You are here
كان بودلير محقّاً... ميغيل آنخيل ثاباتا
كان بودلير محقّاً...
ميغيل آنخيل ثاباتا
ترجمها عن الإنجليزية: فاطمة ناعوت
dodo_nomercy
النافذة
سوف أبني نافذةً في منتصف الطريق، كيلا أكون وحيدا. سأزرع شجرةً في منتصف الطريق، وسوف تنمو الشجرة أمام دهشة العابرين. سأربّي طيورا لن تتركني أبدا وتطير إلى أشجار أخرى، بل ستبقى هنا معي تغنّي، ما بين الضجيج واللامبالاة. المحيط سوف ينمو في نافذتي، لكني في هذه اللحظة لن أملّ من بحاره، ونوارسه ستظلّ تحوّم فوق رأسي في دوائر. سأجعل للمحيط سريراً وأريكةً تحت الشجر فيما لو أراد أن يريح اشتعال أمواجه.
سوف أبني نافذةً في منتصف الطريق كيلا أكون وحيداً جدا. على هذا النحو سوف أقدر أن أشاهد السماء والناس الذين يمرّون من أمامي من دون أن يكلموني. سأشاهد نسور الموت تلك التي تحلّق من دون أن تقدر أن تنتزع قلبي وتمزقه. هذه النافذة ستضيء وحدتي. وسوف يكون في وسعي أيضا أن أبني واحدةً أخرى في عرض البحر، وسيكون في وسعي رؤية خط الأفق مثل يعسوب بأجنحة زجاجية. العالم سيبقى بعيداً جدا، هنالك على الجانب الآخر من الرمال. هنالك، حيث الوحدة والذاكرة تعيشان. أياً يكن، من المؤكد أن النافذة سوف تبنى، في الأخص الآن، حيث لا أكتب ولا أخرج الى التجوال مثلما كنت أفعل تحت صنوبرات الصحراء، على الرغم من أن هذا اليوم يبدو مناسبا جدا لاكتشاف الأراضي التي لا قاع لها.
سوف أبني نافذةً في منتصف الطريق. يا للعبث! سيقولون لي. نافذةٌ حيث يمر الناس ويتفرجون عليك كما لو كنت رجلا مجنونا أراد أن يشاهد الفردوس ويحدّق في شمعةٍ مضاءةٍ خلف الستارة؟ كان بودلير محقّاً؛ هذا الذي ينظر من الخارج صوب نافذةٍ مفتوحة لا يرى البتة كمَن ينظر صوب نافذة مغلقة. من أجل هذا، أغلقت نوافذي وخرجت الى الطريق راكضا، كيلا أرى نفسي مضاءً بالظلال.
شمعة الغراب
لا أحد يعرف
لماذا تخبئ المدينة اللغة القاتمة للطيور
وللموتى.
الغراب يبقى صامتاً؛
هو لا يريد أن يفتح المفصلة ليدع الضوء يخرج
من شقّ القضبان.
فيما وراء إغفاءة شجرة السرو
ثمة ظلٌّ لتفاحة خضراء،
هناك حيث الباب الذي يقودنا
صوب السعادة.
يقولون إن الوحدة تباغتنا مع المطر،
وإن رمال الشواطئ تعلو مثل ساعة حائط عتيقة
يشير عقربها نحو أطلال الأبراج.
النبيذ يتحدث مع النار؛ كلبك ينظر إلى رسائلك،
هو يدرك الغيوم التي تخايله في الحديقة.
صوت الغيمة
هو ذاته رنين المطر.
لا أحد يعرف لماذا الباب لا يزال مغلقا
ولا لماذا الطيور لم تعد تمرّ من جديد.
ثمة نافذةٌ واحدةٌ، ومن هناك يقدر المرء أن يشاهد عبرها امرأةً،
بشعرها الباهر،
تمرق كالخبب فوق فرسٍ بيضاء.
أكتب بمخالب كلبي
يبدو أن المطر سوف يهطل أخيرا. كلبي لاحظ بانتباه كيف أن الغيمات المنتفخة سوف تبدأ في النزول من وراء التلال. أكتب إليكم بمخالب كلبي حافراً أنفاقاً في الرمال عند قاعدة الشجرة الأضخم في الحديقة. حينما يصل المطر، يكون ثمة خليطٌ من الفرح ومن الحزن، هو شيء لا يمكن وصفه بالكلمات. فجأةً تتبدّل مشاعر المنظر الطبيعيّ؛ وتخترق شظايا القمر نافذة غرفة المعيشة؛ تضيء الشجرة الفناء القفر، ويغيّر نبات "إبرة الراعي" الأحمر القاني لون السماء. تهرم السماء الحمراء بالغيم، ويخرج كلبي لسانه للطيور النافقة.
لم يعد لي ملاكٌ حارس
ما عاد لي ملاكٌ حارسٌ. في يوم غير متوقع تاه ملاكي في السهول وهو يبحث عن السلام والوفرة. وعلى الرغم من كل شيء، ظلّت حركة السماء دافقة. وأنا استمررت في المشي عبر الغابة بعينين مفتوحتين، وبين الحين والحين أشعر في الهواء ببعض الأبدية. أعتقد أن ملاكي الحارس- بسبب كل هذا الحب الهائل للجزر- كان يرقب أعماق البحر، تلك التي، بشكل أو بآخر، هي الوجه الآخر للسماء. أعلم أنه لم يكن واقفا فوق قمة نيبو يمعن في تأمل الوقت لكي يأتي. ملاكي الحارس له شعرٌ طويلٌ أسود، وعيناه تتبعانك أينما ذهبت. حينما يقود دراجتي يطير شعره مثل حريق ضخم حتى يلفت الأنظار المجاورة. لا أحد في وسعه أن يراه سوى كلبي، ذاك الذي يخفض رأسه حينما يمرّ الملاك فوق نبات إبرة الراعي القاني. وأنا لم يعد لي بعد الآن ملاكٌ حارس. الآن أسير وحيدا في الشوارع المعتمة المسوّرة بأشجار الصنوبر، على أني أشعر أن ثمة من يرقبني من بعيد.
سوف أبني نافذةً في منتصف الطريق، كيلا أكون وحيدا. سأزرع شجرةً في منتصف الطريق، وسوف تنمو الشجرة أمام دهشة العابرين. سأربّي طيورا لن تتركني أبدا وتطير إلى أشجار أخرى، بل ستبقى هنا معي تغنّي، ما بين الضجيج واللامبالاة. المحيط سوف ينمو في نافذتي، لكني في هذه اللحظة لن أملّ من بحاره، ونوارسه ستظلّ تحوّم فوق رأسي في دوائر. سأجعل للمحيط سريراً وأريكةً تحت الشجر فيما لو أراد أن يريح اشتعال أمواجه.
سوف أبني نافذةً في منتصف الطريق كيلا أكون وحيداً جدا. على هذا النحو سوف أقدر أن أشاهد السماء والناس الذين يمرّون من أمامي من دون أن يكلموني. سأشاهد نسور الموت تلك التي تحلّق من دون أن تقدر أن تنتزع قلبي وتمزقه. هذه النافذة ستضيء وحدتي. وسوف يكون في وسعي أيضا أن أبني واحدةً أخرى في عرض البحر، وسيكون في وسعي رؤية خط الأفق مثل يعسوب بأجنحة زجاجية. العالم سيبقى بعيداً جدا، هنالك على الجانب الآخر من الرمال. هنالك، حيث الوحدة والذاكرة تعيشان. أياً يكن، من المؤكد أن النافذة سوف تبنى، في الأخص الآن، حيث لا أكتب ولا أخرج الى التجوال مثلما كنت أفعل تحت صنوبرات الصحراء، على الرغم من أن هذا اليوم يبدو مناسبا جدا لاكتشاف الأراضي التي لا قاع لها.
سوف أبني نافذةً في منتصف الطريق. يا للعبث! سيقولون لي. نافذةٌ حيث يمر الناس ويتفرجون عليك كما لو كنت رجلا مجنونا أراد أن يشاهد الفردوس ويحدّق في شمعةٍ مضاءةٍ خلف الستارة؟ كان بودلير محقّاً؛ هذا الذي ينظر من الخارج صوب نافذةٍ مفتوحة لا يرى البتة كمَن ينظر صوب نافذة مغلقة. من أجل هذا، أغلقت نوافذي وخرجت الى الطريق راكضا، كيلا أرى نفسي مضاءً بالظلال.
شمعة الغراب
لا أحد يعرف
لماذا تخبئ المدينة اللغة القاتمة للطيور
وللموتى.
الغراب يبقى صامتاً؛
هو لا يريد أن يفتح المفصلة ليدع الضوء يخرج
من شقّ القضبان.
فيما وراء إغفاءة شجرة السرو
ثمة ظلٌّ لتفاحة خضراء،
هناك حيث الباب الذي يقودنا
صوب السعادة.
يقولون إن الوحدة تباغتنا مع المطر،
وإن رمال الشواطئ تعلو مثل ساعة حائط عتيقة
يشير عقربها نحو أطلال الأبراج.
النبيذ يتحدث مع النار؛ كلبك ينظر إلى رسائلك،
هو يدرك الغيوم التي تخايله في الحديقة.
صوت الغيمة
هو ذاته رنين المطر.
لا أحد يعرف لماذا الباب لا يزال مغلقا
ولا لماذا الطيور لم تعد تمرّ من جديد.
ثمة نافذةٌ واحدةٌ، ومن هناك يقدر المرء أن يشاهد عبرها امرأةً،
بشعرها الباهر،
تمرق كالخبب فوق فرسٍ بيضاء.
أكتب بمخالب كلبي
يبدو أن المطر سوف يهطل أخيرا. كلبي لاحظ بانتباه كيف أن الغيمات المنتفخة سوف تبدأ في النزول من وراء التلال. أكتب إليكم بمخالب كلبي حافراً أنفاقاً في الرمال عند قاعدة الشجرة الأضخم في الحديقة. حينما يصل المطر، يكون ثمة خليطٌ من الفرح ومن الحزن، هو شيء لا يمكن وصفه بالكلمات. فجأةً تتبدّل مشاعر المنظر الطبيعيّ؛ وتخترق شظايا القمر نافذة غرفة المعيشة؛ تضيء الشجرة الفناء القفر، ويغيّر نبات "إبرة الراعي" الأحمر القاني لون السماء. تهرم السماء الحمراء بالغيم، ويخرج كلبي لسانه للطيور النافقة.
لم يعد لي ملاكٌ حارس
ما عاد لي ملاكٌ حارسٌ. في يوم غير متوقع تاه ملاكي في السهول وهو يبحث عن السلام والوفرة. وعلى الرغم من كل شيء، ظلّت حركة السماء دافقة. وأنا استمررت في المشي عبر الغابة بعينين مفتوحتين، وبين الحين والحين أشعر في الهواء ببعض الأبدية. أعتقد أن ملاكي الحارس- بسبب كل هذا الحب الهائل للجزر- كان يرقب أعماق البحر، تلك التي، بشكل أو بآخر، هي الوجه الآخر للسماء. أعلم أنه لم يكن واقفا فوق قمة نيبو يمعن في تأمل الوقت لكي يأتي. ملاكي الحارس له شعرٌ طويلٌ أسود، وعيناه تتبعانك أينما ذهبت. حينما يقود دراجتي يطير شعره مثل حريق ضخم حتى يلفت الأنظار المجاورة. لا أحد في وسعه أن يراه سوى كلبي، ذاك الذي يخفض رأسه حينما يمرّ الملاك فوق نبات إبرة الراعي القاني. وأنا لم يعد لي بعد الآن ملاكٌ حارس. الآن أسير وحيدا في الشوارع المعتمة المسوّرة بأشجار الصنوبر، على أني أشعر أن ثمة من يرقبني من بعيد.
* شاعر من بيرو ولد في عام 1959
03/29/2009 - 16:13
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
شكرا لك على هذا الكرم الدافق
دام لك التالق