You are here

الصفحة الرئيسية

قرية العزّل(11)








قرية العزّل(11)
عبدالله توتي


كانت الشمس قد أرسلت أولى سياطها المحرقة حينما هرول الشرطيان منكر وناكر إلى بيت القرد: السماء صافية زرقاء، و الأرض يابسة وخضراء عن الضفة. السكان منشغلون بجمع محاصيلهم من الحقول، و لم يكن لهم من شغل غير هذا و لا من كلام إلا ما يلوكونه حول المحاصيل و المناجل و الطقس.
كان يوم ثلاثاء، ألأطفال و الشباب ما زالوا نيام، حينما أيقظتهم صرخات امرأة  عوت بكل ما أوتيت من قوة. صرخة واحدة فقط كانت كافية لحشد كل سكان البلدة: ترك الشيوخ أعمالهم و الشباب و ألأطفال فراشهم و الشرطيان مركزهم و هرول الجميع للمكان.
وقف الحشد كله أمام بيت القرد ينتظرون. أنظارهم كلها فضول، و آذانهم و أنفسهم متحمسة لمعرفة ماذا حدث. أثاروا ضجة من الأسئلة، فر منها الشرطيان و دخلا المنزل.
عند الباب في الداخل مرقاة تقود إلى الطابق الثاني، لم يتعد عدد درجاتها ثمانية درجات منعطفة في الدرجة الرابعة نحو اليمين.. في الطابق الأرضي لا يوجد احد. في الطابق العلوي يسمع نواح ونحيب.. يقترب النحيب كلما تقدم الشرطيان أشواطا في صعود المرقاة. في آخر المرقاة عجوز تبكي و تصيح، ثيابها ملطخة بالدماء: قتلوه، قتلوه...
العجوز تقمش وجهها، بللت ثيابها بالدموع.. تصيح وتصيح.. يضيع صوتها المقهور في الهواء. تمثلت لها صورة وحشان في هيئة شرطة: بطنان منتفخان منبجعين بثناياهما العجينية، وصدران عريضين مكتنزين يتحركان نحوها كبرميلين مملوءين بالمصارين، يلهثان من جراء الفتور الذي أصابهما عبر المرقاة... تنتحب العجوز في همس مسترقة النظر إليهما بلمحات ملغمة لا تخلو من فحش يخدش الحياء و الرحمة.. يأمر منكر ناكرا بنقلها إلى المخفر للتحقيق... برمية يد يمسك يدها إلى ظهرها ليقيدها بحبل. هبط بها الدرجات،  ليتشمم انفه رائحة خمر، لينظر إليها نظرة مغشوشة ليصيح في وجهها بنبرة غليظة:
ـ قتلته أيتها السكيرة وتنتحبين.
يدفعها إلى الإمام، تنظر إليه بعينين جاحظتين. دفعها. صرخ في وجهها أمام الملأ. خفضت ناظريها ثم استقامت في مشيتها. تراجع الحشد وفسح لهما المجال. نظر إليهم الشرطي و لاحظ ما في وجوههم من ذهول وتعجب: سال لعابهم فضولا، إذ كيف يمكن لعجوز جوفاء كهذه أن تقتل زوجها؟!
تهيأ الشريف الهادئ الفظ ليبدأ التحقيق. دار إلى اليمين متوجها إلى غرفة الجريمة. اصطدم بسعاد واقفة مسندة ظهرها إلى حائط.. كانت مصعوقة بالدهشة و الاستغراب، لكنها لم تذرف الدموع. نظر إليها الشرطي نظرة تفتيش شملت كل كيانها، من رأسها إلى أخمص قدميها. أمعن النظر إليها، و لاحظ وحلا على حذائها. أعاد النظر في ثيابها فلاحظ أن جلبابها مترهل و اسع.. تقدم إلى ألأمام حتى وصلها ووقف:
ـ جلبابك هذا جميل اهو لك؟
نظرت إليه نظرة استغراب، ثم أجابت:
ـ شكرا، لا انه لامي، أهدته لي يوم عيد ميلادي الثامن عشر.
ـ أهذه غرفة أبويك؟
ـ اجل إنها هي.
ـ أتسمحين لي بالنظر؟
طأطأت رأسها موافقة.
توجه نحو السرير: الدماء من تحته ومن فوقه.
ـ أهذا أبوك؟
ـ نعم، انه هو.
أمعن نظره في جثة المقتول فلاحظ انه مذبوح من الوريد إلى الوريد.
ـ أتحبينه؟
ـ لا.. أكرهه.
ـ تكرهينه! لماذا؟
ـ كان دائم الشجار مع أمي... كانا دائما الخصام، ليل نهار، إنهما لا يعيشان في هناء... أحيانا يغلقان باب الغرفة و يغرقان في السب و الشتم.. ثم ينهل عليها ضربا.
ـ أكانت أمك تكرهه؟
ـ لا اعرف، هي الأخرى مثله تحب الشجار و السباب... تكره الرجال كلهم.
ـ تكره الرجال! لماذا؟
ـ تقول أن كل الرجال كلاب... وتقول أيضا: السلوقيون لا يأبهون بما يرتكبونه.
ـ أتحبينها؟
ـ لا
ـ لماذا؟
ـ إنها قاسية وشريرة.
ـ قاسية وشريرة! كيف؟
ـ كثيرا ما تصنع المكائد لأبي... إنها تعاكسه.
ـ  مكائد؟.. مثل ماذا؟
ـ أحيانا تكثر الملح في الطعام و أحيانا أخرى لا تضعه...
ـ الم تحاولي الصلح بينهما؟
ـ بلا حاولت مرات و مرات لكن دون جدوى، فلا يكاد احدهما يهدأ حتى ينفجر الآخر.
ـ ما هي آخر مرة تخاصما فيها؟
ـ ما قبل ألأمس.
ـ أما ألامس؟
ـ بالأمس لم اسمعهما يتخاصمان، على العكس سمعتهما يغنيان و يرقصان.
ـ هل أطللت عليهما؟
ـ لا، لم اطل عليهما.
ـ لماذا؟
ـ لأنهما أحيانا لا يريدان من يزعجهما.
ـ هل تعشيت معهما؟
ـ أجل.
ـ وهل كانا في حالة عادية؟
ـ ماذا تقصد؟
ـ الم تلاحظي عليهما شيئا؟
ـ مثل ماذا؟
ـ سكر مثلا؟
ـ لا، لم يكونا ثملين، كانا في حالة عقلية سليمة.
ـ وبعد العشاء، ماذا حدث؟
ـ غيرت ملابسي وذهبت للنوم.
ـ و أبويك؟
ـ بقيا في المطبخ يتحدثان، ثم ذهبا للنوم.
ـ ماذا كنت ترتدين البارحة؟
ـ قبل النوم؟
ـ أجل.
ـ كنت ارتدي هذا الجلباب و هذا الحذاء.
ـ ما من شيء آخر؟
ـ لا.
ـ و لباس نومك؟
ـ سروال ابيض و قميص ابيض.. منامة بيضاء.
ـ أين هي؟
ـ في غرفة نومي.
ـ أيمكنك إحضارها؟
ـ اجل.
ذهبت لإحضار المنامة، فيما استمر هو في التفتيش و الملاحظة: دم مجلط.. تحت السرير وفوقه.. آثار أقدام وحلية؟!.. لا شك وانه الحذاء الذي تنتعله الفتاة. لنر إلى أين تتجه.. نحو باب الغرفة تماما.
سجل ملاحظاته بينما أتت الشابة بالملابس.
ـ ها هي أيها الشرطي.
ـ أريني...
تفحصها جيدا
ـ أين تنامين؟
ـ في غرفة في الطابق الأرضي.
ـ أيمكنك أن أتقودينني إليها؟
ـ أجل.
هبط الشرطي الدرجات تتقدمه الفتاة، وببصر مركز على بقع الوحل وصل إلى غرفة الفتاة.
ـ هذه هي.
ـ جيد. هل هناك من حذاء آخر لبسته يوم أمس ، أو تلبسينه؟
ـ أجل أثناء ذهابي للنوم دائما انتعل حذاءا آخر.
ـ أين هو؟
ـ ها هو هنالك تحت السرير.
ـ وجلبابك أين وضعته قبل نومك؟
رفعت يدها مشيرة إلى عود في الحائط خارج الغرفة قرب الباب. فلاحظ الشرطي بقع دم في كم جلبابها الأيمن.
ـ وحذاءك ذاك أين وضعته؟
أشارت بيدها إلى أسفل القطعة الخشبية.
ـ وضعته هنا تحت الجلباب.
ـ جيد... هل تسمحين لي بتفتيش بعض أغراضك؟
ـ لا مشكلة.
بعد بقع الوحل والدم التي شاهدها دخله الشك، وبعد كل ما صرحت به. فتش المكان دون أن يجد أي دليل آخر فاستأذنها بالخروج:
ـ حسنا، هل لا رافقتني إلى غرفة الضحية من جديد؟
ـ لا مشكلة.
صعدا المرقاة معا مرة أخرى ثم قال لاهثا:
ـ يا لها من مرقاة وعرة.
ـ اجل.
دخلت غرفة الجريمة من جديد:
ـ هل كان لديكم زوار يوم أمس؟
ـ لا، لا احد يزور منزلنا.
ـ لا احد، لماذا؟!
ـ أمي لا تريد أحدا.
ـ هل لديك حبيب؟
ـ اجل.
ـ من هو؟
ـ ضيغم بن الجبار.
ـ هل يزورك في المنزل؟
ـ لا.
ـ لماذا؟
ـ أمي تكرهه.
ـ لماذا؟
ـ تكره كل الرجال.
ـ نعم... هل لديك صديقات؟
ـ أجل.
ـ كم عددهن؟
ـ واحدة.
ـ من هي؟
ـ صفية.
ـ بنت من؟
ـ بنت سلمان.ـ صفية بنت سلمان.. أتزورك في المنزل؟
ـ أحيانا.
ـ ما هو آخر يوم زارتك فيه؟
ـ قبل أسبوع.
ـ اليوم؟
ـ اضن انه كان يوم أربعاء... الأربعاء بعد الزوال.
ـ ومتى رحلت؟
ـ بعد أن بدأ الظلام... بعد الغروب بقليل.
ـ ماذا كنتما تفعلان؟
ـ نخيط بعض الأزياء.
ـ جيد... ألا يعرقلك ذلك الجلباب في المشي؟
ـ اجل انه يعرقلني قليلا... لقد كان له دبوس.. ربما سقط.
ـ دبوس؟
ـ لأن أمي أغلظ مني، لهذا وضعت له دبوسا حتى يجتمع قليلا.
ـ أيمكنني أن أرى؟
ـ لا مشكلة.. لقد كان هنا في هذا المكان هنا عند خصري.
ـ أجل واضح.
ـ ألا تعرفين أين هو؟
ـ لا.
ـ هل كان الدبوس موجودا يوم أمس؟
ـ أجل.
ـ هل بحثت عنه اليوم؟
ـ لا.
ـ لماذا؟
ـ صعقت بالحادث.
ـ آه.. أفهمك... هل سقط منك لمرة؟
ـ لا، لم يسقط يوما، لا أتذكر انه سقط مرة... كان دائما موجودا.
ـ جيد... هل لا رفعت رأس أبيك حتى انظر تحت الوسادة؟
ـ لا مشكلة.
وجد سكينا تحت الوسادة:
ـ لمن هذا السكين؟
ـ لا بد و انه أداة الجريمة، انه ملطخ بالدماء.
ـ اجل، لكن لمن هو؟
ـ دعني أرى... انه سكين المطبخ.
ـ هل أنت متأكدة؟
ـ أجل.. به نعمل في المطبخ.
تفحص برميل خمر فارغ ثم سأل:
ـ هل كان هذا البرميل مملوءا يوم أمس؟
ـ لا اعرف شيئا عن البرميل.
ـ هل لك أن ترافقيني إلى المطبخ؟
ـ اجل.. من هنا.
ـ الم تسمعي أية ضجة يوم أمس؟
ـ بلا سمعت الباب يحل.
ـ أي باب؟
ـ لا شك وانه باب المنزل الرسمي، فهو الوحيد الذي يحدث صريرا عند انفراجه.
ـ الم تعرفي من فتحه؟
ـ لا، لا اعرف.
ـ الم تسمعي نباح كلب؟
ـ لا لم اسمعه.
وصلا إلى المطبخ:
ـ مطبخكم جميل؟
ـ أجل.. أمي تعتني به كثيرا.
ـ الم يؤثر فيك ما حدث؟
ـ بلا، قليلا.
ـ قليلا فقط؟
ـ قلت لك إني اكرههما.
ـ لما كل هذه الكراهية؟
ـ لقد دمرا حياتي... جرعوني العلقم.. لا يسمحا لي باستقبال احد... شوها سمعتي أمام زميلاتي... دائما خصام، دائما سب وشجار، حتى علم كل أهل البلد... دمراني... افسدا حياتي...
ـ الم تفكري يوما في الانتقام؟
ـ بلا فكرت.
ـ فيم فكرت؟
ـ في التخلص من احدهما.. أو الهروب و الفرار بعيدا.
ـ وفعلت؟
ـ لا، لم افعل.
ـ من الفاعل إذن؟
ـ لست ادري، ابحث عنه.
ـ هل لك أن ترافقيني إلى المركز؟
ـ لماذا؟
ـ ستعرفين فيما بعد.
***
أخرجت الفتاة و تفرق الجمع، وذهب آخر الفضوليين، بينما تتعثر الفتاة متقدمة الشرطي يأخذ بيدها أحيانا و أحيانا أخرى يدفعها. كانت دون شك تتصنع العثرات في مشيتها، لكن الشرطي كان حازما و رصينا فلم يدع لها مجالا للتململ. كان قد سجل كل ملاحظاته في أوراق احضرها الشيخ من ذاك العالم البعيد هناك و راء النهر ودقق في معطيات الحادث استعدادا لمخاطرة جديدة.. كانت سعاد تمشي أمامه في خطى وئيدة بعثت الملل في نفسه... أوقف حصانه وحملها على متنه ثم انطلق في سرعة نيزكية نحو المخفر.
***
لم تأت العميدة بعد.. ناكر جالس في كرسي خشبي بجانب العجوز ينفخ في شفتيه.. يراقب الساعة الرملية و يعد الوقت حصاة حصاة.. يتنفس الصعداء. يسترق النظر إلى العفريت في زنزانته.. العجوز هي الأخرى تنظر إليه بعيون خائفة.. أنهكتها حرارة الجو.. أطلقت زفرة متواصلة وكأنها أفرغت كل همومها وطرحت مآتمها في الجو.. تبدو في مجلسها كبنوكيو، محمر وجهها، طويل منخارها، ربما كان ذلك من الكذب، منتفخة عيناها، ملتصقة شفتاها، لا تتكلم و لا تدمع، بل تكتفي من حين لآخر بالنفخ في الهواء.
تقدم منكر داخلا المخفر و معه الفتاة.. السكون يخيم على المكان، لا بلبلة و لا وشوشة إلا أصوات خطوات تتقدم نحو غرفة الجلوس.
قفزت العجوز من مكانها بعد أن رأت ابنتها وانتصبت. جرها الشرطي من تلابيب جلبابها و أجلسها.
ـ لا تخافي يا ابنتي، العميدة ستنصفنا و تكشف القاتل. قالت العجوز بنبرة متلعثمة..
نظر إليها ناكر نظرة تحذير ثم سكتت.
أمر منكر الفتاة بالجلوس، ثم نادى العجوز للتحقيق.
قفزت المرأة من مكانها صارخة:
ـ لا، لن ادع ابنتي مع هذا الوغد.
ـ اذهبي إلى الجحيم أيتها الحاقدة. قالت الفتاة لأمها، وارتسمت ابتسامة خفية على وجه ناكر، وأحس بنفسه أميرا.
لقفت العجوز القنبلة و تكمدت نيرانها، ثم حنت رأسها  وسارت في خطى متثاقلة نحو مكتب الشرطي.
ـ اجلسي. قال لها منكر.
جلست العجوز.. تنظر إليه في يأس.
ـ ألاسم الكامل؟ العائلة؟ اسم الزوج؟ الأبناء؟ مكان؟ السكن؟
ـ نوال آل النحس. تسعين سنة. زوجة المرحوم محمد النحس. ابنة واحدة. نسكن بالقرب من العلبة الليلية.
ـ جيد، ماذا حدث لزوجك؟
ـ قتل.
ـ من قتله؟
ـ لا اعرف.
ـ كيف حدث ذلك؟
ـ استيقظت صباحا، فوجدت الغرفة غارقة في الدم، ثم نظرت إلى نفسي فوجدتني ملطخة كذلك بدماء زوجي.
ـ تفوح منك رائحة خمر.. هل شربت يوم أمس؟
ـ اجل يا سيدي، شربنا معا.
ـ كم شربتما.
ـ برميلا كاملا.
ـ برميلا كاملا؟
ـ اجل.
ـ أكانت لديك مشاكل مع زوجك؟
ـ بعض الخلافات الأسرية.. ككل العائلات.
ـ أ كنت تحبينه؟
ـ اجل كثيرا.
ـ ابنتك تقول عكس ذلك... ماذا تقولين
ـ صحيح يا سيدي.
ـ ادن لماذا كذبت؟
ـ امقته
ـ لماذا؟
ـ يضربني كل مرة، يخاصمني يوميا، افسد حياتي و حياة ابنتي الوحيدة.
ـ أهذه المرة الأولى التي شربت فيها الخمر؟
ـ اجل.
ـ لماذا؟
ـ تصالحنا ونريد أن نحتفل بعيد صلحنا، اقسمنا معا على عدم العودة للشجار و الخصام.
ـ أوقع شجار بينكما أمس؟
ـ لا.
ـ لا؟
ـ لا.
لمن هذا السكين؟
ـ انه سكين المطبخ.
ـ أمتأكدة؟
ـ اجل.
ـ وماذا يفعل تحت وسادتكما؟
ـ أحيانا أضعه لتجنب الكوابيس.
ـ الكوابيس!! أي نوع من الكوابيس؟
ـ أحيانا احلم أحلاما مزعجة فأصيح، ويضربني زوجي... البارحة لم أضع السكين تحت الوسادة أنا متأكدة.
ـ متأكدة؟
ـ اجل.
ـ لماذا؟ هل تصالحت مع الكوابيس أيضا؟
ـ لا، نسيته في المطبخ.
ـ أخرجت البارحة ليلا؟
ـ اجل خرجت.
ـ في أي وقت؟
ـ لم اعد أتذكر.. بعد أن احتفلنا بعيد صلحنا.. بعدها خرجت لأتبول.
ـ الم تسمعي ضجة ما عند خروجك.
ـ لا لم اسمع شيئا.
ـ جيد.. ماذا كنت تلبسين قبل نومك؟
ـ هذا الجلباب.
ـ نمت فيه؟
ـ أجل، كنت متعبة وثملة، فكنت عاجزة عن تغيير ملابسي.
ـ أي حذاء كنت تنتعلين؟
ـ هذا.
ـ أمتأكدة؟
ـ اجل.
ـ الم تسمعي صوتا أثناء نومك؟
ـ لا اعرف.. لا ادري.. ربما سمعت معمعة.
ـ هل أقفلت الباب عند دخولك المنزل؟
ـ اجل.
ـ أمتأكدة؟
ـ اجل، أقفلته بالقفل العادي، والقفل ذو المفتاح.
ـ جيد.. أما النوافذ؟
ـ لا ادع أيا منها ليلا، البارحة لا أتذكر، ربما تركت أحداها مفتوحة.
ـ أيأتي عندك زوار أحيانا؟
ـ صفية.
ـ من تكون؟
ـ صديقة ابنتي.
ـ شخص آخر؟
ـ لا.
ـ لم يدخل شخص آخر بيتك غير صفية؟
ـ لا.
ـ أكانت للمرحوم نقود يخبأها في مكان ما؟
ـ اجل، في علبة خشبية؟
أهذه هي؟
ـ اجل.
ـ كم كان فيها من النقود؟
ـ لا اعرف، المرحوم يخفيها عني.. تلك أسراره.
ـ لماذا... ألا يثق فيك؟
ـ لا أعرف.
ـ كيف علمت بوجود العلبة؟
ـ أخرجها ليلة أمس يعد ما فيها.
ـ لا تعرفين كم فيها؟
ـ قلت لك لا.
ـ تقريب فقط.. الم تسمعيه يعدها؟
ـ سمعته توقف عند مائتين على ما اضن.
ـ مائتين ماذا؟
ـ فلسا.
ـ جيد، انه بالضبط العدد الموجود... الم تسمعي نباح الكلب أمس؟
ـ لا ... لا أتذكر.
ـ أهناك أعداء لزوجك؟
ـ ألأعداء لا ينقصون على هذه الأرض.
ـ يمكنك الانصراف... انتظري في غرفة الانتظار.
***
وصلت العميدة، توجهت مباشرة إلى غرفتها المعهودة، لم تنطق بأية كلمة. مرت أمام الفتاة وأمها بجهالة ونرفزة.. أحست العجوز بالنذالة نحوها.. لم تكن لتتصورها هكذا.. هكذا هي الدنيا: اليوم ترى رجلا وغدا تجده وحشا.. إنها الميتامورفوزيس!
أشعلت العميدة المجمر ورمت فيه البخور كعادتها ثم تربعت على هيأتها المعتادة تنادي منكر.
دخل منكر ومعه سجل الجريمة و التحقيق كاملا.. و ضعه مع عشرين فلسا راهن بها على الفتاة ثم ذهب. بينما دخل ناكر ليراهن على الأم بعشرين أخرى.
اجتمعوا بعد ساعة ، وبدأ منكر يقرأ على العميدة سجل التحريات، و العجوز تستمع باهتمام و حذر بالغين.. روائح البخور وصلت أنفا المتهمتين حين قالت العميدة:
ـ فشلت هذه المرة يا منكر.
ـ ماذا تعنين.. العجوز هي القاتلة؟
ـ اجل.
ـ لا يمكن؟
ـ لنعد إلى سجل التحريات.
ـ ادن لنعد إليه.
ـ الدليل الأول ـ قالت العميدة ـ بقع الدم الموجودة على الجلباب.
ـ نعم.
ـ الدليل الثاني: السكين الملطخ بالدماء و الموجود تحت الوسادة.
ـ اجل.
ـ الدليل الثالث: عدم وقوع أية سرقة.
ـ اجل.
ـ الدليل الرابع: بقع الوحل الموجودة على الأرض و الوحل الملتصق بالخف.
ـ كيف؟
ـ قبل خروج العجوز انتعلت قميص ابنتها النائمة و الذي أهدته إياها في يوم عيد ميلادها. وهذا ما يفسره اختفاء الدبوس، فالأم غليظة وطويلة و الدبوس رقيق لا يحتمل الضغط فطار من مكانه.
ـ عندك حق.
ـ بعد ذلك انتعلت الحذاء.. ذهبت للمرحاض، هنالك تبلل الحذاء بالماء وبعد خروجها التصق به التراب فأدخلته إلى المنزل.. بعد ارتكاب جريمتها ردت الجلباب و الحذاء إلى مكانيهما وهذا ما يفسر البقع الوحلية المتيبسة الموجودة في الممر.
ـ صحيح.
ـ والدم الموجود في كم الجلباب يفسر الطريقة التي ذبح بها الزوج.. يعني أنها ضغطت عنقه بساعدها أولا حتى عجز العجوز عن التنفس ثم ذبحته و ساعدها على عنقه فتشرب ثوب الكم بالدم.
ـ صحيح.
ـ ثم تصريحا منها بكراهيتها لزوجها.. وكذلك السكر... أما الأدلة التي تنفي وجود شخص آخر فكثيرة اذكر منها: النقود التي لم تختفي و انعدام نباح كلب الحراسة و التصريح بإقفال الباب ثم النوافذ المقفلة و المسيجة و التصريح بعدم استقبال الزوار مما يعني لا احد يعرف المنزل غير أصحابه... كل هذا يدل على خسارتك لعشرين فلسا يا منكر.
ضرب منكر بقبضة يده على ركبته ثم قال:
ـ فزت بها هذه المرة يا ناكر.
صورة عبد الله توتي
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات