما  . من أجل سواد عيني الولد الداهية اشترى الأب تلفزيون 29 بوصة وكان يدعو زملائه لمشاهدة المسلسلات التي يشترك فيها ابنه . المشروب الذي يقدمه دائما هو الخروب باردا أو ساخنا.
ممدوح هو الولد الصغير الذي يظهر في الصورة ، وأراه وترونه معي عقلة إصبع يخب في قميص مهدل على الكتفين وبنطلون بلا حزام ويبدو بلؤمه المعهود وقد راح يضحك للعدسة بلا سبب ، والحمد لله أنه كان بيني وبين رمزي . إذ أنه لو جاءت وقفته بيني وبين نشوى لكان مزاجي قد تعكر، ولم تكن الصورة صالحة للكتابة عنها .
إنني أتأملها الآن بحنين دافق ، وقد اقتنعت بعد خطوبة نشوى لضابط شرطة من أبناء الأثرياء أنها قد فضلت الجاه والمال عن الحب البريء . كلما نظرت في الأفق واستعدت حادثة الصعود إلى الهرم خفت عليها أن تموت بداء القلب فيتيتم أطفالها. حين أخبرتني سلوى أنه قد تحدد موعد الزفاف في قاعة شهرزاد برأس البر امتنعت عن الذهاب .
 لما انخرطت في صفوف الجيش ، وحبست في معسكر الأساس خمسة وأربعين يوما ، خلت أنني نسيتها . كانت تزورني أحيانا في خلسات الكرى . تجذبني من يدي كي نواصل الصعود لقمة الهرم العالية . كنت أفلت يدي بصعوبة ، وأدخل طوابير التمام وأصلب في الشمس الحامية . عدت في إجازة ميدانية طويلة . سلمتني شقيقتها سلوى  كيسين ملفوفين في رابطة نايلون أنيقة. كان الحمص ، والفول السوداني ، وقطع الشيكولاتة ، مع ورقة صغيرة عليها اسم المولود وعبارة " تبارك الله أحسن الخالقين" .
كنت حليق الشعر وأسمر البشرة من الوقوف في طوابير التدريب. أخذت الأكياس ومررت مصادفة ببيت العائلة. لمحتها تنشر الأقمطة القطنية البيضاء في أحبال الشرفة . حركت الدبلة الفضية في إصبعي بإصرار غريب . أما هي فقد رنت نحوي بظل ابتسامة ، ولوحت لي ثم أغلقت الزجاج . رأيت وجهها الصبوح خلف الألواح الشفافة ، ترمقتي في أسى موجع  .ظللت مشدوها لنظرتها حتى انتهى الشارع ، ومالبثت أن اختنقت ببكاء لم يغادر قلبي أبدا.
 
دمياط
27/3/2009

صورة سمير الفيل
القسم: 

التعليقات

 
لما تتلاقى الوشوش مرتين
ما بيتلاقوش يوم اللُقا التاني
عمر الوشوش ما تبقى بعد السنين
.. نفس الوشوش.. دي بتبقى
تبقى شيء تاني
أخي الفاضل أستاذ سمير
لقد أعادتني صورتك وذكرياتك عنها إلى حكايات وصور ولكنها صور في الذاكرة، وعن لقاء ثانٍ مثل هذا، ربما لم يكن لقاءً وجهاً لوجه والفضل لتكنولوجيا الاتصالات، والصور ليست فقط لقصة حب سابقة بل لقصص وصور لمن هم كانو في القلب والروح، ولكن دوماً عند افتراق اثنين يظن أحدهما أنه لازال يختبئ داخل الآخر بعيداً عن الأعين، ويظل يتذكر ويتذكر، وربما فاجأته الأيام بقمة الدهشة أو قمة الكوميديا بلقاء - بأي صورة من صور اللقاء - يكون ككوب الماء البارد الذي يفيقه من تلك الذكريات...
هذه الحبيبة - نشوى - ربما لا يشغلها حالياً إلا مصاريف المنزل ومدارس الأولاد وتصرفات الزوج ومشكلات الجيران وحمية تخفف وزنها الزائد وحقن البوتوكس لإخفاء التجاعيد وقرض البنك ووو وربما لو قابلت البطل ما عرفته! سامحني ولكنها حال الدنيا.
تحياتي للقصة الجميلة الرقيقة جداً والممتعة جداً
أختك عبلة عزت
عبلة عزت
صورة عبلة عزت
 
الأستاذ سمير الفيل

كقارىء: أخذتني هذه القصة للوراء من خلال احداثها
والتي تتقاطع معنا جميعنا كبشر لنا ماضٍ وماضٍ بالابيض والأسود
أتذكر مقولة للمبدع محمد عبدالحليم عبدالله بما معناه(إن لم يخب ظني فهو القائل)أن  الذكريات الجميلة عندما نجترها لاحقاً
فإنها كفيلم تم تصويره في الجنة ويعرض في النار

في الحقيقة هرعت لألبوم صوري الذي يضم صورا قديمة بالأبيض والاسود
لأستعرض بعض الشواهد على زمن مررت به ولم يسقطني من حساباته

كهاوٍ لكتابة القصة:أخذتني القصة لمسألة تحديد القالب
والذي يجب إختياره وفقاً لنوع أحداث القصة المراد سكبها فيه
لتخرج على شاكلة مقبولة للمتلقي
وزخم اللغة وفقاً لنوع الحدث
لا أدري كيف أعبر لك عما فهمته من هذه القصة أو تعلمته بالاحرى
حتى بعض المفردات التي وردت بلغة محكية
جاءت لتساهم في إذكاء الروح التي أحيت القصة
سهولة السرد وبساطته ثم إختيار الصورة بالأبيض والاسود ودلالتها
والتي أسميتها انا القالب
كل ذلك يشير إلى براعة في مجال هذه الصنعة
واتمنى ان اكون قد تعلمته كما يجب

تحياتي لك

ناصر الريماوي
ناصر الريماوي
صورة ناصر الريماوي
 
المبدع العزيز سمير الفيل
لن ادخل في تفاصيل القصة لانها ممتعة بالفعل كما كل قصصك التي قرأتها
انت مبدع وتستحق ان نرفع لك القبعة احتراما وتبجيلا
دمت رائعا اخي الكريم
بسام الطعان
صورة بسام الطعان
 
الله ينور يا عم سمير جميل كالعاده
سأكون قادرا على المباغتة ، وسأهمل العصافير التي كانت تمر في الفضاء مشقشقة في فبراير من عام 1972 ، وأنا أبحث بكل قواي عن بنت جميلة أحبها .
جميل وحقيقى
سعيد عبد المقصود
صورة سعيد عبد المقصود
 
الأستاذة عبلة عزت ..
ممتن جدا على تعليقكم على القصة.

سميرالفيل
سمير الفيل
صورة سمير الفيل
 
الأستاذ ناصر الريماوي
ملاحظاتك محل تقدير..
كل منا له ألبوم صوره الخاص
 نستقي منه مادة للسرد .. شكرا لكم
سمير الفيل
صورة سمير الفيل
 
الأستاذ سعيد عبدالمقصود

سررت لمروركم الكريم..
شكرا لكم ..
سمير الفيل
صورة سمير الفيل
 
الأستاذ بسام الطعان

أشكرك على رأيك ..
 لك مني خالص المودة والتقدير

سميرالفيل
سمير الفيل
صورة سمير الفيل
 
وستظل مشيرة تسبح في عالمك يا استاذ سمير،كما تسبح في أكفنا الخطوط الملونة
قريبا سنلتقي هناك حيث ترقد مشيرة
محمد سامي البوهي
صورة محمد سامي البوهي
 
إن شاء الله يكون لنا لقاء
 في تلك المدينة التي شهدت بهجة أرواحنا..
................
 تحياتي القلبية..

سمير الفيل
صورة سمير الفيل
 
تظل هناك مساحة من الخبرة الشخصية تعمل على استدعاء المشاهد والصور لتستيقظ احاسيس خلناها خمدت.
 نص " عين حلوان" من هذه المدرسة في الكتابة.
شكرا لكل من مر من هنا..
سمير الفيل
صورة سمير الفيل