You are here

الصفحة الرئيسية

لا أحد مطلقا




لا أحد مطلقا
د. رضا صالح


لا أحد مطلقا تم طرده من حجرة تحت السلم كان يقيم فيها؛ قال عنها : - متر فى متر . كنت شايل فيها حاجتى وعملت لها قفل ، صاحب البيت فى يوم قال لى : - خلاص سيب المخزن - ليه يا حاج ؟ - خروف الضحية جاى - والخروف أهم منى يا حاج ؟ - الخروف أهم منك طبعا، أنت ما تلزمنيش ---***--- كان قد جهز زكيبته ، ووضع فيها كراكيبه ، ليمضى إلى حال سبيله، ولما أعياه الأمر ولم يجد مكانا يأوي إليه ، لم يستطع الخروج بها ؛ جلس على الرصيف أمام البيت ؛ ساقاه لا تكادان تحملانه ، ضاقت به الدنيا ، وشعر بالدوار ، أحس بغصة فى حلقه ، تناوبته الأوهام والفكر، بعد قليل سحب صبى الحاج الزكيبة، وألقاها فى بحر الطريق . وهو فى مجلسه ؛ شاهد فاعل خير يشدها إلى جانب الطريق ليوسع المكان للسيارات ، بعدها نزل آخر من سيارته وحمل الزكيبة إلى صندوق الزبالة المعدني الضخم ذى العجلات المكسرة ، حيث تتكاثر حوله النفايات والذباب عند ناصية الشارع . نظر إلى الحاج نظرة استجداء وقبل أن ينطق؛ رد عليه الحاج والشرر يتطاير من عينيه : - الزكيبة هناك روح خدها . احتبست دموعه فى مآقيها، جرجر ساقيه وذهب إلى الصندوق الضخم ؛ شب بقدميه ، مال بجذعه حتى اختفت رأسه ونصفه العلوى داخل الصندوق ،أخرج الزكيبة ، نظر يمينا ويسارا ، بحث عن أحد لينتشله كما انتشل هو الزكيبة ، فرت الدموع من عينيه ، اقترب من سقف الأربعين ، من يراه يهيأ له أنه جاوز الستين ،لا مال ولا زوجة ولا أولاد ولا مكان يأوي إليه ، استقر الحزن والهم فى قلبه حتى أصبح هذا هو وضعه الطبيعى ، عندما سمع الآذان ، جرته ساقاه إلى المسجد المجاور ، وبعد الصلاة حكى قصته لجاره الذى تأثر بما سمع ، أخذته الشهامة ، وقال له : - قم معى - على فين ؟ - نقابل الشيخ - ماشى قابلا إمام المسجد الذى بادر صابرا بقوله : - عاوز تقعد فى الجامع ؟ - ياريت - تقوم بنظافة الأرضية والسجاجيد بالمكنسة الكهربا، وتنظف الميضة، وعينك على الحمامات والحنفيات ، وتحافظ على الجامع كله , وأوعى حد يلعب فى صندوق النذور ،ولو احد من الأوقاف سألك بتعمل إيه هنا؟ تقول له أنا فاعل خير , فاهم ؟لأحسن ورحمة أمى لأسجنك ! - حاضر فى غرفة صغيرة بالمسجد وضع زكيبته ، انزاح هم كبير من على صدره ، لم يكن يظن أن المسألة ستحل بهذه البساطة ، بالرغم من أنه سوف لا يقبض راتبا إلا أنه فرح فرحا شديدا بعثوره على مكان يأوي إليه. أخلص فى عمله ،اعتمد فى عيشه على حسنة تصله من أهل الخير من آن لآخر . مع الأيام اكتشف أن عمال المسجد الأصليين ، يعملون فى السوق ولا يأتون المسجد إلا وقت الصلاة ، وعرف أيضا أنهم يقتسمون أيام الأسبوع فيما بينهم , عددهم ثلاثة ، كل واحد منهم له يومان ؛ فرحوا بوجوده ، بالرغم من ذلك كانوا لا يحسنون معاملته , لشعورهم أنه فى حاجة ماسة للتواجد والإقامة داخل المسجد ،فهددوه بالطرد وحاولوا إذلاله بين الحين والآخر، لكى يستمر معهم خادما مطيعا ، فلم يلق التقدير المناسب بالرغم من قيامه بالعمل بدلا من فرسان السوق الثلاثة المعينين داخل المسجد . ---***--- يوما ما أراد أن يجدد أعانة كان يحصل عليها من الشئون الاجتماعية ، حدث ما لم يكن فى الحسبان , فقد تجشم عقبات لا قبل له بها , لم يكن يظن أن المسألة معقدة بهذه الطريقة ، كل ما فى ذهنه أنه سوف يقدم الأوراق للمسئول ويرد عليه المسئول : تعال أقبض يوم كذا !!! عندما ذهب إلى الوحدة الاجتماعية قالت له المسئولة دون اكتراث : - فين أوراقك ؟ - أهى ... - فين صورة البطاقة ؟ - أهى ... - قين الكعب القديم ؟ - أهو... - فين وصل النور ؟ - وصل النور؟ - أيوه وصل النور - هوه الجامع له وصل نور ؟ - جامع أيه؟ - اللى أنا قاعد فيه - أنت قاعد فى الجامع ؟ مقيم فيه يعنى ؟ - لا يا ستى أنا مش موظف فى الأوقاف ، - أمال إيه ؟ - أنا قاعد فى الجامع عشان ماليش مكان أقعد فيه - جايز تكون جاى من محافظة ثانية وبتقبض من هناك - ياستى والله العظيم .... - ما تحلفش؛ ما لناش دعوه بالكلام ده , هات وصل النور وصورة العقد - عقد إيه ونور إيه ؟ كل ده عشان ثلاثين جنيه ؟ - هوه ده اللى أعرفه... مع السلامة ---***--- فى اليوم التالى ذهب إلى مديرية الشئون الاجتماعية ليشكو حاله للمدير كما نصحوه بالمسجد ، قال له المدير بتعجب مصطنع : - ازاى يابنى ؟ - أهو ده اللى حصل !! - مش عاوزه تخدمك ليه ؟ - علشان معنديش وصل - آه لازم تجيب الوصل يا بنى ، انت مابتدفعشى نور ؟ - لأ - ليه ؟ عايش فى الضلمة ؟ - لأ .عايش فى النور - طيب هات لها الوصل - وصل الجامع ؟ - جامع أيه ؟ - اللى أنا عايش فيه - يا بنى انت موظف فى الأوقاف - لأ - أمال جامع ايه ؟ - أصل أنا سبت السلم - سلم ايه ؟ - كنت ماسك سلم الحاج رجب البتانونى ، وطردنى منه - طردك ليه ؟ - عشان الخروف - خروف إيه ؟ - أصله أشترى خروف الضحية وحطه مكاني تحت السلم - اسمع يا سيدى أما أقول لك، دى تعليمات الوزارة , روح قول لها تكتب عليك إقرارات بأنك لا تملك إيصالات - حاضر وإذا ما سمعتش الكلام ؟ - قول لها الكلام ده على مسئولية الأستاذ فوزي - متشكر - مع السلامة ---***--- فى اليوم التالى كان قلبه مفعما بالأمل ، قال لرئيسة الوحدة : - الأستاذ فوزى المدير بيقولك قبضينى نظرت إليه شذرا ؛ واعتدلت فى جلستها قائلة : - انت جيت ؟ - أيوه - عاوز إيه تانى ؟ - عاوز أصرف الإعانة - معاك أوراقك ؟ - الأستاذ فوزى بيقول لك خدى عليا إقرار - إقرار إبه يا حبيبي ؟ - انى لا املك وصل نور ولا عقد إيجار - أمال عايش فى الهوا ؟ فى الفضا - عايش وخلاص ! - ولما ننزل نعمل لك البحث نسأل عليك فين ؟ نلاقي سيادتك فين إن شاء الله ؟ - فى الجامع - انت اتهبلت ياجدع انت ؟ جامع إيه ؟ - أى والله العظيم فى الجامع ! - واحنا مالنا ومال الأوقاف ؟ - المدير هوه اللى بيقول كدة - ياخبر اسود !! مدير إيه اللى بيقول كده ؟ انت حتجننى يا جدع أنت ؟؟ - مادام رافضه أنا حاروح أجيب هو لك يكلمك . - روح إن شالله تجيب المحافظ ! - طيب ..أنا رايح القسم أعمل لك محضر ---***--- فى بيتها ؛ تحدثت رئيسة الوحدة مع زوجها العقيد بمصلحة الجوازات ، على الفور اتصل بصديقه مأمور القسم الذى بادره بعد السلام بقوله : - أى خدمة يا باشا ؟ - فيه ولد مجنون حاول يعتدي عالمدام أثناء تأدية واجبها الوظيفي ، يمكن يروح القسم - يروح القسم يعمل إيه يا باشا ؟ - بسلامته مش عاجبه أنها زعقت له وباين عليه مدمن ، عاوز يعمل محضر - داهية أبوه سودة ، أما ييجى ياباشا حا يتعلم الأدب - متشكر قوى - العفو يا باشا ! مع السلامة . ---***--- خرج صابر من القسم بعد أن أقسم بينه وبين ربه ألا يمشى من أمام القسم مرة ثانية أبدا بعد الذى ذاقه من صنوف العذاب والوحشية التى لا يقدر عليها حمار ، فقد ضربوه وشتموه وتركوا عينيه وقدميه متورمتان ، وتم سحله ، وقيدوه من وسطه وتعلق كالذبيحة فى الفلكة، ونزل عليه بغل أحمق بخرزانة ملساء ضربا على قدميه حتى تورمتا ، وشق صراخه عنان السماء فى ساعة السحر ، لم يكن يظن أن الأمور ستجرى على هذا النحو ، أحيانا كان يسمع كلمة ديموقراطية ، وكلمة حرية تترددان على ألسنة الناس ،أعتقد أنه بوصوله إلى قسم البوليس سوف تأتى إليه كل حقوقه، لم يكن يظن أن الأمور هكذا ، لم يستطع أن يذهب إلى الجامع ، فقد كان محطما ، أراد أن يسافر إلى قريته شبلنجة ، يسمع أن له أعمام وأخوال هناك ، ويعرف أن بعض أقاربه مهندسون وأطباء ، ابن عم والده يعمل رئيسا للمحكمة ، لم يسأل عنه أحد من هؤلاء الأقارب منذ زمن بعيد ، تقريبا لا أحد يسأل عنه ،لا أحد مطلقا !! ذرفت الدموع ساخنة من عبنيه عندما كان واقفا فى المحطة ، حاول أن يمسح دموعه بعينيه ، واستدار نصف دائرة ليخبىء دموعه عن الناس ، وفجأة هبط عفريت من عفاريت الإسفلت بميكروباسه إلى جانب الطريق ، صدم صابرا فى ظهره صدمة طرحته أرضا ، والتف الناس حوله... فى لحظات طلب أحد المارة الإسعاف عن طريق الموبايل ، عندما حضرت سيارة الإسعاف كان قد اقترب من لفظ آخر نفس له ، حملته السيارة مسرعة وهى تصدر صوتا أشبه بالنعيق وسط الحزن الذي يبديه بعض المارة ، وحب استطلاعهم و بسملا تهم وتشهداتهم وحوقلاتهم .


السويس –ابريل 2005 نشرت بأخبار الأدب الجمعة 14-10-2005

صورة د.رضا صالح
القسم: 

التعليقات

 
مع انها كلاسيكية اكتر من اللازم لكن
و الله جميله و ممتعه
حقيقة
قاص مميز جدا
محمد الناصح-2
صورة محمد الناصح-2
 
اشكرك يا أخ محمد على قراءتك للقصة ؛كما أحييك على تعليقك الجميل
د.رضا صالح
صورة د.رضا صالح

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات