You are here
قصة الورشة القصيرة .. في عام
قصة الورشة القصيرة في عام ... أيمن الشيخ
كصيرورة الحياة الساعية دوما للتغير والتغيير ، يسعي أيضا كل نوع أدبي نحو – لا أقول التغيير – التطوير ، فكل محاولة في نوع من الأنواع الأدبية ، هي محاولة للإضافة إلي ما سبق إنجازه في محاولات السابقين .
دراسة : شوقي عبد الحميد يحيى
كصيرورة الحياة الساعية دوما للتغير والتغيير ، يسعي أيضا كل نوع أدبي نحو – لا أقول التغيير – التطوير ، فكل محاولة في نوع من الأنواع الأدبية ، هي محاولة للإضافة إلي ما سبق إنجازه في محاولات السابقين .
وفي مرحلة متأخرة ظهرت بدعة ما سمي بـ ( ق ق ج ) أي قصة قصيرة جدا . وصلت لكتابة القصة التي يتم إرسالها إلي الأصدقاء عبر الهاتف الجوال . مكونة من سطر أو سطر ونصف ، إنجر إليها بعض هواة البدع الأدبية ، والاستسهال في الكتابة ، معتقدين أن التركيز هو قدرة في حد ذاته ، ثم إنها تتماشي وواقع العصر . وهو قول ظاهره فيه الرحمة ، لكنها قولة حق أريد بها باطل . فلم يزل العمل الإبداعي يحتفظ في جوانيته المتعة والدهشة والتشويق ، فإن غابت هذه العناصر ، فلنقل عليها أي شئ آخر ، إلا أن تكون عملا إبداعيا .
ولكن هناك من إقترب من هذه الحجج ، لكنه في ذات الوقت احتفظ بتلك السمات ، وأخص من كتاب موقع الورشة الثقافي ، المبدع القاص أيمن الشيخ ، الذي تميزت كتابته بالتركيز الشديد ، لكنه احتفظ في ذات الآن في كتابته ، بمتعة القراءة ، متعة الإشراك للقارئ ودعوته لوضع اللمسات للعمل ، متعة إشراكه في التفكير والبحث ، حتي أنه قد يضعه في دوامة فوارة تدور به سريعا ، ويتركه يبحث بنفسه عن سبيل للخروج .
في قصته (طقس الحزن ) وإن كان قد تخلي عن الإسلوب الحكائي الجاذب للقارئ العادي الباحث عن ( الحدوتة ) ، إلا أنه يخلق عالما من الحركة يقض به مضجع القارئ ويقلق راحته ، رافضا الاستنامة في عصر لا تفيد فيه الاستنامة ، ولا يقدم له الحلول في عصر لم يعد ينفع فيه إنسان إنسانا ، وعلي نفسه فليعتمد الكل .
تبدأ القصة بـ (حبيبتى..الموتى يتحرقون شوقا للخروج ) والموتي نتعلاف عليهم فيما بعد ، الأب والأم ، رمز الحكمة ، رمز الطهر ، رمز الاستقامة ، وما حرك شوقهم للخروج إلا استرار المعصية (وانا وانت كلما اتفقنا على الا نلتقى...تقابلنا عند نقطة واحدة.... ) كلما سعي للتطهر يجد نفسه منساقا إليها وكأنه القدر المفروض بلا اختيار ، أو أنهن المسوقات إليه بفعل لاإرادي . وليست الخطيئة الجسدية هي فقط الذنب ودواعي الحزن ، إنما الحياة المادية عموما ، فهاهن أخواته دًفن في آبار البترول ، وحين يخرجن من الآبار ، أو القبور ليعشن الحياة ، يكن متشحات بالسواد . وكم هو جميل التعبير في جملة واحدة . إضفاء الحزن علي الحياة ، حتي في الوقت الذي من المفترض أن يعيشها المرء متمتعا بما جمع . وفي النهاية يرسم أيمن الشيخ صورة رائعة ، يحيث يعادل الحياة والأحياء بتلك الفراشة الهشة الحائمة حول الضوء ، ترقص ، لكن رقصها هو آخر طقوس الحياة ، آخر طقوس الحزن ، آخر طقوس الوداع والفراق والموت .
مجموعة من الصور جمعها أيمن الشيخ وضفرها في خيط واح رسم بها صورة كلية أسبغت علي قارئها الحزن الشفيف ، وهلامية الحياة وهبائها ، بعدما نفقد ضوء الهداية ، الأب والأم .
وفي قصته المكثفة (احتمالات العودة ) يرشح حالة الوطن المكبل بالعسكر ، الحاكمين قبضتهم ، المانعين من العبش فيه ، فلا أصبح الوطن وطنهم ، ولا عادت الرومانسية ولا عاد الحب . أعدموا قيسا وجميل ، فصار صاحبنا يحلم بعملية جراحية تعيد يوسف للوجود ، تعيد الجمال والعدل ، تدعوا للتحرك والتدخل ، فما عاد المتفرجون ، العابرون رغم انسحاق العابر أمامهم دون تدخل ، ماعاد يعيد للوطن وجوده .
وعلي الرغم من أن القصة تؤخذ وحدة واحدة لتعطي في النهاية شعور كلي بالرسالة والخطاب ، إلا أن صورة جزئية أوقفتني . (لما مر الأول كانت الحافلة القادمة بسرعة فى انتظار اصطدامة.... ) حيث الانتظار هو السكون والحافلة القادمة في حالة حركة ، لذا فالأول الذي مر هو الذي كان في انتظار أن تصدمه الحافلة ، وليست الحافلة القادمة بسرعة .
وفي قصة (أوراق و بنفسج ) إنهزام جديد أمام الحياة ، وموت جديد للرومانسية التي لم تعد تستطيع المقاومة ، وكأنه يقول ( الحي أبقي من الميت ) . يكثف أيمن الشيخ قضية الحياة من جديد ، فضية الحاجة في مواجهة قصر ذات اليد ، قضية وطن يعيش أبناؤه في المقابر ، قضية أن يبيع أبناء الوطن أجساد ذويهم – لا مجرد الذكري فقط – من أجل أن يأكل الصغار . قضايا كبيرة ، وقضايا عامة يقطرها الكاتب عصارة بتكثيف غير المضر وغير المخل ، تصل الرسالة كاملة بأقل كلمات ممكنة .
في قصة (آخر سقوط للمطر ) يرغمنا أيمن الشيخ علي فتح أفواهنا ليقطر فيها حبات الحزن المكثف ، فيتسارع المفعول في إحداث تأثيره الآسر ، ليتفجر الكيان كله علي حزن موجع ، مؤلم ، ليس للحظة وداع حبيبة ، وإنما لضياع حلم ، ضياع مستقبل ، ضياع فتاة في ريعان الشباب ، كانت جميلة ، وكانت كالجمل في الصبر والكتمان ، آثرت أن ترحل وحيدة دون أن ترهق الآخرين بما تحمله بداخلها من بذور الموت .
قصة لا أملك إلا أن أتخلي عن كل ما يمكن أن يكون علميا أو أي تفلسف لأظل مجرد قارئ هزته قصة ، غاية التركيز وغاية البوح . إذ علي الرغم من أفق التوقع لدي القارئ قد يصل للنهاية قبل أن تقع ، إلا أن الضربات السريعة من الكاتب كانت أسرع في إصابة الهدف .
قوس قزح هو التآلف والانسجام الضوئي ، وصاحبنا في قصة (عودة قوس قزح ) يتطلع للسماء ، طموحاته كبيرة بينما كل ما حوله يشده للأرض . عندما كان ( عيل ) في ابتدائي ، حاول الصعود ، لكنه وقع وانكسرت ( رجله ) ، وعندما سأل جدته عن الألوان في السماء حذرته من النظر إليها ، وعندما عششت الخرافات في القرية وسرت شائعة النداهة فيها ، خبأته أمه في صدرها وطلبت منه عدم مغادرته ( صدرها ) ، لكن نجحت ( هي ) في وقف أمله في الصعود والطموح والرقي ، غير أن مكثه في سجنها ، أو في أغلال قيودها لم تدم طويلا ، رغم إصراره علي السكني ( في الدور العشرين ) ، وما أن سنحت فرصة الفرار ، أطلق ساقيه للريح ، أطلق العنان للطموح ، ولتكسير القيود ، ولتحطيم الماضي ، إنطلق نحو قوس قزح ، نحو تحقيق الانسجام النفسي الذي لا يتم إلا بتحقيق ذاته والانطلاق من القيود .
والجديد هنا ، دخول كلمات جديدة علي قاموس أيمن الشيخ ، مثل كلمة ( عيل ) ، ( إوعاك تسيبني ) والتي تعتبر غضافة حميدة ، حيث أضفت هذه الكلمات حميمية للفعل ، وتقريب للواقع المًصور ، فاستطاع بها أن يغرسنا في ( الدار ) في القرية بين الوالدة المستسلمة لغريزة الأمومة من جانب ، وللشائعات الريفية من جانب ، والجدة العائشة في توهمات الأجداد والجدات من خرافات السنين الفاعلة فعلها في تصرفاتهم وسلوكهم .
أما القصة الأخيرة التي قدمها أيمن الشيخ في موقع الورشة (زر بطاطا ) .فتروي – وأقول هنا لأول مرة تروي – قصة طبيب في لحظة إجراء عملية لرجل يتبين بجواره طفل ، يتذكر أباه الذي وضع زر البطاطا في النار حين سأله عما ينتوي فعله بعد الانتهاء من الثانوية العامة . وهنا أتراجع عما ذكرته كتعليق حول القصة حين قرأتها للمرة الأولي من أن العنوان لم يكن مناسبا ولا كاشفا للقصة ، إذ أن زر البطاطا كان مرتبطا بأول تفكير في امتهان مهنة الطب ، أي أنه كان بداية رحلة طويلة انتهت برؤية نفسه – الطبيب – في هذه اللحظة ، وعند ذكر ( اللحظة ) أعود وأؤكد علي ماسبق وقلته أيضا في التعليق حول القصة ، إذ القصة القصيرة لحظة ، ولو أن الكاتب بدأ بهذه اللحظة وعاد منها إلي موقف زر البطاطا مع والده لكانت القصة أكثر إحكاما وتركيزا – رغم براعته في التركيز – أما وقد بدأت القصة بحدث مر عليه عدة سنوات وسار بنا حتي لحظة التذكر تلك ، فقد استطال به الزمن ، وخرج به عن محدودية زمن القصة القصيرة .
وفي التهاية أستطيع القول أن موقع الورشة قدم لنا صوتا بالفعل متميز في القصة القصيرة ، له قدرة علي التركيز ، قدرة علي الإيصال ، قدرة علي إرغام قارئه علي المشارة الفعالة والإيجابية في خلق العمل ، وبدونه لا يكتمل .
04/15/2007 - 13:51
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
قراءتك الفاحصة لأعمال أيمن الشيخ قراءة تستحق الثناء و التقدير
فأيمن الشيخ منذ بدايته في تسعينيات القرن الماضي على قلة إنتاجه المدون إلا أنه استطاع أن يكون لنفسه معجماً خاصاً
معجماً لغويا و معجماً موضوعياً " لو جاز لي التعبير " فأنا أزعم أننى لم أقرأ لأيمن الشيخ قصة طويلة و انا الذي عاصرته منذ الكلمة الأولى
ربما لا يكون هذا المعجم كبيراً لكنه استطاع ببراعة توظيف هذه المفردات اللغوية و الموضوعية توظيفاً جماليا لا يشعرك أبداً بتكرارها
و أزعم أن سبب ذلك هو تلقائيته و عفويته في الكتابة
فقط إذا تخلى قليلاً عن كسله في الكتابة أعتقد أنه من الممكن أن يحتل مكانة جيدة في الكتابة
...
شكراً لقراءتك التي أمتعتني كثيراً
يتم بنفس الآلية التي إستقبلت بها قصيدة النثر التي شقت مجراها وفرضت وجودها، صحيح ان هناك من إستسهل الأمر وظن أن الحكاية سهلة وميسورة ، ولكن ذلك لا يعمم على التجارب العملاقة في هذا الفن كما هو الحال مع إبداع الأستاذ زكريا ثامر،أما الجانب الأخر من الموضوع فهوإختصار مسيرة القصة القصيرة في الورشة على مدار عام كامل بتجربة واحدة ، مع تقديري لإبداع الأخ أيمن، وكان االأولى الا يكون على الأقل عنوان المقالة مضلللا كما جاءت به حاليا
أاسجل ملاحظتي امام الدكتور احمد يحيى والذي كان من المفروض الا ينزل المادة بهذا العنوان ، وذلك اضعف الأيمان
برغم اعتراضى انا ايضا على عنوان المقال
الا انه نقد رائع جدا كما عودتتنا اناملك المبدعة دائما
ايمن الشيخ رغم ندرة اعمله هنا بالموقع .. الا انه قاص وكاتب يستحق التقدير
شكرا لك استاذى الكبير ... لك منى باقة ورود على هذا المجهود
تحياتى ،،،،،
دعاء
شوقي عبد الحميد
اكتنز جبالاً من المحبة والأحترام
وعرفاناً جليل
لكل لمسة من الجمال تدلنا على مكامن الأبداع
وانت قد أصبت في هذا الأتجاه
لك مني كبير الأعتبار
والأحترام المسور بالود والتبجيل
هادي الناصر
كم أخجلتني كلماتك الفياضة الجياشة بأكثر مما أستحق ، كما ألقت علي كاهلي
ما لا قدرة لي بحمله .
كل الشكر والعرفان . ودام الود والمحبة .
............................
الأخت الكريمة الرائعة / دعاء
كم أتلمس كلماتك التي دائما تبعث الحماس ومحاولة الإجادة .
ليتني أكون دائما عند حسن الظن .
دمت متألقة فياضة بالقراءات الجادة والممتعة في ذات الآن .
.......................
الأخ العزيز / د. أحمد
من كل قلبي أتمني لك دائما صفاء النفس ، ودوام محبة الآخرين .
والخروج من كل ضائقة بقوة أكبر ، وإبداع أجمل وأجمل .
دمت للشعر الجميل . ودمت للأصدقاء الذين أصبحت لهم مركزا للإشعاع والأمل .
........................
الضيف العزيز
أود أولا أن أهديك محبتي لتفضلك بالمرور والتعليق .
وثانيا : لم أقصر القصة القصيرة يا عزيزي علي القاص المبدع أيمن الشيخ
فقد سبقه دراسة عن الكاتب القاص محمد البلبال منذ نحو إسبوع .
وكما تفضل الصديق العزيز أحمد يحيي وشرفني بطلب الاستمرار كانت الدراسة عن أيمن
وعلي أمل استمرار دراسة الآخرين إن كان بالعمر بقية .
ثالثا : الأدب متعة يا سيدي ، وليس رسالة فقط ، وبالتغيب ( والتحبيب ) ومعذرة في اللفظ ،
يمكن إيصال الرسالة وبلوغ هدفها . فإذا ما تحولت القصة إلي سطر أو نصف سطر
حتي لو بذل فيها كاتبها جهدا للوصول إلي هذا التركيز ، فأين المتعة ؟
هذا بخلاف أشياء أخري كثيرة ، فضلا عن العديد مما يقال حول ما يسمي بقصيدة النثر ، وكم يسعدني استمرار النقاش حول الشكلين ، غير أن المكان لا يسمح .
تمنياتي الطيبة ، وأتمني أن أكون قد أزلت بعض اللبس .
منحتنى اليوم شرفا ارجو ان استحقة ,
ومنحنى احمد يحى شمعة اضات لى ظلمة فى حياتى
ومنحنى كل تعليق اوانتقاد دفعة اخرى للامام
اما كسلى عن الكتابة فليس دقيقا,فما منعنى عنكم الا عملى العلمى لنيل درجة الماجستير فى طب الاطفال,ولا اعرف ان كان من حسن حظى ام من سوؤة ان اتعامل مع فئة معينة من الاطفال المصابة بفشل فى عضلة القلب,فكل يوم يمريغيب
وجة منهم تاركا حفرة فى الذاكرة ووجع فى القلب ومدونة جديدة
ثم تاتى الرشة فتاخذنى معها لعالم اخر من الحياة والجمال,
كل الحب والتقدير لكل من خط حرفا بالورشة
رسالة قصيرة جدا لاحمديحى
من شاطىء البحر الى صاحب النوارس(عد)
بل على العنوان فقط " قصة الورشة القصيرة فى عام "
قد يتخيل للبعض - وانا منهم - عند قرأته للعنوان انها دراسة عن الورشة كموقع
وليست دراسة متضمنة جزئية من الموقع ... كان ممكن ان يكون العنوان
القصة القصيرة فى الورشة خلال عام ... هذا مجرد اقتراح ولك الحرية فى الاختيار
شكرا لسعة صدرك ومجهودك النبيل ... والشكر لاستاذ شوقى على تلك السلسة الرائعة
تحياتى ،،،،،
دعاء