You are here

الصفحة الرئيسية

قرية العزّل(1)








قرية العزّل(1)
فصل من رواية
عبدالله توتي


ماكوندو، كومالا، سانتا ماريا... يا قرى العزّل!
ما زال يتذكر تلك ألأيام التي قضاها على الحصائر، انه ليحس بصلابة أعوادها تنهش لحمه، و خشونة الحائط الحجري تدمي مثنه، بالرغم من كل ذلك لم يكن يبدي حراكا أو تسمع له شكاية، بل ظل متمسكا بلوحه الخشبي يردد كلاما مكتوبا على مسامع الشيخ الهرم الكسول.
نعم لم يكن يستطيع الحراك، أو أن يفسد على الشيخ راحته و تأمله. منذ ذلك اليوم ألذي جرته أمه من كم قميصه لترمي به بين سواري كتاب على وشك الإنهيار، كلما ساط صاحبه بزرواطته إلا و تساقطت أكوام من التراب من عل على ألواح هياكل عرها الجوع والخوف و تراكم عليها غبار التخلف و الجهل.
دجاج بلا ريش، أجساد بلا روح، مساكين، مساكين، مساكين. أنا سأنفض غبار التخلف عنكم، أنا سأرجعكم أحرارا، بلوحاتكم تلك و بعصاي هاته، جميعا من أجل التقدم و الرقي، من أجل مستقبل تسوده ألطمأنينة والسلام.
لم يكن الولد آنئذ يفهم من كلام الشيخ شيئا، و إنما كان يتابع الكلمات تتآكل في فم العجوز ليخرج الجزء المنطوق منها من خلال فراغ تطايرت منه أسنان...
كان لصوت الشيخ لحن خاص و مميز يحرض على الضحك، إلا أن لا أحد يمتلك ألجرأة على ذلك، فالشيخ صعب المراس، فالعصا لا تبرح يديه بل تظل كامنة بين أصابع لا ترسوا من الإرتجاف، بل تظل تتطاير و ألعصا تدق ألأرض محدثة لحنا خاصا كالمطر على القصدير؛ إلا انه لم يكن يتردد في ضرب أحدهم أو توبيخه، التفكير قبل ألتنفيذ، هذه هي القاعدة التي يؤمن بها، فلا مبرر بعد ذلك، بل يجب على كل واحد أن يتحمل مسؤوليته فيما يرتكبه أو يقوم به. ألعصا و التوبيخ ممحاة ألأخطاء و السبيل السليم للتربية.
كثيرا ما استغرب أهل البلدة من قسوة الشيخ، فالبعض يردها إلى صباه و البعض الآخر يقول بكثرة مطالعته و مواظبته على قراءة كتب التربية، و البعض الآخر يقول بشدة حسده و كراهيته لآباء الطلاب، فهو لم يرزق بأولاد لا من زوجه الأولى و لا الثانية، إلا انه لم يكن ليعير أي اهتمام لما يقال، بل ظل يواصل عمله على ألقاعدة المألوفة لديه، لتتضارب الآراء حوله في المجلس...
كان المجلس عبارة عن خان، تكسو أرضيته حصيرة قديمة تآكلت أجزاء منها مع مرور الوقت و تردد ألأرجل على الاحتكاك بها، بغض النظر عن تصرفات شيوخ البلدة التي ما فتأت تتجاوز تصرفات الصبيان بقليل، فهم لا ينكفون عن أخذ الأعواد منها لمداعبة أسنانهم أو تخليصها من بقايا الطعام ألذي يفتح به المجلس كالتزام من أسر القرية حسب الاتفاقية المنعقدة: إذ تفرض على ألأسر المعنية خدمة المجلس بالتناوب في كل شيء لمدة غير ثابتة، لتنتقل بعد ذلك إلى أسرة أخرى طبقا للائحة سجلت عليها أسماء السكان دون استثناء؛ فهم لم يكونوا ليميزوا بين فقير و غني، الناس سواسية لديهم، الأغلبية تشتغل في الفلاحة، فمن ضعف دخله فإنما من تهاونه، و من وفر رزقه فمن ذراعه و عرق جبينه. إلا أن الشيخ لم يكن ليشاطرهم الرأي، فالرزق من عند الخالق و إن كانت تتخلله شروط الحتمية. ففي الحالة تلك تختلف الظروف، فالتربة في شمال البلدة ليست هي المتواجدة في الجنوب، و لا حتى عدد أفراد أسرة فلان ليس هو نفسه في أسرة الآخرين فكيف سيكون المحصول واحدا؟!!!
سؤال طرحه عليهم ليوتر الغضب في صفوفهم، فلم يكن أمامهم سوى قذفه و اتهامه بتهديد الاستقرار و محاولة التملص من المسؤولية.
لم يكن في نية الشيخ شيء من هذا، و إنما كان محقا فيما يقول، إلا أن تكتل الجماعة حول القانون كان أقوى، فازدرد ريقه و غطى جراحه، فراح في حال سبيله يتجرع مرارة ما قيل له، دون أن يعود لمناقشتهم أو محاورتهم في أمور البلد، فظل يحتفظ بآرائه له و لتلامذته:
انتم أفضل من هؤلاء، إنهم ليعتبرون ألا موجود موجودا، ليحققوا المساواة في الخيال، لا في الواقع. أليس هذا ظلما؟، فم الظلم ادن إن لم يكن هذا ظلما؟
احمرت وجنتا الشيخ و تجمع جلد جبينه، و تطايرت شرارات الغضب من عينيه، اضطربت حركاته و زادت من ذعر تلامذته؛ إلا انه سرعان ما سيطر على غضبه و عاد إلى صوابه، لترق لهجته من جديد وتحلو، لتعود دقات القلوب إلى نبضها العادي، و تتنهد الصدور.
هذه هي الحياة، ما هي إلا صراع، يستسلم الضعيف ليزيد طغيان القوي، فكلما نجح في دحره للآخر إلا و تزايدت قوته، و كثرت ضحاياه، لكن الوقت كفيل بوضع نهاية لكل فرد منا. لا مجال ادن لاستعراض القوة .لا شيء ثابت. سرعة الضوء هي الوحيدة التي تستحق أن تعتز بنفسها في هذه الدنيا، إلا أنها لم تكن لتبدي أي تكبر أو تهاون، بل ظلت وفية في خدمتها للجميع.
القوة لا يفتخر بها إلا الجبان الخائف، تلك حالهم اليوم و غدا ستتغير. إنها مسالة وقت فحسب، و قريبا سنصبح جميعا في خبر كان. كم من قوم كانوا فلم يصبحوا. أنظروا إلى الفيل بضخامته و قوته، إنه ليقف عاجزا أمام ناموسة بصغر حجمها و ضحالة قوتها...
العادة هي سبب ما نحن فيه، العادة هي التي قتلت روح العجب فينا حتى أصبحنا لا نعي حتى من نكون، دواتنا نجهلها، فكيف لنا بمعرفة ألآخر والأشياء التي يعج بها المحيط؛ إنها لتطرح العديد من ألأسئلة، إلا أننا لم نكن لننتبه إليها أو لنعيرها أي اهتمام...
كان لكلام الشيخ هدا صدى كبير في صفوف تلامذته، فمضى كل واحد في حال سبيله ليتأمل في معزل عن ألآخرين. ما هذا، و ما ذاك؟.شيء غريب .. كيف أن كل ألأشياء تطرح ألأسئلة.. ؟!! ما هي هذه ألأسئلة و ما السبيل للوصول إليها ؟.. أيكون الشيخ قد فقد عقله أم نحن من فقده ؟..كيف للجماد أن يطرح ألأسئلة و لا حتى المتحرك من غير البشر ؟!!
لقد ملوا هذا التفكير، و هاهم ينصرفون إلى بيوتهم لتتم المساءلات والإستفسارات، ليصبح الشيخ موضوعا تتناوله ألأفواه، و تمرر به كؤوس الشاي في المجلس. إلا أن الشباب أخذوها كقصة للضحك و ضياع الوقت:
ـ أعلمتم ما حدث مع الشيخ في الكتاب؛ إنه ليأمرهم بمساءلة الجماد ومحاورته. قال احدهم لينطلق ألضحك و يتعالى ضجيج القهقهات على صوت الطبول الطاغية.
ـ أما ابن أختي فقد اخبرني بان الصخرة التي أمام المنزل قد اشتكت إليه بكونها ملت المكان و ملت السكون. قال آخر. فعاد ضجيج ألأعناق الجارحة في تغطية أصوات الخمور و هي تغمر الكؤوس، و أصوات الطبول و هي تدق في غير أنتضام، لتتلوى الأجساد أمام بعضها في حركات غير متزنة، وتتعالى الصيحات والقهقهات من حين لآخر لتزيد من حركية المكان و نشاطه.
تعرقت ألأجسام، و تشبعت ألأنوف بروائح العرق و الخمور، و هيجت دقات ألأرجل و حركاتها غبار ألأرضية من داخل المبنى ليلاطم هو الآخر ضوء النيران، ليدخل الكل في صراع: أبدان تلاطم أخرى و تزدحها، أصوات تنافس أخرى، و عقول تائهة لا تعرف أين هي و لا ما هي، ليستمر الاحتفال حتى الفجر، لينصرف الشباب إلى فراشهم، ليأتي دور العجزة في العمل والصغار في تلقي الدروس.
صورة عبد الله توتي
القسم: 

التعليقات

 
أعتذر للقارىء الكريم عن هذا الخطأ في التصنيف. قرية العزل 1فصل من رواية و ليست قصة ، و قد نسيت ان اخبر  الاساتذة المشرفين على الورشة بذلك. فتقبلو مني اعتذاري.. كما اعتذر للورشة
مع كامل الود و الاحترام
   عبد الله توتي      

عبد الله توتي
صورة عبد الله توتي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات