You are here
قرية العزّل(الأخيرة)

قرية العزّل(الأخيرة)
عبدالله توتي
لم تعد بثينة تخرج. بدأ بطنها ينتفخ ويلفت الأنظار. لم تعد تستطيع مواجهة الناس. داهما الفتور. ضعفت قوتها. توقف طمثها منذ أشهر، وأصبحت عرضة للدوار.. تتقيأ وتتكئ على حيطان البيت.. أحيانا لا تستطيع المشي و أحيانا أخرى تكتسب قوة وتسعف نفسها بنفسها كما تسعف ابنها في لوازمه... لم يعد للحداد أي اثر، لم يعد يأتي، غاب عن أنظارها ولم تعد تراه.. لم يعد يسأل عنها. آخر يوم رأته فيه كان قد تغير: بدا لها في صورة أخرى، صورة لم تعهده بها.. بدا متعصبا متوترا.. ربما فطن لحجم نهديها وقرص حلمتيها... ربما فطن للأمر.. حمّلها وانصرف.. يا له من خائن مجرم.
هرب الحداد من فعلته.. أتم مهمته وانتهى.. لم تعد الناس تسأل عن بعضها البعض. يا لهذه الدنيا العجيبة، أم نحن العجب فيها.. لم يعد حتى ليطل على حالها أو ليرمي عليها نظرة.. أقصاها من الدنيا ولم يعد يتذكر وجودها.
بطنها يزداد انتفاخا يوما بعد يوم.. بدا واضحا من جلبابها.. أفواه الناس بدأت تذكرها وبركات لا ينكف عن إلحاحه و سؤالها:
ـ ما لبطنك منتفخ هكذا؟
احتارت من نفسها.. أتخبره أم لا؟ .. لا، لن تخبره، الأفضل أن يبقى الأمر سرا... إذا علم سيفضحها، سيعلن حربا ضد الحداد... سيقتله الحداد... وتمت هي حزنا و غيضا.
الأفضل أن تكذب عليه.. لتقل له شيئا.. شيئا كيفما كان... شيئا يقنعه.. لتقل له إنها الفاصوليا التي أكلتها أمس... هكذا تسكته.
الزمن لا يرحم، الأيام تمر، و البطن يزداد انتفاخا.. أتسقطه قبل أن يكبر؟.. لكن بماذا؟ هاهو الداء لكن أين الدواء؟ إنها لا تعلم في هذه الأمور شيئا.. أتذهب لعميدة المخفر وتخبرها بما جرى؟.. لا، ستعتقلها وتفشي الأمر كله في البلد.. أترسل أحدا في طلبها؟.. لا، إنها لا تثق في احد..
صاحب الفعلة غائب هارب مطمئن ينفخ صفيرا في مكان ما... أتذهب إليه؟ إلى داره؟ لكن ماذا ستقول لزوجته و أولاده؟ أتقول لهم بان الحداد حمّلها؟.. لا، لن يصدقوها، سيرمونها رجما كمومس، سيفشون الأمر في البلد وتفضح... أتهرب من البلاد.. لكن كيف ستقطع الوادي؟.. لا سبيل للخلاص فلتستسلم لقدر الآلهة وليكن ما يكون.
أنفاسها تضيق، الجنين بدأ يركل في بطنها و يتريض.. ابنها ضاق درعا من أكاذيبها.. بدأ يشك في جرثومة من الجراثيم.. أصبح منكبا على قراءة كتب البيولوجيا و الطب. سيكشف سرها دون شك مهما طالت الأيام.
يجب أن تخبره.. لا، لن تخبره، لن تضحي بحياة ابنها الوحيد، لا، لن تفعل حتى وان اضطرت للموت من اجل حياته.. لن تسمح لأحد بان يمس شعرة من رأسه. ضحت كل حياتها و ستضحي كلما استوجب الأمر ذلك. هي من خان نفسها وابنها. هي من استسلم لذالك الوغد وغسل مصارينها بألبانه... خانت زوجها في مماته، لن تغفر لنفسها أبدا.. ستعترف وليفز بها الخالدون.
مرت مروحية من فوق في السماء، صوتها رج المكان.. تمايلت الأشجار و تناطحت الأغصان.. فرت الحيوانات و امتلأت الأوجار.. خرج الشباب و الأطفال يتطلعون إلى الشيء الغريب الطائر الذي يتجه نحو مساكنهم… وبعد مدة، انحطت الطائرة وتجمع النفر كله حولها. بدا الشيء غريبا جدا... كتلة حديدية تطير.. عمود فوقها يدور في سرعة جنية. الحصى و الغبار يتطاير.. و رؤوس الحشد تلفحها هبة رياح. تراجعوا إلى الوراء خطوات، وقد امتلأت رؤوسهم الصغيرة بالأسئلة: أيكون هذا مصدر الإنارة و الأضواء التي تبرق خلف الوادي ليلا؟ من يدري، هم فقط يدرون... إنها هي دون شك، بطن ذلك الشيء يتراقص أضواء... انه هو ، انه هو ذاك الضوء الغريب الذي يقترب من الوادي كل ليلة.
العديد من الشباب هرولوا إلى الوادي لرؤية ذلك الشيء المزوق و استكشاف جماله.. اجل أصبحت الحياة تغري الشباب أكثر من الشيوخ. كل من ركض وراء الدنيا صار سيفا يقتل الأرواح: الصغار يريدون أن يكبروا و الكبار يريدون أن يصغروا، فتبقى الرياح تجري بما لا تشتهي السفن... استقر الجهاز الغريب في الأرض و توقف عموده عن الدوران.. ربما يعرفه بركات. اجل، لقد قرأ عنه في أحد الكتب، اجل، ها قد تذكر، لقد قرأ شيئا عن الإخوان رايت، أول من حاول الطيران. نعم إنها الطائرة.. لا بد أن وراء النهر عالم متقدم وهذا الجهاز ينبأ بقدوم الخطر. الصراعات لا تنتهي و قولة ماركس حول التاريخ واقع مستمر.
فتح باب في شكل جناح ذبابة.. تقدم حذاء و كعب عالي، ثم ساق عارية بيضاء.. تبعتها أخرى. أصابع بيضاء شدت بالباب من فوق، في الوسطى خاتم ذهبي يسرق الأنظار بلمعانه.. انحل الباب بكامله و كشف عن فتاة بيضاء البشرة شقراء طويلة الشعر خضراوين عينيها جميلة متناسقة أعضاءها لا يظهر عليها من اثر السفر، جسدها يلمع نقاوة و طراوة..
***
عادت الحياة من جديد و عاد صوت الطبيعة طاغيا: الدجاج يصيح، العصافير تزقزق، الحمير تنهق، الضفادع تنق... المخلوقات كلها تتنفس الصعداء، وانفرجت الأفواه عجبا. تكونت خيام طبيعية من جراء الشهوة، وتهافتت الأيدي في كل رأس تتلمس الملاك النازل من الجهاز.
***
بين النساء و البنات ضيغم يجر سعاد وتتبعه في خطوات متخاذلة متعثرة:
ـ ماذا هناك؟!
ـ أريد أن أخبرك بشيء يا سعاد.
ـ ماذا تريد أن تخبرني، قل؟
ـ الحقيقة أريد أن أقول لك سرا.
ـ ماذا تريد أن تقول؟
ـ أعديني أن لا تغضبي و لا تقلقي.
ـ أعدك... هيا، قل لي.
ـ في الحقيقة ضميري يؤنبني... لا استطيع أن اخفي عنك الحقيقة... ارتكبت حماقة... حماقة يا سعاد.
ـ ماذا ارتكبت؟ قل لي.
ـ أنا... أنا من قتل أباك.
ـ كيف؟!!
ـ أنا من قتله، اجل، عندما خرجت أمك لقضاء حاجتها، دخلت المنزل.. أخذت سكين المطبخ ولبست جلبابك وحذاءك، وصعدت لفوق مستدلا بالشخير الذي ينبعث من الغرفة، وعند صعودي المرقاة اصطدمت بجرة ماء فتبلل حذائي... ها هي الشوكة.
ـ نعم .. نعم، اتمم.
ـ قتلت اباك قبل أن تدخل أمك من الخارج، حتى عند دخولها وبينما أنا مختبئ في الغرفة المجاورة، لاحظت أنها لم تشعل الشمعة بل أطفأتها خارج الغرفة ودخلت للنوم... عندها أعدت الجلباب والحذاء إلى مكانهما ثم خرجت... كان الباب مفتوحا في الصباح غير أن الشرطي لم يفطن لذلك... ليث الكلب يعرفني فلم ينبح بل اكتفى بمراقبتي بينما ابتعد راكضا.. لقد ارتكبت حماقة يا سعاد، لن اغفر لنفسي عليها.
ـ كيف استطعت أن تفعل هذا بي... لماذا قتلت أبي؟
ـ لقد فعلت ذلك من اجلنا، من اجل مستقبلنا يا سعاد.. من اجل أن نتزوج..
ـ بل أفسدت كل شيء.. يا لك من أحمق.
صفعته ثم قالت بنبرة مفعمة بالحنان:
ـ انك ضيغم حقا.
نزلت الفتاة الشقراء من المروحية، زيها كله اخضر، هيئتها متناسقة متوازنة، تتلوى رجلاها ذات اليمين وذات الشمال وتبدوا مؤخرتها المكورة من خلال البنطلون تتلاعب. أردافها تلاطم مسدسا معلقا في حزام يلف خصرها. شعرها الأشقر تتلاعب به أنامل الريح وهي تمشي. سهام بصرها تصيب الواقفين... بركات واقف بعيدا ينظر، نفسه غير مرتاحة.. يشم رائحة فاجعة تقترب. غزال بين جماعة من الفتيات ينظرن بحقد وضغينة إلى الشقراء التي لم تتفوه بعد ببنت شفة... رجل مفتون العضلات يظهر فجأة من خلال المروحية: حذاءه اسود ضخم. بنطاله وقميصه أخضران في لون ما ترتديه الفتاة. عيناه مستورتان ومحجوزتان وراء نظارات سوداء في لون حذائه. شعره أشعت بالرغم من ذلك يرسل بريقا تحت أشعة الشمس. خطواته على سلم المروحية تنتج صوتا رهيبا. حزامه تتخلله كبسولات صغيرة مذهبة... خفقت قلوب الفتيات وتراكمت القبلات على الخد الأبيض في الخيال.. دخل بركات وسط الحشد الشبابي و اخترقه إلى الأمام. وقف. نظرت إليه غزال فلم يعر لنظرتها أي اهتمام. تقدم الحارث إلى جانبه ثم الباسل: أهذا في المنام يا ترى أم في اليقظة؟ وشوش الباسل في أذن أخيه الحارث. ركله هذا ألأخير في قدمه، ليقفز الحارث من مكانه مولولا.
توقفت الشقراء لتدع الريح يلاعب خصلات شعرها كما يشاء، واسترسلت في النظر إلى الحشد البشري قبل أن تفتح ثغرها سائلة:
ـ ألديكم مدرسة هنا؟
توقف الحشد البشري و علامات الدهشة تعلو سحناتهم دون أن يتقدم احد للإجابة على السؤال، بل ظل الكل يتبادل النظرات مع الفتاة الحسناء، غير أن الباسل كعادته لم يتمالك نفسه من شدة ما رأى، ووقع الصدمة على قلبه، فتقدم كعادته فاتحا باب الحوار:
ـ اجل لدينا هنا مدرسة و مدرس.
ـ من منكم درس فيها؟
رفع الأطفال و الشباب أصابعهم دون الفتيات فتعجبت الشقراء:
ـولا فتاة؟!
ـ الفتيات لا يتعلمن في المدرسة. أجابها الحارث.
ـ لماذا؟
ـ تقاليدنا لا تسمح للفتاة بالتمدرس.. الفتيات يعملن في البيوت فقط.
ـ فهمت. قالت الشقراء.
أضافت:
ـ هل ستسمحوا لي باختباركم؟
ـ تفضلي. قال الحارث.
ـ سأطرح عليكم بعض الأسئلة كامتحان، من نجح فيه يكون لديه الحق في مرافقتنا إلى ما وراء النهر...
حقا؟! أجاب الجميع.
ـ اجل، هي فقط بعض أسئلة سهلة، سيطرحها عليكم زميلي مريود... لا تخافوا فرغم ضخامته رقيق ولطيف.
اخرج مريود بعض الأوراق من جيب بنطاله العسكري ثم أخذ الكلمة:
ـ السؤال الأول: من هو مخترع الآلة الكهربائية؟
استغرب الجميع من صيغة السؤال، فأعاده، لكنهم لم يفهموا منه شيئا، بل أن الأغلبية أخذت تسال عن معنى الآلة الكهربائية؟.. وقعت ضجة ثم ساد الهدوء بعد أن اخذ احدهم الكلمة للإجابة:
ـ الحداد.
ـ الحداد!! من يكون الحداد؟!.. ألا يعرف أحدكم الجواب؟!
ـ هذا سؤال غريب لم نسمع به قط، ثم إن هذه الآلة التي تسألون عنها لا احد يصنعها هنا، فالصانع الوحيد في القرية هو الحداد وهو الذي تولى صنع جميع اللوازم الحديدية.. أجابه الحارث.
ظل بركات واقفا يتصارع مع نفسه، هل يجيب أم لا يجيب؟ ثم قرر أخيرا أن يجيب وكان ذلك أفضل:
ـ توماس اديسون.
نظر إليه الجميع واستغربوا من طبيعة الاسم الذي تفوه به فضحكوا منه وضج المكان، بينما اقتربت منه الشقراء لتقول له بلطف مبالغ فيه:
ـ ماذا قلت أيها الوسيم؟
خجل بركات من نفسه فاحمرت وجنتاه وتصبب جبينه عرقا، فامتدت موجة الخجل و الغضب هذه إلى غزال..
ـ توماس أديسون.
ـ صحيح... ممتاز.. من أين عرفت؟
ـ قرأته في احد الكتب.
ـ ألديكم كتب هنا؟
ـ اجل، عندي كتب تركها لي الشيخ.
ـ من أين أتى بها الشيخ؟
ـ من وراء النهر.. هكذا اخبرني.
ـ جيد... ما اسمك؟
ـ بركات.
ـ بركات.. اسم جميل.
ـ شكرا.
ـ هات السؤال الثاني يا مريود.
فجرمريود بارود حنجرته من جديد على الورقة:
ـ من هو زعيم الحزب الوطني الاشتراكي النازي، ومؤسس الرايخ الثالث؟
ـ أدولف هتلر.. أجاب بركات.
ـ السؤال الثالث: فزيائي أمريكي ولد في ألمانيا سنة 1879 وفي عام 1916 وضع نظرية النسبية الخاصة ثم العامة، حاز على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1912 ومات سنة 1955 فمن يكون؟
ـ ألبرت اينشتاين.
ـ السؤال الرابع: إمبراطور فرنسي ولد في أجاكسيو سنة 1769 اشتهر في حملة ايطاليا الأولى و الثانية، فاز في معركة الأهرام ثم هزم في معركة واترلو سنة 1815 فمن يكون؟
ـ نابليون بونابرت.
هذا يكفي يا مريود يبدوا أن الولد مثقف جدا.. هذا يكفي.
تراكم الزملاء على بركات يسألونه عن مصدر هذا الكم الغريب من المعلومات، فضحك منهم وقال:
ـ دعكم من هذا انه حقا ليجلب البأس.
اقتربت منه الشقراء وقالت له:
ـ أنت ستذهب معنا، سترافقنا في رحلة العودة إلى ما وراء الوادي... هناك لتنمي معرفتك، حيث العديد من الكتب بانتظارك و العديد من الآلات السحرية و الحياة المترفة.
ـ سألها بإعجاب وفضول:
ـ حقا؟
ـ اجل. أجابته ببرود.
ـ و أمي؟
ـ ستذهب معنا هي أيضا.
ـ وصديقتي... حبيبتي؟
ـ أين هي؟
ـ إنها هناك.
استرقت إليها الشقراء نظرة.
ـ ما اسمها؟
ـ غزال.
ـ إنها جميلة حقا.
ـ شكرا. أجابها بخجل.
ـ هي أيضا ستذهب إن أرادت ذلك.
ـ حقا؟
ـ اجل.. ما من مشكلة.
ـ شكرا جزيلا.
***
طار بركات من مكانه فرحا، وكله حماس وحيوية.. أطلق سيقانه للريح ومضى يعدو باحثا عن أمه ليزفها بالأخبار السارة.. مر أمام المخفر فلاحظ جمعا من الناس فتوقف.. أسرت انتباهه التعاويذ و الأدعية و الحسرة، فرمى بنفسه فضولا في الحلقية، ينطح الأجساد برأسه إلى أن وصل... رأى جسد أمه ممددا على الأرض و في عنقها يتدلى حبل مشنقة.. هرول إليها وخر بقربها يصفع وجهها و يحك يداها.. لا، لا جواب، فخر على جسدها باكيا لاعنا الشيوخ و البلد و أهل البلاد و البشر اجمع..
ربتت يد على كتفه و قال له صوت:
ـ انهض، لا حيلة لك ضد القانون... فلنذهب.
رفع رأسه ثم وقف، وسار بجانب الشقراء كمن يجر خلفه أرذال الهزيمة.. وبخطى وئيدة صعد إلى المروحية.
غزال بين الفتيات تنادي وتصرخ، تتصارع مع أمها ترجوها الذهاب.. تشبثت الأم بابنتها و الفتاة تصرخ:
ـ هل سيعود؟
ـ لا أدري.
تمت
08/16/2006 - 20:36
القسم:


التعليقات
فى انتظار المزيد من قلمك المبدع
دعاء
مع تحياتي و خالص متمنياتي
عبد الله توتي