You are here

الصفحة الرئيسية

في الجنون حكمة ؟ قراءة نقدية في المجموعة القصصية “ساعة أينشتاين ألأخيرة”*




في الجنون حكمة ؟
قراءة نقدية في المجموعة القصصية “ساعة أينشتاين ألأخيرة”*
جمال غلاب


في الجنون حكمة ....؟

ما يلفت الانتباه في المجموعة القصصية المعنونة بـ “ساعة أينشتاين الأخيرة” للقاص والمترجم”وليد سليمان عنصر الدهشة الذي أبدع فيه القاص في فضاءات نصوصه الموزعة في مجموعته القصصية. ففي صدارتها القاص يعلن عن أزمة اجتماعية بموت أينشاتين الذي انتقم من نفسه عن طريق الانتحارلأنه ببساطة عجز عن إصلاح ساعة ” تايوانية” .
هو موقف بدون شك أخذ بعده الظاهري من خلال إقبال أينشتاين على الانتحار. لكن في أبعاده الأخلاقية والزمانية وحتى الإنسانية التي قد تعرف التغيير إلى الأسوأ بظهور الساعة التايوانية يقول القاص: “لم يسبق لأينشتاين طيلة حياته أن عجز عن اصلاح ساعة مهما كان نوعهاأو مصدرها أو دقة مكوناتها أو تعقيدها. كانت كل ساعة معطلة بالنسبة إليه تحديا وإصلاحها بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت. فماذا حدث هذه المرة ؟”
تساؤل وجيه يطرحه القاص بإلحاح على لسان أينشتاين. هل مثل هذا تساؤل يتطلب منا الخوض في التدبر فيه بغية الوصول إلى رفع الستار على الوجه الآخر لراهننا الموبوء على أكثر من صعيد وتحديدا على ما علق بالانسان وعلى راهنه من فساد؟ الإنسان إلى عهد قريب كان دقيقا في انضباطه مثل الساعة التي كان يقوى “أينشتاين” على إصلاحها. دقيق في مواعده، متفانيا في حفظ الأمانة وصيانتها، جريء في الاعتراف بأخطائه و مقداما في إصلاحها.
من هنا ينتقل القاص عبر مسارات الوجه الآخر لساعة أينشاتين وكأنه يشي بحنين خفي إلى ضياع هذه القيم النبيلة من انسان الراهن. بانتحار “أينشتاين” القاص يكاد يجزم بأن إنسان اليوم صار يشبه “ساعة تايوانية” لا رجاء من وراء إصلاحه بسبب تخليه عن الكثير من القيم الإنسانية التي تصنع حياة الطمأنينة والأمن ولتقريب هذه الحقيقة القاص دائما يضرب لنا مثالا على ما طرأ على الساعة التايوانية. وكأنها تكاد تكون عملية إسقاط على سلوكات بعض الناس المزيفة والمشحونة بالكذب والنفاق والخيانة والنصب والاحتيال وهلم جرا من هذه المفاسد… ويختم القاص نصه مؤكدا على موقف “أنشاتين” المتمثل في الانتحار ليعلن عن أزمة زوال القيم الإنسانية من راهننا بعد ظهور الإنسان من النوع “التايواني”…
****
القاص بهذا يكون قد أصبغ نصه القصصي بالمذهب الرمزي، هذا الذي من أعراضه الأولية أنه لا يفصح عن معناه الحقيقي على ظاهر اللفظ بل في عمق أعماقه لأنه من السذاجة قبول شخص في حجم أينشتاين صلاح للساعات أمام باب سويقة، أو بالقرب من المسرح البلدي بمدينة تونس. أينشتاين تقريبا بفكره وإبداعه اخترق كل الأفاق. وكان ولا يزال السبب في دخول الإنسانية عالم الحداثة واكتساب التقانية . وبالتمسك بأنشتاين وأمثاله كان العالم بخير. لكن بعد زحف السلع التايوانية المغشوشة والمزيفة والمؤقتة الاستعمال بسبب أسعارها المغرية على ما يبدو طويت صفحة أينشتاين وهو ما أعلن عنه القاص صراحة بمرارة عبر بوابة انتحاره .
ويسترسل القاص في مجموعته القصصية في صنع الدهشة التي تتفرع إلى استحضار صور شتى من حركيتنا الاجتماعية والثقافية وكأن القاص يحاول لفت انتباهنا إلى صدق المثل القائل “ليس كل ما يبرق ذهبا”.
ويأتي النص الثاني المعنون “في ساحة جان جينيه” وكأنه امتداد للنص الأول لتناوله سلوك هيام الناس بكل ما هو مزيف رديء والدوس على كل ما هو أصيل ومفيد ولإبراز حقيقة هذه الصورة المسيئة والمشحونة بالتزييف القاص يضرب لنا مثلا من خلال قصته مع “جان جينيه” فهذا الأخير بالرغم من أن شهرته اخترقت الأفاق و مع ذلك هو شخص متواضع و بسيط. حيث لم يتفطن الى قيمته القاص إلا بعد أن صادفته صورته في إحدى المكتبات الاسبانية. وقد لا يلام القاص في تعامله مع “جان جنيه” بحكم أن الزيف طغى على كل شيء إلى حد أعمى بصرنا وبصائرنا وصرنا لا نقو على عملية الفرز بين ما هو مزيف وأصيل. وهنا يجدر بنا التساؤل: هل قيمة الشيء مرتبطة بظاهره أم بمضمونه؟ ولماذا الاندفاع وراء كل ما هو براق؟ وكيف لنا أن نتعظ لتجاوز هذا التزييف؟ أسئلة تنطوي على العتاب ووخز العقل يطرحها القاص لشحنه بطاقة الحضور أمام مثل هذه المساوئ التي غرق فيها عالمنا.
وفي النص الموالي والمعنون بـ “كلام مجانين” ينتقل بنا القاص الى حلبة المجادلات الفكرية لمناقشة بوار العقل فينا من خلال تواطئه بالسكوت أمام ما تزخر به مشاهدنا الحياتية من رداءة في كل مناحي الحياة في حوارية جميلة مع صديقته. صديقته التي تريد الركون إلى الجنون وكأنها ترى فيه منقذها الوحيد أو مرفأ من مرافئ النجاة أمام ما يقرفها ويقززها. صديقته التي تريد الهجرة الى عالم الجنون من خلال تجاوز العقل لاستحضار الحكمة وقد تبدو محقة في ذلك عملا بالقول المأثور “أطلبوا الحكمة من أفواه المجانين”. القاص بعد أن يسترسل في حواره مع صديقته دائما محاولا ثنيها عن خوض مغامرة الجنون الغير مضمون العواقب والعبرة في ذلك “اينشتاين” الذي لما فلح في دخول عالم الجنون انتحر…
***
و يختم النص بوصول الاثنين إلى عالم الجنون وهو ما تفصح عنه ضحكتهما بعد سماع خبر في المذياع يقول: “رجاء أيها المستمعون…لقد فر مجنونان خطيران من مصحة الأمراض العقلية ..فالرجاء أن يقوم كل من يراهما أو يصله خبر عنهما بالإعلام ..وعندما استمعا إلى ما قاله المذيع انفجرا في ضحك مجنون”. وهنا يجدر بنا التساؤل أمام الإشكالية التي يطرحها القاص. إشكالية التمزق بين العقل وتجاوزه إلى الجنون. حقا هو موقف عبثي يستمد عناصره من المذهب العبثي الذي وصفه ” يونسكو” أجمل وصف وعرفه بسأم الحياة في صورة رهيبة عادة ما تثير الإنسان بقوله: “الإنسان صار يتكلم ولا يقول شيئا يسمع ولا ينصت. ينظر ولا يرى . يضحك بدون فرح . ويبكي بدون دموع. فعلا عالمنا صار مقرفا وغير قابل للاحتمال بسبب تفشي السأم في أوصال حركيتنا الاجتماعية؟ وهنا يجدر بنا التساؤل أيضا هل السأم مرض مزمن يستحيل علاجه؟ أم أنه عابر يمكن محاصرته والقضاء عليه؟ وتبقى نصوص “ساعة أينشتاين الأخيرة” حبلى بالأسئلة.
* وليد سليمان

“ساعة اينشتاين الأخيرة”، تونس: منشورات وليدوف/ سلسلة ديدالوس، ط1،

2008.
صورة جمال غلاب
القسم: 

التعليقات

 
أفلح الأستاذ جمال حين عنون مقالته ب " قراءة " حيث قرأ علينا بعينه الفاحصة والمدققة قصص المجموعة ، فجعلنا نعيش المجموعة كما لو أننا قرأناها .
غير أن الأستاذ جمال لم يوضح لنا الكيفية التي كتب بها الكاتب قصصه ، ومدي توفيقه أو إخفاقه ، وموقف العمل ككل من خريطتي الكاتب والكتابة .
فلو فعل لزادت المتعة ، وحسنت الفائدة .
ورغم ذلك كل الشكر للأستاذ جمال علي هذا المجهود المشكور .
شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
 
العزيز   شوقي
محبتي و تقديري

مرورك أسعدني  كثيرا و انطباعاتك  الجميلة  تركت أثرها في  نفسي  لأنها صادرة   من  مبدع  في حجم  قامتك الابداعية
اقتباس
........
غير أن الأستاذ جمال لم يوضح لنا الكيفية التي كتب بها الكاتب قصصه ، ومدي توفيقه أو إخفاقه ، وموقف العمل ككل من خريطتي الكاتب والكتابة .
فلو فعل لزادت المتعة ، وحسنت الفائدة
 العزيز  شوقي من عادتي أنني حينما أقرأ نصا  و أتفاعل معه .. مثل  هذا الاستفزاز  يدفعني الى الكتابة عنه و بالتالي   فانني دائما  في قراءاتي  أغلب منطق  القراءة الابداعية و القصد من ذلك  محاولة مني  لاثراء النص المقرؤ و انضاجه . عملا   بمدرسة جماليات التلقي  الألمانية  التي  يتزعمها  ـ هانس ـ . و كما  هو متعارف عليه  أن مدرسة جمليات التلقي  تتجاوز  مجال النقد المدرسي مثل  الضوابط و التقنيات   و القواعد  الى  الغوص  في توضيح رؤية  المبدع و نصه و مثل  هذا الفعل  يساعد  كثيرا في  ترقية الذوق لدى المتلقي  بحكم أن  الذوق  يكتسب   بالمراس 

كل  محبتي  و مودتي   

جمال غلاب
صورة جمال غلاب

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات