You are here

الصفحة الرئيسية

كونشرتو وطنى

(1)

الشارع الرئيسى فى المدينة يوشك أن يخلو من سيارات الأجرة والملاكى وأتوبيسات الهيئة؛ لامعاً تحت أضواء المصابيح الفسفورية اللوزية المعلقة فى أعمدة طويلة شاهقة..
الأرصفة الطويلة والعريضة المبلطة ببلاط كبير باهت وضِحت حوافها.. اللافتات النيونية برزت من كل ركن؛ تعلن عن شركات ومحلات ومأكولات... المبانى على جانبىّ الشارع تلاصقت وتوارت خلف بعضها..
النوافذ المواربة والمغلقة تنساب من بين أُطرها أصوات أجهزة التليفزيون، والشجار، وأضواء خافتة وعتمة.. المحال والمطاعم والمقاهى أوصدت أبوابها بأقفال كبيرة ومتوسطة... عربات اليد الخاوية والمحزمة بالدوبار تراصت فى طابور يمتد فى الأزقة.. أقفاص الفاكهة والخضار فارغة ومرصوصة بجوار جدار عريض تغطيه مساحات من العتمة والرطوبة وكتابات مشجعى الكرة والمحبين ..
السينما فى نهاية الشارع مازالت مضاءة، يبرز منها - متقاطعا مع الرصيف - إعلان لرجل ضخم على رأسه قبعة، يحتضن فتاة شبه عارية فزعة. عند مدخل السينما تقف عربة كارو صغيرة عليها فرن من الصفيح تتصاعد من مدخنته رائحة شواء بطاطا، بينما حمار العربة غارق فى تأمل سواد الأسفلت..
أكوام الزبالة من بقايا الطبيخ وريش الطيور وقشر السمك تنغمس بمياه الغسيل والمسح والتبول ؛ تتجمع عليها كلاب وقطط وفئران، تتناوش، تتناتش، تركض، تزمجر، تنبح، تهر...
رجل يمر فى الشارع، بجواره فتاة تهمس وحاجبيها المحفوفان لا يتوقفان عن الحركة، بينما ظِلهما يكنس الرصيف من خلفهما ومن أمامهما..
امرأة بدينة فى ثوب أسود؛ يتقافز من خلفها صبيها، يقترب منها شابان أحدهما شابك ذراعه فى ذراع الآخر، تسرع المرأة خطوها، ترتج أردافها، يلكز أحد الشابين الآخر ضاحكا، تزعق المرأة فى صبيها أن يخفَّ نفسه ويسرع ...
الميدان الرئيسى كبير ودائرى وواسع، فى صرَّته مساحة من العشب ونافورة تكركر دائما بالمياه، من تحت قاعدة رخامية عريضة بيضاء، يقف عليها تمثال المدينة الكبير، ومن حوله سياج دائرى مدبب كالسهام المشرعة نحو الرقاب، وبالقرب منه كانت ساعة الميدان المدورة المفروشة بضوء النيون تشير بعقربيها إلى دقيقتين قبل الثانية.
نظر عسكرى الوردية إلى ساعته الرقمية، ثم إلى ساعة الميدان. تحسس المسدس فى جِراب حزامه، والهراوة السوداء تلمع فى قبضته، نغز زميله النائم، وقال : " قم استلم غفرتك ".

(2)

- لتتصور أنك قمت من هنا.. الآن، اليوم، غدا، بعد غد، بعد أسبوع، بعد شهر، بعد سنة، بعد خمس سنوات، أو بعد خمس وعشرين سنة.
- ..................................
- وأنك عبرت الطرقة، البهو، الممر، السرداب، أوالنفق.
- .............................
- ونزلت، أو صعدت، سلالم حجرية، حديدية، أو خشبية.
- .............................
- ثم خرجت من البوابة الرئيسية، الجانبية، الخلفية، أو من فتحات التهوية.
- ...........................
- الوقت كان فجرا، صبحا، ظهرا، ليلا، صيفا، شتاء أو عيدا.
- ............................
- وكنت تمشى، تسعى، تهرول، أو تجرى
- ............................
- فى الشارع، فى الزقاق، فى الحارة، فى السوق، أو فى الميدان
- ........................
- بين سيارات ، أتوبيسات، عربات كارو، أو عربات يد
- ......................
- وسط مبانى شاهقة، بيوت، محال، مقاه، أو مطاعم
- ......................
- يمر من أمامك، من جوارك، أولاد، بنات، رجال، نساء، طلبة، عمال، موظفون، أو باعة
- ........................
- وهم يتهامسون، يتكلمون، يتناقشون، يندهشون، يبتاعون، يضحكون، يتجهمون، يسرعون، أو يتمهلون.
- .................
- وكنت تنظر إليهم أو لا تنظر، ينظرون إليك أو لا ينظرون، تعرفهم أو لا تعرفهم، يعرفونك أو لا يعرفونك.. تصطدم بهم أو لا تصطدم بهم.. يصطدمون بك أو لا يصطدمون
- .........................
- وكنت تفكر، تتخيل، تحلم، تتمنى.
- ......................
- فيما كنت ستفكر أو تتخيل أو تحلم، أو تتنمى
- الحارس قادم.. أسكت .

( 3 )

والليل إذا سجى ..
وخلا الشارع من سيارات الملاكى والأجرة وأتوبيسات الهيئة وعربات الكارو ومن الباعة والمارة والشحاذين، وجثا السكون على المحطات والحدائق ومسافات الأسفلت وأطر النوافذ.. أتى هواء ساخن من بين المبانى والدكاكين وأعمدة الكهرباء، حرك الملصقات والسياج.
والليل إذا يسر..
وتوقف الإرسال عن البث، واختفى الرصيف تحت أكوام القمامة، وتشابكت البيوت فى ظلالها، وتربصت العتمة للأضواء فى الحوارى وتحت الكبارى.. وشوشت النافورة للعشب دون مياه.
والليل إذا يغشى..
وحامت الخفافيش فى غبشة ظلام المداخل، تتهامس، وتتشاور.
والليل إذا عسعس..
وغُلقت النوافذ وما غُلقت، وأُوصدت الأبواب وما أُوصدت .
والصبح..
إذا
تنفس..
دقت ساعة الميدان دقاً، دقاً ..
ودقة تلو دقة،
يميل تمثال المدينة الكبير
يميل..
يمــيـــــ ى ى ى ى ــــــل بمقدار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صورة محمد شمخ
القسم: 

التعليقات

 

دأب محمد شمخ علي التجديد والتطوير في إسلوبه دائما
نجح بعيدا في اختيار العنوان " كونشرتو وطني "
وبالفعل عزف موسيقي ناعمة مصورة هادئة ، ولكنه الهدوءالحامل المشحون
مشحون بشجن وطن سكن فيه كل شئ ... كل شئ ... وفقط وحده (العسكر) .
بكل فنون القصة القصيرة ، وبروعة الإبداع ، وبفن حقيقي يقول محمد شمخ
بل يوحي دون أن يقول .. ويصور دون قلق .. ويرسم لوحة الوطن النائم المستكين
فيؤكد دون خطابة......
أن الوطن يعيش زمن العسكر . وألا صوت يعلو فوق صوت العسكر .......
حقيقي ... ألف مبروك علي هذا الإبداع الراقي محمد شمخ

شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
 

كنت أنتظر رأيك أستاذنا العزيز شوقى عبد الحميد،
ولك أن تتصور كم تفترش كلماتك فى قلبى مساحات من السعادة
تضع يدك على عصب القص باقتدار

عميق امتنانى وتقديرى لك

محمد شمخ
صورة محمد شمخ

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات