You are here

الصفحة الرئيسية

فرحة...




فرحة
محمد شحاتة


مصباح صغير ضعيف الإضاءة تدلى من سقف الحجرة... النساء تراصت في حلقة حول ليلى التي ترقص على دق الطبول وضرب الكفوف... وبين حين وآخر تطلق إحداهن الزغاريد المتتالية.
كان دق الطبول يخرج من تلك الغرفة في رتابة وملل كصوت ماكينة الطحين في وقت الحصيدة والرجال الجالسين في المندرة ينتظرون دورهم في طحن غلالهم ... والواحد منهم يتناول "المعسلة" من الآخر وهو يضغط على الفحم بقطعة من الصفيح ويسحب نفسا وينظر للحجر بنصف عين وهو يتابع احمراره...بينما المعلم سعيد يتحدث عن الجاموسة التي باعها في سوق الثلاثاء بمثل ثمنها مرتين... وعن الولد ياسر "ابن الكلب اللي طالع فيها وعامل تاجر...
-آهه الواحد يخلي الناس تاكل عيش.
تعبت ليلى من الرقص فخرجت من الدائرة ودخلت مكانها فتاة أخرى... ناولتها ليلى الشال الذي ربطته حول وسطها... وأخذت ليلى تجمع شعرها بمنديل رأسها وذهبت للشباك ... صرخت ليلى...
- العريس والعروسة وصلوا من الكوافير...
انتهت ليلى وهي تروي حلمها لأم يونس وهي تقول...
- والعريس كان ياسر يا أم يونس... وغلاوة يونس المنام ده بيقول إيه...حلو... ولا... وحش... قولي والنبي...
لم تلتفت لها أم يونس وهي تمرر المسبحة بين أصابعها... وتقول
- يا بنت ماتخفيش من نصيبك إن شاء الله...تعالي أرقيك بالفاتحة والمعوذتين....
***
سارت ليلى ناحية ماكينة الطحين حاملة (شوال) أرز شعير فوق رأسها وقد ضربت الشمس وجهها فزادته حمرة وجمالا كالورد الذي يزرعه أحمد عبد الوهاب أمام داره... الذي ما إن يرى ليلى
حتى يعطيها وردة أو وردتين... وهي تلقي بهم عندما تبتعد عن مدى بصره....
كان صوت ماكينة الطحين يدق أرجاء البلدة وعم سلامه الأعرج أخذ من ليلى حملها وجلست مع الفتيات والنساء في انتظار دورها...
نادت صفيه على ليلى فهرولت إليها واحتضنتها وقبلتها... أبعدت صفيه يد ليلى في رفق وهي تقول لها...
- حاسبي أنا حامل ...
ابتعدت ليلى عنها...وتأملتها وصاحت...
- إنتِ حامل ...يا بنت الــ... أيوه والله بطنك قبت... وانتِ في الشهر الكام بقى؟...
- الرابع...
- وولد ولا...بنت؟...
- ياختي ...إلي يجيبه ربنا كويس...
- اسكتي ...موش حلمت بياسر البارح...
- ياسر ...دا إنتِ نايمه على ودانك...ياسر خطب ...يجي من أسبوع كده
انتفضت ليلى واقفة...إلا أن صفيه جذبتها من جلبابها...وهي تقول يا شيخه بلا هم..
- ما تعرفيش خطب مين يا صفية؟...
- بيقولوا ...سعديه بنت أم يونس...
- وقعت الكلمة كالصاعقة على رأس ليلى... وأخذت الدموع تغازل عينيها ولكن عم سلامة أدركها... فهرولت إليه وأخذت حملها على رأسها... وقبلت صفيه وانصرفت.
ألقت ليلى بالأرز لأمها في صحن الدار... ودخلت غرفتها... فتحت الدولاب ونظرت في المرآة في باب الدولاب من الداخل.
أزاحت المنديل عن رأسها وأخذت تمشط شعرها شاردة اللب... ثم عادت وأسرعت نحو السرير ورفعت المرتبة... التقطت وردة حمراء ذابلة... كانت أول وردة أخذتها من أحمد عبد الواهب منذ أن كان في الجيش... وضعت ليلى الوردة بين خصلات شعرها... ونظرت في المرأة... ضحكت والدموع تنز من عينها.


دمنهور 2009
m_33320@yahoo.com

صورة محمد شحاته
القسم: 

التعليقات

 
المبدع محمد شحاتة
تحية على  تلك الموهبة التي جعلتك تكتب كمن يرسم
بالفعل وأنا أقرأ تراءت لي كل المشاهد التي رسمها قلمك للريف وما يحدث فيه من ثرثرة وأمور حياتية يومية
يبدو جليا تأثرك بتراث الغجر الإسباني  الذي وإن نتذكره نذكر فورا  كارمن وهي تغني:
أنا حبي كولد غجري
إن لم تحبني فسوف أحبك
وإن أحببتني فاحترس...
وتلك الوردة التي وضعتها ليلى في شعرها
خير دليل على أن ليلاك مثل كارمن
تتزين بالورد وترقص وترقص
وبداخلها قلب يمور ويفور برزء حمله
تحية مرة أخرى
انتصار
انتصار عبد المنعم
صورة انتصار عبد المنعم
 
القاص الشاب محمد شحاتة
تهنئتى لما  قرأت لك اليوم من مشاهد مرسومة ببراعة
واتمنى لك المزيد والمزيد

سماح عطية
صورة سماح عطية
 
الأستاذة انتصار
سعدت كثيرا لمرور الكريم...  
محمد شحاته
صورة محمد شحاته
 
فرحة لم تعرف الاكتمال
رسمت مشاهدها بدقة عالية
تحياتي
رباب كساب
صورة رباب كساب
 
معكي حق فالفرحة تصاحبها غصة .والألم يصاحبه المرح. شكرا لمرورك الكريم
محمد شحاته
صورة محمد شحاته

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات