ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
قُبلة الحياة
الخميس, 01/17/2008 - 04:39 | منى الشيمى
( رواية فــؤاد قنديل )
دراسة بقلم: منى الشيمي
ما أكثر الأمنيات، لكن الواقع شيء آخر. هذا ما جسدته رواية(( قبلة الحياة)) للكاتب فؤاد قنديل. فنحن نخلق من أمانينا حياة موازية تماما للحياة التي نعيشها، وتكون الدافع الفعلي لاستمرار هذه الحياة. إما أن تتحقق وتتقاطع حياتنا الموازية المتخيلة مع حياتنا الحقيقة فتنطلق شرارة الفرح، أو لا يحدث هذا التقاطع ونظل في لهاث وراء شيء غامض، وعلى الرغم من كل شيء تستمر الحياة.
الرواية تدور حول علاقة بين(( ندى)) و((رؤوف)). كل منهما يرغب في الزواج بالآخر، لكن الظروف كالريح غير المواتية، ومن خلال تطور هذه العلاقة تستعرض الرواية واقع الحال، والظروف المحيطة بكل عفوية، فإذا كان علاء الأسواني يقول في حواره الأخير، والمنشور في الشرق جريدة الشرق الأوسط:
((مع تقديري لكل الآراء التي تناولت الرواية بالنقد والتحليل، إلا انني ومنذ سنوات طويلة أرفض فكرة أن الرواية تعبر عن الحالة الاجتماعية والسياسية لوطن في مرحلة ما. فالرواية عمل أدبي في المقام الأول والأخير، وأنا أؤمن بأن الرواية تقدم لنا حياة تشبه حياتنا وأشخاصا يشبهوننا، ولكنها ليست انعكاسا لأي حالة اجتماعية أو سياسية.))*(1)
أختلف مع علاء الأسواني في هذا الرأي ، فالرواية هي قطاع طولي وأفقي من حيوات نماذج حقيقية من البشر، لذا هي وإن لم يقصد الكاتب هذا، تعتبر تأريخا لهؤلاء البشر. خاصة وإن المؤرخين غير معنيين بتدوين هذا التاريخ، حقيقة الرواية ليست كل تاريخهم، لكنها المعبر الأساسي والصورة الحقيقية لهذا التاريخ.
وإذا افترضنا الصدق في كاتب الرواية، وفي كونه يستقي مادته الحكائية من الواقع المعيش( لن أنكر عليه استعمال الخيال، لكن وكما قال جلال الدين الرومي : ليس هناك خيال بدون حقيقة ) فليس أصدق من الرواية الآن للحصول على صورة صادقة لأي مجتمع.
لذا ومن خلال فكرة بسيطة جدا، وهي محاولة الإبقاء على العلاقة بين ندى ورؤوف، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تمرر لنا الرواية أفكاراً في غاية الجرأة، وإذا كانت الكتابة في هذه الموضوعات مجردة تعرض كاتبها لعصا التقريع وريح الصفع، فإن الرواية مازالت قادرة على أن تمرر الأفكار الخطرة تحت مسميات بريئة ، وفي هذا نجد أن رواية قبلة الحياة قد لامست هذه الأفكار ومررتها في أكثر من مكان فمثلا نجد في صفحة( 234) حوار لضابط شرطة :
" وقال لي أحد الضباط الكبار: افعل ما تشاء فبلادنا تسمح بحرية الرأي.. المهم ألا تذكر الرئيس بشعرة سوء أو بذرة إهانة، ونحن والحمد لله لم نفعل ولا يجب أن نفعل ، ليس لأنه الرئيس لكن لأنه رجل طيب/ وهذا ما يعتقده الكثير من البسطاء ، وإن كانوا في عز سخطهم على الحياة، يقولون كما يقول الرئيس:
- الأزمة دولية .. تعانيها كل الشعوب.
ولما كان هؤلاء البسطاء لم يروا أي شعب آخر فهم يعتقدون أن كل الشعوب مثلنا ، بل على العكس نحن أحسن بمراحل، يكفي أن يشاهدوا العراق وفلسطين أو أثيوبيا والصومال".
امتلأت الرواية بهكذا حوارات من نبض المعاناة ومن معين الحقيقة. حتى النكات كانت كانت ساخرة جدا، فصديقة رؤوف، المرأة الساقطة التي لم يمنعه حب ندى من معرفتها لم يمنعها هذا من التندر بما وصلت إليه الحالة في مصر :
قالت : ألم تصلك الأخبار الجديدة ؟؟ سألها فقالت : إن رئيس الحكومة أصدر قرارا بجعل الدورة الشهرية للنساء مرتين في الشهر.. دهشت وحاولت أن أفهم فسألتها .. ولماذا أصدر رئيس الحكومة قراره ؟؟
- ابنه يا سيدي سيفتح مصنعا لحفاضات النساء.صفحة ( 9 )
وهو ما أكده حامد أبو أحمد في حديثه عن الراوية يقول:من كتب هذه الرواية أراد أن يوضح لنا أين المخرج وإلى أين نتجه؟ ولا شك انه امتلك جرأة شديدة لمناقشة كل هذه المسائل.( من ندوة عن الرواية بأتلييه القاهرة )
العلاقة بين اثنين ليست دائرة مغلقة عليهما، بل يجب أن ندرك أن الفرد في ذاته متصل بأشخاص عديدين، فـ((ندى)) ليست عربة قطار منفصلة، لكنها مشبوكة بسلسلة طويلة من العربات، كل عربة أحدوثه في حد ذاتها وهكذا ((رؤوف))، فكل منهما يرتبط بعائلة، وكل فرد من هذه العائلة قد يكون نموذجاً مستقلاً بذاته ومعبراً عن شريحة عريضة من شرائح المجتمع، دون إحالة إلى الواقع بشكل مطابق، بل تترك الشخصية مساحة لتخيل القاري ، جزء من الحلقة غير مكتمل ، من حق القارئ أن يكمله بنفسه، وعلى الرغم من استخدام الكاتب لهذه التقنية، إلا أنه لم يسقط في التنميط الذي قد يصاب به كتاب الرواية بهذه الطريقة، فإذا شعرت أن هذه الشخصية تعرفها، فليس لأنها نمطية، بل لأنها شخصية التقيتها في حياتك اليومية، وتعايشت معها. وقد تكون أنت أيضا.
ومن خلال عائلة ندى تستعرض الرواية شخصيات أخرى متعددة، أخوها (خضر) الذي دفعه الإحباط للّجوء إلى الجماعات الإرهابية، معتقدا أنه الطريق الصحيح، والآخر (( سمير )) الذي حاول أن يصل إلى عالم رجال المال والأعمال فانتهى إلى النصب والاحتيال، وأصبح مطاردا من البوليس، (( سامي )) الذي أكرمه الحظ فحصل على مجموع مرتفع في الثانوية العامة فجعل الأب يبتسم أخيرا ويستبشر خيرا، فإذا كان الإحباط يحيط بالأب من جهاته الأربع ويدعوه للألم، فلم لا يفرح إذا كان ابنه الأخير على وشك تحقيق نجاح ما في حياة لم يحظ فيها أحد من أبنائه السابقين بأي نجاح، هذا النجاح وإن كان على كف عفريت مايزال، فهو الحافز الذي يجعل من الحياة القادمة ممكنة، ويجعل من الآلام السابقة في خبر كان، بل يوجد المبرر للآلام المستقبلية إن وجدت، ومن خلال هذه الرؤية، يحاول أن يقدم لنا الكاتب سلسلة من الخيبات يحتملها أصحابها أملا في هذا النجاح الصغير، والذي قد يساعدهم على الاحتمال.
ومن خلال شخصية رؤوف نتعرف على إخوته. بعضهم شخصيات انهزامية وبعضهم شخصيات تحترف الهروب كرؤوف نفسه . فعلى لسان أخيه نقرأ في الصفحة (65) فقرة تقول :
" رؤوف فر مبكرا من الحي الغارق في المجاري لأن المواسير دائما تنفجر".
وإلى أين فر رؤوف ؟؟ سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا على طول الرواية . فرؤوف فر من فقر إلى فقر آخر. ولم يستطع أن يحقق ذاته أو ربع ما حلم به، فهو تخرج بتفوق من الجامعة . لكنه لم يعين معيداً لأن ابن زوجة العميد هو من سيحتل المنصب . تكملة الدراسات العليا بنفقات باهظة ، يضطره إلى التفكير في إعطاء دروس خصوصية . وهو محروم من أبسط حقوقه وهو اختيار موضوع الماجستير فلقد فرض عليه الأستاذ موضوعا بعينه، وضع الفلاح في العصر العثماني . وكأنه اختار لنا استعراض وضع الفلاح المصري في ظل الاحتلال، ويقول لنا بطريقة غير مباشرة إن وضع الفلاح تحت نير الاستعمار والمحتل لم يختلف عن وضع الفلاح تحت الاستقلال الذي نعيشه والديموقراطية والحرية وكل الشعارات التي نحيا من خلالها ثم نلاحظ أن الكاتب يستعرض الفساد بعفوية كأنه لا يقصدها على لسان أخيه أيضا وهو من الشخصيات التي تكمل الصورة الكلية للرواية ، ليوضح لنا أن الفساد له مبرراته عند من يقوم بهذا الفعل فنجده يكمل في نفس الصفحة :
" لكن المقاول الذي بناها( المجاري ) من الأساس كان في الأصل بائع بليلة وفشار .. لم يعجبه كاره . والفشار تأخر عليه في الثراء فقرر دخول عالم المقاولات ، وكان الصرف الصحي في حينا ينتظره كي ينطلق في مشروع النهب بدءا من مدرسة مبارك الإعدادية مرورا بالمساكن الشعبية ".
كذلك نتعرف على أخته نوال التي تعاني وحيدة بعد رحيل زوجها في تربية الأبناء. شقاوة الكبير وعفرتة الآخر وتشابه أحدهم مع رؤوف، تشابهه مع خاله كان مدعاه لحب خاله له. هي نماذج حقيقية، غير موشومة بخاتم الاختلاف . لم يحتج الكاتب إلى نماذج مختلفة ليزج بها في روايته لتبهرنا ، تكمن الدهشة في هذه الرواية من مطابقة تلك المشاهد وهذه الشخوص مطابقة تكاد تكون كاملة مع نماذج الحياة. دون الإحالة على شخصيات بعينها ليؤكد لنا أن هذه الشخصيات حقيقة، ولا تتشابه في قريب أو بعيد مع شخصيات أخرى في روايات أخرى، بل هي شخصيات من لحم ودم وتكاد تنبض بالحياة . لذا لا تملك سوى التعاطف معها أو الحنق عليها . وكلتا الحالتين تجعل من العمل عملا ناجحا وقريبا من عقل القارئ وقلبه.
يقول عبد الوهاب المسيري عن الإبداع: "هو إيجاد رابط لأشياء لا رابط بينها "*( 2) ما الرابط الذي من الممكن أن يجمع في رواية واحدة بين جامع فضلات ( زبال ) وبين رجل من كبار رجال الأعمال ، بين صحفي يبحث عن الفساد ويكتب عنه التحقيقات وبين شاب يبحث في الإنترنيت عن وضع الفلاح المصري في العصر العثماني فلا تستوقفه سوى أفلام البرنو نظرا للحرمان الذي يعانيه الشباب في مصر في ظل الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الطاحنة. الإبداع في الرواية هو إيجاد أشخاص يقومون مقام الخيط الذي ينظم الحبات في المسبحة ليظهر لنا في النهاية بناء متكاملا لا زيادة فيه ولا نقصان . وإذا كان الكاتب قد جعل من كل فصل قصة قصيرة قد تقرأ مستقلة بذاتها وتعتبر ثقباً للتلصص منه على حياة مغايرة لما قبله ولما سوف يجيء بعده ، فكما قلت سابقا ، لا غنى للرواية عن فصل من الفصول . حيث إن كل شخصية من شخصيات الرواية ، والتي أدرج لها الكاتب فصلا أو عدة فصول لا غنى عنها في اكتمال الشكل النهائي للمجتمع الآن.
هذه الرواية من وجهة نظري قطعت علاقتها برواية نجيب محفوظ في شكلها التقليدي وقطعت علاقتها برواية جيل الستينات ، وهي شكل جديد في الرواية المصرية ، فلقد شهدت الساحة الادبية في التسعينات اختلافاً في أسلوب وتقنية الراوية عن ذي قبل ، بل وأصحبت اللغة والتقنية دعامتين أساسيتين في تبلور العمل الأدبي وأحد أسباب نجاحه، حيث يتيح الكاتب لكل شخصية أن تتحدث بمقدار معين ، هذا المقدار يشبه لون الخلفية في اللوحة ، يساعد على إبراز الصورة المراد إلقاء الضوء عليها. ولا يطغي عليها أو يجور على تفاصيلها. فإذا كان علاء الأسواني أحد كتاب الجيل الجديد في مصر قد حرص عند كتابته عمارة يعقوبيان على الشكل التقليدي للرواية وهو كما يقول الدكتور صبري حافظ في دراسة عن عمارة يعقوبيان في جريدة الكلمة :
أمر قد تجاوزته الكتابة الروائية في العالم كله وفي مصر ،فعمارة يعقوبيان قد خيبت أملي في تسعينيتها، *( 3 )
فإن فؤاد قنديل لم يخضع الرواية للشكل التقليدي ولا للبناء ويدعي – بكل عفوية – عدم فهم ما يحدث من تغيرات في المجتمع ويستخدم لغة تساعد القارئ على التلصص على شخوص الرواية وتكوين بعد ثالث لكل شخصية .
منذ البداية كانت الرواية حريصة على خلق نوع من الازدواجية في كل شخصية. فهذه صورة رؤوف التي تعرفها ندى . وهذه صورة رؤوف التي تعرفها عائلته ، وهذه صورة رؤوف مع أصدقائه ، وهذه صورة رؤوف الحقيقية التي يراها القارئ من علِّ، ويشارك في صنعها حينا والتستر عليها حينا، وفي الحقيقة،الكاتب كان حريصا على أن يجعل القارئ هو الشخص الوحيد العالم بكل جوانب الشخصية، كأنه متواطئ معها. وهي أقوى أنواع الكتابة من وجـــهة نظري.
في النهاية تستعرض روح طيبة شخصية الفلاح المصري في أزهى عصوره ، عندما كان فصيح عصره وأوانه ويطرح هذا الفصل تساؤلاً ما، ما الذي جعل المصري الآن مختلفا عما كان عليه قديما؟؟ وما الذي يحتاجه ليعود كما كان نابضا بالحياة قادرا على التغيير ؟؟. لو عاد الموتى العظام، هل ستتغير بهم الحياة؟؟ ثورة الموتى، الفنتازيا في نهاية الرواية لم تكن الحل الذي ارتكن إليه الكاتب ، بل كان تساؤلا ، هل يستطيع الموتى إعادة الحياة، قبلة الحياة. هذا العنوان الذي قد يكون علاجا لكل الصور التي تترى في الرواية دون توقف ، تهدر بشاعتها، ربما كل الصور ميتة أو شبه ميتة ، تحتاج منا إلى قبلة لتعيدها إلى الحياة، تلك القبلة التي تساعد على إنقاذ المريض من موت محقق. ربما، فالرواية لا تقدم حلولا وإنما تترك للقاري استعراض البانوراما كاملة وعليه هو أن يحكم ، وعليه أن يضع الحدود ، فالرواية تتوقف هنا ليكمل القارئ كما يهوى الصورة .
الرواية تدور حول علاقة بين(( ندى)) و((رؤوف)). كل منهما يرغب في الزواج بالآخر، لكن الظروف كالريح غير المواتية، ومن خلال تطور هذه العلاقة تستعرض الرواية واقع الحال، والظروف المحيطة بكل عفوية، فإذا كان علاء الأسواني يقول في حواره الأخير، والمنشور في الشرق جريدة الشرق الأوسط:
((مع تقديري لكل الآراء التي تناولت الرواية بالنقد والتحليل، إلا انني ومنذ سنوات طويلة أرفض فكرة أن الرواية تعبر عن الحالة الاجتماعية والسياسية لوطن في مرحلة ما. فالرواية عمل أدبي في المقام الأول والأخير، وأنا أؤمن بأن الرواية تقدم لنا حياة تشبه حياتنا وأشخاصا يشبهوننا، ولكنها ليست انعكاسا لأي حالة اجتماعية أو سياسية.))*(1)
أختلف مع علاء الأسواني في هذا الرأي ، فالرواية هي قطاع طولي وأفقي من حيوات نماذج حقيقية من البشر، لذا هي وإن لم يقصد الكاتب هذا، تعتبر تأريخا لهؤلاء البشر. خاصة وإن المؤرخين غير معنيين بتدوين هذا التاريخ، حقيقة الرواية ليست كل تاريخهم، لكنها المعبر الأساسي والصورة الحقيقية لهذا التاريخ.
وإذا افترضنا الصدق في كاتب الرواية، وفي كونه يستقي مادته الحكائية من الواقع المعيش( لن أنكر عليه استعمال الخيال، لكن وكما قال جلال الدين الرومي : ليس هناك خيال بدون حقيقة ) فليس أصدق من الرواية الآن للحصول على صورة صادقة لأي مجتمع.
لذا ومن خلال فكرة بسيطة جدا، وهي محاولة الإبقاء على العلاقة بين ندى ورؤوف، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تمرر لنا الرواية أفكاراً في غاية الجرأة، وإذا كانت الكتابة في هذه الموضوعات مجردة تعرض كاتبها لعصا التقريع وريح الصفع، فإن الرواية مازالت قادرة على أن تمرر الأفكار الخطرة تحت مسميات بريئة ، وفي هذا نجد أن رواية قبلة الحياة قد لامست هذه الأفكار ومررتها في أكثر من مكان فمثلا نجد في صفحة( 234) حوار لضابط شرطة :
" وقال لي أحد الضباط الكبار: افعل ما تشاء فبلادنا تسمح بحرية الرأي.. المهم ألا تذكر الرئيس بشعرة سوء أو بذرة إهانة، ونحن والحمد لله لم نفعل ولا يجب أن نفعل ، ليس لأنه الرئيس لكن لأنه رجل طيب/ وهذا ما يعتقده الكثير من البسطاء ، وإن كانوا في عز سخطهم على الحياة، يقولون كما يقول الرئيس:
- الأزمة دولية .. تعانيها كل الشعوب.
ولما كان هؤلاء البسطاء لم يروا أي شعب آخر فهم يعتقدون أن كل الشعوب مثلنا ، بل على العكس نحن أحسن بمراحل، يكفي أن يشاهدوا العراق وفلسطين أو أثيوبيا والصومال".
امتلأت الرواية بهكذا حوارات من نبض المعاناة ومن معين الحقيقة. حتى النكات كانت كانت ساخرة جدا، فصديقة رؤوف، المرأة الساقطة التي لم يمنعه حب ندى من معرفتها لم يمنعها هذا من التندر بما وصلت إليه الحالة في مصر :
قالت : ألم تصلك الأخبار الجديدة ؟؟ سألها فقالت : إن رئيس الحكومة أصدر قرارا بجعل الدورة الشهرية للنساء مرتين في الشهر.. دهشت وحاولت أن أفهم فسألتها .. ولماذا أصدر رئيس الحكومة قراره ؟؟
- ابنه يا سيدي سيفتح مصنعا لحفاضات النساء.صفحة ( 9 )
وهو ما أكده حامد أبو أحمد في حديثه عن الراوية يقول:من كتب هذه الرواية أراد أن يوضح لنا أين المخرج وإلى أين نتجه؟ ولا شك انه امتلك جرأة شديدة لمناقشة كل هذه المسائل.( من ندوة عن الرواية بأتلييه القاهرة )
العلاقة بين اثنين ليست دائرة مغلقة عليهما، بل يجب أن ندرك أن الفرد في ذاته متصل بأشخاص عديدين، فـ((ندى)) ليست عربة قطار منفصلة، لكنها مشبوكة بسلسلة طويلة من العربات، كل عربة أحدوثه في حد ذاتها وهكذا ((رؤوف))، فكل منهما يرتبط بعائلة، وكل فرد من هذه العائلة قد يكون نموذجاً مستقلاً بذاته ومعبراً عن شريحة عريضة من شرائح المجتمع، دون إحالة إلى الواقع بشكل مطابق، بل تترك الشخصية مساحة لتخيل القاري ، جزء من الحلقة غير مكتمل ، من حق القارئ أن يكمله بنفسه، وعلى الرغم من استخدام الكاتب لهذه التقنية، إلا أنه لم يسقط في التنميط الذي قد يصاب به كتاب الرواية بهذه الطريقة، فإذا شعرت أن هذه الشخصية تعرفها، فليس لأنها نمطية، بل لأنها شخصية التقيتها في حياتك اليومية، وتعايشت معها. وقد تكون أنت أيضا.
ومن خلال عائلة ندى تستعرض الرواية شخصيات أخرى متعددة، أخوها (خضر) الذي دفعه الإحباط للّجوء إلى الجماعات الإرهابية، معتقدا أنه الطريق الصحيح، والآخر (( سمير )) الذي حاول أن يصل إلى عالم رجال المال والأعمال فانتهى إلى النصب والاحتيال، وأصبح مطاردا من البوليس، (( سامي )) الذي أكرمه الحظ فحصل على مجموع مرتفع في الثانوية العامة فجعل الأب يبتسم أخيرا ويستبشر خيرا، فإذا كان الإحباط يحيط بالأب من جهاته الأربع ويدعوه للألم، فلم لا يفرح إذا كان ابنه الأخير على وشك تحقيق نجاح ما في حياة لم يحظ فيها أحد من أبنائه السابقين بأي نجاح، هذا النجاح وإن كان على كف عفريت مايزال، فهو الحافز الذي يجعل من الحياة القادمة ممكنة، ويجعل من الآلام السابقة في خبر كان، بل يوجد المبرر للآلام المستقبلية إن وجدت، ومن خلال هذه الرؤية، يحاول أن يقدم لنا الكاتب سلسلة من الخيبات يحتملها أصحابها أملا في هذا النجاح الصغير، والذي قد يساعدهم على الاحتمال.
ومن خلال شخصية رؤوف نتعرف على إخوته. بعضهم شخصيات انهزامية وبعضهم شخصيات تحترف الهروب كرؤوف نفسه . فعلى لسان أخيه نقرأ في الصفحة (65) فقرة تقول :
" رؤوف فر مبكرا من الحي الغارق في المجاري لأن المواسير دائما تنفجر".
وإلى أين فر رؤوف ؟؟ سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا على طول الرواية . فرؤوف فر من فقر إلى فقر آخر. ولم يستطع أن يحقق ذاته أو ربع ما حلم به، فهو تخرج بتفوق من الجامعة . لكنه لم يعين معيداً لأن ابن زوجة العميد هو من سيحتل المنصب . تكملة الدراسات العليا بنفقات باهظة ، يضطره إلى التفكير في إعطاء دروس خصوصية . وهو محروم من أبسط حقوقه وهو اختيار موضوع الماجستير فلقد فرض عليه الأستاذ موضوعا بعينه، وضع الفلاح في العصر العثماني . وكأنه اختار لنا استعراض وضع الفلاح المصري في ظل الاحتلال، ويقول لنا بطريقة غير مباشرة إن وضع الفلاح تحت نير الاستعمار والمحتل لم يختلف عن وضع الفلاح تحت الاستقلال الذي نعيشه والديموقراطية والحرية وكل الشعارات التي نحيا من خلالها ثم نلاحظ أن الكاتب يستعرض الفساد بعفوية كأنه لا يقصدها على لسان أخيه أيضا وهو من الشخصيات التي تكمل الصورة الكلية للرواية ، ليوضح لنا أن الفساد له مبرراته عند من يقوم بهذا الفعل فنجده يكمل في نفس الصفحة :
" لكن المقاول الذي بناها( المجاري ) من الأساس كان في الأصل بائع بليلة وفشار .. لم يعجبه كاره . والفشار تأخر عليه في الثراء فقرر دخول عالم المقاولات ، وكان الصرف الصحي في حينا ينتظره كي ينطلق في مشروع النهب بدءا من مدرسة مبارك الإعدادية مرورا بالمساكن الشعبية ".
كذلك نتعرف على أخته نوال التي تعاني وحيدة بعد رحيل زوجها في تربية الأبناء. شقاوة الكبير وعفرتة الآخر وتشابه أحدهم مع رؤوف، تشابهه مع خاله كان مدعاه لحب خاله له. هي نماذج حقيقية، غير موشومة بخاتم الاختلاف . لم يحتج الكاتب إلى نماذج مختلفة ليزج بها في روايته لتبهرنا ، تكمن الدهشة في هذه الرواية من مطابقة تلك المشاهد وهذه الشخوص مطابقة تكاد تكون كاملة مع نماذج الحياة. دون الإحالة على شخصيات بعينها ليؤكد لنا أن هذه الشخصيات حقيقة، ولا تتشابه في قريب أو بعيد مع شخصيات أخرى في روايات أخرى، بل هي شخصيات من لحم ودم وتكاد تنبض بالحياة . لذا لا تملك سوى التعاطف معها أو الحنق عليها . وكلتا الحالتين تجعل من العمل عملا ناجحا وقريبا من عقل القارئ وقلبه.
يقول عبد الوهاب المسيري عن الإبداع: "هو إيجاد رابط لأشياء لا رابط بينها "*( 2) ما الرابط الذي من الممكن أن يجمع في رواية واحدة بين جامع فضلات ( زبال ) وبين رجل من كبار رجال الأعمال ، بين صحفي يبحث عن الفساد ويكتب عنه التحقيقات وبين شاب يبحث في الإنترنيت عن وضع الفلاح المصري في العصر العثماني فلا تستوقفه سوى أفلام البرنو نظرا للحرمان الذي يعانيه الشباب في مصر في ظل الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الطاحنة. الإبداع في الرواية هو إيجاد أشخاص يقومون مقام الخيط الذي ينظم الحبات في المسبحة ليظهر لنا في النهاية بناء متكاملا لا زيادة فيه ولا نقصان . وإذا كان الكاتب قد جعل من كل فصل قصة قصيرة قد تقرأ مستقلة بذاتها وتعتبر ثقباً للتلصص منه على حياة مغايرة لما قبله ولما سوف يجيء بعده ، فكما قلت سابقا ، لا غنى للرواية عن فصل من الفصول . حيث إن كل شخصية من شخصيات الرواية ، والتي أدرج لها الكاتب فصلا أو عدة فصول لا غنى عنها في اكتمال الشكل النهائي للمجتمع الآن.
هذه الرواية من وجهة نظري قطعت علاقتها برواية نجيب محفوظ في شكلها التقليدي وقطعت علاقتها برواية جيل الستينات ، وهي شكل جديد في الرواية المصرية ، فلقد شهدت الساحة الادبية في التسعينات اختلافاً في أسلوب وتقنية الراوية عن ذي قبل ، بل وأصحبت اللغة والتقنية دعامتين أساسيتين في تبلور العمل الأدبي وأحد أسباب نجاحه، حيث يتيح الكاتب لكل شخصية أن تتحدث بمقدار معين ، هذا المقدار يشبه لون الخلفية في اللوحة ، يساعد على إبراز الصورة المراد إلقاء الضوء عليها. ولا يطغي عليها أو يجور على تفاصيلها. فإذا كان علاء الأسواني أحد كتاب الجيل الجديد في مصر قد حرص عند كتابته عمارة يعقوبيان على الشكل التقليدي للرواية وهو كما يقول الدكتور صبري حافظ في دراسة عن عمارة يعقوبيان في جريدة الكلمة :
أمر قد تجاوزته الكتابة الروائية في العالم كله وفي مصر ،فعمارة يعقوبيان قد خيبت أملي في تسعينيتها، *( 3 )
فإن فؤاد قنديل لم يخضع الرواية للشكل التقليدي ولا للبناء ويدعي – بكل عفوية – عدم فهم ما يحدث من تغيرات في المجتمع ويستخدم لغة تساعد القارئ على التلصص على شخوص الرواية وتكوين بعد ثالث لكل شخصية .
منذ البداية كانت الرواية حريصة على خلق نوع من الازدواجية في كل شخصية. فهذه صورة رؤوف التي تعرفها ندى . وهذه صورة رؤوف التي تعرفها عائلته ، وهذه صورة رؤوف مع أصدقائه ، وهذه صورة رؤوف الحقيقية التي يراها القارئ من علِّ، ويشارك في صنعها حينا والتستر عليها حينا، وفي الحقيقة،الكاتب كان حريصا على أن يجعل القارئ هو الشخص الوحيد العالم بكل جوانب الشخصية، كأنه متواطئ معها. وهي أقوى أنواع الكتابة من وجـــهة نظري.
في النهاية تستعرض روح طيبة شخصية الفلاح المصري في أزهى عصوره ، عندما كان فصيح عصره وأوانه ويطرح هذا الفصل تساؤلاً ما، ما الذي جعل المصري الآن مختلفا عما كان عليه قديما؟؟ وما الذي يحتاجه ليعود كما كان نابضا بالحياة قادرا على التغيير ؟؟. لو عاد الموتى العظام، هل ستتغير بهم الحياة؟؟ ثورة الموتى، الفنتازيا في نهاية الرواية لم تكن الحل الذي ارتكن إليه الكاتب ، بل كان تساؤلا ، هل يستطيع الموتى إعادة الحياة، قبلة الحياة. هذا العنوان الذي قد يكون علاجا لكل الصور التي تترى في الرواية دون توقف ، تهدر بشاعتها، ربما كل الصور ميتة أو شبه ميتة ، تحتاج منا إلى قبلة لتعيدها إلى الحياة، تلك القبلة التي تساعد على إنقاذ المريض من موت محقق. ربما، فالرواية لا تقدم حلولا وإنما تترك للقاري استعراض البانوراما كاملة وعليه هو أن يحكم ، وعليه أن يضع الحدود ، فالرواية تتوقف هنا ليكمل القارئ كما يهوى الصورة .
( 1) علاء الأسواني ، الشرق الأوسط.
( 2) عبد الوهاب المسيري ، في حوار معه عن الإبداع.
( 3) صبري حافظ ، جريدة الكلمة .
تعليق: قُبلة الحياة
جهد مقبول ، ووجهة نظر تحتاج منا إلى قراءة ثانية للرواية. وتقديم الشكر واجب للكتابة عن الروائى الجميل [ فؤاد قنديل] رئيس تحرير سلسلة إبداعات بهيئة قصور الثقافة وكذلك تقديم الشكر على الحوار الرائع مع الصديق مسعود شومان مديرعام الشئون الفنيه [ أيضا] بهيئة قصور الثقافة . دمت للثقافة مبدعة وناقدة.
تعليق: قُبلة الحياة
ورغم عدم قرآتي للرواية لكنك محفزة للقراءة
محبتي
تعليق: قُبلة الحياة
في الحقيقة هو جهد متواضع في التحليل، انفعلت بقراءة رواية قبلة الحياة فقررت الكتابة عنها وربما لم أوفها حقها، سعيدة بعبوركما
محبة
تعليق: قُبلة الحياة
أختارتها مبدعة متألقة
فكان اختيار يستحق ... بحق
عاصفة من التصفيق
وأطنان من زهور الشكر
" منى الجميلة "
لكِ مني أطيب الود
تحياتي ،،،
دعــــاء