You are here
قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
قصة الورشة القصيرة في عام 3- الصوت النسائي
بعد سنوات طوال من الكبت و القهر ، وبعد إنفراجة غطاء الكبت وتسلل بعض نسائم الحرية ، وتسرب بعض روائح البوح ، اندفعت المرأة العربية بفتح شراعة غرفة النوم ليسمع بعض تأوهاتها المعلنة عن مكبوتات جسدها ، وانتهاكات الرجل له تارة ، وتارة عن هجره وترك غرائزها الجائعة تنهش وحدتها وتعض غربتها في بيتها ، فعمت ظاهرة ما عرف بكتابة الجسد ....
شوقي عبد الحميد يـحيى
مصر
مصر
واستمرأت بعضهن هذه
الكتابة ، إما كنوع من الثورة علي كبت السنين وإما كنوع من الاستمتاع
بحرية لم يرسخ في نفسها بعد أنها حصلت عليها ، وإما كنوع من محاولة اجتذاب
القارئ لتحقيق الشهرة والانتشار .
غير أن الكثيرات استطعن ، بفعل الممارسة والنضج تجاوز استخدام هذه المنطقة كنقطة نهائية ، واعتبرنها – في بعض الأحيان نقطة انطلاق نحو الأوسع والأعم نحو قضايا الحرية عامة ، كما عند أحلام مستغانمي ( ذاكرة الجسد ) وفضيلة الفاروق ( اكتشاف الشهوة ) من الجزائر ، ورجاء صانع ( بنات الرياض ) من السعودية . أو مستخدمة عاطفة الحب عامة نحو الوصول إلي قضايا أكثر عمومية وأوسع محيطا في مثل ( ذاكرة الرماد ) لإبتسام إبراهيم تريسي من سوريا ، أو مستخدمة هذه وتلك لتصرخ بصوت الوطن وتئن بمواجع أبنائه ، معرية سوءاته ، كاشفة عن خطاياه ، في محاولة لتحريك مياهه الراكدة كما في ( لهو الأبالسة ) لسهير المصادفة في مصر .
ومثلما كان في الرواية ، كان في القصة القصيرة ، فإن كان الكثيرمن المجموعات القصصية الورقية ، والكثير مما ينشر علي مواقع المنتديات العربية ينتمي لتلك البدايات ، فإن ما نشر من القصة القصيرة خلال العام الأول في الورشة جاء متجاوزا تلك المرحلة ، متسما بالنضج في الكثير منها ، متكئا علي البصمة النسائية في إيحاء وتخف يتناسب وطبيعة الكتابة الأدبية .
فإذا ما تابعنا أعمال " سوزان خواتمي " بإعتبارها أكثرهن تواجدا خلال العام ( خمس قصص ) . وهي تملك إسلوبا جميلا يجتذب القارئ للسباحة معها في المسافات الطويلة ، تعزف علي وتر الرومانسية الكاشف عن أعماق المرأة العربية ( نتبخر كأننا لم نكن ) الغيرة وسعي الفتاة للزواج ، ( فانتازيا الحب ) الحب الذي لابد ينتهي بالزواج والأولاد ، ( أحدنا كان يرتعش ) تجربة المرأة حين مغادرة الأولاد لهن لأول مرة – حتي لو كان للمدرسة . ومن هذه القصص نري أن القصة عندها تعني التجربة ، غير أن الزمن في القصة قد تفلت منها واتسع حتي تصبح القصة القصيرة - التي يعتبر الزمن من أهم خصائصها – قد أصبح تلخيص للرواية . غير أن ما تملكه من إسلوب شاعري جذاب كان قادرا علي تناسي القارئ لمرور الزمن – مما يجعلني أرجح أنها سورية - كما جاءت عملية الربط بين بداية القصة ونهايتها في قصة " الملفوف الساخن " جعل منها أفضل القصص الخمس ، حيث نجد العنوان قد ترجم القصة في كلمتبن صانعا بهما معادلا لرؤية الإنسان العربي للمرأة بشكل فني ممتع - حيث لا زالت تمتلك موهبة الإمتاع التي أراها من الوظائف الأساسية للأدب - .
رجل عادي يعمل سائقا لشاحنة ، يتزوج ممن حلم بها { منذ كانت تلعب علي رصيف الحارة ، وانتظرها بعين قلقة حتي تكور نهداها } ، صارت تذيقه من رحيق شهدها ، وشيطنتها تحت لحافه ما أوقعه في أسرها ، وفي لحظة حميمية ، تطلب منه ما تريد وتوسع من آماله وتطلعاته ، حتي ضاقت بهم حجرة السطوح ، لتنجح ( نجاح ) في إخراجه من جنتها وحرارة جسدها إلي جحيم صفعات الشرطة وبرودة بلاط حجزها وسجنها ، وعندما تأتيه هناك بملفوفها الساخن ، تفاجأ بصفعته المباغتة ، وهي لا تعلم أنه تصورها – بوصف الكاتبة لعودها الملفوف وحرارة شيطنتها تحت لحافه - أن رجال الشرطة سوف يلتهمونها هي ، لا الملفوف الساخن الذي جاءت به إليه .
فاستطاعت سوزان خواتمي بإسلوب موح شيق خلق التعادل بين نجاح ، وما تحمله لتعبر عن رفض الرجل الشرقي لأن يتناول ( طعامه ) غيره .
وتأتي الكاتبة ايناس البدران هي التالية من حيث عدد القصص ( أربع قصص ) .
وسط كوابيس الحياة وتثاقل وطأة الواقع علي النفس ، تهرب إيناس البدران إلي الحلم كمتنفس للهروب ، كما في قصة ( أول خيوط الفجر ) حيث يتقاتل الأخوة في فلسطين ( الفصائل الفسطينية ) وفي العراق بين أبناء الوطن والدين ( الشيعة والسنة ) ويصبح الصراع دراميا غير مفهوم ولا يخضع لمنطق ، فتتساءل إيناس البدران { لماذا تأكل القطة أبناءها ؟ } وتدور يعناها بحثا عن سؤال ولدته مقولة { إعرف عدوك } فتتساءل : من هو العدو ؟ وسط تيارات الموت المتلاحقة من كل الجهات ، وهل هو ميت أم حي ؟ .
كما تلجأ إيناس البدران إلي الحلم للهروب من الواقع كما في قصة " الشمس السوداء " التي تلجأ فيها إلي كوكب آخر كت تحمله ما قد لا تستطيع الجهر به في كوكبنا ، أو في أوطاننا في حيلة قديمة مستهلة .
القصة تحمل إسقاطا مباشرا علي الأوضاع العربية واستبداد الحكومات ، خالية من من الخيال ، سوي التصوير البسيط لحدوث الفعل في كوكب آخر ، كما تخلو من التركيز والتكثيف .
وكذلك في قصة " همس البحر " تأتي الفكرة التقليدية . الزوجة الشابة والزوج المقعد والحبيب المطارد الذي فقد زوجته في حادث سيارة ، في لقاء علي شاطئ البحر الذي لم يكن لوجوده أي تأثير علي مجريات الأحداث ( ولا أقول الحدث ) . مع التركيز والتكثيف الغائب والإسلوب العادي الذي لا يحمل أي مغامرة أو تميز .
أما في قصة " انعكاسات إمرأة " فيضاف إلي ما سبق ، قلق الكثير من الجمل والعبارت التي قد تأتي بلا معني ، أو تحمل التضاد في طياتها .
كما في { قطع سلسلة أفكارها دوي انفجار قريب نبه القلق المستيقظ فيها } حيث المستيقظ لا يحتاج لتنبيه ، فجات { المستيقظ فيها } مخلة بالمعني . و { انبجست الدموع الحبيسة من مقلتيها لتغسل خديها بكحل أكد بائعه لها بأنه ( ووتر بروف ) وأخذ لأجل هذا ما أخذ من نقود } . فأن تسيل الدموع في لحظة قلق تخلق شعورا وحالة نفسية لا تتمشي مع ذكر النقود في هيها ، ثم وأخذ لأجل هذا ما أخذ ، تعبير مختلق لا يخلق حالة واقعية تعطي الاحساس بالمعايشة . ثم { الكحل يجرح بزيفه عينين مازالتا تؤمنان بالجمال } فالكحل يجرح ، تقابل كان من الممكن أن تعطي مقابلة شعارية لو استخدمت بغير هذا الاستعمال غير الشاعري ، والعينان تؤمنان بالجمال ، تعبير لا يحتاج لتعليق ، وإخيرا { لا أمنية تقدر أن تعيش مدة الانتظار الأبدي } فهو تعبير غير موفق ولا يعطي أي صورة إبداعية .
أما الكاتبة نجاة عبد الله فقد قدمت قصتان " قبل ساعة من الآن " ، " في القلب " وأستطيع القول أنها كاتبة لها بصمة ، ولها إسلوب ، تستطيع المناورة والمداراة . لا تصل لهدفها مباشرة ، وإن كان بالإيجاز – ربما الحاد – الذي يمكن أن يجعل من نصوصها نصوصا مغلقة ، إلا علي من يتوصل لمفاتيحها ، ودائما لا تضعها في مكان واضح ، فهي تطلب من قارئها البحث عنها ، أن يبذل مجهودا ، فإذا بذله وصل ، وإن آثر الركون ، فلا شأن لها به .
تصور نجاة عبد الله حالة ، تدخل بها قارئها في تلك الحالة ، وعليه وصفها بنفسه ، لذا فهي لا تصرح ، ولا توضح ، فقط تدخلك حالاتها . تتنا ول ذات الموضوعات ، فقديما قالوا ( الأفكار ملقاة علي قارعة الطريق ) وكل يلتقطتها ، وما يفرق بين مبدع وآخر هو كيفية التناول ، وهو ما يحدد إسلوب الكاتب . فعناصر الكتابة قد لا تختلف كثيرا عما كان يكتبه الأقدمون ، وكانوا يكتبونه بإسلوب ربما لا نرتضيه اليوم ، ونحن نكتب – تقريبا – نفس الموضوعات ، ولكن الإسلوب هو الذي اختلف .
تكتب نجاة عبد الله عن احتياج الأنثي ومعاناتها مع الزوج المريض – نفس الموضوع الذي كتبته إيناس البدران في قصة " همس البحر " تقريبا ، وكتبته مني الشيمي – في غير موقع الورشة – وكتبته كثيرات غيرهن في أماكن كثيرة ، غير أنه في قصة " قبل ساعة من الآن " جاء مركزا متخفيا . احتياج المرأة للرجل المريض البخيل ، معاناة الوحدة – رغم وجود الزوج – الانفصال المعنوي بين الزوج والزوجة ، الجوع المادي . كل تلك المعاناة عبرت عنها نجاة عبد الله في تركيز شديد وإبهام غير ملغز . إلا أنها تقدم المفاتيح التي تكشف المخبوء خلف ستائر الإبداع الشفافة .
{ هرعت إلي الثلاجة لتخفي قطعة خبز عن عيني زوجها } { ثم بعد ذلك تغادر لتأكل وجبتها الصغيرة كأي قط في المطبخ } و { ذهبت مسرعة إلي الشرفة فكان زوجها يلتقط حبات الدواء } ثم { هالها ما رأت ، حشد من المؤخرات الناصعة البياض لنوارس تهجم علي شرائح اللحم ، وحشد آخر من الحمامات بمؤخرات رمادية } .
فمن هذه المفاتحي يمكن الخول إلي عالم النص ومعرفة بخل الزوج ومرضه ، ومن النص نتعرف علي قلق الزوجة وحنينها للموسيقي الكلاسيكية الناعمة ، معبرة عن الفراغ العاطفي ، ومن التعاطف مع الحمام ( رمز السلام ، والسلام هنا هو السلام النفسي الباحثة عنه الراوية ) ، ومن مؤخرات النوارس وهجومها علي اللحم ، ومؤخرات الحمام وهجومها علي الأرز ، ما يعبر عن الجوع ( والجوع المادي هنا تحديدا ) .
كل ذلك يعطينا لحظة متفجرة ، ويعطي حالة نفسية ، ترسم صراعا جوانيا ، رغم الضجر والملل والرتابة البادية علي السطح . ويعطي قصة تعبر عن وعي وتمرس بالقصة القصيرة .
وكاتبة أخري وفدت إلي الموقع مؤخرا ، هي الكاتبة مني الشيمي ، التي تابعت كتابتها منذ فترة ، وأستطيع القول أنها تواصل صعودها بنجاح ، وقصتها الوحيدة التي تدخل في نطاق العام الأول للورشة هي قصة " المفتاح " والتي لامست فيها القصة الإدريسية ( نسبة إلي يوسف إدريس ) فالقصة تنتمي للشكل الدائري ، التي تفجر اللحظة وكأنها بركان انفتحت فيه فتحة صغيرة ، فأخرجت حمما تطايرت في كل الاتجاهات وملأت المحيط من حولها حركة وصخبا .
تبدأ القصة باللحظة المشحونة علي وشك التفجر { اتخذ جسدي وضعا جنينيا ، خرجت منه مئات الإبر ، كقنفذ سشهر خوفه في وجه الخوف ............. } الجمل قصيرة سريعة تعطي الإحساس بالقلق والترقب والتأهب ، تضع القارئ علي حافة البركان ، تثير حفيظته وتمتلك انتباهه ، وحينما تستحوذ عليه وتطمئن لانتباهه ، تبدأ في الحكي ، وكأنها شهرزاد ، غير أنها لا تترك شهريار يستنيم ، فتزرع له بذرة التشويق التي تربطه بالنص فلا يغادر ، يبدأ الإيقاع في الحركة البطيئة ،تخبرنا الراوية أن صديقتها الحميمة انصرفت عنها ، دون مقدمات ، ودون معرفة الأسباب ، وتنتهي القصة دون أن نعرف نحن أيضا الأسباب ، نهاية مفتوحة تزيد من حيرة القارئ العادي ، وتدفعه لإعمال ذهنه ، وكأن الكاتبة تأبي أن تظل شهرزاد التقليدية ، ولكنها شهرزاد العصرية . وعند النهاية تعود الكاتبة لتسارع النبض ، نفس البداية ، ونفس الكلمات ، وهذا ما نسميه بالقصة الدائرية ، حيث تتكور علي نفسها ، وتحصر القصة في محيط اللحظة ، رغم ما قد يبدو علي السطح من امتداده الوهمي .
ويقف القارئ في النهاية ليواجه السؤال الأساسي بعد القراءة . ماذا يريد الكاتب أن يقول ؟
البداية تضعنا مباشرة في قلب ونهاية القصة . الحالة النفسية التي تعيشها الراوية وأجدني مضطرا لكتابتها كاملة :
{ اتخذ جسدي وضعا جنينيا ، خرجت منه مئات الإبر ، كقنفذ بشهر خوفه في وجه الخوف ............. لم يحدث أن شعرت بوخز حزن واحد ، بل كل حزن جديد كان إضافة لجبل أحزاني ، الذي كُتب عليّ أن أصعده لاهثة كل ليلة ، وأتدحرج من فوقه كل صباح ..}
إذن فهي حالة من الحزن المسيطر ، إنقباض لم تفصح الكاتبة عن مبرره ، وقد لا يكون له مبرر . ثم يأتي ذكر الراوية فيما بعد أن لها من الأسرار ما لم تبح به لصديقتها ، تحتفظ ببعض الأشياء لنفسها ، إذن فهي ليست بالصديقة الحقيقية ، وما هي إلا وهم الراوية ، فهي إذن صديقة متخيلة ، وليست من جنس البشر . وما رحلة الكاتبة من البداية غير شكوي للذات من عدم وجود الصديقة التي تسطيع البوح لها ، إنغلاق علي الذات ، استطاعت الكاتبة أن تحوله إلي خيالات ورؤي تتحرك وتوهمنا بوجودها ، بحركة وفورة وصنعة ، ثم ... متعة .
متعة القراءة الفعالة ، التي تحتفظ للكتابة ببهجتها ، وللقصة القصيرة رونقها .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM: shawkyshawky2004@yahoo.com
غير أن الكثيرات استطعن ، بفعل الممارسة والنضج تجاوز استخدام هذه المنطقة كنقطة نهائية ، واعتبرنها – في بعض الأحيان نقطة انطلاق نحو الأوسع والأعم نحو قضايا الحرية عامة ، كما عند أحلام مستغانمي ( ذاكرة الجسد ) وفضيلة الفاروق ( اكتشاف الشهوة ) من الجزائر ، ورجاء صانع ( بنات الرياض ) من السعودية . أو مستخدمة عاطفة الحب عامة نحو الوصول إلي قضايا أكثر عمومية وأوسع محيطا في مثل ( ذاكرة الرماد ) لإبتسام إبراهيم تريسي من سوريا ، أو مستخدمة هذه وتلك لتصرخ بصوت الوطن وتئن بمواجع أبنائه ، معرية سوءاته ، كاشفة عن خطاياه ، في محاولة لتحريك مياهه الراكدة كما في ( لهو الأبالسة ) لسهير المصادفة في مصر .
ومثلما كان في الرواية ، كان في القصة القصيرة ، فإن كان الكثيرمن المجموعات القصصية الورقية ، والكثير مما ينشر علي مواقع المنتديات العربية ينتمي لتلك البدايات ، فإن ما نشر من القصة القصيرة خلال العام الأول في الورشة جاء متجاوزا تلك المرحلة ، متسما بالنضج في الكثير منها ، متكئا علي البصمة النسائية في إيحاء وتخف يتناسب وطبيعة الكتابة الأدبية .
فإذا ما تابعنا أعمال " سوزان خواتمي " بإعتبارها أكثرهن تواجدا خلال العام ( خمس قصص ) . وهي تملك إسلوبا جميلا يجتذب القارئ للسباحة معها في المسافات الطويلة ، تعزف علي وتر الرومانسية الكاشف عن أعماق المرأة العربية ( نتبخر كأننا لم نكن ) الغيرة وسعي الفتاة للزواج ، ( فانتازيا الحب ) الحب الذي لابد ينتهي بالزواج والأولاد ، ( أحدنا كان يرتعش ) تجربة المرأة حين مغادرة الأولاد لهن لأول مرة – حتي لو كان للمدرسة . ومن هذه القصص نري أن القصة عندها تعني التجربة ، غير أن الزمن في القصة قد تفلت منها واتسع حتي تصبح القصة القصيرة - التي يعتبر الزمن من أهم خصائصها – قد أصبح تلخيص للرواية . غير أن ما تملكه من إسلوب شاعري جذاب كان قادرا علي تناسي القارئ لمرور الزمن – مما يجعلني أرجح أنها سورية - كما جاءت عملية الربط بين بداية القصة ونهايتها في قصة " الملفوف الساخن " جعل منها أفضل القصص الخمس ، حيث نجد العنوان قد ترجم القصة في كلمتبن صانعا بهما معادلا لرؤية الإنسان العربي للمرأة بشكل فني ممتع - حيث لا زالت تمتلك موهبة الإمتاع التي أراها من الوظائف الأساسية للأدب - .
رجل عادي يعمل سائقا لشاحنة ، يتزوج ممن حلم بها { منذ كانت تلعب علي رصيف الحارة ، وانتظرها بعين قلقة حتي تكور نهداها } ، صارت تذيقه من رحيق شهدها ، وشيطنتها تحت لحافه ما أوقعه في أسرها ، وفي لحظة حميمية ، تطلب منه ما تريد وتوسع من آماله وتطلعاته ، حتي ضاقت بهم حجرة السطوح ، لتنجح ( نجاح ) في إخراجه من جنتها وحرارة جسدها إلي جحيم صفعات الشرطة وبرودة بلاط حجزها وسجنها ، وعندما تأتيه هناك بملفوفها الساخن ، تفاجأ بصفعته المباغتة ، وهي لا تعلم أنه تصورها – بوصف الكاتبة لعودها الملفوف وحرارة شيطنتها تحت لحافه - أن رجال الشرطة سوف يلتهمونها هي ، لا الملفوف الساخن الذي جاءت به إليه .
فاستطاعت سوزان خواتمي بإسلوب موح شيق خلق التعادل بين نجاح ، وما تحمله لتعبر عن رفض الرجل الشرقي لأن يتناول ( طعامه ) غيره .
وتأتي الكاتبة ايناس البدران هي التالية من حيث عدد القصص ( أربع قصص ) .
وسط كوابيس الحياة وتثاقل وطأة الواقع علي النفس ، تهرب إيناس البدران إلي الحلم كمتنفس للهروب ، كما في قصة ( أول خيوط الفجر ) حيث يتقاتل الأخوة في فلسطين ( الفصائل الفسطينية ) وفي العراق بين أبناء الوطن والدين ( الشيعة والسنة ) ويصبح الصراع دراميا غير مفهوم ولا يخضع لمنطق ، فتتساءل إيناس البدران { لماذا تأكل القطة أبناءها ؟ } وتدور يعناها بحثا عن سؤال ولدته مقولة { إعرف عدوك } فتتساءل : من هو العدو ؟ وسط تيارات الموت المتلاحقة من كل الجهات ، وهل هو ميت أم حي ؟ .
كما تلجأ إيناس البدران إلي الحلم للهروب من الواقع كما في قصة " الشمس السوداء " التي تلجأ فيها إلي كوكب آخر كت تحمله ما قد لا تستطيع الجهر به في كوكبنا ، أو في أوطاننا في حيلة قديمة مستهلة .
القصة تحمل إسقاطا مباشرا علي الأوضاع العربية واستبداد الحكومات ، خالية من من الخيال ، سوي التصوير البسيط لحدوث الفعل في كوكب آخر ، كما تخلو من التركيز والتكثيف .
وكذلك في قصة " همس البحر " تأتي الفكرة التقليدية . الزوجة الشابة والزوج المقعد والحبيب المطارد الذي فقد زوجته في حادث سيارة ، في لقاء علي شاطئ البحر الذي لم يكن لوجوده أي تأثير علي مجريات الأحداث ( ولا أقول الحدث ) . مع التركيز والتكثيف الغائب والإسلوب العادي الذي لا يحمل أي مغامرة أو تميز .
أما في قصة " انعكاسات إمرأة " فيضاف إلي ما سبق ، قلق الكثير من الجمل والعبارت التي قد تأتي بلا معني ، أو تحمل التضاد في طياتها .
كما في { قطع سلسلة أفكارها دوي انفجار قريب نبه القلق المستيقظ فيها } حيث المستيقظ لا يحتاج لتنبيه ، فجات { المستيقظ فيها } مخلة بالمعني . و { انبجست الدموع الحبيسة من مقلتيها لتغسل خديها بكحل أكد بائعه لها بأنه ( ووتر بروف ) وأخذ لأجل هذا ما أخذ من نقود } . فأن تسيل الدموع في لحظة قلق تخلق شعورا وحالة نفسية لا تتمشي مع ذكر النقود في هيها ، ثم وأخذ لأجل هذا ما أخذ ، تعبير مختلق لا يخلق حالة واقعية تعطي الاحساس بالمعايشة . ثم { الكحل يجرح بزيفه عينين مازالتا تؤمنان بالجمال } فالكحل يجرح ، تقابل كان من الممكن أن تعطي مقابلة شعارية لو استخدمت بغير هذا الاستعمال غير الشاعري ، والعينان تؤمنان بالجمال ، تعبير لا يحتاج لتعليق ، وإخيرا { لا أمنية تقدر أن تعيش مدة الانتظار الأبدي } فهو تعبير غير موفق ولا يعطي أي صورة إبداعية .
أما الكاتبة نجاة عبد الله فقد قدمت قصتان " قبل ساعة من الآن " ، " في القلب " وأستطيع القول أنها كاتبة لها بصمة ، ولها إسلوب ، تستطيع المناورة والمداراة . لا تصل لهدفها مباشرة ، وإن كان بالإيجاز – ربما الحاد – الذي يمكن أن يجعل من نصوصها نصوصا مغلقة ، إلا علي من يتوصل لمفاتيحها ، ودائما لا تضعها في مكان واضح ، فهي تطلب من قارئها البحث عنها ، أن يبذل مجهودا ، فإذا بذله وصل ، وإن آثر الركون ، فلا شأن لها به .
تصور نجاة عبد الله حالة ، تدخل بها قارئها في تلك الحالة ، وعليه وصفها بنفسه ، لذا فهي لا تصرح ، ولا توضح ، فقط تدخلك حالاتها . تتنا ول ذات الموضوعات ، فقديما قالوا ( الأفكار ملقاة علي قارعة الطريق ) وكل يلتقطتها ، وما يفرق بين مبدع وآخر هو كيفية التناول ، وهو ما يحدد إسلوب الكاتب . فعناصر الكتابة قد لا تختلف كثيرا عما كان يكتبه الأقدمون ، وكانوا يكتبونه بإسلوب ربما لا نرتضيه اليوم ، ونحن نكتب – تقريبا – نفس الموضوعات ، ولكن الإسلوب هو الذي اختلف .
تكتب نجاة عبد الله عن احتياج الأنثي ومعاناتها مع الزوج المريض – نفس الموضوع الذي كتبته إيناس البدران في قصة " همس البحر " تقريبا ، وكتبته مني الشيمي – في غير موقع الورشة – وكتبته كثيرات غيرهن في أماكن كثيرة ، غير أنه في قصة " قبل ساعة من الآن " جاء مركزا متخفيا . احتياج المرأة للرجل المريض البخيل ، معاناة الوحدة – رغم وجود الزوج – الانفصال المعنوي بين الزوج والزوجة ، الجوع المادي . كل تلك المعاناة عبرت عنها نجاة عبد الله في تركيز شديد وإبهام غير ملغز . إلا أنها تقدم المفاتيح التي تكشف المخبوء خلف ستائر الإبداع الشفافة .
{ هرعت إلي الثلاجة لتخفي قطعة خبز عن عيني زوجها } { ثم بعد ذلك تغادر لتأكل وجبتها الصغيرة كأي قط في المطبخ } و { ذهبت مسرعة إلي الشرفة فكان زوجها يلتقط حبات الدواء } ثم { هالها ما رأت ، حشد من المؤخرات الناصعة البياض لنوارس تهجم علي شرائح اللحم ، وحشد آخر من الحمامات بمؤخرات رمادية } .
فمن هذه المفاتحي يمكن الخول إلي عالم النص ومعرفة بخل الزوج ومرضه ، ومن النص نتعرف علي قلق الزوجة وحنينها للموسيقي الكلاسيكية الناعمة ، معبرة عن الفراغ العاطفي ، ومن التعاطف مع الحمام ( رمز السلام ، والسلام هنا هو السلام النفسي الباحثة عنه الراوية ) ، ومن مؤخرات النوارس وهجومها علي اللحم ، ومؤخرات الحمام وهجومها علي الأرز ، ما يعبر عن الجوع ( والجوع المادي هنا تحديدا ) .
كل ذلك يعطينا لحظة متفجرة ، ويعطي حالة نفسية ، ترسم صراعا جوانيا ، رغم الضجر والملل والرتابة البادية علي السطح . ويعطي قصة تعبر عن وعي وتمرس بالقصة القصيرة .
وكاتبة أخري وفدت إلي الموقع مؤخرا ، هي الكاتبة مني الشيمي ، التي تابعت كتابتها منذ فترة ، وأستطيع القول أنها تواصل صعودها بنجاح ، وقصتها الوحيدة التي تدخل في نطاق العام الأول للورشة هي قصة " المفتاح " والتي لامست فيها القصة الإدريسية ( نسبة إلي يوسف إدريس ) فالقصة تنتمي للشكل الدائري ، التي تفجر اللحظة وكأنها بركان انفتحت فيه فتحة صغيرة ، فأخرجت حمما تطايرت في كل الاتجاهات وملأت المحيط من حولها حركة وصخبا .
تبدأ القصة باللحظة المشحونة علي وشك التفجر { اتخذ جسدي وضعا جنينيا ، خرجت منه مئات الإبر ، كقنفذ سشهر خوفه في وجه الخوف ............. } الجمل قصيرة سريعة تعطي الإحساس بالقلق والترقب والتأهب ، تضع القارئ علي حافة البركان ، تثير حفيظته وتمتلك انتباهه ، وحينما تستحوذ عليه وتطمئن لانتباهه ، تبدأ في الحكي ، وكأنها شهرزاد ، غير أنها لا تترك شهريار يستنيم ، فتزرع له بذرة التشويق التي تربطه بالنص فلا يغادر ، يبدأ الإيقاع في الحركة البطيئة ،تخبرنا الراوية أن صديقتها الحميمة انصرفت عنها ، دون مقدمات ، ودون معرفة الأسباب ، وتنتهي القصة دون أن نعرف نحن أيضا الأسباب ، نهاية مفتوحة تزيد من حيرة القارئ العادي ، وتدفعه لإعمال ذهنه ، وكأن الكاتبة تأبي أن تظل شهرزاد التقليدية ، ولكنها شهرزاد العصرية . وعند النهاية تعود الكاتبة لتسارع النبض ، نفس البداية ، ونفس الكلمات ، وهذا ما نسميه بالقصة الدائرية ، حيث تتكور علي نفسها ، وتحصر القصة في محيط اللحظة ، رغم ما قد يبدو علي السطح من امتداده الوهمي .
ويقف القارئ في النهاية ليواجه السؤال الأساسي بعد القراءة . ماذا يريد الكاتب أن يقول ؟
البداية تضعنا مباشرة في قلب ونهاية القصة . الحالة النفسية التي تعيشها الراوية وأجدني مضطرا لكتابتها كاملة :
{ اتخذ جسدي وضعا جنينيا ، خرجت منه مئات الإبر ، كقنفذ بشهر خوفه في وجه الخوف ............. لم يحدث أن شعرت بوخز حزن واحد ، بل كل حزن جديد كان إضافة لجبل أحزاني ، الذي كُتب عليّ أن أصعده لاهثة كل ليلة ، وأتدحرج من فوقه كل صباح ..}
إذن فهي حالة من الحزن المسيطر ، إنقباض لم تفصح الكاتبة عن مبرره ، وقد لا يكون له مبرر . ثم يأتي ذكر الراوية فيما بعد أن لها من الأسرار ما لم تبح به لصديقتها ، تحتفظ ببعض الأشياء لنفسها ، إذن فهي ليست بالصديقة الحقيقية ، وما هي إلا وهم الراوية ، فهي إذن صديقة متخيلة ، وليست من جنس البشر . وما رحلة الكاتبة من البداية غير شكوي للذات من عدم وجود الصديقة التي تسطيع البوح لها ، إنغلاق علي الذات ، استطاعت الكاتبة أن تحوله إلي خيالات ورؤي تتحرك وتوهمنا بوجودها ، بحركة وفورة وصنعة ، ثم ... متعة .
متعة القراءة الفعالة ، التي تحتفظ للكتابة ببهجتها ، وللقصة القصيرة رونقها .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM: shawkyshawky2004@yahoo.com
04/29/2007 - 02:26
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
جميل ما تناولته هنا من أقلام أحبها كثيرا.
مودتي
لبنى ياسين