You are here

الصفحة الرئيسية

غرام في خانة الشواذي




غرام في خانة الشواذي
جمال المظفر



ماركين ... ماركين / صهيل خيول وانثناءات نهار ، دبق ارض رطبة ، لسعات أسياط وبقايا كرباجات ، ضحكات نسانيس وعواء ذئاب وقهقهات سماسرة وخمارات ونوادل وكؤوس شربها النسكة حد الثمالة ، وراقصات يترنحن تحت شرفات الشناشيل ..................................
...............................
ماركين ... ماركين ، مكان لشخصين نحيفين ، الأول في الصدر والثاني في خانة الشواذي*....
سحب السائق الذي تجاوز الثمانين من العمر صفيحة سمن معدنية فارغة وجلس عليها قرب موقد الفحم الذي وضعت فيه بائعة القيمر ( لوزينة ) قوارير الشاي والحليب البقري وأرسل يديه الى الموقد ليأخذ قسطا من الدفء في صباح خريفي يوزع نسمات باردة على وجوه المارة .
كانت لوزينة ذات الثلاثين ربيعا نسخة طبق الاصل من والدتها ( سعودة ) التي ذهبت ضحية الجندي الغازي الذي ركلها في بطنها التي تحوي جنينا في شهوره السبعة واماتها معه لأنها مردت خصيتي زميله الذي حاول التحرش بها .
لوزينة تزيح الايشارب عن صدرها وتضع عشرة دنانير في ساقية النهدين الملتصقين ، حيث تعتاد الكثير من النسوة الى اعتماد هذه الطريقة لحفظ النقود بدلا من المحافظ الجلدية .
نهداها أبيضان يكاد الدم يتقاطر منهما وسواد الثوب يعطيهما بياضا ناصعا لايشبه أي بياض آخر..
أعاد ستوري ذاكرته الى الوراء وتراجعت صورة أم لوزينة التي كانت بعمر ابنتها ، تذكر أول مرة تصادم معها عندما حشر ربع دينار بين نهديها مستغلا شرود عينيها الى الاسفل لتضع النقود في مكانها المعتاد ، وكيف تحولت المشادة الى علاقة حب تجاوزت حدود الخيال .!!
سعودة وهي تزيح الايشارب عن نهديها ممازحة اياه في خانة الشواذي : على عنادك ... انهما للدود ، أي ليس بأمكانك لمسهما ، وكيف ألقى بكل جسده على صدرها وراح يلتهم شفتيها في لحظة ذوبان كلي لم يبق منه غير أنين الباص الخشبي ..
سعودة التي قضمت شفته السفلى في تلك المرة ومازالت آثارها علامة بارزة قد لايعرفها أي شخص آخر غيرهما ، لم تكن علاقة غرامية عابرة ، كان عراكا جسديا وكأنهما قطتين متوحشتين تفترسان بعضهما البعض .
_ توتي ... تواتي ...توتي ... تواتي ، هكذا كانت تناديه مع طقطقة بأطراف أصابعها بأن يأتي زحفا على ركبتيه مثل أي طفل يتعلم المشي لأول مرة وهو يوحد حركته مع وقع الطقطقة بأبتسامة وادعة ولهفة الى لحظة قد لاتتكرر مرة أخرى ، حتى يصل اليها ويدخلان في عراكهما الوحشي الذي تشهد له خانة الشواذي . .
بدأ الدم يدب في جسده ورعشات خفيفة في أطراف أصابعه ، اشتهاء لجسد ثلجي يعيد ذكريات سعودة وهي تذوب معه في أجمل أيام العمر ....
منذ عشرين سنة لم ينم مع أية امراة أخرى ، فبعد سعودة تغير شكل العالم ، لم يشعر بان هناك امرأة تقدر أن تعطي ماكانت تعطيه اياه ، كانت امرأة خارقة في كل شئ ومثيرة للغاية ... أدمن بعد موتها شرب الكحول وصار يمضغ دخان السجائر وابيض شعره وأصيب بمرض السكر.
لوزينة أثارت اشتهاءه ، انتبهت لنظراته لكنها زاغت ببصرها عنه الى الجهة الاخرى.
قال : أنت نسخة طبق الاصل من سعودة الاصيلة .
قالت بأبتسامة خجولة : يقولون هكذا ..
قال : لكنها كانت أكثر بياضا منك، انها فلقة قمر.
قالت : من أين رأيت بياضها ، انها متشحة بالسواد منذ وفاة أبي وحتى موتها البشع.
قال : كنت أراقب حركاتها وهي تضع النقود بين نهديها تماما كما تفعلين انت .
أطلقت ضحكة ساخرة وقالت : يعني انك تتصيد النظر.. !!
قال : عيناي زاغتا لاإراديا ، والعين تعشق كل شئ جميل ، ثم أخرج عشرة دنانير وطلب منها أن يضعها بين نهديها ...
ترددت كثيرا لأنها لا تريد أن تصل الى هذا المستوى لكنه أصر ليعيد عادته مع سعودة... أقنعها بتلك الحجة فوافقت، حشر دنانيره بين ساقية النهدين حتى لامسهما بأطراف أصابعه ، أحس بقشعريرة في جسده وشيئا ما يتحرك ، همس لنفسه : يا الهي ... لطفك يا الهي ... لقد خذلني ذلك الطبيب المبتدئ الذي حفظ بعض الكلمات وراح يلقنها لي ، بل انه أقنعني بها ، بأن مرض السكر يؤثر على نشاط الرجل ، لعنت أنت وشهادتك المعلقة على الحائط يا طبيب النسانيس ...
ثم نظر إليها بعينين مبللتين بدمع خفيف وقال لها : مازالت رائحة جسدها تذوب في ثناياي ، كلما أتعرق يزداد نبضي ولا أكاد أسيطر على نفسي ... أنها ... أنها ... آه ، ثم أطلق دمعتين كأنهما قطرتا زيت نزلتا بهدوء حتى أرنبتي أنفه .
سحبت طرف شالها ومسحت دمعتيه في انكسار لا مثيل له وهي تطيل النظر إليه ، ربما أرادت أن تعيد له ذكرى سعوده، أو لعلها تستكشف فيه هل ان الرائحة هي نفس الرائحة التي تفوح من جسد أمها .
قال لها : أنت سعودة ، أنوثتها وعينيها وشفتيها ونهديها ونكهتها ، أنت رائحتها التي مازالت في كل مسامة من مسامات جسدي .
قالت : أنا سعودة الصغيرة المغرمة بتلك الذوائب البيضاء والشاربين الكثين ... أنثى الغزال الهائمة في ساحة ام البروم وسط ترنحات السكارى وقهقهات العاهرات وراقصات الملاهي الليلية والكلاب السائبة وأكوام النفايات والمتصعلكين وحرس الدورية والجنود العائدين من جبهات القتال ... انثى الغزال التي سئمت مضايقات الزبائن ونظراتهم الحيوانية واشتهاءاتهم للحمها الطري ...
طلب منها أن تسقيه قدحا من الحليب ألبقري الساخن ، عله يعيد له القوة ، بل انه استلذ تلك العادة في وضع النقود بين نهديها ...
ناولته القدح واخذ يرشفه بسرعة حتى احترقت شفتاه ، انه يستعجل اللحظة ، أنهى شربه ولف بضعة دنانير وطلب منها ان يضعها بين نهديها ، رفضت لكنه حلفها بسعودة ولمجرد ذكر اسمها قبلت فوضع الدنانير في الساقية التي امتلأت بالنقود ، لكنه حاول ان يكون اكثر تواضعا في ان يرتب الدنانير التي لم يبق مجال لحشر المزيد ،فتح الساقية التي بين نهديها وأنزل الدنانير و بحركة غير متزنة انكب على وجهه فوق صدرها ، حاولت ابعاده بعد ان شعرت بنشوة غامرة ، ابتسمت خجلة أمام تلك الجثة ، حاولت دغدغة مشاعره لكنه حلق عاليا ليمارس عراكه الوحشي مع سعودة في فضاء لأمتناه يتعدى حدود خانة ألشواذي ....



*ماركين: منطقة في البصرة كانت يمر بها الغزاة البريطانيين ايام الاحتلال البريطاني في بداية القرن الماضي وتسمى الان المعقل
* خانة ألشواذي: مقاعد خلفية متقابلة في باص خشبي لنقل الركاب .

صورة جمال المظفر
القسم: 

التعليقات

 
الشاعر والقاص جمال المظفر
شكراً  لهذا السفر
وخصوصية الأجواء
اعدتنا الى زمن  نحلم به الآن
لك مني فائق الود

هادي الناصر
هادي الناصر
صورة هادي الناصر
 
جمال المظفر
ياه ياجمال كم أنت جميل
كيف عبرت بروحك هذه الحالة المتألقة من العشق
هذا الحزن الطاغي ألم الفقد القاتل 
متألق هذا النص 
دمت مبدعا  
فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن
 
شكراََ لك أستاذ جمال على هذا الاسلوب الشيق
وكأنى كنت هناك الان فى خانة الشواذى أستمتع بمتابعة الأحداث
مع كل أبطالك فى تلك القصة الرائعة  ...
تحياتى وتقديرى .. على كل هذه المتعة

دعاء

dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
المتالقة دائما فاطمة محسن
تحية طيبة
شكرا لمرورك الرائع يافاطمة
وشكرا لاطرائك ايتها الغالية
لانك متألقة ترين كل الاشياء متألقة في عينيك
شكرا مرة ثانية يافاطمة
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
العزيزة دعاء
شكرا لمرورك الجميل ياسيدتي
ولاستمتاعك بالقصة وابطالها
تحيتي وتقديري لمرورك يادعاء
وتقبلي خالص احترامي وتقديري
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
صديقي الرائع هادي الناصر
شكرا لمرورك الجميل ياايها الناصر
ولاطرائك الرائع
اسعدني انك تحلم مع القصة وابطالها
شكرا لك مرة ثانية ياهادي
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 

 حين سألوا المهاتما غاندي يوما عن سبب اصراره على الركوب في الدرجة الثالثة من القطارات ، أجاب : لأنه لا توجد درجة رابعة  .

  عزيزي جمال : من فضائل خانة " الشواذي " ان الجالس فيها يرى الجميع ، في حين لا يرى ركاب الدرجة الاولى أو كرسي " الصدر " إلآ زجاج الواجهة ، أو المرآة المتسخة بوجوههم... جلاس خانة الشواذي هم الناس الحقيقيون ...هم الاحفاد البررة لعروة بن الورد وغاندي وتشي جيفارا ، وهم بالتالي الجديرون بالحياة وبالنضال من أجلهم والدفاع حتى عن نزواتهم ـ وهي نزوات اكثر طهارة من صلوات اولئك الذين يستنكفون من الجلوس الى جانبهم ...حسنا فعلت حين اتخذت منهم ابطالا لقصتك ...حسنا فعلت يا صديقي ...فاللؤلؤ في القعر من البحار ...في الاعماق ، اما السطح ، فإنه مستراح الزبد . شكرا لك  
يحيى السماوي
صورة يحيى السماوي
 
لقد ظفرت بنا بلحظة تعودالى اكثرها سفرا للموت ونحن نلبّي رغبة الطاغية لمقاتلة الاعداء من الجيران والاصدقاء !!خاصة اكثرها في مرآب النهضة ..التي جسدها تسعينيا مع الفارق عباس الحربي حينها وكيف كنا نأخذ النظرة الاخيرة على آخر أمرأة ونحن نسير باقدامنا للموت وليس سواه ،.. كنت في غاية الدقة والاختزال لمعنى الموت في كلا الحالتين الحرب والعشق معا..
دمت سيدي جمال
علي الربيعي
صورة علي الربيعي
 
احسنت يا استاذ جمال كنت مظفرا في اللغة الحميمية وصناعة أخيلة لا تــدل سوى على الابداع

تحياتي
ميثم الحربي
ميثم الحربي
صورة ميثم الحربي
 
الشاعر الانيق ميثم الحربي
شكرا لمرورك الجميل
وشكرا لاطرائك وخيالك الخصب
دمت مبدعا متألقا
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
الاخ العزيز علي الربيعي
شكرا لمرورك السريع على القصة ياعلي
لكل منا قصة مع الماضي مليئة بالالم ولكننا ننسج منها قصص حب رغم المآسي التي تلفها
رغم الحروب والاحزان هناك قصص حب عظيمة تخرج من ركامها
العراقيون عاشقون دائما وعلى مر العصور
شكرا لك ياصديقي العزيز
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
شاعر الخيال المبدع يحيى السماوي
اسعدت بتشريفك ومرورك السريع على القصة
أشعر بأن القصة اعادتك الى ازمان اخرى ، ذكرتك بالعراق وخانة الشواذي والعشق الفطري وأشياء اخرى تشدك الى كل قطعة من العراق
مازالت خانة الشواذي عالقة في اذهاننا ايام الدراسة المتوسطة والاعدادية وكيف يخصم من اجرتنا لاننا في خانة الشواذي
شكرا لك مرة ثانية ياسيدي الجميل على دخولك هذه الخانة
تقبل تحيتي وتقديري
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
 القاص المبدع  " جمال المظفر "
أعترف أن تلك هي قراءتي الرابعة  لـ "غرام في خانة الشواذي "
فقد أسرتني منذ البداية ، منذ الإيقاع السريع في كلمتي " ماركين .. ماركين " حيث شعرت أنني أسمعهما من صوت يركض ويبحث بلهاث محموم 
                    ثم كان اللقاء ب " لوزينة " و " ستوري "   و" سعودة  - كان ذلك الغوص في أحداث جرت في الماضي وما يوازيها في الحاضر  ، بل كانت معايشة تامة غاية في الامتاع .
القصة تدل على كاتب متمكن يمتلك رؤية خاصة ، ومفردات متميزة ، وعين لاقطة ، عين فنان مبدع ورسام بارع لأقل وأدق التفاصيل
استطاع أن يقدم لنا مشهدا حيا ويصطحبنا في رحلة لأماكن وأزمان لم نرها من قبل  حتى أنني أجزم الآن بأنني ركبت خانة الشواذي و تجولت في ماركين  متجنبة "  ترنحات السكارى وقهقهات العاهرات وراقصات الملاهي الليلية والكلاب السائبة وأكوام النفايات والمتصعلكين وحرس الدورية والجنود العائدين من جبهات القتال
 بل وربما أدعي أنني قد تذوقت  " القيمر " مع المربى والعسل  ، وتناولت حليبا ساخنا مما تبيعه " لوزينة "  
كنت بارعا في  التنقل ما بين السرد والحوار كأسلوب للقص ،  بينما كان اتنقل ما بين الماضي "ستوري وسعدة ،/ والحاضر " ستوري ولوزينة ، انتقالا هادئا متناغما ، فلم تكن هناك نقلات حادة أو مفاجئة   ، ورغم وجود الراوي "  البعيد إلا أنه استطاع في لحظات سبر أغوار شخصياته ، وجعلنا في موقع المتنصت على مشاعرهم وأفكارهم مما ورطنا معهم في تعاطف وتأثر بتلك الذكريات والانفعالات الخاصة 
حتى كان ذلك التوحد الأخير للشخصيات الثلاث معا
 القصة تحتوي أيضا على بعض تقنيات الفن السينمائي ، فهناك مشهد أول كافتتاحية الأفلام السينمائية تصحبنا فيه عين  المؤلف كما تدور الكاميرا  لنرى المشهد والمكان ماركين ... ماركين / صهيل خيول وانثناءات نهار ، دبق ارض رطبة ، لسعات أسياط وبقايا كرباجات ، ضحكات نسانيس وعواء ذئاب وقهقهات سماسرة وخمارات ونوادل وكؤوس شربها النسكة حد الثمالة ، وراقصات يترنحن تحت شرفات الشناشيل ................................................................ ..---------، 
أعود وأقول أن القصة تعود لقاص بارع ممتلك لأدواته ولذاكرة حية ولنفس حساسة مبدعة
كاتب تسكنه العراق بشوارعها وناسها  وأصواتها وحياتها  
تحياتي 
جيهان عبد العزيز   
جيهان احمد عبد ...
صورة جيهان احمد عبد العزيز
 
القاصة المبدعة جيهان احمد عبدالعزيز
تحية خالصة
شكرا لمرورك الجميل على القصة وشخصياتها
واشكر لك هذا الاطراء الذي لن يزيدني الا اصرارا على التأني في مااكتب
حقيقة آسف على التأخر في الرد لان احد الاصدقاء اخبرني بانك قد كتبت عن قصتي في موقع الورشة ، ووجدت انه من اللائق ان ارد على كل مايكتب بايجابياته وسلبياته ، رغم ان المديح لايغريني بقدر مايجعلني اشعر بالرضا تجاه الاخر
قراءاتك باذخة وجميلة وتأويلاتك رائعة ، واعتقد انك سينمائية من طراز خاص
اشكر لك مرة ثانية هذا النقد الجميل
مع خالص محبتي وتقديري
جمال المظفر ا
جمال المظفر
صورة جمال المظفر

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات