You are here
قرية العزّل(9)

قرية العزّل(9)
فصل من رواية
عبدالله توتي
رغم كراهيته للموت حضر مراسيم الدفن، وبعينين زائغتين نظر إلى الجثمان يتوارى التراب.. بدا في كفنه في قاع الرمس كحبة فاصوليا كبيرة: كثيرا ما أطعمتني من مرقك يا شيخ، واختفى عن ناظريه تماما فلم يعد يرى إلا التراب.
تدحرجت دمعة من على خذه كقطرة زيت، تركها تواصل طريقها إلى أن ابتلعها ثوب قميصه.. الوداع يا شيخ... اطلب من الآلهة أن تغفر ما قدمت و ما أخرت، سأصلي دائما من أجلك.
تجمع حوله نفر من الرجال ففاحت رائحة العرق الكريهة، سطعت انفه؛ وفي القرب منه في الضفة الأخرى للقبر نساء يصحن ويطلقن أصواتا كالعواء، فأجهش بالبكاء وبكى بغزارة.
شدت يد على ذراعه وقال له صوت:
اصبر، الصابرون الفائزون.
نظر إليه فتقززت نفسه من منظره فكرهه لتوه، وود لو مات مكان الشيخ. حول ناظريه من القس إلى القبر الذي حدد بحجرين ثم لفظ كلمة الشكر بصعوبة ووضع باقة الزهور على اللحد ثم ذهب.
ـ أنت رجل الآن. لا تبكي. قالت له أمه.
فر منها ودخل غرفته و جلس... هاهو الآن قد أدركه الضجر ومل حاله فألحت عليه ذاكرته في أن يعيد النظر في كل شيء: الشيخ دائما يحذره من اليأس. هاهو الآن لن ييأس، حان الوقت للعمل بنصائحه... نظر إلى المفتاح الخشبي في عنقه فأتم قبضته عليه، وتذكر وصية الشيخ الأخيرة:
ـ لقد أكل علي الدهر وشرب يا ولدي، لقد ذبلت كما تذبل الأزهار في الصيف و ها قد أتي صيفي و يبست، ها قد أتت رياحي ووصل خريفي و حان وقت سقوطي...
قاطعه الولد في حدة، وفي حيرة من أمره ليواسيه :
ـ لا... أنت مازلت حيا و ما زلت ستحيى و مازالت أمامك أيام تعيشها هنا معنا فوق هذه البلدة... فما زال هناك الكثير لتعلمني.
ـ الأيام يا ولدي ستعلمك رغما عنك. الحياة هي المدرسة الحقيقية التي ستأخذ شهادتها يوما.. يا ولدي لا تقنط و لا تيأس كن دائما صبورا متحمسا متحملا... خذ هذا المفتاح انه للصناديق الخمسة.. خذه واقرأ ما استطعت أن تقرأه...
ـ لا يا شيخ لا تقل هذا... إنها لك ومازالت فيك روح ... لا تقل لي ذلك أرجوك.
أجهش بالبكاء وخر على سرير الشيخ.
ـ هه، لماذا تبكي.. قم يا ولد، أنت رجل الآن .. فلا تبكي. الموت شيء طبيعي .. إننا نولد لكي نموت.
نظر إليه المراهق ببصر مائع، فنزلت ابتسامة الشيخ على قلبه كقطعة جليد.
ـ أصيك بالقراءة ... القراءة... المطالعة...
ثم رحل.
انطلقت صرخة نسائية في باب الغرفة بأعلى صوت وهرولت كلثوم زوجته إليه و خرت على جثته باكية، تكاد تغسل البطانية بدموعها.
إنكف الولد عن البكاء ليمسكها من كثفها ليقول لها بنبرة غائمة:
ـ لا تبكي ... لا تبكي، انظري إلي، إنني لا ابكي...
وقفت السيدة بصعوبة تكاد سيقانها تحملانها.
ـ لم يبق لدي احد في هذا البلد و لا في هذا العالم، لا عائلة ولا أهل، لا أولاد و لا صديقات ... إنني وحيدة.
ـ لا تقولي هذا، أنا عائلتك و أنا ابنك.
فانهمرت عيناهما دمعا، بينما صعد القس إلى سطح المعبد ينفخ في نفير حديدي لإنباء أهل البلد.
***
نظر المراهق إلى المفتاح في يده للمرة الثانية.. هذه فرصته لينطلق، و ليبدأ حياته من جديد.. ألان فقط سيعرف الحياة على حقيقتها.. انه مطالب اليوم بتحديد مساره وتنظيم حياته وبناء مستقبله، وهي مسؤولية كانت في السابق بيد الشيخ.. ألان وقد رحل العجوز لم يبقى له من مساند سوى إصراره على إتمام حلم الشيخ و بناء مجتمع العدالة و الحرية.
أمس فقط لم يفكر في الموت بحال. في هذا الوقت من الأيام السابقة أنهى دروسه مع الشيخ وذهب للقاء غزال عند المنبع. أما ألان و بعد هذا الحدث الجلل أحس بمدى ثقل المسؤولية التي يجب أن يتحملها سواء أراد أم أبى. الوعد وعد ويجب الوفاء به.. يجب أن يقرأ كل ما تركه المرحوم من كتب.
في مثل هذه الساعة من أول أمس، و الشمس مشرقة باسمة خرج من غرفته معتمدا على ذراعه وسارا معا في خطوات متثاقلة متخاذلة، وقد أصابه الوهن وهزل بسبب نزلة البرد التي أصابته. وفي نحنحة متواصلة و سعال شديد لفظ خيوطا من اللعاب والذم: تمسك يا شيخ. قال له الولد بنبرة قلق.. يجب أن تأكل شيئا يملأ معدتك حتى لا تتقيأ أحشاءك.
امسك به حتى تقيأ و تعمد عليه من جديد حتى أوصله فناء الدار، هناك أجلسه ليتمعن الشروق و الأفق، و بعينين ذابلتين راح يهدي وينطق:
ـ ما أجمل الشمس في شروقها، وما أجمل الدنيا وما فيها، لكن البشر لم يدعوها، أفسدوها و خربوها... يا لهذا الزمن العجيب! العروس تذهب إلى دار زوجها في يوم عرسها على رجليها! الإنسان يقتل آخر طمعا في ماله! التاجر يأكل المأجور في أجرته!... الخالق وضع فيها خيرا، ونحن فيها شرا... دائما الم: الألم في البيت، في الخارج، في المدرسة، في المنام أحيانا، في كل مكان من العالم يوجد.
ما مر يوم إلا وسمعنا عن استلاب حقوق وتمرد حرية، إننا في هذا العالم، عالم الإنسان الحيوان، نعيش خارج السلم، هذه الكلمة الصغيرة الكبيرة، هذه الكلمة التي عجز الإنسان عن تحقيق دلالتها وتذوق طعمها، إنها بعيدة جدا عنا و عن نقيضها الذي لا يفارقنا، انه جزء منا ، جزء من ذواتنا، انه يبعد ويقرب الألم عنا، انه يحضر من اجل حياتنا من اجل توفير مؤقت لشرط الحياة لنا.
إننا لا نكف عن التضحية من اجل أنفسنا و تدرج أحبابنا، فندخل في صراع تمتحن فيه قوتنا وفطنتنا، فتدخل الشروط ـ القوة و الذكاء و الصدفة ـ في تحديد مصيرنا. هذا واقعنا، فمنذ وجودنا على هذا الكوكب لم نعرف كلمة السلم، وما زلنا. إننا نستعملها في لغونا، لكن لم نفكر يوما في إقرارها، حتى أن قرت في مكان، كانت بخسارة من احدنا( صبر أو تنازل) مما يجعلها قريبة جدا من نقيضها ( الشر) فلا تكاد تستمر في وجودها حتى يتم أسرها فتعود الشرور وتسود الحروب.
يصعب شيئا ما معرفة هذا الوحش، اهو شرير أم طيب؟ لكن على ما يبدو الوحوش تبقى وحوشا، تهدأ وتثور وتبث الرعب في المحيط، ويبقى الثعلب في طبعه كالإنسان.
***
أنظر إلى هذا المنظر الجميل، أليس هادئا ساكنا؟ وهذا النسيم اللطيف، وتلك الطيور المغردة النشيطة الأنيقة... أولائك الرجال يتخاصمون هناك... وتلك النسوة يتقامشن، الأطفال يتصارعون حول الكرة...
كم نحن أشقياء، الأنا لا يفارقنا، وهذا سبب شقائنا... أدخلني يا ولدي. أحيانا نمل الحياة لكن غالبا ما نتشبث بها خاصة إذا طعنا في السن، نحن الشيوخ نتشبث بآخر أيامنا ونحاول تحقيق طموحاتنا قبل مماتنا: منزل فخم، دابة... حتى لا أقول شيئا آخر..
أدخلني يا ولدي فخير الكلام ما قل ودل..نحن الشيوخ نثرثر كثيرا.
ـ لا يا شيخ، أنت لا تثرثر.
كسرت كلثوم كلامهما حين دخلت وفي يدها إبريق شاي، وقد انتفخت عيناها من كثرة البكاء وقلة النوم. لم ترتح للحظة واحدة ولم تشعر بمرور الزمن حتى دخلت عليها أشعة الشمس من خلال نوافذ الغرفة. تربعت وحيدة وقد ارتدت ثياب حدادها فبدت كالوطواط. وجهها شاحب ترامت عليه خصلات شعر كالسياج، و انفها عاطل بنجه زكام خفيف. سحائب البخور تتلوى في جو الغرفة فبدت كأنها روح العجوز...
لم تعقله متى دخل ولا أحست به؛ دخل غرفة العجوز واعتكف فيها يقلب كتبه ويكوّمها جانبا. توقف أمام عدد منها واختارها كانطلاقة، كما استعان بالأسماء التي يذكرها الشيخ كل مرة ليبدأ بها. كتب جديدة أنيقة، و أخرى قديمة هرمت أوراقها: تهافت التهافت.. ابن رشد: الفرابي السياسة المدنية... هيجل: علم ظهور العقل.. بول شوشار: اللغة والفكر.. التحليل النفسي: كاترين كليمان...
ـ المستقبل وحده يقرر أن كان الماضي حيا أو ميتا. قالت كلثوم ببرود وهي تضع إبريق الشاي أمام المراهق الشاب.
بدت عليه ملامح استغراب ومفاجأة، فحول ناظريه إليها مستغربا:
ـ ماذا تقولين؟!
ـ اسمع المرحوم زوجي دائما يرددها...
قاطعها:
ـ انك تخيفينني.. العبارة تخيفني
ـ أحيانا يلفظ المرحوم أسماء غريبة لم اسمع بها قط في البلد... كان دائما يلفظ اسما بالخصوص..
ـ ما هو؟
ـ جون بون سارتر... شد ما نطق بهذا الاسم.
ـ جون بول سارتر، لابد وان العبارة له. انه فيلسوف وجودي.
ـ لكنه أحيانا يصيغ العبارة بصيغة أخرى فيقول بان اللحظة الحاضرة تستمد حقيقتها مما حصل حتى الآن ومما سيحصل، ويضيف بعدها كيلهلم ديلتاي.
ـ آه مؤرخ وجودي. لكني استغرب، لم اسمعه يوما يقولها.
ـ ربما حتى لا يكسر عزمك وإصرارك في المضي قدما، فأنت تشك في ماضيك كما تشك في مستقبلك.
ـ ربما. أنت ذكية مثله يا كلثوم.
ـ لا ..لا تبالغ، أنا مجرد إمرأة.
ـ بل أقول الحقيقة، بعض النساء رجال، وان كن لا يملكن القوة العضلية فلهن القوة العقلية.
ـ هذا لطف منك.
ـ انه الواقع.
ـ اشرب شايك حتى لا يبرد.
ـ شكرا... ألن تشربي معي؟
ـ لا.. لا أريد إزعاجك.
ـ أنت لا تزعجيني في شيء... اجلسي يا أماه واشربي الشاي معي... أنا فقط ارتب بعض الكتب.
ـ لا تقسوا على نفسك كثيرا، الأشياء الجميلة تتعاقب.
ـ اجل اعلم، لكن لابد للإنسان أن يتحرك ويعمل... يجب أن اقرأ هذه الكتب كلها... هذا مثلا كتاب يتحدث عن الحروب الصليبية.. وهذا عن حمورابي..وهذا عن نابليون...
ـ ألا يوجد شيء آخر يدونه الإنسان غير الحروب؟!
ـ التاريخ صراع الحضارات هكذا يقول كارل ماركس.
ـ لكن ألا توجد أشياء في حياة الإنسان ذات قيمة اكبر يكتب عنها المؤرخون غير الحروب.
ـ نحن من يقيم الأشياء يا كلثوم، ونسميها كذلك، أن لم نعط قيمة للشيء لن تكون له.
ـ أتريد المزيد من الشاي؟
ـ نعم، قليلا.
صبت في كأسه ما تبقي في الإبريق من شاي، ثم استأذنته بالانصراف:
ـ سأدعك تركز في عملك، سأكون في المطبخ.. إن احتجت شيئا فانا قريبة.. لا تتردد.
ـ شكرا جزيلا.
أنهى تصنيف كتبه في الصندوق الأول، ثم انتقل للصندوق الثاني متناسيا ترتيب الشيخ لها، إلا انه اصطدم بلغات مختلفة، وكتابات مختلفة.. تهجى بعضا منها حتى عسر عليه فهمها فتركها، بينما بدا له القليل منها غريبا في كتابته، غير أن اغلبها وجدها في المتناول وفهمها بفضل لغته الثانية.
08/09/2006 - 02:38
القسم:

