You are here

الصفحة الرئيسية

قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً




قصة الورشة القصيرة ... في عام
محمد البلبال ... نموذجاً
شوقي عبد الحميد يحيى


القصة القصيرة هي فن التكثيف ، القدرة علي قول الكثير في التعبير القليل ، وقديما قالوا كلما ضاقت العبارة كلما اتسع المعني . وهو ما ينطبق علي نموذجنا اليوم بشكل بديع ونموذجي .
ففي موقع الورشة الثقافي ، وعلي مدار عام واحد ، قدم الموقع العديد من نماذج القصة القصيرة التي تمثل مشهد القصة القصيرة في العالم العربي الآن ، شرقه وغربه ، فكانت ساحة للحوار وساحة للعرض الذي يؤرخ للقصة القصيرة في مسيرتها الجادة والمعطاءة .
ولعل من أبرز ما قدمه الموقع من نماذج في هذا المجال ، القاص المبدع والمتميز بحق محمد البلبال ، الذي قدم العديد من النماذج القصصية الجادة والتي نستعرض بعضا منها في محاولة الاقتراب من عالمه المدهش الفوار .
محمد البلبال ، لست أعرف علي وجه اليقين إلي أي الأقطار العربية ينتمي / لكنه في النهاية كاتب عربي ، مهموم بقضايا الوطن العربي ، فيقول علي لسان راويه قي قصته المحكمة " البحث عن نهاية  : غطاء نحاسي كاشف للضوء، للحقيقة، على مساحة ورقة بيضاء تشبه في جغرافيتها وطننا العربي يرقد بجانبها قلم أسود . وكأنه يحدد بهذه العبارة دستوره ومنهجه في الكتابة . فلنبدأرحلتنا مع عالمه ونتعرف كيف تم ذلك .
تميز محمد البلبال بعالمه الذي يتناول العوالم التحتية ، تلك العاوالم التي لا تستطيع إيصال صوتها ، فيستنطقها ، ويتيح لها الفرصة في التعبير عن مواجعها .
في قصة " عتاب حذاء " يجسد معاناة الحذاء ، العائش دوما ( تحت ) أرجل البشر ، نراه وقد نطق بلسان الكائن الذي يحس ويشعر ، يتألم من دقات الإسكافي للمسامير فيه ، ولضغط أرجل بني البشر عليه ، كبيرهم وصغيرهم ، أميرهم وخفيرهم ، ولا أحد يحس به . وكم هو إحساس رهيف ولفتة فنانة من كاتب قادر علي إلتقاط الشاعري من اللفتات التي تصنع قصة ساحرة .
وفي قصة " الطائر الأمير" يبدأ الحس الجمعي لأوجاع الوطن . و في سطور قليلة ، وكلمات موحية مكثفة ، يجسد محمد البلبال قضية غزو العراق للكويت ، وما قال ذلك ، وما أشار إليه بصورة علنية . لكنه الفن ، يتعامل مع الكناية التي تشير بالإصبع الكبير نحو شئ ، وبطريقة خفية يشير الإصبع الأصغر نحو شئ آخر ، لكن إشارة الإصبع الصغير لا يراها إلا من دقق المظر . وفي قصة ذات لإسلوب شيق وبسيط ، رغم شدة التعقيد في خطابها ، يقدم قصة حطاب بسيط يسعي للوصول إلي عطايا الأمير ، لكن الأخير مشغول بالصيد ، يطلق طائره ( وربما بتروله ) لينقض عليه طائر جارح يدميه - لكنه لا يقتله - ، تتدخل المدرعات والمجنزرات والهليوكوبتر والمظليين لإنقاذ طائر الأمير ، ينجحون في الوصول إليه مصابا ، يدخل الطائر غرف الإنعاش ، ويمكث الحطاب حزينا بائسا محبطا .
فعلي الرغم من ضخامة القضية ، إلا أنها في ذات الوقت تجسد معاناة الإنسان البسيط الكادح المتمثل في الحطاب ، والذي غلفت حكايته حكاية القصة ، فبينما يدور صراع الكبار علي الترف واللهو ، يفشل هو في الحصول البسيط من الآمال ، فتبدأ القصة بهذه الجملة :
ان سألتم عني فانا أسكن في الوادي القريب من غابة الطيور والقردة، حطاب يحيى البؤس ويقطع الأخشاب ( حطاب يحيي البؤس ويقطع الأخشاب ) وتنتهي القصة بـ :
أما انا أيها القارئ الكريم فلم يسعفني الحظ كما وعدت زوجتي وأبنائي للحصول على قدر من المال الممزوج بالعرق والألم والأشواك، حتى أمل الاتصال بالأمير تبخرت مع جرح الطائر الأمير.
حيث يعود محبطا مهزوما منسلا من بين سيقان العماليق .
وفي المقابة بين قوله في بداية القصة ( أحسست بذكوريتي ) وقوله في نهايتها ( كما وعدت زوجتي وأبنائي ) ما يجسد ثقل المعاناة ، حيث تماهي إحساسه بذكوريته أمام زوجته ، وكم هو محطم ومدمر ذلك الإحساس الذي جسده محمد البابال في فنية وحرفية عالية .
وفي قصة " حضور المستحيل " ، حضور الزمن الفائت ، حضور الموتي إلي عالم اليوم ، عودة الميت إلي الحياة من جديد ، - ذلك هو المستحيل – . فإذا تصور شخص في ليلة شديدة حضور النجوم شديدة وطأة البرد ، أن فارسا كانت له قوته ، وكانت له (سلالات الدجاجة الأرجوانية والديك الأحمر عرفه الجميل كسهل متدرج الخطى والذي شكل له طيلة حياته رمزا لا ينسى ) ، وكان يعيش في خيمة يشدها خمسون وتدا . فماذا يري في عالمنا ؟
إنه واجد (دار وأسوار ) ، ولكنه لن يجد الفرس ، ولن يجد راكبه ، ولن يجد الدرع والبندقية ، لتبقي القصة  بكائية شديدة التركيز - مجسدة لأمة بكاملها باتت تعيش الخواء والانكسار والهزيمة - محكمة البناء ، رائعة التعبير ، عن زمن الفروسية الذي لم يعد موجودا .
المفتاح
قصيدة سرية ، دعوة لحرية المرأة ، لأن تملك مفاتيح حريتها ، لا تدعه لغيرها .
وعلي الرغم من جمال الإسلوب وشاعريته ، إلا أنها تقف بعيدا عن القصة التي يجيدها محمد البلبال ، حيث تغيب الحركة ، ويغيب التفاعل والتقابل ، التصاعد والتشابك ، ولتظل كما قلت ، قصيدة سردية .
ثم نصل إلي قصتة البحث عن نهاية ، نهاية الحرب ، نهاية إسقاط الحضارة العربية ، نهاية قصة يكتبها كاتب وهمي يدعي " فوكويامو " .
بغداد التي هدمها من قبل ( هولاكو ) ولم يكن في ذلك نهايتها ، وبغداد التي يهدمها الأمريكان الآن ، لن يكون أيضا نهاية لحضارتها ، حتي وإن قال " فوكوياما " بنهاية التاريخ .
إختار محمد البلبال اسما مشابها ل " فوكوياما " هو " فوكويامو " وكأنه يقول أن من قال بنهاية التاريخ لأسباب غير سقوط بغداد ، يستحضره البلبال من جديد ليكتب نهاية التاريخ ، ليس لسقوط بغداد أيضا ، وإنما لسقوط تمثال الرئيس ، هو بالطبع ينظر لسقوط التمثال هنا علي كونه رمزا لسقوط بغداد ، أو سقوط الأمة ، أو سقوط الحضارة . غير أن مسار القصة واختيار تلك النهاية يضعنا في وجه الكاتب معترضين ومتسائلين ،إذ كيف أن الحرب الكمبيوترية التي لا تبقي ولا تذر، والتي قتل فيها الشيوخ والطفال ، وتهدمت فيها المكتبات والحضارة ، تحطيم القاذفة لمكتبته ، وضياع مخطوطته ( مشروع القصة ) ، كل ذلك لم يقنعه بالوقوف مع شبيهه ( فوكوياما ) في خندق الاقتناع بنهاية التاريخ  ، ثم ينمو إلي علمه سقوط تمثال الرئيس ، وهنا ، هنا فقط يبدأ فوكويامو في تغيير  رأيه ليقذف بنفسه إلي خندق فوكوياما ، ويقتنع بنهاية التاريخ ، وهنا يبرز التساؤل وتعرينا الدهشة ، فسقوط تمثال الرئيس – حتي ولو كان الرمز – لا يمكن أن يكون هو النهاية ، في حين موت الصغار والكبار ، وحلول الدمار ، لم يكن نهاية للتاريخ !!!! . إن سقوط تمثال الرئيس ، أو حتي سقوط الرئيس نفسه ، - أكرر حتي لو كان رمزا للوطن – هو في النهاية فرد ، طاغية ، قاتل شعب . لذا فإن نهاية قصة محمد البلبال – في تصوري – هي التي لن يرضي عنها القارئ ، لا قصة فوكويامو ( القصة الداخلية ) . إلا أنني رغم الاختلاف في وخهات النظر من الناحية المضمونية ، فإنني لا أستطيع أن أخفي إعجابي بحرفية القصة ، وشدة تركيزها وإحكام .
وفي قصة " اغتيال علي ضوء قمر " يجسد البلبال في إسلوب شاعري وتركيز متميز قضية الأمة العربية في قصة فتاة اغتال الاستعمار الإسرائيلي والدها الشاعر ، والشاعر هو الحالم ، وطفلته القضية الفلسطينية ، مات الحالم ، تدفقت الدموع ، وتحركت المشاعر ، وما تحركت المشاعل ، صارت الطفلة بنتا تعيش في سجون الاحتلال ، بلا أسوار ، ولا زالت المشاعر ، ولا زالت الدموع ، وما تحرك ساكن في جسد أمتنا الهامد المستكين .
شكرا لموقع الورشة الثقافية أن قدمت إلينا هذا الصوت المتميز . وعلي أمل بلقاء مع أصوات أخري شدت في الورشة خلال عام ، فحولتها من ورشة إلي وردة تقدمها إلينا صباح كل يوم .

شوقي عبد الحميد يحيي
EM: shawkyshawky2004@yahoo.com
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
القسم: 

التعليقات

 
فقط لا أملك إلا التحية أستاذ شوقي
على وجودك الرائع معنا
و على عينك الفاحصة
و إن كنت أطمع في مزيد من الدراسات المستفيضة عن كتاب الورشة و أعمالهم
فلا شك ان العمل النقدي يثري العملية الغبداعية و يطورها ... و هو جل المراد من تداولنا للنصوص على الموقع ...
شكرا لك
و في انتظار الجديد...
أحمد يحيى
صورة أحمد يحيى
 
الأستاذ شوقي عبد الحميد يحي
تحية لك لتواجدك معنا
وتحية لهذه الكتابة عن المتميز محمد البلبال
إهتمامك يبعث الكثير من التفاؤل بأن ما يكتب محط إهتمام ودراسة
وحقيقة أن محمد البلبال متميز في كتابته
كل التقدير
وكن معنا دائما
دمت
فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن
 
الأخ الفاضل د. أحمد يحيي
لولا تميز الموقع وما يبذل فيه من جهد للوصول دائما نحو الجاد والحقيقي من الإبداع
لما وصل الموقع نجاحه المتصاعد حتي وصل إلي ما وصل إليه في عام واحد
وبالتعاون المستمر والمخلص بإذن الله يتواصل النجاح والتصاعد
دمت للشعر أولا
 وللإبداع عامة
الأخت الشاعرة الرقيقة الجميلة فاطمة محسن
كم أشكر لك مرورك الذي أسعدني
كل ما هو متميز وجديد في مجال الإبداع
إن لم يجد صدي لدي المهتمين والمشتغلين
فممن ينتظرون رد الفعل والشد علي الأيدي
معا جميعا نشعر بالدفء ونبدد وحشة الوحدة والفراغ
ومعا جميعا .. تكون الأعين والآذان والأفئدة
دمت شاعرة رقيقة
شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
 
الاستاذ شوقي عبد الحميد يحيى
تحية ود واكبار

اطلعت فعلا على هاته الدراسة المتميزة
وهي زريدة مهمة تنضاف الى سلسلة الاعمال النقدية والادبية العالمية

مزيدا من التالق مزيدا من النجاح للورشة واهلها
وكتابها المتميزين على الخصوص

محمد البلبال بوغنيم
محمد البلبال
صورة محمد البلبال
 
شوقي عبد الحميد يحيى

الناقد المتميز

للذكرى فقط اعدت قراءة دراستك المتميزة
واردت ان اقول لاخوتك كل عام وانت بخير
والورشة بخير
محمد البلبال
صورة محمد البلبال

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات