You are here

الصفحة الرئيسية

قراءة في رواية البلد الجميل ..




قراءة في رواية البلد الجميل ..
جمال المظفر



التنافذية والبناء الاسطوري في هيكل الرواية / الجزء الاول

· هيكل الرواية/
· الرواية تشتغل في منطقة(الميتافيكشن) اي ما وراء السرد، بمعنى ان الرواية وهي تكتب تتحدث عن رواية داخلية والشخوص الموجودين في الرواية يساهمون في تأليف النص الروائي، وهي مقسمة الى ثلاث اقسام( من ناحية تبعية صوت الروي)، يكون القسم الاول مكتوباً من قبل الراوي الاول(حلمي) وهو مروي بضمير المتكلم ويتحدث عن مكان افتراضي تجري فيه احداث علاقة البطل(حلمي) مع حبيبته (نود). والقسم الثاني يروى على لسان الراوي الثاني وهو هنا(عيدان) الذي يكمل الحكاية التي كتبها(حلمي)، ولكن ليس ضمن مناخ افتراضي وانما ضمن مناخ اجتماعي وتاريخي محدد ولكن يبقى جوهر الحكاية في القسم الاول مستمراً في القسم الثاني الا وهو هاجس البحث عن(نود) والارتباط بها والشعور الطاغي بالاغتراب عن المكان والمحيط مع فقدان اليقين بوجود نود اصلاً. فيبدو اختفاء او عدم تحديد المكان الافتراضي في القسم الاول(والذي يشير الى اضمحلاله وانحساره عن الجدل مع شخصية حلمي) مشابهاً للاغتراب عن المكان المحدد والمتعين شبه الوثائقي الا وهو مدينة بغداد وحي الثورة الشعبي، وفي القسم الثالث تتبين هذه العلاقة ما بين الراويين الداخليين للرواية(حلمي ـ عيدان) ونكتشف ان الحكاية في القسم الاول هي حكاية افتراضية خيالية والحكاية في القسم الثاني حقيقية واقعية ولكنها مروية لا بلسان الراوي العليم(الروائي احمد سعداوي) ولكنها مروية بلسان شخصية داخل الرواية.
· الثيمات المتحركه في الرواية او الاشكال التي من خلالها تجسدت مجموعة الافكار المحركة للرواية:
· * التنافذ: شخصية حلمي متنافذة مع شخصية(كشاش) وهذه الاخيرة متنافذة مع شخصية(مسروط).
· * شخصية(قسمة) متنافذة مع شخصية نادية ومع شخصيات سلالية لحقب متفاوتة.
· * شخصية(نود) الحلمية الوهمية متنافذة مع شخصية(نوديت هاريسون اريكا) الممرضة الامريكية في المستشفى العسكري للجيش الامريكي في السعودية ومتنافذة ايضاً على المستوى اللفظي مع(نادية) وعلى المستوى العميق مع شخصية(ندى) زوجة حلمي التي تجسدت فيها بعض اطياف الصورة الحلمية لـ (نود).
· * شخصية الكلب(حيوان) متنافذة مع صورة كلاب يظهرون في مراحل زمنية سابقة. * عصابة منتصف الليل او(مدنايت) التي تظهر في القسم الاول على انها عصابة من السكارى يهجمون على شقة حلمي تظهر في القسم الثاني(العصابة نفسها) ولكن بأعتبارها عصابة من شباب مثقفين ينتمي حلمي اليها بعد بحثهم اليائس عن مورد رزق ثابت.
· مستويات السرد:
· المستوى الاول: مستوى السرد التخيلي والذي يخص كل ما يدور في ذهن حلمي. المستوى الثاني: مستوى السرد الواقعي والذي يطرح من خلال وجهة نظر عيدان. المستوى الثالث: سرد اسطوري وهذا المستوى تتسيد عليه شخصية(قسمة) لكنه لا يظهر بصوت مستقل واضح وانما متداخل مع المستويين الاوليين. *
· التداخل:
· ـ حكاية نصفي التفاحة (الف ليلة وليلة) وحكاية الخاتم(قمر الزمان) ثنائية الابيض والاسود في الرواية كعناصر تخيلية فنية من خارج الرواية تمتزج مع الروي الاسطوري لحكاية العائلة من الجنوب الى بغداد والى حي الثورة عبر نصف قرن من الزمان على لسان الجدة(قسمة).
· * يبدو من خلال الرواية ان السرد التخيلي(شخصية حلمي) قادم من المرويات الاسطورية الكثيرة التي سمعها عبر زمن طويل من الجدة قسمة.

وفي النهاية تبدو الجدة قسمة رغم عدم شغلها مساحة كبيرة داخل الرواية- الشخصية الاكثر فاعلية في تحديد الفضاء الدلالي للرواية وليس غريباً على وفق ذلك ان يكون ختام الرواية مع قسمة نفسها. كما ان الرواية اعتنت بتقديم البعد الانساني بجانبيه الذاتي والاجتماعي على اي خطاب مسقط من الخارج(خطاب سياسي او ايديولوجي ).


التنافذية والبناء الاسطوري في هيكل الرواية / الجزء الثاني

تأخذ الخرافة جانباً مهماً وواسعاُ في رواية البلد الجميل للروائي احمد سعداوي من خلال صور سردية ـ اسطورية ـ عائمة على جسد النص ـ الرواية - .
يقول الراوي ”ولأنها محرومة من الأولاد سارعت الى الكتلة اللحمية الهشة لجنينها المجهض وسرطته، أي ابتلعته لتعيده الى بطنها ثانية، وصلّت لله ان يبقيه حياً هناك، وبعد ان أتمت من الحمل سبعة أشهر ولدته من جديد فنزل كأبن تسعة أشهر وعاش ونما فسمته مسروط“.
ان استخدام الخرافة في هذا النص له أكثر من دالة وأشارة مثيولوجية معتمدة عبر الموروث الحكائي المتعمق في المجتمعات الريفية والقروية يشكل خاص، فالكتلة اللحمية هي الجنين الذي يرمز الى ـ الروح ـ التي اقتلعت من رحم الأم واعادت هذا الجزء المفقود من خلال (سرط) أي بلع هذه الكتلة لتعيد دورتها الحياتية في داخل الرحم الذي مازال دافئاًومهيئاً لأستقبال (الكتلة اللحية ) من أجل هيكلتها وتطويعها في الرحم، أي أن عنصر الارادة موجود. ولأن هذه الحالة نادرة الحدوث الا لمن يؤمن ايماناً كاملاً بالاشياء الروحية ورموزها الايحائية، فأن الولادة ستكون معجزة، لأن هناك اعداداً كبيرة من الكتل اللحمية تسقط من ارحام الامهات في دورات المياه أو بين افخاذهن ولكن عنصر الرهبة والخوف أو ـ الرعب ـ الذي هو أعلى درجات الخوف يجعل النساء يخافن لمس هذه الكتل وبالتالي، عدم قدرتهن على (سرط) فلذات أكبادهن الذين لم يتموا بعد دورة حياتهم، فحالة أُم مسروط دالة على التعلق بالشيء او الالتصاق الروحي مابينها وبين هذه الكتلة التي قد تكون مقززة للآخرين، بينما تراه عنصر الحياة وديمومتها، ولأنها محرومة من (الخلفة) فعليها فعل أي شيء من أجل طفل يعيد لها شخصيتها وسط المجتمع الذي يعتبر المرأة عاقراً حتى لو أجهضت عشرات المرات. ولأن (مسروط) كان من المواليد النادرة الحدوث ـ اجهاضياًـ فقد أصبح مصدراً للكرامات في المدينة والمدن المجاورة.
يقول الراوي ”قيل ان الملائكة تحفظه وتسنده، كان كامل النقاء والبراءة، عندما كبر جرت على يديه كرامات كثيرة ولو قال أحد أنه شاهده يرتقي درجات خفيّة في الهواء ليغيب في العتمة لما كذبه أحد، كان يرسل الكلمات من شفتيه وكأنها نزلت تواً من مكان آخر غير بشري“. ان القدرة الآلهية هي التي اعادت الروح الى كتلة اللحم التي لم تكنى بعد (مسروط) وانما حالة (السرط) هي التي اعطته هذا الاسم واعطته المكانة والأهمية.
يقول في مسروط: كانت بصقته شفاء، وصفعته شفاء، ضغطة قدمه الخشنة المفطرة شفاء، وزجره شفاء، عصاه.. أقدم صيدلية في العالم. لو نظرنا الى هذه الجمل (عصاه.. أقدم صيدلية في العالم) و(بصقته شفاء) لوجدنا ان القدرة الألهية قد منحته القابلية على التداخل روحياً مع الجسد المريض ـ الروح ـ وعلاجها روحياً من خلال مويجات باراسايكولوجية تخترق الاجزاء المصابة وتزيلها .. كل شيء في مسروط له القابلية على الشفاء (النظرة ـ البصقة ـ الزجرة ـ الضربة .... الخ). لقد كانت هناك حكايات وممارسات خرافية في القرى والأرياف حيث يذهب الناس بأطفالهم أو مرضاهم الى (السيد) الذي منحه الله القدرة على شفاء الناس وأن لديه كرامات تشفي المريض وترقي الممسوس وتداوي الجرب، حتى يصل الأمر بان يبصق (السيد) في فم الطفل أو المريض لأن (بصقته) عنصر شفاء، وغالباً مايلجأ الناس الى هذه الحالات عندما يعجز الطب عن العلاج، مثلما يلجأ الناس الى الصلوات والدعاء وزيارة قبور الأئمة والأولياء والصالحين، وهناك العديد ممن يلجأون الى التعاويذ او الرقي لشفاء المرضى وخصوصاً الممسوسين أو الذين يعانون من الصرع والذي يعزوه الناس الى ان الجن يتلبس اجساد ابنائهم وبامكان (السيد) ان يطرد هذه الروح المتلبسة من داخل الجسد.
وفي مكان آخر يقول الراوي ”مرة قرأت عن تلك المهندسة التي تعرضت لتيار كهربائي شديد القوة، فأصيبت أصابة بالغة، حملت على اثرها الى المستشفى وبعد شهور شفيت بأعجوبة ولاحظت وهي تخرج من المستشفى الى الشارع انها قادرة على رؤية ماوراء الأشياء، ارعبتها هذه القدرة الغريبة التي اكتسبها بصرها، ترى الراكبين الى الحافلة من الجهة الثانية، وترى من خلال السياج العالي للمدرسة الداخلية التلاميذ وهم يلعبون، ترى الكسوة الداخلية لأمراة عجوز، تتوهم الدخول الى حديقة عامة، فتصطدم بالحائط“. هذه الصورة الفلمية هي ايحاءات روحية تدمج مابين الواقع والخيال، الخرافة والأسطورة، هي لم تصطدم بالحائط، انما الروح هي التي تجتاز الحائط، مثلما يفعل الدراويش عندما تخترق اجسادهم المدي والسيوف. الاختراق هو اختراق افتراضي يقع ضمن دائرة الخيالات. والغريب في الأمر ان (مسروطاً) رزق بولد أسماه (فرج) ولكن هذا الولد كان (حرامياً) وقتل الشيخ بعصاه التي ورثها عن أبيه، ولأن العصا التي يحملها موروثة عن (مسروط) لم يتوقع أحد ان الأبن حرامي أو أنه قتل الشيخ بها. وفي انتقالة سردية الى ـ أدوات الخرافة ـ وهي ان العرب كانت تسمي عبيدها بأسماء مملوحة، وابناءها بأسماء مستقبحة معللة ذلك بان عبيدهم لهم وابناؤهم لاعدائهم، لكن ذلك لايفسر كل الاسماء الغريبة التي يحملها الكثيرون من الرجال في مدينتنا شبه الريفية. وفي مزاوجة مابين الميثولوجيا العربية والغربية يؤكد الراوي على ان الهنود الحمر حين يولد لهم مولود ينظرون حولهم ويستلمون أية اشارة طبيعية أو حادثة مصاحبة ليشتقوا منها أسم المولود الجديد، وهم بذلك ينساقون مع نظرتهم للحياة، هذه الرواية ذات المكنونات الأسطورية والغيبية تفعل فعلها في ثقافات مختلفة وليست التسمية سوى أثرها. ولتفادي الحسد تسمي العائلة مولودها الذكر بنفس الآلية ولكن الهدف يختلف (جليب، جريدي، زبالة، جحيش). وتتوالى هذه الخرافات عبر متوالية الجد والأب والأبن :
مسروط ـ فرج (الحرامي) ـ كشاش .
فالأب فرج الحرامي سلك نفس ما سلكته جدته في تسميتها لمسروط اذ سمى المولود الذكر (كشاش) جد حلمي البطل الأصلي في الرواية، وكشاش تعني مايجمع بعد كش للغرف وباحات البيت من تراب وفضلات وقشور ثم يرمى، ويسمى في لهجة الجنوبيين(كشاش)، وهو الذي جاء بعد خمسة أخوة لم يرهم أبداً، وكانت الأم تخاف الحسد كثيراً لأن من أخذ الخمسة قادر على اخذ السادس.

يقول الراوي: ان الاسم القبيح الذي اطلقه الأب أنقذه بعد ان كان من الممكن ان يكون قبراً آخر بجوار قبور اخوته الرضع. في هذه الرواية الممتعة تدخل الخرافة كائناً وجودياً وبأسلوب يجعل المعتقد الشائع مساراً في ثقافة الآخرين.

صورة جمال المظفر
القسم: 

التعليقات

 
محمد لبيب
صورة محمد لبيب
 
الشاعر
والناقد المبدع
جمال المظفر
قراءة  رائعة ومتأنية
دمت لنا  متألقاً
ومزيداً من الأبداع
للرائع الروائي احمد السعداوي


هادي الناصر
هادي الناصر
صورة هادي الناصر
 
الشاعر الرائع هادي الناصر
شكرا لمرورك الجميل
شكرا ياصديقي الرائع
دمت مبدعا... ابدا
جمال المظفر

جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
الاخ العزيز محمد لبيب
شكرا على هذه الجيرة الرائعة
شكرا لانك اهديتني الطريق
طريقك جميل
تحاتي
جمال المظفر

جمال المظفر
صورة جمال المظفر

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات