You are here

الصفحة الرئيسية

قراءة في السيرة الذاتية و الا بداعية لغنتر غراس




قراءة في السيرة الذاتية و الابداعية   لغنتر  غراس
السريالي الذي لا يشبه الأخرين
جمال غلاب



الاهداء : الى اصدقائي و أحبائي  : عزالدين ميهوبي  سليمان جوادي ,  علي موسى أسيا  ’  رجاء الصديق , حمري بحري , رابح بلطرش ,  مهدي ضربان


الاهداء :الى أحبائي و أصدقائي ـ سليمان جوادي ، عز الدين ميهوبي ,حمري بحري ,عبد العزيز غرمول , رابح بلطرش , مهدي ضربان , رجاء الصديق , علي موسى أسيا أهدي عصارة قراءتي الجادة و الحادة ـ
هذا السريالي الذي لا يشبه الآخرين
قبل الغوص في تفاصيل السيرة الذاتية و الابداعية للكاتب الألماني يجدر بي التنويه و الدعاء بالرحمة لمعلمنا و نموذجنا الأديب و المترجم ـ الدكتور أبو العيد دود ـ طيب الله ثراه الذي فتح لنا نافذة مشرقة على الأدب الغربي . فمن خلال ترجماته للأدب الألماني و النمساوي استفدنا كثيرا . لقد تولدت بيني و بينه صداقة حميمية حيث كنت أزوره من حين لآخر في بيته المتواضع و أحيانا أخرى في الجامعة المركزية و كنا في هذه الجلسات الحميمية يناقشني في كل ما اكتبه في الملاحق الثقافية و مرة صرح لي بقاعة الشاعر ـ مفدي زكرية ـ بقوله ـ تعجبني في كتاباتك النقدية تحاليلك و ما تنطوي عليه من تشويق ـ حينها انتابني الخجل لأنه في عرفنا أن يتواضع هرم من أهرمات الجزائر في الأدب و الابداع و يخاطب تلميذه بلغة البساطة التواضع يعد من غير المألوف . و تجاوبا مع هذا الاعتراف زودني ببعض الترجمات عن ـ غنتر غراس و طلب مني الكتابة عنه بحكم ما يربط الأديبين من صداقة و تعارف و من أهم الأعمار الكبيرة التي ترجمها لـ ـ غراس ـ رواية ـ الفأرة ـ و تنفيذا لوصيته ها أنا انشر هذا النص .
إن من يقرأ السيرة الذاتية والإبداعية للفنان والشاعر والروائي الألماني الكبير “عنتر غراس”، الذي حاز جائزة نوبل للآداب العام 1999،يدرك أنه لم يكن سرياليا كالآخرين…
لقد ارتوى من منابع الإبداع ، وأخذ يحفر في الخشب وينحت في الصخر، مثلما ينحت في الشعر لأن الشعر عنده نحت في الكلمات.
وقبل استعراض ما سلف ذكره ، يجدر بنا الإنطلاق من فلسفة “غراس “،التي رسمها وصورها و ألهم بهما العقلية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية …ففيم أتيحت هذه الفلسفة يا ترى …؟ ماهي ردود الأفعال التي واكبته..؟ا وهل تقبلتها العقلية الألمانية ؟ وكيف ؟
فلسفة “عنتر غراس ”
ببساطة ، إنه ينطلق من حيث انتهى “آلبير كامو” … الأكيد أن “غراس “ينفرد عن “كاموا” بعنصر في غاية الأهمية ، مفاده أنه يريد يخرج بالعقلية الألمانية من حدود السلبية إلى الحدود الإيجابية، أي من فكر الدمار الى الاعمار عكس ” كامو” الذي يريد بها إجهاضا حاسما للمعنى ، أي الاستلهام من اسطورة سيزيف التمسك بالحياة فسيزيف يعلم أنه لا يستطيع التخلص من الصخرة التي على ظهره و مع ذلك يبقى دائما متمسكا بوضعه ، وهي مقولة فلسفية أراد تطبيقها على الشعب الجزائري أيام محنته مع الاستدمار الفرنسي ،و هو استقراء سطحي للعقلية الجزائرية لأن الأيام فيما بعد أثبت غير ذلك ….؟
أما هدف”غراس” الأول والأخير ـ كما يقول هو ـ أن يصلي للدنيوي وليس له معبد سوى الفن وأن أي عمل في هذا العالم له خيار واحد ووحيد ،هوالحفاظ على الوعي وماهو ممكن، هو أن تضع العالم أمام عينيك وأن تسعى لتغييره …ويضيف بأنه يعرف تمام أنه ليس من الممكن تغييره دائما ، لأن ما هو حقيقي عنده هو الطاقات الإبداعية.. كما كتب “غراس” لن أكون مبشرا ،وإنما أريد أن أقول كيف تسمى الأسماء بأسمائها .. وأنا أتعامل مع الأشياء منذ سنوات، و لكن من دون أي مبدأ للأمل، لأني ” أحتاج إليه كدافع ، وإذا شئمتم فسموه مبدأ الألم ” .. ومن هنا تبدأ واقعية “غراس ” ،وفي ذات الوقت سوداويته و قنوطه ، وليس في رواياته فحسب ، في شعره ونثره ولواحاته أيضا ..
و”غراس”، ـ حسب عمداء النقاد ـ يبقى شاعرا أكثر منه روائيا و رساما ، لأن نواة جميع أعماله الأدبية هي الشعر ،وإذا أعاد “غراس ” سودايته وكررها ، فهو يعمل ذلك بوعي . ، فهو يقول “ربما ذلك التكرار مملا ، غير أ ن الناس تذهب كل عام لقضاء عطلة الصيف ، وفي نفس المكان تقريبا ، وربما يكون الشاي مختلف ، ومع ذلك نشربه كل يوم وإلى الأبد “.هذه بعض المقتطفات من فلسفة “غراس” أدرجناها قصد أخذ رؤية مصغرة تساعدنا على تفسير بعض نصوصه الروائية والقصصية لاحقا.
الصياغة المذهبية لنصوصه
لقد أشرنا في مطلع مقاربتيا أن “غراس” سريالي لا يشبه الآخرين ، وحجتنا في ذلك أنه لما ظهر المذهب السريالي بعد الحرب العالمية الأولى كان مقتصرا على الرسامين وحدهم ، ثم امتد فيما بعد ذلك إلى بقية الأجناس الأدبية الأخرى “قصيدة الشعر ، قصة ، رواية ” … وبما أن “غراس ” متعدد المواهب ،فقد مارس التجربة السريالية في كل مواهبه ، وهو ما يعد ثراء لرصيده الإبداعي . والمذهب السريالي بإنجازه من دواعيه نقض الدمار بالدمار ، وأن كل شيء لا شيء ، أنتجته البشرية من إنتاج فكري وأدبي وفني وجمالي ..
وبالمختصر المفيد المذهب السريالي ، اهتدى إليه مجموعة من الفانين التشكيلين في مقاهي “زيرويخ “ذات ليلة من ليالي فبراير 1916 للإعلان عن ردة فعلهم إزاء الحرب المدمرة ، إذا عمدوا إلى خلق فن ينقض الفن ليناظر هذا الخراب و الدمار .. لقد رسموا ألواحا…….
تتألف من صورة لخرق بالية وشظايا أخشاب وأزرار مهمشة وفتائل من الخيط وتذاكر ” ترام” ممزقة ، ونحو ذلك… صنوف النفايات … كانوا يلحقون هذا الحطام على لوحة أو ينصبونها على قاعدة كالتماثيل، ثم يقدمونها للملأ في وقار مفتعل على أنها آيات من الفن الرفيع .
وقد تبلور هذا المذهب واتضحت معالمه في جوان 1922 في معرض اقيم في باريس وفي هذه الآونة نشب صراع بين كريستيان نزارا الذي كان يتزعم الدادائيين الألمان ، و اندريه بريتون الذي تمكن بمؤازرة عدد آخر من الأعضاء الفرنسيين البارزين ، أمثال لويس أراجون و بول ألوار وفيليب سوبو ،من اجتذاب العديد من الدادئيين “السرياليين” الألمان و السويسريين إلى معسكره ،وفي هذا اللقاء المشحون بالجدال الفكري تحدد مفهوم السريالية كالتالي : التمرد على حدود المنطق ،و الاهتمام بأسرار العقل الباطن ، والعمل على الكشف عنها ، بغية اتخاذ مادتها الغزيرة النفسية منبعا للإلهام في شتى ميادين الفن و الأدب . ثم أنشأ بعد ذلك أندريه بروتون أي سنة 1924 حركة سريالية تجمع بين تمرد الدادئية على حدود المنطق و الالمام بأسرار العقل الباطن و العمل على الكشف عنها بغية اتخاذ مادتها الغزيرة النفسية منبعا للالهام في شتى ميادين الفن و الأدب و كانت نظريات سيجمو ند فرويد وطريقته في التحليل النفسي قد ذاع صيتها في ذلك الحين فوجد فيها بروتون و صحبه سندا قويا لتدعيم مذهبهم الجديد
  لعل الموقف المأساوي الذي سنسرده لـ “غراس” يعد أجمل وصف لهذا المذهب السريالي ،فبذاكرته المشوهة والمثخنة بالجراح ـ كذاكرة التاريخ الألماني بعد الحرب العالمية الثانية ـ انتقل “غراس” إلى برلين عام 1959 ، حيث ينتصب الجدار الذي مازال طريا ـ آنذاك ـ وهو يفصل بين شطريها،وأخذ يرمقه من بعيد ، وقد أدار ظهره عن المعجزة الاقتصادية والسياسية التي تفجرت في ألمانيا الغربية ، غير أن حكمه على برلين بقي نفسه .. هذه المدينة لا تعني بالنسبة لي سوى أنها ترفض أن تبرأ من عللها .. إنها جرح مفتوح باستمرار ، ذلك أنها تبرز التصدعات التي عرفها التاريخ الألماني . مثل هذه الشورخ العميقة في بنية الذاكرة الشعبية الألمانية ، عبر عنها بوضوح في كتابه البديل حيث دعا إلى اتحاد فيدرالي ،وذلك بسبب الزخم البشري الهائل الذي أخذ يزحف من ألمانيا الشرقية للبحث عن ذاته الضائعة وسط أكوام الخراب والدمار ، وحذر من حملهم الذي تجاوز الأريعين عاما . لقد أثار البديل الذي قدمه غراس حفيظة الألمان و لكن الواقع وما أفرزته الوحدة الألمانية عام 1989 من حمل ثقيل جدا حقق ما تنبأ به ـ غراس ـ الى حد بعيد .
و الحق أن غراس و باعتراف عمداء النقاد في أروبا قاطبة يعد من الأدباء الطلائعيين الذين بقدراهم الابداعية استطاعوا مزج الأدب بالسياسة و لعل المقطع الموالي و المقتطع من رواية ـ الطبل الصفيح ـ يؤكد ما سلف ذكره من رؤية لقد طبع من هذه الرواية أكثر من أربعة ملايين نسخة باللغة الألمانية و حدها و ترجمت هذه الرواية الى أكثر من لغة …و ثارت سجالا واسعا بين المثقفين فقد كبت عنها ـ غراسيا ماركيز ـ و ـ ندين ـ و ـ غور دمير ـ و قال ـ ماركيز عن ـ غنتر ـ أن روايته علمته كثيرا و ألهمته جديدا ـ غير أن غراس ـ لم يسلم من غيره الحساد أدباء الألمان و أتهموه بالقبح و المادية و اللآ أخلاقية كما هاجمته الصحف و المجلات و الأحزاب السياسية الألمانية و نعته البعض الآخر كاتب أساطير و فضا ئح ..لأنه رفض البؤس الساسي و الفكري و الثقافي و كل أنواع النفاق و التزييف ؟. و السريالي كما هو متعارف عليه حينما يرتفع عنده سقف كل ما هو قذر لا يتردد في الوقوف أمام مرآة حلاقته و مخاطبة نفسه و نقدها و انتقادها كما لا يتردد في البصق على وجهه و غراس في كتاباته كان يجرح من حوله فهو دائما يبدو مثل ذلك المتطفل و المشاغب الى حد الازعاج يقول ـ الأديب ـ ابو العيد دودو ـ و صريحا الى درجة أنه يعترف بنفسه بأنه لجوج و ملحاح فيما يكتب من شعر و يرسم من لوحات و يخاطب في النوادي و الجلسات الرسمية و الغير الرسمية …؟ و برأي النقاد دائما و تحديدا في النص الروائي المعنون ب ـ الذنب ـ فقد أثار عاصفة من الهياج المباشر عليه عندما أعلن بعناد بأن معرفة الذنب و الوعي به هو الذي قاد الألمان الى الندم و الخجل منه و هو نفسه ما جعل المجتمع الألماني يغطي خجله تحت معطف السكوت و لم يسكت ـ غراس ـ فقد داوم على كشف كل عيوب الشعب الألماني على المستوى الرسمي و الشعبي . الى أن اتهموه بضعف الاحساس الوطني . لكن ـ غراس ـ له ر ؤية أخرى لمفهوم الوطنية فهو يقول ـ انه من التزييف و النفاق أنك تكيف الوطنية لحساب مصلحتك الشخصية الضيقة ـ و في رده على أعدائه يقول ـ أن اعداءه هم خونة هذا الوطن ـ و في نصه الروائي المترجم من الأديب ـ ابو العيد دود ـ و المعنون بـ ـ الفأرة ـ الذي صدر سنة 1965 يصور فيه مشاهد العنف التي تقضي على البشرية قضاءا مبرما حين تقيد الكلمة و ما تنطوي عليه من مبادئ خيرة و يفسح فيها المجال و كل المجال الى اسلحة الدمار الشامل و في كل هذا العنف يحمل ـ غراس ـ المسؤلية للسياسيين الذين يتصرفون في مصائر البشرية ببلاهة و غباء و ما يمقته غراس في السياسيين هو كذ بهم باستمرار و خداعهم الاجرامي للشعوب .
و الحق أن ـ غراس ـ أمام كل هذه امخاطر التي تحدق بالبشرية لا ييأس و يبقى أمله الوحيد معلقا بالشعوب بقوله ـ يعتقدون بأن ألأحوال ستسير على ما يرام و بأي طريقة كانت بالطبع فأنا لا اقول لهم أنه لم يعد لهم وجود على الأرض لأن عليهم أن يتدبروا أمرهم بأنفسهم و أن يتذكروا يوما بعد يوم أنهم مازالوا على قيد الحياة ـ و ما يستشف من هذه الفقرة أن ـ غراس ـ يريد من المجتمع المدني في كل العالم أن يكون حازما في تفكيك ما لغمه السياسيون بالقنابل و المتفجرات من خلال التصدي و التنديد و الشجب و الاستنكار .
مواقف غنتر غراس الانسانية
من مواقف ـ غنتر غراس ـ أنه انساني الى النخاع . بدليل أنه وجه خطابا شديدة اللهجة عبر الصحافة الألمانية الى وزير اقتصادها ـ غنتر ديكسروث ـ عندما وقف في مدينة ـ لويك ـ الى جانب القس ـ هاريغ ـ لحماية عد د من اللا جئين ألأسيويين الذين طلبوا اللجؤ الى ألمانيا و حاولت السلطات الألمانية ابعادهم الى ما وراء الحدود بقوله ـ بأي حق يحرم هؤلاء الناجون من النجاة … بأي حق يحرم هؤلاء من حق الحياة …و أي نوع من الانسانية تريد السلطات الألمانية اقناعنا بها ……؟ ـ وعلق على كتاباته أحد السياسيين الألمان المرموقين بقوله ـ ان غنتر اذا كتب في السياسة أو في السياسي لا يفتأ أن يضع يده على الجرح و يصرخ هنا الداء ـ
و من الصفات التي التي يتصف بها و جعلته مرموقا لدى أغلبية الألمنيين .. بساطته و تواضعه و قد أكد ذلك في كثير من مواقفه تلميحا و تصريحا كما يقول ـ قبل أن اكون كاتبا أو شاعرا أو رساما فانني أعتبر كل مواطن لدي هو انسان مفكر و سياسي و محرض ـ و عن احترامه للشعوب الأخرى و مقته للنازية كتب مرة ـ عن وطن واحد و دولتين ـ و أثار بذلك مواجع الشعب الألماني برمته بسبب ذكريات كانت كلها جراح تشخب دما ففي 1939 ذكر ـ غنتر ـ و هو في الحاية شر من عمره كم كان خجلا و مهان و هو يرى و يسمع أزيز الطائرات و رعد الدبابات و بريق المدافع و هي تقصف الشعوب المجاورة بلا حياء ……؟ . و ربما لهذا السبب و فقط يجمع أغلبية النقاد في نقد هم بأن كتبات ـ غنتر غراس ـ هي الأكثر ملحمية و اضافة الى ما يثيره ـ غراس ـ من قضايا حساسة في الحياة المعاصرة و عي قضايا الحرب و الرعب و الحب و الغيرة و السياسة و الأخطار النووية التي لم تعد مجرد شعارات يرفعها المتشائمون و انما أصبحت واقعا يتهدد العالم .
و الحق أن مثل هذه المخاوف التي يثيرها ـ غراس ـ في نفوس السياسيين قبل المواطنين العاديين هي نابعة من كوارث الحروب الماضية و ان كانت كلاسيكية بمعداتها و تجهيزاتها و مع ذلك استيقظ العالم بأسره على مواجع جراح لم تبرأ الى يومنا هذا فما بالك اذا تغافل العالم و أطلق العنان لتكديس النووي حينها قد لا يستيقظ الى الأبد
و الحق أيضا ان مثل هذه الرؤية السريالية التي و لدت من الدمار كانت من بين الأسباب التي أعادت بناء الحياة من جديد يريد منها ـ غنتر ـ أن تبقى تنير دروب البشرية الى السلام الشامل و الكامل و العادل .
ـ للنص مراجع
ghellabdjamel@yahoo.fr

صورة جمال غلاب

التعليقات

 

تعرفت على غونتر غراس من خلال قصيدة واحدة
كانت كافية لأن تجعلني أشعر بسخافة ما كنت أكتبه
كانت كافيه لتجعلني أبدأ بقراءة رواياته


مودة


أحمد رضي
صورة أحمد رضي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات